Ankawa.com
montadayaat montadayaat montadayaat montadayaat
English| عنكاوا |المنتديات |راديو |صور | دردشة | فيديو | أغاني |العاب| اعلانات |البريد | رفع ملفات | البحث | دليل |بطاقات | تعارف | تراتيل| أرشيف|اتصلوا بنا | الرئيسية
أهلا, زائر. الرجاء الدخول أو التسجيل
09:17 20/04/2014

تسجيل الدخول باسم المستخدم، كلمة المرور و مدة الجلسة


بداية تعليمات بحث التقويم دخول تسجيل
  عرض الرسائل
صفحات: [1]
1  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / وفاة "غابو" خالق "مئة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا" في: 18:08 18/04/2014
وفاة "غابو" خالق "مئة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا"

بالأمس فاجئنا نبأ رحيل الروائي الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز، الملقب بـ"غابو" ، صاحب الرواية الأشهر في القرن العشرين "مئة عام من العزلة" ، المولود في اراكاتاكا التابعة لمقاطعة ماجدالينا الكولومبية والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982، في مكسيكو سيتي عن عمر يناهز 87 عاماً.
روايات ماركيز التي أثرت تأثيراً قوياً علی الكتاب في أكثر من موقع جغرافي حملت في طياتها جماليات وخامات سردية قديمة نابعة من التراث الكولومبي الفالتة من الواقع المعيش و ينابيع الأسطورة وطفولة العقل البشري الخارقة لآفاق عجائبية سحرية ميتافيزيقية.
هذا الكاتب العالمي بدأ عمله مراسلاً لصحيفة إلإسبكتادور الكولومبية اليومية (El Espectador) قبل أن يساهم بدوره العظيم في إغناء فن السرد الروائي في العالم الدافع لأدب أمريكا اللاتينية نحو القمة.
في روايته "مئة عام من العزلة" (١٩٦٧) الرائعة ، التي إستغرت مني شخصياً سنوات لقرأتها بسبب (خوسيه اركاديو بوينديا) وهو شخصية رئيسة في الرواية يخلق ماكيز عالم يسبح بين الواقع والخيال ، بشخصيات تتكرر في اسمائها واقدارها ويسافر بنا مع قريته (ماكوندو) ليزرع الاحداث والشخصيات بمنطقية وعبثية ممزوجة ورائعة ثم يمحيها ويقتلها.
الهدف من روايته "مئة عام من العزلة" بنظري هو تعرية الكائن البشري وكشف حقيقتة الباطنه ومشاعره المهيجه الثائرة مهما كان منصبه وجنسه امراة كانت أو رجلاً. أراد الكاتب إيصال القاریء فكرة تقول بأن الزمن لا يسير في خط مستقيم بل في دائرة ، فكلما تلاشت الاحداث من ذاكرتنا اعادها الكون لكن في شخصيات وأزمنة مختلفة وأن الماضي لم يكن سوى كذبة وأن لا عودة للذاكرة وأن كل ربيع يمضي لا يمكن أن يستعاد وأن أعنف حب وأطوله وأبقاه لم يكن في النهاية سوى حقيقة عابرة. غابريل ماركيز كان يردد دوماً بأنه متعلق بشخصيات روایاته حد التعلق ويعزؔ عليه ان يميت شخصية محاولاً أن يبقيها عمر لا ينتهي لتغلبه الشخصية أخيراً وتختار قدرها. رغم أن "مئة عام من العزلة" رائعة مكتوبة بأسلوب بسيط تقودنا نحو نسيان الذات لساعات  وساعات لكنها تمتاز بسمتان لايمكن أن لانراهما ، إحداها هي سمة العزلة التي اتخذها الكاتب عنوانا لروايته والثانية هي حتمية الاحداث. لكن هل ياتری بأن الانسان في هذه الدنيا مسير بالمطلق أو مخير بالمطلق ، أم أنه يعيش بين الاثنين؟ وهل ياتری بأن إشباع الغزائز بلا كبح لايٶثرعلی حياة الإنسان ونجاحه‌ أو أنه بالفعل أمر مقبول من المجتمع؟ 
ماركيز إستمد قوته من الواقع بطريقة غرائبية مشوقة أظهر فيها كمن يمارس الهروب من الواقع نحو واقعية من نوع آخر.
أما روایته "الحب في زمن الكوليرا" بالإسبانية (El amor en los tiempos del cólera)  (١٩٨٥) المليئة بالزخم والأحداث فإنها تربط التباعد بالتنافر. يقدم فیها التحولات في بلده كولومبيا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مكان لا يسميه قرب نهر ماغدالينا. هنا لايسعنا إلا أن نعيد قول الشاعر الإسباني الشهير وعضو الأكاديمية الملكية للفنون، خوسيه كارثيا نيثيو: "إن أهم ما فى رواية الحب فى زمن الكوليرا هو تلك الحيرة التى نجد أنفسنا غارقين فيها منذ بداية الرواية حتى آخرها، والدهشة التى أصابتنا فى رواية مائة عام من العزلة لكفاءتها العالية تصيبنا مجدداً عند قراءة هذه الرواية بالرغم من إنها قادمة من طرق أخرى، هنا كل شىء ممكن، كل شىء يتحرك إلى الممكن ، ويظهر بعد معرفة الأحداث بأنه لم يكن بالإمكان حدوثها بشكل آخر".
روایتە التي تعد واحدة من أفتن ما كتب الإنسان فى تاريخ الأدب عبر كل العصور، تنقل لنا قصة حزينة في وسط حزين ، قصة رجل وامرأة منذ المراهقة وحتى ما بعد بلوغهما السبعين ، استلهمها الكاتب من قصة حب أبيه لأمه ووضع فيها عصارة موهبته وخبرته ومدرسته الأديبة التى أسس لها في النصف الثاني من القرن العشرين.
وختاماً يقول ماركيز: "تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه".
الدكتور سامان سوراني



2  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق بين الخروج من السجن الديكتاتوري والدخول الی سجن الفكر الشمولي في: 16:46 11/04/2014
العراق بين الخروج من السجن الديكتاتوري والدخول الی سجن الفكر الشمولي

مع نهاية الحكم القمعي لنظام البعث في العراق في التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003 كنا نظن بأن بأن العراقيين سوف يتجاوزون مرحلة الإيديولجيات الشمولية و الأصولية ، التي إستمرت لعقود وأن النموذج النخبوي الفاشل ، الذي يشتغل أصحابه بتلفيق النظريات وفبركة الأوهام ونموذج البيروقراطية العاجزة ، الذي يستخدم أصحابه في الإدارة أساليب مستهلكة بائدة تولد إهدار الجهود والأوقات والثروات و النموذج الجهادي القاتل ، التي تصنعه وتصدره الحركات الأصولية الدينية لتحويل المجتمعات الی سجون أو مسالخ ومقابر ، سوف ينطوي و يرمی في مزبلة النسيان ، لكن بعد مرور إحدی عشر عاماً على نهاية حكم الطاغي صدام حسين ، الـدكتاتور الأكثر دموية في الشرق الأوسط الذي حكم العراق لخمس وثلاثين سنة ، نری بأن المكتسبات الأساسية لحقوق الإنسان ، التي كان ينبغي تحقيقها خلال العقد المنصرم ، فشلت بسبب السياسة الهوجاء للطبقة السياسية العراقية الماسكة بزمام السلطة فشلاً ذريعاً وأن العراق تراجع و تخلف وعاد القهقري الی الوراء في واقع كوني سمته الحراك الدائم والتغير المتسارع.
السياسة الإقصائية الفاشلة للسيد نوري المالكي ، الذي يحكم بعقلية التمسك بالسلطة والاستحواذ عليها بالوسائل المشروعة وغير المشروعة ، أوقفت عجلة السير نحو الديمقراطية والإزدهار والإستقرار ونشر الحرية والعدالة وأدخلت العراق في دوامة عنف لم تنته بعد. علی المستوی البشري نری بأن أعمال العنف المتواصلة أدت الی مقتل أكثر من 2400 شخص منذ بداية 2014. أما عدد ضحايا أعمال العنف منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق في 19 مارس/آذار 2003 حسب إحصائية قامت بها منظمة "إيراك بادي كاونت" البريطانية المختصة بالإحصائيات فإنها تبلغ نحو 112 ألف مدني على الأقل قتلوا. إن ظاهرة العنف والهجمات المميتة التي تظهر إزدراءاً لحياة المدنيين مازالت قائمة وأن التدخلات الإقليمية مستباحة ومستمرة وعمل الأجهزة الأمنية القائمة علی أساس العدد وليس الكفاءة مازال يتم وفقاً للإرادات السياسية التي تخضع للعديد من قادة الأحزاب. أما إدارة بعض من الملفات الأمنية العرضة للفساد المالي والرشوة وانعدام المهنية فإنها بيد قيادات من حزب البعث المقبور.
لقد مرؔ عقد من الزمن دون أن يرى العراقيون خدمات عامة ترقى إلى مستوى الطموح الذي شعروا به إثر سقوط النظام البعثي وهم حالمين بأن يصبح العراق الولاية الأميركية الـ51 من حيث الخدمات الأساسية للعيش وتطور البنى التحتية وقطاعات المال والتجارة ليصبح نموذجاً للإزدهار والرقي في المنطقة أسوة بالإمارات وبلدان أخری متطورة. لكن عراق اليوم أشبه بالاتحاد السوفيتي السابق قبيل انهياره وهو اليوم أمام خيار التقسيم أو الحرب الأهلية أو الاتفاق السياسي الشامل الذي لا تؤمن به الكثير من القوى السياسية.
الأحزاب الإسلامية التي عاشت في إيران طيلة ٣٠ عاماً والمتمسكة اليوم بالسلطة ترسخ فكرة الطائفية السياسية ، تعمل تحت المظلة الإيرانية وتمارس المنهج الذي يتوافق مع سياسات إيران في المنطقة وأخری قومية شوفينية لا تحتكم الی الفهم الصحيح للمعادلات القائمة في الوضع السياسي الإقليمي والعالمي.
فغياب دولة المواطنة وإستمرار عمليات التهميش والإقصاء وعدم الإلتزام بقواعد اللعبة الديموقراطية والتخلّـي عن سیاسیة تأزيم الأمور لصالح البحث عن لغة التفاهم والحوار أو الإرتكان الی الدستور لأجل حل المشاكل العالقة مع إقليم كوردستان ينتج بالتأكيد سيناريوهات لمستقبل العراق قد تكون ثورة عارمة علی غرار ثورات الربيع العربي أو إنقلاب عسكري بموافقات دولية ، ناهيك عن حق الإقليم في إعلان إستقلاليتها من تلك الشراكة الملغومة. 
وختاماً: النظر الی العالم ومتغيراته بعين السلب والعداء والغرق في النرجسية الثقافية والتعلق بزعماء وآلهة ليسوا من بناة الحضارة ولا من صناع المعرفة والحداثة والتقدم والتشبث بأفكار و سياسات وعقائد إصطفائية والتفكير بمنطق الإقصاء والإستئصال للمختلف والآخر أو بعقلية الثأر والإنتقام مما هو حديث و وافد خوفاً علی هويات مزورة و ثوابت متحجرة وإحتكار الوصاية علی العدالة والتنمية والحرية وإدعاء إمتلاك الأجوبة النهائية والحلول القصوی للمشكلات يحول المجتمع العراقي الی مجتمع غير منتج ، هزيل ، غير ديمقراطي ويقود العراق مرة أخری الی الدكتاتورية وسجن الفكر الشمولي. 
الدكتور سامان سوراني
 
3  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المالكي بين صناعة الأزمات السياسية وبناء الأسس الدكتاتورية في: 14:11 08/03/2014
المالكي بين صناعة الأزمات السياسية وبناء الأسس الدكتاتورية

علم النفس السياسي كمجال أكاديمي قائم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي يوصف لنا الدكتاتور أو الحاكم المستبد كشخص مريض يری نفسه فوق الناس ، معتبرا نفسه أعلمهم وأفهمهم والناس رعیته وجنده ، يقوم بإستغلال حاجتهم ليلبي حاجته. هدفه هو قولبة الشعب لإطاعته بأفواه مفتوحة أمام كلماته العبقرية المصبوغة بالديماغوغية. والدكتاتور حاكم يملي أفعاله علی الغير ، بإعتبار أقواله وأفعاله نبوغ و إبداع والهام ، ليبرهن سلطته المطلقة ، التي لا تقيده قيود قانونية أو دستورية أو عرفية.
نحن نعرف أيضاً بأن جبن الشعب وميله الی الركون والإنزواء الی الراحة وطلب الأمان علی المجاهرة بالعدل والحق والوقوف في وجه المستبد وأعوانه و بطانته هو الذي يخلق الدكتاتور والشخص المستبد ، الذي يدعي فهم التعليم والسياسة والإقتصاد و الثقافة والأخلاق والأمن.
بالأمس سمعنا المالكي في كلمته الاسبوعية وهو يخاطب البرلمان العراقي بلغة التهديد والوعيد قائلاً بأن "البرلمان ورئیسە خرجوا عن الدستور بتعطيلهم إقرار القوانين" ، لذا يسحب الشرعية عنه. هذا الخطاب يضمن في طياته تدخل في عمل البرلمان ، يعتبره المراقبون السياسيون في المنطقة وأوربا خطوة تمهيدية مكشوفة بإتجاه الدكتاتورية والإستبدادية وضربة قاضية للعملية السياسية في العراق.
أما سياسته العدوانية تجاه شعب كوردستان وتهديداته المستمرة وقيامه بقطع وإيقاف رواتب موظفي إقليم كوردستان فهي من نظر القيادة الكوردستانية بمثابة حرب علی الشعب الكوردستاني وتراجع في المسار الديمقراطي والنظام الإتحادي ومحاولة مكشوفة لهدم التجربة الكوردستانية كسر إرادة شعب كوردستان و سعي في جر العملية السياسية الی الطريق المسدود. 
سیاسة المالكي أو معتقده الإصطفائي يحمل في طياته نظرية ولاية الفقيه فهو يری بأن برنامجه الحزبي أو نصه المقدّس بعد القيام بعسكرة المجتمع وتخصيص ميزانية ضخمة لوزارتي الدفاع والداخلية إذا طبّق فسوف يأتي بالفرج والسعادة لكافة العراقيين وهكذا يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي وعقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل و المآل هو فشل صناعة الحضارة و ممارسة القوة الهادئة.
أما فيما يرتبط بالحملات الإعلامية الأخيرة التي يقودها السيد المالكي بمساعدة مستشاريه البعثيين القدامی ضد إقليم حكومة كوردستان وبالأخص سعيهم لتعبئة الرأي العام العراقي ضد رئيس الإقليم بغية تحجيم دور الإقليم فهي تحولات سلبية تهدف العودة الی ترويض الأفكار و تهيئة الأذهان نحو السبات القومي و الحصون الدينية. هذه التحولات جرّبت في الماضي و كانت محصلتها قيادة حروب ضد شعب كوردستان المسالم و شعوب دول الجوار وصناعة جمهورية الخوف بنهایاتها الكارثية.
نقول في هذا العصر الرقمي المعلوماتي بمعطياته الجديدة و بعد كل هذه التغييرات التي طرأت في العالم العربي و نهوض شعوب المنطقة ضد الحكومات المركزية المستبدة لا يمكن للشعب الكوردستاني أن يقبل بأن يحكمه طغاة كما في السابق يطلون الطغيان برأسهم كلما سنحت لهم الظروف. القيادة الكوردستانية تسعی اليوم في سبيل ترشيد السلطة في العراق وعقلنتها وطرد القوقعة الإصطفائية فيها تلك القوقعة التي تخفي في أعماقها أسرار إحتكار السلطة وممارسة الوكالة الحصرية لأنها تدرك كل الإدراك بأن فيها تكمن الضمانة المثلی من الجور والتعسف و التعريب والتهجير و الأنفلة. فالحكومات التي لا تنزع الی السلم مع كوردستان والی المصلحة العامة في العراق تبقی حكومات أمر واقع أي غير شرعية ظالمة مغتصبة هدفها تذويب المواطنين في ما يشبه بالقطيع بعد ممارسة الرفض والإقصاء ضدهم بهدف إستئصالهم مادياً و إلغاءهم رمزياً ، أما إقليم كوردستان فيری بأنه في عصر تدويل الديمقراطية والإعتراف بحق الشعوب المتساوي في تقرير المصير لا مكان لعقليات وحكومات تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية وسوف يكون له بسبب هذه السياسات الشوفينية فصل المقال.
وختاما نقول: إن قولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد و لا يمكن أن يكون هاجس الحفاظ علی الولاية والسلطة أولی من الحقيقة والعدالة.
الدكتور سامان سوراني
4  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة التفرد والحرب اللاإنساني للمالكي على إقليم كوردستان في: 15:19 02/03/2014
سياسة التفرد والحرب اللاإنساني للمالكي على إقليم كوردستان

 في عام ٢٠٠٣ سقط أحد أصنام الفكر القومي العروبي في المنطقة ، تصورنا بأنه إنقشع حقبة الحكم الشمولي في العراق و تفاءلنا  بتغيير خارطة العلاقات بالمفاهيم والأشياء وقلنا في نفسنا ، لقد حان الوقت لكي تتأنسن الذوات وتذهب الهويات العنصرية المصبوغة بالأصولية المقيتة الی غير رجعة. كنؔا ننتظر من الأحزاب والتيارات السياسية التي تريد أن تكون لاعباً أساسياً علی المسرح العراقي وفاعلاً قوياً في المشهد السياسي  أن تجرّد فلسفتها في الحكم و الإجتماع من كافة الأفكار والعقائد و الصفات والشعائر و الشعارات الميتة أو المستهلكة التي تبقی دوماً عائقاً أمام بلورة صيغة جديدة للوجود أو مشروع للحياة.
أما من الأحزاب والتيارات السياسية التي ذاقت الإضطهاد والممارسات التعسفية اللإنسانية من قبل أيادي الغدر البعثي فكنؔا ننتظر دعم التركيبة الجديدة للعراق ومساندة القضية العادلة لشعب كوردستان و حقه في تقرير المصير أو بناء دولته الكوردستانية المستقلة أسوة بالشعوب الأخری في العالم والعمل علی إنماء الشراكة والمبادلة والتعاون والتضامن في مواجهة القوی التي تنوي خلق الإنسان الأمبريالي الساعي الی نشر أسمائه وصوره أو سلطته بهدف فتح الإمكان أمام الحرب الأهلية المذهبية والقومية و بناء حكومة الشراكة الملغومة.
كل هذه التصورات إصطدمت بالواقع المرير ، فما نراه هو تحرك العراق نحو إنهاض المشاريع الإنفرادية لتشكيل النموذج الديكتاتوري الفردوي و قولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع العراقي لتحويل الناس الی شهداء و ضحايا لدعوات مستحيلة أو لاستراتيجيات لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد بدافع ردع التجربة الديمقراطية في إقليم كوردستان و إزالة الآخر المخلتف المخالف لهذا النهج و إن أمكن سلب حقوقه. إنها حكومة بغداد التي تطبق فقه نوري المالكي. فما يحصل الآن في العراق هو العمل بعقل تقوده القوة الصرفة والمآل هو إما الحمق أو الجنون.  دولة حکومة المالکي تعمل علی إبتزاز حکومة أقلیم کوردستان وتمارس بأساليب غير دستورية حرب إقتصادية ضد حكومة و شعب كوردستان بعد قطع رواتب الموظفين منذ أكثر من شهرين.
فالحصار الإقتصادي وحجب الأموال هي ليست فقط محاولات للضغط علی الإقليم للتخلي عن خطط تصدير النفط من حقوله الی الأسواق العالمية عبر خط أنابيب جديد يمتد إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط ، بل إنها عقوبة تجويع شعب بأكمله ومقدمة لحرب عبثية عدوانية. في السابق عزم المالكي أيضاً خلال التحالف الوطني طرح قانون لتعديل الفدرالية بما يضر باقليم كردستان، مع التنويه بأن القانون الجيد سيقلل من فرص الاقليم ويزيد من صلاحية "المركز"، هذا هو الاستغراق الاستبدادي بعینه والعيش في ثنايا الإرث الدكتاتوري ، الذي يتفق العراقيون جميعاً على رفضه ومحاربته بكونه علامة سوداء من زمن السلطة المطلقة والعدوانية العنصرية للنظام الفاشستي الذي اسقطته الإرادة الدولية قبل أكثر من عشر سنوات.
كيف يمکن بناء الدولة المتحضرة إذا ما لم يحترم أسس الديمقراطية وبنود الدستور من قبل دولة القانون ورئيس الوزراء  والسيد الشهرستاني ، نائب رئيس الوزراء والمسؤول عن الملف النفطي ، الذي يجب أن يکون قدوة للآخرين. إذ من المعلوم بأن ولادة الاستبداد والدكتاتورية مرتبط بانتهاء سلطة القانون . ومن أُعجب برأيه ضلّ وإن خصال المتفرد في الحكم في غير مكان من العالم هو، إنه لا يحسن سوی الخراب والدمار بثوابته المطلقة و أقانيمه المقدسة ، لأن الوحدة لا تقام إلا علی أساس التعددية. والسيد المالكي إذا لا يغير شاشة رؤيته السياسية و لايوقف قراره المجحف الصادر بحق الشعب الكُردي ولا يعيد النظر بالمسلمات والبداهات و لا يعود بأسئلته الی البداية ، ينتج في النهاية بسياستە هذه إستراتيجيات الرفض والإستبعاد وإستئصال الشريك في الحكم التي تترجم عداءً و بغضاً أو نزعات و حروب بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم.
إن محاولة إشاعة عدم الاستقرار بالإقليم لن تخدم الوضع العام بالعراق، كما إن محاولة إثارة المتاعب في طريق تشكيل الحكومة الجديدة بالإقليم وابتزازها لن يقود إلى توطيد الأمن والسلم الداخلي.
شعب إقليم كوردستان يرفض لغة "حافة الحرب" ضد الاقليم وسكانه وسوف يكون له موقفاً صارماً تجاه القرارت والمحاولات الفاشلة لرئیس حکومة بغداد ، لكنه يعرف بأن السيد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كوردستان ، الذي يتمتع بخبرة وحنكة سياسية واحترام وتقدير علی الصعيدين الداخلي والإقليمي والدولي والذي يساهم في ابتكار صيغ حضارية جديدة لإدارة مجتمعتنا الكوردستاني على قاعدة الديمقراطية ، قادرعلی حل الأزمة الحالية والمواضيع العالقة مع الحکومة الاتحادية بأسلوبه الموضوعي الفريد والرافض لعودة حکم الفرد في السلطة. 
و ختاما نقول : الحدث العراقي عام 2003 كان فرصة وجودية فتحت أمام شعب العراق الذي يری نفسه الی الآن أمام التحدي الكبير لكي يثبت جدارته في إعادة بناء بلده بعقل حضاري مدني ومنطق تواصلي تداولي لكن محاولات الديناصورات التي تريد ممارسة وكالتها السياسية و العسكرية والدينية علی العراق الفدرالي بصورة إمبريالية و تعمل علی طغيان العقل الأمني علی الدولة والمجتمع والناس هي المانع الأكبر أمام بناء عراق فيدرلي إتحادي تعددي يصان فيه الدستور ويطبق بنوده. أفكارهم و ممارساتهم تتجلّی جهلاً و نفاقاً و تسلطاً و تخريباً.
الدكتور سامان سوراني

5  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / وظائف بنوك التفكير (Think Tanks) والتخطيط الاستراتيجي وأهمیتها في: 18:43 26/02/2014
وظائف بنوك التفكير (Think Tanks) والتخطيط الاستراتيجي وأهمیتها

إن ما ماتدرج تحت إسم الثينك تانكس أو مراكز البحوث والدراسات السياسية ماهي إلا منظمات غير حكومية أو غير ربحية وفي بعض الأحيان شبه حكومية تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام ، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص.
وليس من الضروري أن تركز بنوك التفكير فقط علی أمور تتعلق بالسياسات الخارجية أو قضايا عالمية  قوم بالبحث في أمور مرتبطة بالسياسات المحلية منها إقتصادية أو بیئیة أو قضايا الطاقة والزراعة.
في مقال سابق لنا تحت عنوان "إقليم كوردستان و دور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي" سردنا تاريخ نشٶء مٶسسات الفكر في الولايات المتحدة الأمريكية وذكرنا الدور الفاعل لبعض مؤسسات الفكر والرأي كمؤسسات أبحاث حول السياسة ، التي تقوم بتقويم السياسات السابقة ، لتضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم أو تقوم بتحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء.
هناك مٶسسات غربية تناولت في السابق وهي مستمرة الی الیوم في تناول القضايا المتعلقة بإقليم كوردستان. لكنە آن الأوان للباحثين الكورد بصفتهم مراقبين مشاركين ، وبالأخص الذين يعيشون في كوردستان ، أن يتناولوا الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الإقليم وينتجوا البحوث المعمّقة الأكثر موضوعية ، كونهم لايعانون أوجه القصور المنهجيّ والثقافيّ واللغويّ التي تعاني منها المؤسّسات الغربيّة. نری من الضروري الإهتمام بمواضيع عامة تشمل الإصلاح السياسي والإداري، والعلاقات الخارجية للأنظمة والقوّة الفاعلة ، وقضايا الأمن ، والأمن القومي ، والاقتصاد و علیهم بالأخص التركيز علی الأزمة السورية و مشكلة الملف النووي الإيراني والدور المستقبلي لكل من تركيا وإيران في المنطقة وكذلك دراسة التغييرات التي تطرأ علی المجتمع والقضايا السكانية والتعليم والصحة والوفيات والجندر، وقضايا الهويّة ، وفرص العمل للخريجين وغيرهم وأسباب البطالة والحركات الاجتماعيّة ودور المجتمع المدني والتّنظيمات المدنية ، والسّياسات الاجتماعية المتكاملة والاندماج الاجتماعي ، والسّياسات الدولية للتّنمية ، ودور المؤسّسات الدوليّة والإسقاطات السكّانية العالميّة. 
أما من ناحية السياسة والدراسة الإعلامية ودورها واستقلاليّتها وملكيّتها ، وصناعة الرّأي العام وتكنولوجيا المعلومات ، فعلیه إجراء دراسات حول كيفية تناول الغرب لقضايا كوردستان وتقييم أداء الإعلام الأقليمي والمحلي. وفي المجال الإقتصادي يجب متابعة الإقتصاد السياسي للإقليم والعراق والمنطقة وفرص التعاون الإقتصادي المشترك ودراسة سياسات البك الدولي و صندوق النقد الدولي و تدفق الرأسمال الأجنبي والاستثمار والتكنولوجيا وتنمية المشاريع والهياكل الأساسيّة الخدميّة.
مراكز البحث يجب أن تهتم بالقضايا البیئية  لحماية الموارد الطبيعية والأمن الغذائي وتقوم أيضا بتقييم سياسات التربية والتعليم بما في ذلك التعليم العالي وأسباب عدم تطوير مستوی التعليم ومناهج التدريس ولغة التدريس.
فالمجتمع الذي يأخذ مسألة الوعي بالتغيير بعين الإعتبار و يحاول زرع هذا الوعي ويعتنی به بشكل مطلق يستطيع الوصول إلى حالة الإدراك المتبادل بين مصاعب الحاضر ومشكلات المستقبل. أما البحث والإستقصاء في القضاء على عوامل التردي التي خلقتها قوى مضادة متغلغلة في دواخل مجتمعاتنا ، وتجد غذاءها من قوى إقليمية و كبرى، فهو سينقذ مجتمعاتنا من ورطاتها التي يتفاقم خطرها يوما بعد آخر. المعلوم هو أنە من الممكن من خلال بنوك الفكر العمل علی خطط تتعلق بالمستقبل ورٶی من أجل المستقبل ومشروع عمل أو خارطة طريق ، لأننا نعيش زمن يتحرك حركة قوية. علینا معرفة المسار والنطاق القيمي ، فنحن بحاجة عمليّة ونظريّة ماسّةٌ للتدقيق في معاني معظم، وربّما كلّ المفاهيم المستخدمة في التعبير عن المعرفة الإنسانيّة عموماً ، وعن تلك المتعلّقة بالشأن السياسي خصوصاً.  ولابد ترك التباكي علی القيم المنهارة أو علی الحداثة الآفلة ، فالإنسانية تشهد اليوم ولادة جديدة مع العصر الرقمي ومن الواضح بأن لكل عصر تقني شكله البشري ونمطه الوجودي، إذن لابد من ظهور فاعل بشري جديد علی المسرح ، الذي يروع الكتل الدينية بتیاراتها ومعسكراتها ويقلل من بريق شعاراتها ورموزها وقيمها.
وللتأكيد علی الأهمية العظمى لدور المعرفة والعلم والعقلانية في عالم السياسة وفي التجارب السياسية الناجحة والمثمرة والمفيدة نعيد هنا قول الحكيم اليوناني أفلاطون (427-428 ق.م \ 347-348 ق.م) في جمهوريته: 
"يا عزيزي غلوكون ، لا يمكن زوال تعاسة الدول ، و شقاء النوع الإنساني ، ما لم يملك الفلاسفة أو يتفلسف الملوك و الحكام ، فلسفة صحيحة تامة. أي ما لم تتحد القوتان السياسية والفلسفية في شخص واحد ، وما لم ينسحب من حلقة الحكم الأشخاص الذين يقتصرون على إحدى هاتين القوتين ، فلا تبرز الجمهورية ... إلى حيز الوجود و لا ترى نور الشمس. والذي حملني على التردد في إبداء الرأي هو شعوري انه يضاد الرأي العام كل المضادة ، لأنه يعسر الاقتناع بأنه وسيلة لحصول الفرد والدولة على السعادة."
الدكتور سامان سوراني
6  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تشكيل حزب سياسي جديد في مدينة كركوك الكوردستانية في: 14:17 23/02/2014
تشكيل حزب سياسي جديد في مدينة كركوك الكوردستانية

بداية لابد أن أذكر الأسباب والدواعي التي أدت الی الكتابة حول فكرة تشكيل حزب سياسي في المدينة الكوردستانية كركوك. ففي العديد من لقاءاتي مع مجموعة من الأصدقاء الكركوكيين القدامی ، أصحاب الرٶی الكوردستانية المعاصرة المهتمين بالفكر والسياسة ، يتم طرح الموضوع المعنون وبحث جوانبە الجدؔية.
فهم يبدون دوماً رغبتهم الشديدة في الدعم المادي والمعنوي لتلك الفكرة ، فيما إذا تم التنظير لە. بعضهم يجاملني ، مادحين مؤهلاتي العلمية القاعدية المتواضعة وقدرتي على التعامل مع العلم والثقافة والسياسة بروح علمية تخضع للعقل والمنطق والتأمل ومازحين بالقول: "لماذا لا تقوم بالتنظير لتشكيل حزب سياسي؟"
إن تشكيل حزب سياسي يمتلك القدرة الفكرية علی قراءة الواقع الكركوكي بإستقلالية تامة والإلمام بالزمانية وإستیعاب المفاعیل الإجتماعية والسياسية وتجنب التعثر والإخفاق في مواجهة المشكلات المزمنة والمتراكمة في مجالات التنمية والمعرفة والسياسة ، بإعتبار المجتمع الكركوكي مٶسسة ثقافية تبنی وتتطور من خلال إنتاج المعاني والقيم والأفكار ومعاصرة هذا العصر الكائن بعد أن تبدل نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ماتغير نظام العالم ومنطق الأشياء، بالطبع هو قضية مهمة.
فالحزب السياسي الحي ، الذي يعيش في جو واقعي ويفهم مختلف التيارات التي تعترك في كركوك ويكون قادراً علی التوافق بين حيويته كحزب والجوهر الثابت من الأمور ويٶمن بحرية التعبير، والاجتماع ، والاعتقاد ، ومنح الفرص للمواطنين بشكل متكافئ ، والتوزيع العادل للثروات ، ومحاربة الجهل والأمية ، وطلب العلم والمعرفة ، ومجانية التعليم والعلاج ، وإستفادة الشعب بشكل مباشر من ثروات المدينة ، وإرجاع الأراضي الكوردستانية المستقطعة الی حضن الإقليم ، والعمل على وحدتها مهمة إنسانية أولاً وواجب وطني ثانیاً. فليكن حزب سياسي يحترم مبادیء الدیمقراطية ولايحتضن أعضاء يعيشون في الماضي بعقائد سياسية تقليدية أو نخب فاشلة وعقليات كسولة وثقافات فقيرة ، بل يحکتم الی المٶسسات ويكسر إحتكار المجال التقليدي لصناعة السياسة وإدارة وتدبير شٶون الحكم ويستطيع تشخيص الواقع العراقي الراهن بتحولاته وصراعاته و صداماته وإخفاقاته وخططه المستقبلية المخيفة بمنهجية لصوغ معادلات وأساليب وآليات.
من الواضح بأن الدستور العراق الفدرالي المستفتي علیه في ١٥ تشرین الثاني عام ٢٠٠٥ قد نص في المادة ٣٧ علی كفالة حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية أو الانضمام إليها دون فرض شروط أو قيود قوية وفعلية على تأسيس الأحزاب السياسية ومن ثم على نشاطاتها ، مما ينعكس على دورها الفاعل في حماية القواعد الدستورية من موقعي الحكم أو المعارضة. إذن تشكيل حزب أو تنظيم سياسي ضمن الشروط المذكورة في الدستور مسألة غير معقدة ، يمكن تحقيقها في فترة قصيرة.
والمادة ٧ - أولاً من هذا الدستور لايحد من تلك الحرية بل يحظر تبني أي كيان لأي نهج عنصري أو إرهابي أو تكفيري أو طائفي أو يحرض أو يروج له. نحن نعتبر هذا الحظر موضوعي و واقعي ، لأنه يفعؔل و ينشؔط دور الأحزاب السياسية ولا يشكل قيداً علی نشاطهم. 
الهدف من تشكيل الحزب السياسي هو فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية وبالتالي تفسير ما يدور بالساحة السياسية كمقدمة ضرورية لاتخاذ القرار بشأن التحرك السياسي الملائم وفتح آفاق العقل للتعامل مع الأحداث بطرق حكيمة وبنظرة واقعية قادرة على تحقيق الأهداف بأفضل النتائج بأقل التكاليف.
ولكي يتمتع الحزب أو التنظيم السياسي بالشخصية الاعتبارية من الناحية القانونية فمن المستحسن أن لايقل عدد طالبي العضوية عن ألفين وخمسمائة عضو كحد أدنى عند تقديم طلب التأسيس ، وعلی ان يكون الأعضاء للمرحلة الحالية من محافظة كركوك.
أما مبادئ واهداف الحزب السياسي الجديد فيجب أن لاتتعارض مع الدستور ويجب أن يتم إختيار قادته على اساس الكفاءة ، لا علی أساس تمييزي للدين او العرق او اللون و أن لا يهدف الحزب ببناء تشكيل عسكري ، وعلیه السعي في سبيل الوصول الی الموقف الواحد بعد رص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية.
إذن نحن هنا إزاء مشروع ، فكراً وعملاً ، يسلط الضوء علی الإمكانات التي تبثق مع العقل التواصلي والعمل المعرفي ، سبراً واستغلالاً ، من أجل التحول من مجتمع النخبة والخاصة أو الرعايا والعامة الی مجتمع المهن والإختصاصات والقطاعات المنتجة والفاعلة ، حيث الأفراد والمجموعات يفكرون ويعملون كفاعلین یتحملون المسٶولية عن تشخيص المشكلات ومعالجتها بقدر ما يسهمون في أعمال التنمية والبناء. والذي يٶمن بالتنوع والإختلاف ويرتهن علی المستقبل و يسعی بجهوده الذاتية لترقية مصلحة كركوك علی أساس مبدأ متفق علیه بين المجتمع الكركوكي للإحتفاظ بالإدارة الشرعية والخروج من الماضي البائس وبٶس المجتمع التقليدي ينجح في مهامه.
فالخروج ينقل المجتمع الكركوكي الی مستوی العصر و يقربه من صناعة الوحدة الكوردستانية وتدبير المصلحة العمومية. إن تحقيق العدالة الاجتماعية بتوفير الحد الادنى للحياة الكريمة التي تلبي كل الحاجيات والرغبات الانسانية الضرورية من غذاء ورعاية صحية وتأهيل تعليمي وسكن إنساني وفرص عمل كريمة يجب أن تكون من أولويات عمل الحزب السياسي بعد تعزيز ثقافة الديموقراطية بين المواطنين وطرح التصورات الواقعية لحل مشكلات المجتمع فى كافة المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والإستراتيجية انطلاقاً من رؤية كركوكية. وهكذا يقع علی عاتق الحزب مسؤوليات جدية في تعرف مشكلات المجتمع الفعلية على نحو موضوعي وتفصيلي ، وتعرف اتجاهات الرأي العام إزاء كل منها، وسبل معالجتها.
الحزب السياسي المعاصر يجب أن يتبنى مفهوم الديمقراطية بأوسع معنى لها، ويعني هذا بصفة خاصة أن الديمقراطية ، حكم الشعب ونفاذ إرادته ، هي القيمة السياسية العليا التي لا تخضع لأية قيود ، والعمل على بناء مؤسسات تضمن سلامة ومشروعية الحكم ، والإنتقال الآمن للسلطة ، وتحقق استقرار العمل العام بما يحقق التداول الطبيعي للسلطة بين التيارات والأحزاب.
ومن المعلوم بأن حيادية مؤسسات الحكومية هي الصمام الرئيسي لسير العملية الديمقراطية بشكل سليم. فالتوجه نحو اللامركزية في إدارة المؤسسات مع المرونة اللازمة لتنوع برامجها ومساعدة المواطنين على إتخاذ القرارات و تعليمهم أساليب أبداء الرأي في كل قضية تحتاج إلى آرائهم حتى يتم إتخاذ قرار سليم بشأنها ، یجب أن يدخل في إطار برامج الحزب.
بالطبع هناك نقاط ومحاور أساسية أخری يمكن أن تطرح بالتفصيل كرؤية الحزب الشاملة وبرنامجه وخاصة محاور السياسة الخارجية والأمن القومي والقضايا الداخلية والإقتصاد والإجتماع والتربية والتعليم والإعلام ومسائل إحترام حقوق الإنسان والحفاظ علی البیئة من التلوث وغيرها ، لكننا هنا أردنا بإختصار أن نشير الی طرح موضوع ضرورة تشكيل حزب سياسي معاصر يخدم قضية كركوك. 
وختاماً: "الحزب السياسي هو البرنامج لا العقيدة. البرنامج الذي يستمد قيمته ومشروعيته ومصداقيته من الجدوى والإنجاز؛ أي من إجابته عن أسئلة الواقع ، بخلاف الحزب الأيديولوجي الذي هو عقيدة ثابتة تستمد قيمتها ومشروعيتها ومصداقيتها من ذاتها فحسب. وفي البرنامج لا شيء ثابت ولا شيء نهائي ولا شيء مطلق ولا شيء يقيني ولا شيء مقدس؛ كل شيء قابل للنقد والمراجعة والتدقيق والتصويب والحذف والتعديل ، بخلاف الأيديولوجية على خط مستقيم."
الدكتور سامان سوراني



7  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جذور الإرهاب الفكري والنزعة الإرهابية في الشرق الأوسط في: 21:19 19/02/2014
جذور الإرهاب الفكري والنزعة الإرهابية في الشرق الأوسط

من الواضح بأن العامل الذي يحد من عملية الإبداع الفكري و يقوي سلطة الرقيب عند الفرد الشرق الأوسطي ، الذي يقضي في أغلب الأحيان طول أو نصف عمرە في بلد ما بشكل إجباري لا يتمتع بالحرية والوعي بل يعيش الظلم والإستبداد والإرهاب الفكري الهادف الی إفساد كل معتقد أو سلوك باستخدام الوسائل والأساليب المعنوية التي تخلّ بأمن واستقرار البلد و تؤثر بشكل سلبي على المواطنين ، هو بذور التخلف والتردي التي يحمله الإنسان تحت طيات جلده وفي جيناته الوراثية. فإذا بالشخصية تنجب التقوقع والنزوع الی الباطنية وبالنهاية الی التخلف من الناحيتين الثقافية والحضارية.
دول شرق أوسطية تنظم وتقاد من قبل عناصر ومٶسسات ديكتاتورية لا ينشغل معظمها بحقوق الانسان والديموقراطية الا بالمقدار نفسه الذي يشغل الإرهابي السلفي ، الذي لايملك معنى ثابت او جدول عمل أو محتوى سياسي. فكيف بتحقيق أحلام الفيلسوف التنوير الألماني إيمانوئیل كانت (١٧٢٤-١٨٠٤) ، الذي جاهد بأفكاره في سبيل المواطنة العالمية والحق العالمي الشامل ومفهوم "الجماعة الكونية" و تطبيق أدوات دبلوماسية كالحوار السياسي أو الفلسفي ، التي هي في صميم كل استراتيجية دبلوماسية؟
وكم من مرات شاهدنا فيها محاولات من قبل جهات قمعية لتدجين صاحب الرأي الآخر وتحويله الی ببغاء يردد مايقال له من كلام غير مفيد أو يصلي خلف "الإمام" ، يقوم و يرکع و يسجد مثله ويكرر ما يقوله ، كالروبوت (إنترنسينالسم) أو ما يسمى بالعربية بالإنسان الآلي. وهنا لا أريد أن أدخل في المٶثرات الجانبية للإرهاب الدموي اليومي المتجسد بمشاهد القتل والاغتيال والإبادة والتّفجير والتّخريب والتّدمير والاعتقال والإذلال والظّلم ، التي تزرع الخوف والهلع في النفوس وتجعل الإحساس المستمر بالقلق وإنعدام الأمن والأمان صاحباً ملازماً للإنسان. والمآل هو دوماً بعكس الإدعاء ، فالمجريات تفضح الدعوات و النتائج تنقض المقدمارت ، والحصاد هو تخريب البیئة الإنسانية وقطع العلاقة مع الأرض والتاريخ والذاكرة.
إن عدم إتاحة الفرصة للتعبير عن الفكر دون تردد أو قلق يجعل التربة خصبة لنشوء كل أنواع الإرهاب بدءاً بإرهاب الدولة وإنتهاءاً بالإرهاب الاقتصادي والاجتماعي والفكري. إن المدافعة عن الهوية والثوابت أو عن الحقيقة والعقلانية والحرية بعقلية المناضلة تٶدي الی الفشل في النضال والی خسارة القضايا.
والسذاجة هنا تكمن في أن الفرد الشرق الأوسطي ينتظر الخلاص والإنقاذ ممن لا يحسن الإنتصار إلا علی شعبه و مواطنيه ، كما أثبتت التجارب ، حيث كان الشعب ينتظر من هذا القائد أو ذاك النصر والظفر ، فإذا النتيجة أنظمة للسيطرة ومجتمعات معسكرة ونماذج للتنمية غير فعالة. ومن يحسب الهزيمة نصراً والمشكلة حلاً يقفز فوق جذور المشكلات والأزمات ، لكي يمارس طقوس الإستنكار للعدوان ولكي يصنع قيود الفقر وأدوات الرعب والملاحقة.
الفرد الغربي علی العكس منؔا يخضع أفكاره وثوابته للدرس والتحليل وبه يخلق لغات مفهومية وأطر نظرية أو مباديء إستراتيجية ، يجدد معها الوجهة والعدة أو المهمة والطريقة ، يتغير و يسهم في تغيير العالم. أين الفرد الشرق الأوسطي من كل هذا؟ 
من المعلوم من أن زوال الآثار النفسيّة للإرهاب من حياة الإنسان مرتبط جوهرياً بزوال الإرهاب نفسه ، لذا نری من الضروري أن تتضافر كافة الجهود للتّخلّص منه وذلك بإشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر والعمل علی محو مفاهيم الاستبداد في المجتمع ، التي أصبحت ثقافة سائدة في السياسة والدين ، والبيت ، والشارع ، والجامعة ، وفي كل نواحي الحياة وكذلك مكافحة المفاهيم السلبية الخاطئة في نفوس البشر ، التي تٶدي في النهاية الی قمع الإبداع الفكري والصمت على الظلم والفساد و إكراه الذي يريد العيش بكرامة و الحقد علی المثقف والمفكر بتكفیره.
وختاماً: "الأفكار ليست أيقونات للتعبد ولا هي متحجرات نعود بها إلى الوراء ، من ينظر الیها بهذا الشكل يساهم في إنتاج البٶس والوحشية والدمار. علينا إذن في عصر العولمة والوسائط ترسيخ مبادیء تربوية تٶدي الی التخلي من دور الإنسان المتأله أو الوصي أو صاحب الدور الرسولي النبوي، نحو الفرد البشري الذي يتعامل مع نفسه بوصفه وسيطاً لا أكثر، وذلك من منطق المسؤولية المتبادلة والشراكة في صناعة الحياة والحفاظ على المصير."
الدكتور سامان سوراني
8  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة حكومة إقليم كوردستان وخصائص السياسة الأمريكية في: 17:26 18/02/2014
سياسة حكومة إقليم كوردستان وخصائص السياسة الأمريكية 

للسياسة الأمريكية خصائص تستند إلى نظريات تشتق من الواقع الجيو-استراتيجي والمصالح الحيوية في أقليم أو منطقة جغرافية ما. ومن أهم هذه الخصائص أنها تعتمد على الحلفاء الإقليميين والمحليين في تأمين مصالحها. وعندما يتحول حليف من حلفاءها إلى حالة مستعصية ، أو عندما يصبح عبئاً عليها سواء لأنه فقد دوره أو لأنه يتعرض لخطر الإسقاط ، فأنها تغدر به و تتخلی عنه بسرعة البرق لصالح البديل الجديد والقوي.
وفيما يخص حكومة إقليم كوردستان ، فإنها تمثل الشعب الكوردستاني وهي منتخبة من قبلها ، لذلك فهي لاتملك المغامرة بمستقبلها السياسي بتفاهمات خاصة مع الولايات المتحدة بعيداً عن مصالح الشعب الكوردستاني وبعيداً عن الشفافية وهذا ما يوجه صانع القرار الأمريكي إلى تغيير فلسفة التعامل والتفاوض مع القيادة الكوردستانية لتكون تفاهمات بين شعوب وليس بين حكام. فنشر الديمقراطية يجب أن يتم عبر الدبلوماسية ، مثل تنظيم شراكات مٶيدة للديمقراطية ، وعبر دبلوماسية الرأي العام.
في إقليم كوردستان نری بأن الطلب علی الديمقراطية و الإصلاح هو طلب داخلي ، لأن الشعب يری بأن العالم المليء بالديمقراطية هو عالم الأكثر إحتمالاً ليكون عالم إزدهار إقتصادي و سلام من عالم مليء بالديكتاتوريات.
أما العمل علی نشر الديمقراطية فهو عمل طويل الأمد ويعتمد علی الفرص ويتعين علیه أن ينتظر النضج التدريجي لتكون الظروف السياسية والاقتصادية مٶثرة.
والعمل من أجل إنجاح التجارب المستقبلية وولادة الإنسجام المصيري بين حكومة الإقليم والمجتمع الكوردستاني يحتاج الی التضامن والتكتل لرسم خريطة إتحادية معاصرة وصناعة إرادة كوردستانية قادرة علی إعادة الهیكلة السياسية.
المجتمع الكوردستاني أنتابه في السابق تیارات الإنقسام والصراعات المحلية والخلافات الجهوية والعشائرية ، التي كانت عوامل أساسية في فتح ثغرات خطيرة ، ينفُذ من خلالها العدو الرافض لحقوق الكورد المسلوبة. والتحرك الرسمي من أجل التغيير نحو المستقبل، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة الوعي بذلك التغيير، ومحاولة زرعه ، والعناية به عناية مطلقة، كي يصل هذا المجتمع إلى حالة الإدراك المتبادل بين مصاعب الحاضر ومشكلات المستقبل.

من الواضح بأن أمريكا غير قادرة على منع حركة التاريخ باتجاه التغيير في المنطقة ، ما يدفعها إلى التفكير ببرنامج التعايش والتعاون بدل الصدام مع الحكومات الجديدة وقواها السياسية. ودبلوماسية التغيير و التحول الديمقراطي جاءت في مقدمة سياسات البيت الأبيض، على الأقل على مستوى الأقوال. بالرغم من أن الكورد عانوا الظلم و الإستبداد والإقصاء علی أيدي الذين  موطنهم و ساندوا الغير ليحکمونهم إحتلالاً ، و بالرغم من أن الكورد هم المجموعة العرقية الأعظم عدداً بغير دولة مستقلة معترفة بها دولياً تجمعهم ، فأن القيادة الكوردستانية تسعی ببرنامجها السياسي السلمي جاهداً لتثبت للمنطقة والعالم بأن خطواتها تتسم بالحكمة تنیر درب الديمقراطية علی أرضها.
الشعب الكوردستاني يتمتع بفضل هذه السياسة بأعلى مستويات المعيشة وإقليم كوردستان يتمتع بأفضل معدلات الاستثمار الأجنبي والاستقرار الأمني في العراق والمنطقة.
لقد تمكنت حكومة إقليم كوردستان رغم التجربة الغير طويلة في إدارة الحكم استخدام اسلوب القوة الناعمة في التعامل مع جميع الاطراف وتجنب التصعيد والمواجهات و إستطاعت رغم التحديات الجسيمة اضفاء الطابع الديمقراطي على الحكم من خلال تأسيس عقد اجتماعي جديد بينها وبین المجتمع لتكون فيه المواطنة محور الرابطة  بين الإقليم ومواطنيها ، إستناداً علی احترام حقوق الانسان ، واقرار التعددية السياسية والفكرية ومبدأ الفصل بين السلطات ، والسماح لمختلف القوى والتكوينات الاجتماعية من التعبير عن مصالحها وايصال مطالبها عبر القنوات الشرعية ، وضمان مشاركتها في مؤسسات الأقليم وهياكلها بصورة فعالة ، وافساح المجال امام نمو المجتمع المدني وتوفير متطلبات المشاركة السياسية ، واحترام استقلال السلطة القضائية و إقرار التداول السلمي للسلطة بحسب الارادة الشعبية.
وما المحاولات الماراثونية من قبل الأحزاب السياسية الرئیسیة الفائزة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة لتشكيل حكومة ذات قاعدة موسعة تضم جميع القوى ليكون بمقدروها تقديم خدمات افضل وتعكس ارادة جميع مكونات الشعب ، بالإضافة الی اتخاذ القرارات الوطنية المصيرية و الحفاظ علی المصلحة الوطنية والنسيج السياسي والاجتماعي للمجتمع عن طريق حوار بناء ومثمر إلا دلیل علی مانقول.
وختاماً: "إن هویتنا ليست مانتذكرە ونحافظ علیه أو ندافع عنه. إنها بالأحری ما ننجزه و نحسن أداءه ، أي ما نصنعه بأنفسنا وبالعالم ، من خلال علاقاتنا ومبادلاتنا مع الغير."
الدكتور سامان سوراني
9  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الأختام الأصولية واللامعقول الديني في العراق والشام في: 11:56 06/01/2014
الأختام الأصولية واللامعقول الديني في العراق والشام

لقد بات الإرهاب ، الذي إتخذ اليوم طابعاً يضيف الى القدرة على الظلم النزعة الى الإذلال ، ظلؔ يلازم الأنظمة بعد أن إنتشرعالمياً وتوغل الی أعماق الثقافات التي تحاربه. فهو مشكلة معقدة ونزعة تدميرية ومرض فتاك لايكفي لمكافحته وإخماد ناره الإكتفاء بالإدانة الأخلاقية ونشر بيانات الشجب عن طريق الوسائل الإعلامية المزدوجة ، التي تغازل الدعوة الی اللاأنسنة بإسم الدعوة الی المثل العليا والقيم السامية ، بل بإيجاد تدابير تجتثه من جذوره ، كإنهاء المركزيات الإثنية والدينية والإيديولوجيات التي تهمش تضامن الأفراد و حسن التعايش ضمن منظور ايكولوجي ايطيقي. أصحاب المواقف القصوی والثنائیات العقيمة والخانقة والتنظيمات الباطنية المسلحة لاتحترم الخصوصيات القومية والثقافات المغايرة ، بل تنادي بالإنغلاق الديني والعقل الأحادي الی الإستبعاد والتضاد وتعمل من أجل تطور لامتكافیء بين الدول والشعوب والثقافات.
في عالم الصيرورة والتحوؔل وعصر الإعتماد المتبادل لايمكن أن يتم تشكيل الهوية البشرية بالتعسف والشطط أو بهدم التوازن بين الروح والجسد وبين الفكر والمادة وبين الأخلاق والسياسة أو بإحالة الجماعات الی أدوات وأرقام ، أو الی قطعان بشرية تجري تعبئتها وقولبتها لممارسة العدوان وشن الحروب ، تحت شعارات دينية أو مشاريع التحرر. 
الأسلمة ليست الحل أو المخرج كما تدعي الجماعات الإرهابية ، بل هي المأزق والعائق وهذا ما يمكن قرأته وإستنتاجه من عمل الداعية التراثي أو الجهادي الأصولي ، الذي يتعامل مع الشأن الديني من زاوية التوظيف السياسي ويعمل بذهنية التحريم و يميل الی تغليب الحقيقة الواحدة على نسبية المعرفة أو إقصاء المغايرين وتكفير المخالفين ولايتسامح مع الآراء المتعددة ويرفض التنوع في الأفكار.
للتحرر من الإرهاب ، الذي لايميز بین مذنب وبريء أو بین مدني وعسكري أو بين آمن ومحارب ، علینا أن ندرك الحدود الفاصلة بين المعرفة والمصلحة والقيام بإيجاد علاقة ضرورية بين التلعليم والتربية و بناء مشروع فلسفي لعقلنة الواقع وإدراك حدود هذه العقلنة. أما الحوار السلمي شرط امكان قيام سلم دائم بالنسبة للدول والشعوب والخضوع الی الخيار العقلاني وحكمة المنطق والفعل التواصلي في الفضاءات العمومية من الشروط الضرورية لتجاوز العنف ، ومن لا يقدر علی الحوار ولايجعل من العلاقة التعادلية المنفتحة أساس للإنطلاق ، ينحو نحو منطق الإقصاء الذي لايولد إلا المعارض العدو اللدود.
الأختام الأصولية واللامعقول الديني هي آفة أو ظاهرة متفشية وثمرة من ثمرات الثقافة الدينية الرائجة بمرجعیاتها ورموزها وتعالیمها ، كما بفتاواها وأخطاباتها وأحكامها. فالذي يدين سواه بوصفه غير متديؔن أو لاينطلق من منطلقات دينية ، إنما يفكر بعقلية إرهابية ، هي نفس العقلية التي يعمل أصحابها علی تفجير المدارس أو المطاعم أو المساجد أو الأسواق المكتظة بأجساد الآمنين والأبرياء وهي نفس العقلية التي تسعی في كل من العراق وسوريا الی تعزيز مناطق النفوذ وإقامة دولة تسمی بـ"الإسلامية" علی جانبي الحدود العراقية -السورية.
هٶلاء بدعاواهم المزيفة يزعمون بأنهم يسعون مخلصين الی خدمة دين الله وشريعته ، دعاوی تخرقها وتخرمها دوماً الوسواس والهواجس والشبه والشكوك والأهواء والأطماع. هٶلاء ينتهكون القيم والمبادیء والأحكام التي تتعلق بالعدل والحق. أمراء تلك الجماعات الإرهابية نصبوا أنفسهم وكلاء علی سواهم ، يدعون أنهم وحدهم دون سواهم ينطقون بإسم الله ويسيرون علی الصراط المستقيم. إنهم بحق أسلحة الدمار الشامل ، التي صنعتها الثقافات الدينية المزدوجة علی مدی عقود من الزمن. إنهم من صنع الوهم القاتل المزروع في العقول ، يعتبرون أنفسهم أهل الفرقة الناجية ، الذين أصطفاهم ربهم لكي يختم الوحي علی يدهم وبلغهم آخر ماعنده من رسائل وتعاليم وقرارات. وهكذا أصبحوا آلهة فعلية لارمزية ، مفردات قوامیسهم لاتحتوي علی الإهمال والتمهل ، العفو والغفران ، إنهم يعاقبون قبل اليوم الموعود ، بإستخدام وسائل الرعب وآليات الدمار، لكي تحيل الحياة في العراق والشام الی جحيم لايطاق أو لكي تتحول هواجس الهوية الی فخ يلغم العيش المشترك ويزيد المسلمين عزلة.
وختاماً: "التعصب لايمارس من خارج الدين أو ضد مبادئه ، بل هو صناعة دينية تماماً كما الإرهاب ليس خططاً شيطانية ، بقدر ماهو صناعة بشرية.
الدكتور سامان سوراني

10  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان ودور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي في: 10:53 22/12/2013
إقليم كوردستان ودور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي

من الواضح بأن للمعرفة كقوة تأثيرعلى السلطة وأن السلطة من جانبها توظف المعرفة لتحقيق السيطرة وضمان المصالح. وهذا ما قاد الدول و جهات إلى الاهتمام بإقامة مراكز الأبحاث القادرة على إنتاج العديد من المشاريع الإستراتيجية الفاعلة علی المستويات السياسية والإقتصادية والعسكرية ،  بل وحتی الإجتماعية والثقافية ، تُستخدم لصنع السياسة والتأثير علی الرأي العام وصناع السياسة. هذه المراكز أصبحت اليوم من خلال النشاطات العلمية التي تقوم بها ، من الأبحاث والمؤتمرات والإصدارات الدورية والكتب والمنشورات التي تنشرها واحدة من المرتكزات الأساسية لإنتاج المعرفة والتفكير العام في الدولة ، تعطي للمختصين وصانعي القرار في الدولة أو في القطاع الخاص بدائل يمكن أن يختاروا أفضلها و تقدم في بعض الأحيان البديل الوحيد ، الذي لابد من الاعتماد عليه في مواجهة التطورات والأحداث المتسارعة.   
في بعض البلدان كالولایات المتحدة الأمريكية مثلاً نری أن مراكز الأبحاث أو مايسمی ببنوك التفكير أو think – tanks هي في الغالب مٶسسات تعلن عن نفسها علی أنها منظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية ، تحمل أسماء و تعريفات مختلفة و تطلق في بعض الأحيان على نفسها اسم (مؤسسة foundation) أو (معهد institute) أو (الصندوق fund) أو (الوقف endowment) تقع تحت قطاع ذو نفوذ يتمتع بدور أساس في عملية صنع القرار ، وهي غير مؤسسات اللوبي. 
من منؔا لا يتذكر مدی دور وتأثير نظریتين سياسيتين نشرتا في نهايات القرن العشرين وهما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" لفرانسيس فوكوياما و "صدام الحضارات" لصاموئيل هنتنجتون، كانتا نتاج الثقافة والفكر الأمريكي النابعة من مراكز الأبحاث والأفكار والمعارف المدعومة من قبل قوة الدولة الأمريكية. 
في إقليم كوردستان هناك عدد قليل من مراكز للبحوث والدراسات الإستراتيجية ، لانعرف إن كانت فاعلة أم لا ولا نعرف أيضا إن كانت هذه المراكز تقوم بتقويم السياسات السابقة ، لتضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم أو تقوم بتحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء على حد سواء ، فيما يتعلق بمصالح إقليم كوردستان ومكانتها الإقليمية الخاصةً؟
سٶالنا بالتحديد هو ، هل هذه المراكز تقوم بطرح أفكار وآراء جديدة ، وتقترح السياسات البديلة ، خلال المدة التي تسبق مباشرة انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى ، أو بعد حدوث حوادث إقليمية أو بروز ظواهر جديدة أو مستجدات كقضايا الإرهاب مثلاً ، لكي تكون تلك الأفكار والمقترحات تحت تصرف صانعي القرار السياسي الجدد ، و هل تقوم بتزويد الإدارات المتتابعة والأجهزة المختلفة بالخبراء أو تقدم المشورة والنصح لأجهزة مؤسسات الدولة أحياناً بناءً على طلب تلك الأجهزة وهل تفتح دورات تدريبية للجيل الصاعد من القيادات الفكرية والسياسية ليكون جاهزاً لتسلم الإدارات السياسية العامة للدولة؟
فمن خلال عقد الندوات والمٶتمرات ونشر الكتب والدرسات وإصدار النشرات والمجلات أو التقارير وتقديم التحليلات عن طريق الإنترنت لتبرير سياسات معينة أو نقدها أو لترويچ أفكار عصرية سوف تكون لها تأثير في الرأي العام وفي صنع السياسة والقرار السياسي.
إن تنمية القدرات التراكمية في مجالات الفكر والسياسة والإعلام سوف تجسد الذاکرة الجماعية لشعب كوردستان و تبلور مواقفها ومصالحها. 
لايخفی أن مؤسسات الفكر والرأي كمؤسسات أبحاث حول السياسة لها تاريخ المائة عام في البلدان المتطورة ، فمثلا مٶسسة "بروكينغز" ، التي أنشأت عام ١٩٢٧ بعد إندماج مٶسسات فكرية أمثال "معهد الأبحاث الحكومية" لتصبح أيقونة في واشطن أو مؤسسة “راند كوربوريشن” لتعزيز وحماية مصالح الولايات المتحدة الأمنية خلال العصر الذري.
هذه المٶسسات الفكرية كانت ملتزمة بتطبيق خبراتها العلمية على حشد من القضايا السياسية ومع ذلك كانت ترغب في البقاء بعيداً عن العملية السياسية انطلاقاً من التزامها الاحتفاظ باستقلاليتها الفكرية والمؤسساتية. فهدفهم الأول لم يكن التأثير المباشر على القرارات السياسية، بل مساعدة وإعلام صانعي السياسة والجمهور بخصوص العواقب المحتملة عن طريق إرساء الأسس الفكرية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية للبرامج والسياسات الرئيسة لاتباع مجموعة من الخيارات في السياسة الخارجية.
الأجدی في زمن الأعداد والعلامات و تضاعف العالم المحسوس من خلال الشبكات والبيات الإلكترونية ، التي هي أوهن من خيط العنكبوت أن نرحب بجهود القطاعات النشطة والواعية والمثقفة في إقليم كوردستان ، التي تنوي إنشاء مراكز التفكير والأبحاث بعيداً عن الإرتجالية في الأداء أو الأحادية في النظرة والتناول ، بعد تحليل الواقع المعاش ، انطلاقاً نحو تقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد أو بتطوير الواقع الحالي إلى مستوى أفضل بما يخدم أهداف ومصالح إقليم كوردستان وأمنه القومي ، وفق مرجعيات أكاديمية راسخة ، لتشارك من خلالها في صنع السياسة العامة للإقليم بعيداً عن الأطر حكومية.
وختاماً: من لايقرأ مايحدث لا يحسن التعامل معه والمشاركة في صنعه. فالعولمة كحدث كوني ذو بعد وجودي خلقت واقعاً تغير معه العالم عما كان علیه بجغرافيته وحركته ، بنظامه وآليات إشتغاله ، بإمكاناته و آفاقه المحتملة. فالإهتمام بجمع البيانات والمعلومات وتوثيقها وتخزينها وتحلیلها بالطرق العلمية الحديثة ، والتعاون مع أجهزة إقليم كوردستان ومٶسساته المختلفة في مجالات الدراسات والبحوث المعرفية سوف تساهم بشكل فعال في دفع العملية التنموية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية في الإقليم .
الدكتور سامان سوراني

11  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أفخاخ النوايا وشروخات وحدة الأحزاب الكوردستانية في كركوك في: 12:08 14/12/2013
أفخاخ النوايا وشروخات وحدة الأحزاب الكوردستانية في كركوك

قبل أيام أفرحنا نبأ وصول الكتل الكوردستانية الی إتفاق علی خوض الانتخابات البرلمانية (انتخابات مجلس النواب العراقي) في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان بقائمة واحدة. لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً بسبب فشل ممثلي تلك الکتل أمام التجربة الأولی وإعلان البعض منهم بالإنسحاب من "قائمة كركوك كوردستانية" لأسباب قد لاترضي ولا تقنع الفرد الكوردستاني الحالم بإتحاد المناطق المستقطعة من كوردستان مع الإقليم ، إتحاد من الممكن أن تٶدي في المستقبل القريب  الی بناء الدولة الكوردستانية المستقلة. 
بالرغم من تنامي الإحتكام الی المٶسسات وكسر إحتكار المجال التقليدي لصناعة السياسة وإدارة وتدبير شٶون الحكم في إقليم كوردستان والسعي الدٶوب من قبل أصحاب الرٶی الكوردستانية المعاصرة الی إضعاف تقاليد الفردية والمزاجية في إدارة السلطة لتكوين الرأي العام الفاعل والقوي علی نحو تدريجي وتزايد المشاركة السياسية مع تزايد السلطة المادية والرمزية للصحافة وقوی المجتمع المدني في مختلف قضايا الشأن العام ، نری وللأسف عدم قدرة ممثلي الأحزاب الكوردية في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان في قراءة المجريات وتشخيص الواقع العراقي الراهن بتحولاته وصراعاته و صداماته وإخفاقاته و خططه المستقبلية المخيفة بمنهجية لصوغ معادلات وأساليب وآليات. رهانهم هو الإستمرار علی نفس النهج أو بنفس المنطق الذي أنتج في السابق العجز والفقر أو أفضی الی المآسي والكوارث.
العارف بتاريخه السياسي يفهم ما نعنیه هنا. لأنه إذا لم نشأ تفويت الفرص كما فعلنا في التجارب السابقة ، فالفرصة هي الآن سانحة أمامنا للخروج من المأزق ، بالإنخراط في موجة الإستراتيجيات السياسية الجديدة. علينا الآن إذن إطلاق وتشغيل قوانا الحية والخلاقة التي تكبحها عقائد سياسية تقليدية ونخب فاشلة وعقليات كسولة وثقافات فقيرة. والتركيز علی الفرد يستبعد العمل المٶسسي و يستبعد الحوار الديمقراطي والسلوك العقلاني. 
نحن لا نقرأ السياسة من خلال أخبار اليوم ولا نتهیج بتصريحات مفتعلة من قبل من يدؔعون بأنهم يمتلكون مفاتيح الحلول السياسية ، فإختلاق الارتزاق السياسي والرغبة السلطوية الجامحة تزج بالعصبيات في العمل السياسي وتخرج السياسة عن قواعدها الطبيعية ، لتتحول إلى حرب إفناء ، وإلغاء واستنزاف متبادل ، وتشتيت لجهود أفراد المجتمع، وإحداث التفرقة فيما بينهم.
نحن نری في التنوع والإختلاف قوة وسرؔ تقدم المجتمعات. فالأمم التي تقبل حالة الاختلاف  والتنوع تستطيع أن تؤسس أوطاناً وشعوباً قادرة على صناعة حاضرها ومستقبلها. نحن لسنا ضد الإختلاف والتنوع ومهمتنا تكمن في تخليص مجتمعنا الكوردستاني من الإرتهان للماضي الی الإرتهان علی المستقبل.  والسباحة في المياه العكرة بإفخاخ النوايا وشروخات في الصف الوحدوي لا تجدي نفعاً ، علیه الخروج من الماضي البائس وبٶس المجتمع التقليدي ، لأن الخروج ينقلنا الی مستوی العصر.
إن عقلنة السياسة يعني إتاحة الفرصة لأهل السياسة أن يديروا خلافاتهم بطريقة عقلانية سلمية تفاوضية مثمرة بعيداً عن التحاور بلغة التخوين والمٶامرة ، فمن لا يقوم بإخضاع هويته الوجودية ، سواء أكانت تلك الهوية سياسية أم ثقافية ، للنقد والتشريح والتفكيك والتعرية لا يستطيع أن يخرج من مأزقه الوجودي أو يبتكر إمكانيات وجودية يتغير بها عن ما هوعليه أويغير قواعد اللعبة بينه وبين الآخر.
علی الكتل السياسية الكوردستانية التي تعمل في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة الإقليم أن تعلم بأن السياسة يجب أن تٶدي الی فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية وبالتالي تفسير ما يدور بالساحة السياسية كمقدمة ضرورية لاتخاذ القرار بشأن التحرك السياسي الملائم وفتح آفاق العقل للتعامل مع الأحداث بطرق حكيمة وبنظرة واقعية قادرة على تحقيق الأهداف بأفضل النتائج بأقل التكاليف. الموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية ضرورة يجب التمسك بها في مواجهة التحديات المستقبلية وعلی النخبة المثقفة الحزبية والمستقلة في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة الإقليم تشكيل لجان عمل مشتركة من أجل إتحاد الكيانات الكوردستانية ودفعهم نحو معترك الإنتخابات بقائمة تعکس وحدة وإرادة الشعب الكوردستاني في تلك المناطق.
وختاماً: الرهان وسط كل المخاوف والمخاطر المحدقة بمصير ومستقبل المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم هو كيف نصنع الوحدة الکوردستانية وندبر المصلحة العمومية ، لأنه لا وجود لإدارة أو تدبير من دون تغيير يطال أطر النظر أو وسائل العمل بوجه من الوجوه ، سواء تعلق الأمر بالإنتخابات والنهوض أو التحديث والتطوير في سبيل الإستقلال.
الدکتور سامان سوراني

12  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الفلسفة الوجودية بين إقتحام المجال السياسي ومكافحة الشمولية في: 17:31 10/12/2013
الفلسفة الوجودية بين إقتحام المجال السياسي ومكافحة الشمولية

بالرغم من أن الوجودية ولدت في ذروة التمثل والتمرس الفلسفيين ، إلا أنها باتت أكثر قبولاً لدی عامة الناس مما هي لدی الفلاسفة وصارت كتیار تحمل عناصر وجوانب عدة تمس مطالب الناس وحاجاتهم وهمومهم وهكذا إبتعدت عن المذهب الفلسفي وغدت موقفاً بلا ضفاف يصعب تحديده.
وقد لعب الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي والناقد الأدبي والناشط السياسي الفرنسي جان بول شارل ايمارد سارتر (1905- 198٠) في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي دوراً كبيراً في تفعيل "شعبية" الوجودية ، فصياغاته الأدبية الرائعة والبالغة القوة توفرت للوجودية صيغ سلكت الی الناس طريقاً أكثر يسراً ووضوحاً لم تكن متوفرة من قبل. 
أما الحرب العالمية الأولی فكانت لها كصدمة أسقطت تفاٶلية القرن التاسع عشر وكلياته الإجتماعية والسياسية والنظرية أثر بليغ في ذلك. إن شيوعها خارج إطار المتخصصين أدی الی ضياع حدودها المميزة وبات من الصعب تعين حد الوجودية بتعريف وافٍ يكون موضع إتفاق أو إجماع. وهذا ما أجبر الأديب الفرنسي غابرييل مارسيل (١٨٨٩-١٩٧٣) ، الذي صُنّف لاحقاً رغماً عنه ضمن التيار الوجودي بالقول: "يكاد لايمضي نهار دون أن يسألني واحد من الناس ، ماهي الوجودية؟...فأقول إنه يطول ويصعب شرحها. كل مايمكنني فعله هو أن أقدم بعض مفاتيحها ، لا صياغة تعريف لها".
وبما أن الوجودية تضرب عمقاً في تاريخ الوعي البشري ، في بدايات تفلسفه مع الإغريق و سقراط بالذات ، لكنها وجدت تجلیاتها الحديثة ، معبراً عن أزمة الإنسان في وجوده ومواجهته وجوده ومصيره كفرد ، أو کـ"أنا" خارج مطلة المجتمع والتاريخ والمٶسسات والمطلق ، منذ سورين كيركغارد (١٨١٣-١٨٥٥) في أواسط القرن التاسع عشر ، مروراً بفردريك نیتشه (١٨٤٤-١٩٠٠) ومارتين هيدغر (١٨٨٩-١٩٧٦) و كارل تیودور ياسبرز (١٨٨٣-١٩٦٩) وصولاً الی سارتر.
هٶلاء يمكن أن نصفهم بمحبي الحكمة لا بممتهنیها ، أستطاعوا توجیه الناس و إنارة دروبهم. فسقراط مثلاً لم يقم في يوم من الأيام بإملاء أحكاماً وطروحات علی الناس ولم يمنع عنهم أشرعة التفكير ، بل حثؔهم علی التفكير ونزع حجب الإستكانة والتقليد ودعاهم لأن يكتشفوا الحقيقة بأنفسهم.
إن بعض من الفلاسفة الوجوديين إقتحموا المجال السياسي لا من أجل أدلجة المعرفة وتسييس الفلسفة ، بل بهدف الاحتكام الى العقل في الخلافات بين وجهات النظر المتصارعة وإعطاء الكلمة الى الفلسفة لفصل المقال بين المخالفين وتحديد وجهة المجتمع عند المنعطفات ووضع برنامج عمل للمستقبل و السعي من أجل المساهمة في البناء. 

من المعلوم بأن الأنظمة شمولية في العالم تصادر الحقوق والقيم وخاصة العدالة والمساواة وتداهم البنية الأخلاقية للمجتمعات والثقافات وتزرع رؤية جديدة للكون تقوم على الأنانية والعنف.
من الواضح أيضاً بأن الصراع ضد الشمولية يقتضي الإقبال علی الوجود بجرأة والسعي لتشكيل رأي عام مضاد متعدد ومختلف جذرياً عن الثقافة السائدة ، رأي يحمل في داخله إبتداءات ممكنة على جميع أصعدة الحياة ، لايتوقف فقط عند إصدار بيانات وخطابات شعرية أو ترديد شعارات تمجيد للحرية والعدالة.  الإنسان قادر علی الإبتداء ، بل هو نفسه الإبتداء والانسان كما يقول اسبیوزا لا يولد مواطناً بل هو يتربى على المواطنة. فالمواطن هو الدولة في الانسان الفرد ، لهذا السبب تشغل التربية مكاناً هاماً في اقتصاد هذا النظام. أما قيم المواطنة فيمكن تفعيلها من خلال رسالة تربوية تٶمن بتنمية البشر من الناحية الفيزيائية والاخلاقية وتدفع المواطنين الی إحترام بعضهم البعض وحسن تدبير الكون وتحملهم مسٶولية الوجود علی الأرض. هذه رسالة يجب أن تخلو من هيمنة ثقافة الميوعة وعقلية الإستهلاك ، لترفض تعليم يركز علی اللغات والمواد الدينية أو يروؔج لأفكار حزبية مغشوشة وآراء الأيديولوجيات الضيقة ومعتقدات ماضوية ودعاوی دينية مطلقة. الفلسفة الوجودية تحاول إعادة الثقة الضمنية لأهل العصر الحاضر في البحث بجدية عن الذات والحقيقة الإنسانية. وكل جهد يبذل في سبيل استرجاع الإيمان الفلسفي الحقيقي ، إنما هو جهد إنساني يحقق للبشرية وحدة حقلية شاملة.
المجتمعات الشرق الأوسطية أحوج ماتكون الی إتجاه عقلاني أصيل. نحن نعرف بأن نزعات عاطفية متطرفة وإتجاهات وجدانية هوجاء سيطرت علی نفوسنا منذ عهد بعيد ، حتی أصبح المحرك الأوحد لكل أفكارنا وأفعالنا وسائر مظاهر نشاطنا. نحن لاننکر دور الوجدان في تحديد الكثير من مظاهر السلوك لدی البشر ، منها الحياة الخلقية ، لكن المواقف الوجدانية غير كافية لخلق روح فلسفية أو إرساء دعائم أية عقلية علمية.  لذا نری بأن الكثير من الأحكام الصادرة من قبلنا ، سواء كانت أحكام تصدر في مجال الفكر ، أم في مجال السياسة والاستراتيجيات، أم في مجال التنظيم الإجتماعي ، أم في مجال التخطەط الاقتصادي، أم في غير ذلک من المجالات ، أحكام عاطفية تغلب علیها صفة الإندفاع الوجداني. النزعة العقلانية ليست هبة تختص بها شعب دون آخر ، بل هي عادة مكتسبة يمكن أن تصبح لدی أي شعب من الشعوب ، تحت تأثير التربية والتدريب والممارسة.
ولابد هنا أن نذكر دور التفكير المنهجي والتحليل المنطقي في كل عمل ودراسة علمية جادة. فعندما لا نتوخی الدقة في إستخدام المصطلحات ولانراعي التسلسل المنطقي في تنظيم الأفكار ولانلتزم قواعد البحث العلمي في التفكير ، فإننا بالتأكيد نبقی نستخرج من المقدمات مايلزم عنها بالضرورة من نتائج و نترك في الإستدلالات العقلية فجوات وثغور وذلك بسبب عدم التزامنا بقواعد البحث الرياضي، تلك التي أشاد بها كل من رينيه ديكارت (1596 –1650) و غوتفريد فلهيلم ليبنتس (1646-1716) و إدموند هوسرل (1859 - 1938) وغيرهم.
الفلسفة الوجودية تهدف الی خلق الشعور بالحرية وإيقان بأن الحق فوق القوة والإعتراف بأن العلاقات البشرية ينبغي أن تقوم علی التفاهم والتسامح ، لا علی التخاصم والتنازع. فالحرية لايعني الإنطواء علی النفس أو قطع وشائج التواصل مع الآخر ، بل تعني الحوار مع الآخر لتحقيق المزيد من أسباب التفاهم بين بني البشر. الوجودية تضع كل الآراء المسبقة موضع البحث وتواجه الشكوك والأكاذيب والخرافات بكلمة "لا" كالمتمرد للفيلسوف الوجودي ألبرت كامو (١٩١٣-١٩٦٠)، فالرفض هنا ليس الهدم لمجرد الهدم  ولا الإنكار لمجرد الإنكار ، بل هو القضاء علی الأساطير الوهمية الكاذبة التي مايزال الناس يرون فيها "حقائق" واضحة بينة. إن مواجهة التفلسف للأشخاص والأشياء تقوم علی احترام حق كل إنسان في التفكير ، لا علی فرض الحقيقة الذاتية فرضاً علی الآخرين. فالإنسان في نظر سارتر هو خالق لنفسه لأنه وحده متصور لها ، فهو مشروع يعيش بذاته ولذاته وهو لايوجد إلا بمقدار مايحقق ذلك المشروع وهو حرؔ يمتلك زمام وجوده ومصيره. فالوجودية هي في النهاية ثورة الأشياء الذاتية الصغيرة ضد كل الشعارات والأسماء الكبری والمذاهب التي تدؔعي الشمول.
وختاماً يقول الفيلسوف الفرنسي شارل لوي دي سيكوندا المعروف بمونتسكيو (١٢٦٨٩-١٧٥٥) صاحب نظرية الفصل بين السلطات: " لا تستفلح البلدان تبعاً لخصوبتها ، بل لحريتها". وإن جاز الإضافة فنقول ، تستفلح البلدان تبعاً لممارسة الأفراد لحرية الرأي والتعبير.
الدكتور سامان سوراني
13  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل الفلسفة مشكلة في عصر الإنسان الرقمي وعالم الإستهلاك؟ في: 17:01 07/12/2013
هل الفلسفة مشكلة في عصر الإنسان الرقمي وعالم الإستهلاك؟

بالرغم من أن الفيلسوف الفرنسي رینیه دیكارت (١٥٩٦-١٦٥٠) يری أنه لاجرم أن تكون الحكمة هي القوت الصحيح للعقول ، لأن الذهن حسب رأیه هو أهم جزء فينا وطلب الحكمة لابدؔ بالضرورة أن يكون همنا الأكبر ومع أن حضارة شعب وثقافته تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فیها ، فالمرء الذي يحيا دون تفلسف لهو حقاً كمن يظل مغمضاً عینیه لايحاول أن يفتحهما ، إلا أن للفلسفة في زمن فتوحات العولمة وثورات القوة الناعمة خصوم كثيرون ، يعملون بكل جد ومثابرة من أجل منع الإعلاء من شأنها والإشادة بها أو الثناء علیها. صحيح أن النظام الذي يراد تغييره يترك أثره فينا دون وعي منا، بحيث نستعيد طبائعه الاستبدادية ، لكننا نری بأن تاريخ الفلسفة مدرسة حقيقية يتلقن فیها المفكر دروس الأخاء الفكري والوصال العقلي والتسامح المذهبي وأن هذا التاريخ تقرير لحقيقة عليا تٶكد قيمة الإنسان وحقه في التفكير. فتاريخ الفلسفة لم يكن يوم من الأيام مجرد مقبرة للأوهام البشرية أو مجرد سجل للأخطاء الإنسانية. الفلسفة حوار وجدال ومواجهة والفيلسوف تلميذ قبل أن يكون أستاذاً و علی المفكر أن يتذكر دوماً أن تفكيره هو في صميمه إجابة أو إستجابة. ومن يريد فتح آفاق المستقبل ، علیه أن يخلع الإيديولجيات المقدسة و يكسر عقلية النخبة والبيروقراطية ليمهد الطريق أمام الإنتقال الی الشبكات الآنية والمعلومات العابرة والسيالة للوصول الی مجتمع تداولي فاعل. المقارعة بالحجج و تبادل الآراء أمر ضروري للإستمرار في الحكمة ، فالحقيقة كما يقول الفيلسوف الألماني كارل ثيودور ياسبرز (١٨٨٣-١٩٦٩) ليست ملكاً لأحد ، بل البشر جميعاً ملك للحقيقة. أما الوجود فهو حقيقة غامضة متناقضة ، لايمكن أن ينصاع في قوالب جامدة متحجرة. إذن التعقيد ليس في ذهن الفيلسوف ، بل في قرارة الوجود نفسە. ولو كان الوجود حقيقة بیؔنة متجانسة لما استحال علی الفيلسوف أن يصوغه في قالب محدد. ما نراه هو أن مشكلة الحقيقة تتخذ عند الإنسان وخاصة في عالمنا الیوم ، عالم الإستهلاك ، طابعاً درامياً فيظل الإنسان في صراع دائم ضد الأكاذيب والأضاليل والخرافات والأوهام وأخطاء الحس والعقل ، أملاً أن يصل يوماً الی الكشف عن ذلك النور الأسمی الذي يضيء طريق حياته. ما نستنتجه من الحياة هو أن الكثير من البشر يشغلون أنفسهم ، إن لم نقل طوال حياتهم ، بالعمل علی إكتشاف "راسئلهم" والحرص علی أدائها. المشكلة تكمن في أنهم يشعرون بأن حياتهم "وجوب" أكثر مما هي "وجود". أي بمعنی أنها واجب يدخل في نطاق ماينبغي أن يكون ، أكثر مما هي واقعة تدخل في نطاق ماها كائن. والحق أن الإنسان يشعر بأنه لم يوجد بعد ، وأنە مايزال علیه أن يوجد. هذا الشعور الارستقراطي يحفز صاحبه الی التسامی بحياته الخاصة فوق مستوی الحياة العامة المبتذلة وهذا مايدفعه بالتمسك برسالته ، التي هي في الأساس مشكلة.
أما تجربة الحب ، الذي يدخل ضمن مباهج الحياة والذي يرقي الينابيع الروحية الدفينة الی مستوی الوعي أوالشعور ، فهي حاجة إنسانية ، لا لكي تستمر مهزلة البقاء ، كما زعم فيلسوف التشاٶمية الألماني آرثر شوبنهاور (١٧٨٨-١٨٦٠) ، بل لكي يتحقق المعنی الحقيقي للحياة البشرية ، كما قال مؤسس مدرسة علم النفس الفردي النمساوي ألفرد آدلر (١٨٧٠-١٩٣٧).
هناك من يحمل علی عصر العولمة التقنية والإنفوميديا والشبكات الإجتماعية كالفيس بوك أو التويتر أو الماي سبيس وغيرها من شبكات بدعوی أنه أفسد العلاقات الشخصية بين الأفراد. إننا مهما زعمنا أن الآلة والبرامج الكترونية هي المسٶولة عن تزايد شقة الخلاف بين الإنسان وأخيه الإنسان ، فإننا لن نستطيع أن ننكر أهمية تلك "الوظيفة الحضارية" التي أصبح "التكنيك" يلعبها في صميم الحياة البشرية ، بوصفه ذلك العنصر اللاشخصي ، الذي ينظم العلاقات بين الأفراد في العالم الخارجي. فالإنترنت والآلة الذكية ليست بدعة دخيلة أقحمها الإنسان علی الحياة، بل هي عنصر مكمل للوجود البشري ، الذە هو في جوهره طبيعي وإصطناعي معاً. الإنسان كموجود زئبقي يفلت من بين أصابع الفنان والفيلسوف هو المشكلة. إنە موجود مفارق متعالي ، يواجه دوماً كل ما حققە في نفسه وفي عالمه بكلمة :لا" كبيرة. إنه يستطيع أن يثبت مرة تلو مرة بأن هناك علی الأرض من الأشياء أكثر من كل ما استطاعت أن تحلم به يوماً فلسفة من الفلسفات.
وختاماً: الفلسفة ليست مشكلة ولا تقدم لنا مفتاح الوجود ولا تروي لنا قصة المطلق ، بل هي تظهرنا علی أن الإنسان يَنِدُؔ بحريته عن التاريخ. والحرية الإنسانية تنحصر أولاً وبالذات في إختیارنا لغایاتنا ، فهي ليست خلقاً من العدم أو القدرة الإبداعية المطلقة. أما الفلسفة العملية فهي تقرر أن الحرية هي التي تدخل في الكون كل طرافة وجدة ، لأنها هي التي تمنع الأشياء المتشابهة من أن تتكرر باستمرار.
الدكتور سامان سوراني


14  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة الطاقة لإقليم كوردستان من منظور سياسي وفلسفي في: 20:26 05/12/2013
سياسة الطاقة لإقليم كوردستان من منظور سياسي وفلسفي

ماحصدناه من المٶتمر السنوي الثالث للنفط والغاز في إقليم كوردستان ، الذي إنعقد قبل أيام في أربيل أنه في نهاية هذا العام وبدایة عام ٢٠١٤ يدخل إقليم كوردستان في قائمة الدول الرئيسية المنتجة للنفط والغاز في المنطقة وعلی المستوی العالمي ليلعب دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمي من خلال السياسة الإيجابية المتوازنة التي تمارسها حكومة الإقليم. وترتكز سياسة الإقليم في مجال النفط والطاقة بشكل عام على مجموعة ثوابت أساسية تقوم على تسخير الثروة النفطية في البلاد لتحقيق التنمية الشاملة في الإقليم وهو ما تحقق خلال السنوات الماضية وبرز بشكل واضح في النهضة الواسعة التي تحققت في مختلف المجالات .
صحيح بأن الإقليم يسعی الی رفع إنتاج الطاقة الكهربائية ويخطط من أجل إستغلال مصادر بديلة كالطاقة المتجددة وطاقة الرياح الإقليم وإن تطوير البنية التحتية بحاجة إلى أكثر من 30 مليار دولار ، لكن صناع القرار في الإقليم ، الذين يريدون أن يجعلوا من إقليم كوردستان مفتاحاً رئیسياً للطاقة في الشرق الأوسط و تحویلە الى لاعب أساسي في سوق الطاقة العالمي خلال السنوات القليلة القادمة ، يجب أن يقوموا باستغلال الثروة النفطية بشكل علمي مدروس لبناء شبكة واسعة من البنى التحتية المتقدمة تكون أساساً لتنمية اقتصادية ونهضة حضارية شاملة ويفكروا في الوقت نفسه في إعداد دراسات وإنشاء مراكز للإبحاث النووية والتهيء لإنشاء مفاعل لانتاج الطاقة النووية والتي تعتبر من البدائل النظيفة والاقل تلوثاً اذا ما قورنت بالنفط ، فإن تنوع مصادر الطاقة أمر حيوي للإقليم. إن الإنجازات العظيمة التي تحققت خلال الفترة التي أعقبت اكتشاف النفط وإنتاجه والتي انتقلت بالإقليم بسرعة هائلة الێ أخذ مکانه بين المناطق الأكثر نمواً في العالم تشير الی أن مستقبلاً مشرقاً ينتظر قطاع النفط والغاز في الإقليم وأن مسيرة وتطور الاقليم مرتبط بمسيرة وتطور البترول ، وسوف يكون لهذا الارتباط أثر هائل في دفع عجلة التنمية في كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
إن التعامل مع هذه الثروة الطبيعية ، التي تعتبر من أكثر الثروات الطبيعية في العالم قيمة ، لذلك سماه بعض الناس بالذهب الأسود ، بتوجیهات سديدة ومتابعة متواصلة من قبل القيادة الكوردستانية وإستغلالها يجب أن يكون متمشياً مع القدرة على الإنتاج بكميات تتناسب مع طبيعة الحقول النفطية والحافظة عليها الحقول ، بما لا يرهقها أو يضرها من الناحية الفنية ، وتوفير التكنولوجيا المتقدمة في صناعة النفط ، وذلك من خلال التوصل إلى شراكات مع الشركات النفطية العالمية ، والمساهمة في توفير كميات مناسبة من النفط الخام والغاز کمساهمة من الإقليم في خدمة الاقتصاد العالمي ، لأن هذه الثروة هي ملك لهذا الوطن بجميع أبنائه وخصوصاً للأجيال القادمة.
أما فلسفتنا فيجب أن تقوم في توظيف الثروة البترولية لتحقيق التنمية على حسن استخدامها ورشاد إدارتها بحيث يخرج آخر برميل بترول ينتج في العالم من الإقليم. ولتستهدف هذه الفلسفة بناء صرح للرخاء فوق أرضنا تحقيقاً لحياة أفضل للإنسان الكوردستاني.
من نافل القول أن الصناعة البترولية تشمل الی جانب عمليات الإنتاج والتصدير ، عمليات أخری كالحفر والإنشاءات ومد الأنابيب والنقل والتكرير والصناعة البتروكيماوية. فيجب علی الحکومة الكوردستانية وضع إستراتيجية للدخول في مختلف عمليات هذه الصناعة لتكفل لثروتنا القومية قدراً من الكفاءة و لتحقق عوائد مجزية من أجل أبناء كوردستان وتنفيذ مشاريع مستقبلية عملاقة.
أننا نعيش اليوم عصر رقمي يحمل في طياته الإنفجار المعلوماتي والاقتصاد المعرفي والعولمة مشروع كوني قوي و مصائر البلدان باتت اليوم مصائر عولمية بحتة والحلول لم تبقی محلية كما في السابق ، بل دخلت في دوائر محلية، إقليمية ، عالمية. أما التعاليم الاقتصادية الأكاديمية فهي دين قائم على مسلمّات و تعاريف بالية يجب إعادة صياغتها فلسفيّاً و مفهوميّاً ، لکننا مع هذا نٶمن بأن الاقتصاد السليم يجب أن يستمد قوانينه من الأعراف الطبيعية والقواعد البيئية المنسجمة مع قوانين الهندسة و الطاقة ليكون قادراً علی توحيد الإنسان في رؤيا واضحة تنظّم أداءه و تهذب أعماله للسير بمهمته التطورية نحو الكمال ، بعيداً عن نزواته كمخلوق اعتبر أن الطبيعة سُخّرت لرغباته ليسخر منها كما يحلو له. علی حكومة الإقليم العمل على الإهتمام بالعلوم النفطية و التطبيقية ذات الصلة بتنمية تكنولوجيا الثروات الطبيعية بشكل خاص ، لأن هذا المجال يمكن أن يكون العامل الأهم بين العوامل الأساسية للنهضة الكوردستانية ، والاستثمار فيه هو احد العناصر الحاسمة في تحديد مستقبل المجتمع الكوردستاني. فدون وجود مؤسسات تربوية و نظام تعليمي متطور ومتجدد حسب حاجات المجتمع ، لا يمكن بروز كوادر قادرة على أن تصعد سلالم الرقي وتنافس غيرها على تنفيذ برامج التنمية بكفاءة. والإنفاق بسخاء على التعليم والتدريب والتأهيل العملي ، أي الاستثمار في مجال الموارد البشرية هو الاستثمار الأمثل و الأنجع. ولتكن فلسفتنا قائمة علی تنقية المناهج وتطويرها من حين إلى أخر ، مع تركيز شديد على دور المعلم ، والمواءمة الدقيقة ما بين مفردات التعليم واحتياجات المرحلة ، وتشجيع القطاع الخاص على استثمار جزء من أرباحه وموارده في التعليم و التدريب ، وإعادة القوى العاملة المتخرجة إلى مقاعد الدراسة من وقت إلى أخر لتحديث معارفها والتزود بما استجد عالمياً في حقول تخصصها ، مع التركيز  على علوم العصر ، لاسيما المعلوماتية ، التي تعتبر أساس عملية التنمية الاقتصادية.
أما إنتعاش الصناعة النفطية بأفكار وأيادي محلية فسوف تمهد الطريق لأنتعاش الصناعات الاخرى وتنهض بأقتصاد الإقليم وتحقق الرفاه الاقتصادي فيه. وهذا بدوره سوف يؤثر بشكل إيجابي على كافة النشاطات الانسانية الاخرى. فبالقاعدة الأقتصادية القوية والأرضية الصلبة يمكن بناء مؤسسات أجتماعية و خلق مشاريع تنموية تساهم في تغيير المجتمع وتحقيق النهوض الحضاري.
وختاماً: من يريد أن يشارك في صناعة العالم بوصفه المدی الحيوي والفضاء الكوكبي في عصر تتعولم فيه الهويات والأفكار بقدر ماتتجسد وحدة المصير البشري علیه أن يجدد عدته الفكرية و يتقن التداول العقلاني ويجترح سياسة فكرية جديدة معاصرة لإدارة المصائر.
الدكتور سامان سوراني
   

15  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الإرهاب وفلسفة الموت في المدينة الكوردستانية كركوك في: 21:58 04/12/2013
الإرهاب وفلسفة الموت في المدينة الكوردستانية كركوك


شهدت مدینة کرکوك الیوم ٤-١٢-٢٠١٣ هجوماً إرهابیاً جهنمیاً وحشیاً أعمی مزّق الأجساد ودمّر الممتلکات ، مستهدفاً مبنی دائرة استخبارات المحافظة ، يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب الفلسفة البربریة التي تقف ورائها والتي لا ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بأهالي هذه المدينة وإفساد التعايش السلمي فيها. إنها فلسفة الموت ، التي تفضل الموت على الحياة. وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم و ذویهم ، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم. انها فلسفة مجرمي الحرب  وغايتها قتل اشخاص أبرياء.
ماهي الرسالة التي يريدون توجيهها من خلال هذه العملیة اللاإنسانیة؟ هؤلاء کما هو واضح للعیان یریدون النیل من المواطن والدولة والمدینة والمجتمع ، مدفوعین بعقلیة الثأر والإنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر علی شاکلتهم ، هدفهم المراهنة على انفجار ضغائن المكونات المحلية على بعضها و محاولة يائسة لزعزعة أمن واستقرار المدينة وضرب الأخوة والتعايش السلمي.
 نحن نعرف بأن لهذه‌ الأحداث دلالتها الرمزیة وأبعادها الثقافیة ، والذین یقفون وراء هذه‌ العملیة الشرسة واللاإنسانیة یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء ، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة ، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض ، لکنها تمارس تحت سمعنا و بصرنا ، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات. یتصور أصحاب الارهاب وأتباعه انفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم ، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان ، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم ، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زورا و تشبیحاً ، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم و أرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم. إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم ، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین. فهُم یستخدمون العنف والإرهاب ، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً و انتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعوی سخیفة ومزیفة ، هي إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العراق ، هدفهم تغییرالحیاة في مدینة متأخیة ککرکوك الی جحیم ، قتلاً وحرقاً وتدمیراً بصورة عشوائیة ، عبثیة مجانیة.
الأفكار الأصولية والسلفية بتصديرها مارکة الحجاب والدم والتضحية عملت وتعمل ليل نهار ضد صناعة التنمية والمدنية والحضارة، بقمعها الحريات الفردية وإرجاع أسباب المصائب والکوارث والجهل والفقر في مجتمعاتها إلی الغزو الثقافي الغربي أو إلی العولمة والأمرکة.
إن إستراتيجية الرفض والإقصاء وإرادة التأله والتفرد هي التي تثمر البربرية والهمجية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم القتل وتمزيق الأجساد وتدمير الممتلكات بأعصاب باردة وضمير جامد و بعقلية أخروي أو عسكري إرهابي بصفة المناضل والمجاهد والمدافع عن الهوية والثوابت.
فبدل السعي والعمل بمفردات نسبية علی نظريات ثورة الاتصالات والمعلومات قام أصحاب الفکر السلفي الأصولي والقومي الشوفيني بتهافته في مواجهة کتاب نهاية التاريخ لفکوياما بتأليف مجلدات مبنية علی لغة الغلو والتهويم اللاهوتي والتشبيح النضالي والعقائدي لتحقيق إستراتيجيتهم التدميرية.
لقد حان الوقت لیعلن علماء المنابر أمام الملأ، أولئك الذین ینطقون بإسم مذاهبهم ویؤثرون في الجمهور الواسع من المتدینین، بأنه لیس کل ماجاء في کتبهم صحیحاً أو صالحاً للتربیة الدینیة ، فبدون إلغاء النصوص والأحکام والفتاوی ، التي تولد الاقصاء المتبادل وتبث العداوة والکره بین الشیعة والسنة من کلیات الشریعة وبرامج التعلیم الدیني، وبدون إستبعاد النصوص والأحکام التي تتعامل مع الیزیدیین والمسیحیین والصابئة المندائیة والیهود، کمشرکین أو ضالین وبدون إطلاق حریة الإعتقاد بإلغاء قاعدة الارتداد لایمکن مواجهة الذات و لایمکن مکافحة ممارسة التشبیح أو الشعوذة و نشر الفتن ولایمکن صناعة مجتمع مدني تتعدد فیه الثقافات والإعتقادات ، التي تمحي التحجر الإجتماعي والسکون الثقافي. فالخروج من المأزق هو العمل علی التمرس بإستراتیجیة فکریة جدیدة من مفرداتها: الإعتراف المتبادل، لغة التسویة، عقلیة الشراکة، البعد المتعدد، ثقافة التهجین والعقلانیة المرکبة ومعالجة الإرهاب تحتاج الی إجراءات أمنیة بقدر ماتحتاج الی تحولات في بنیة الثقافة بثوابتها ونماذجها أو ببرامجها وتعلیمها.
وختاماً: علینا ببناء هذه المدينة الكوردستانية المتآخية حتی وإذا أصر الآخرون علی هدمها.
الدكتور سامان سوراني

16  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل المرأة مقياس حضاري في زمن سقوط الحضارات؟ في: 18:15 29/11/2013
هل المرأة مقياس حضاري في زمن سقوط الحضارات؟

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني ٢٠١٣ بدأ في إقليم كوردستان برنامج حملة الـ16 يوماً الوطنية والعالمية المخصصة لمناهضة العنف ضد المرأة رغم استمرار شكاوى الناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة  من مشكلة عدم تطبيق الاستراتيجيات الحكومية أو تنفيذ القوانين الصادرة من برلمان الاقليم ورغم بقاء هذه الحملة داخل قاعة المٶتمرات بعيداً عن إطار الشارع والميدان اليومي.
لا محاجة في أن ثقافة العنف نابعة أصلاً من العُقَد الاجتماعية، كفقدان القدرة علی المواجهة والخوف من عدم التكافؤ الاجتماعي والخوف من السلطة المنشغلة والمهمِلة لفردية الإنسان وكذلك من عقدة العار. ففي ظلِّ تلك الثقافة نری الإنسان يخجل من ذاته، يعيش حياته عاراً وجودياً متأصلاً ونشاهده في حال دفاع دائم من إحتمال إفتضاح أمره وعجزه وبؤسه، إذ يخشى أن ينكشف ولا يصمد في النهاية أمام الحقيقة. فالعنف أمسی وللأسف خبزاً يومياً للإنسان المعاصر والذي يرتبط بالأفراد حيناً وترعاه المؤسسات أحياناً أخری هو رذيلة وهمجية أتعبت العالم ولم تُفِد الإنسانية في شيء.
مقالنا هذا يتناول موضوع المرأة كمقياس حضاري في عالم مليء بالإنهيار في القيم والنظم وإنكسار لنماذج التفكير والعمل ، عالم يشهد النزاعات والحروب والكوارث الإجتماعية ويتعامل مع الأفكار معاملة ماورائية مآله العودة الی الوراء والغرق في السبات.
يقال بأن الضياع الحضاري يكون عندما يعيش دون رغبة ويموتون دون أن تبقی لهم إرادات للعيش من أجل ماهو أبعد منهم. فالضياع يبدأ عندما يبدأ الفرد بالتساٶل عن معنی حضارته ومجتمعه ، ومعنی أعماله وسلوكه وعقائده ، عندئذ تنشط فلسفات التقييم ويكثر التساٶل عن معنی الحياة وقيمة الروابط الإجتماعية.
الوقائع تٶکد بأن إنحلال الحضارات يكون دوماً مواكباً بنشاط العقل ويقظته للتقييم وحك العقائد والأفكارعلی محكه  ، وكأن العقل عدو الحضارة والإزدهار الإجتماعي.
إن إسهام المرأة الحيوي في المجتمع المعاصر المعتمد علی الآلة والأجهزة الإلكترونية المتطورة لە دلالة في روح المجتمع. فالمجتمع الذي يری في الجنس المتنفس الوحيد للرغبة وفي المرأة الأنثی فقط ، دون أن ترفعها الی المثل ، يبقی متحجر ومغلق وجامد ، يعيش في عزلته الحضارية والتاريخية.
من المعلوم بأن المجتمعات البشرية تتطور وتتغير ، وهي تتطور اليوم بسرعة فائقة ، خصوصاً في مجال المعلومات وتقنيات الإتصال ، لكن التقدم لايجري علی مثال سبق أو وفقاً لصيغة جاهزة ، ومن يعتقد ذلك فهو لايحسن سوی التأخر. نحن نری بأنه مع المجتمعات المتحضرة الناشطة بتطورها الإبداعي تكون المرأة المحرك الأول الذي يدفع المجتمع الی التخلي عن الجمود في التقاليد والأفكار والمُثل.
ففي الحضارة الفرعونية الأولی نجد للمرأة شأناً عظيماً وأعمالاً إبداعية كبری صنعت لإجلها ، فقد كانت في ذلك المجتمع ترث كالرجل ، ولها حرية التصرف بأملاك أسلافها ، مما جعل لها شخصية إجتماعية متميزة سعی الرجل لإسترضائها وإحترام وجودها. فالآثار الفنية المنحوتة التي وصلتنا من تلك الحضارة تظهر لنا مقامها ، كما أن الكثير من النصوص التعليمية توصي بمعاملتها كالرجل نداً لند.
فالمرأة في الحضارات القديمة كانت تحفظ للمجتمع قیمه الأخلاقية الطبيعية وبفضل سلوكها ووعيها لمسٶولیتها أمام ذاتها وأمام مجتمعها وقوة شخصيتها كان لها أمر مصيرها مع خطابها ولها أن ترفض أو تقبل وتعمل بكل وسيلة لكسب النصر.
مع هذا لاننسی بأن رحلة التاريخ كانت بأمرة سلطان القوة ومشيئة العنف التي هي من خصائص الرجل. وذلك ما جعل المرأة ، هذا النصف الآخر من الإنسانية، تعيش في كيانها وفعاليتها حركة مد وجذر وتراوح خاضع ، بين مهانة ماحقة لمعنی الإنسان وكرامة مثلی للمشاركة في حياة المجتمع.
وبفضل حركة التمرد علی الأعراف والتقاليد والموروثات التاريخية ، التي لاتزال في حضارتنا ، أخذت المرأة تنشط لتخرج من الجمود. فالتطور والبناء الحضاري لأي مجتمع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور ثقافة ووعي المرأة ومساهمتها الفعالة بهذا البناء ، ليكون المجتمع مدني قائم على أسس ديمقراطية کالمواطنة وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والمبادئ الانسانية.
المرأة لاتقل عن الرجل في شيء ، وقد أنصف جون ستيوارت مل (1806-1873) نصير الليبرالية علی الساحة الفكرية المرأة عندما حمل علی عاتقه مسؤولية إعادة التوازن وإعادة الإعتبار للمرأة و ناقش في منتصف القرن التاسع عشر قضية المرأة في كتاب تمرّدي تحت عنوان (استعباد النساء)، أدان فيه المبادیء الوضعية الخاصة التي شكلت من أجل تنظيم العلاقات بين الجنسين.
المرأة هي مقياس حضاري وقلب الإنسانية وأبهج شيء في الحياة ، كما يراه المعلم الكبير "كونفوشيوس". وما علی الرجل المعادي لمساواة المرأة إلا أن يتعجل ويمتلك حريته ويكون شجاعاً ويرفع هذا الوهم الذي فرض سطوته عليه، وإفضل طريق للعلاج هو التدريب الفلسفي الاجتماعي وإنشاء علاقة صحية وحميمة مع علوم السوسيوسايكولوجي ومباحثها ، إذ إن هذا سيؤدي بالتأكيد الی خفض درجة التوتر والقلق عنده والتصالح مع نفسه.
وعلی الإنسان المتحضر مناهضة الفكر الماسوجيني (ثقافة العداء للمرأة) أينما كان ، من أجل إثبات الجدارة وبناء مجتمع حيّ وخلاق لا تكبحه العقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة.
وختاماً نقول: علی التاريخ الإنتظار ليحفظ للمرأة رسالتها الجديدة ، في عالم المستقبل الجديد ، فأول الغيث قطرة.
الدكتور سامان سوراني

17  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الرئیس مسعود بارزاني ورسالة السلام الإقليمي في: 19:28 17/11/2013
الرئیس مسعود بارزاني ورسالة السلام الإقليمي


الفيلسوف ومهندس السلم واللاعنف مهاتما غاندي ، الذي كان مستعداً ليموت في سبيل قضيته دون أن يقتل أحداً من أجله ، قال ذات مرة: " لا أريد لبيتي ان يكون محاطاً بالاسوار ولا أن تكون نوافذه مغلقة ، بل أريد أن تهب على بيتي ثقافات كل الامم." 
اليوم وفي هذا العصر الذي يتبدل معه نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ما يتغير نظام العالم ومنطق الأشياء يمارس الرئيس مسعود بارزاني هذه الفلسفة. فزیارته التاريخية الی مدينة "دياربكر" آمد الكوردستانية ولقاءه مع رئیس حكومة تركيا السيد رجب طيب أردوغان وخطابه الإنساني تدخل ضمن إطار محاولاته المستمرة من أجل حفظ السلام وحل القضية الكوردية بالشكل السلمي. فقضية شعب كوردستان في تركيا كانت و ماتزال من أهم القضايا التي واجهتها الحكومات التركية المتتالية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923. إذ مارست الحكومة التركية في السابق سياسة الإنكار والتهميش والإقصاء ضد المكون الكوردستاني ، من دون أن تعترف بالهوية الكوردية دستورياً وتمنح الكورد حكماً ذاتياً في مناطقهم الكوردستانية. هذه القضية التي أصبحت بسبب كفاح ومقاومة الشعب الكوردستاني و العنف العسكري من قبل الحكومة مصدر تهديد لأمن الدولة و إرهاق للإقتصاد وإعاقة للتنمية الشاملة.     
إن مبادارت الحكيمة للقيادة الكوردستانية وعلی رأسها مبادرة الرئيس مسعود بارزاني من خلال التواصل حوؔلت لغة العنف السياسي الی لغة إنسانية للحوار. فاللاَّعنف يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة. واللاعنف هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف لأنه يتطلب شجاعة كبيرة واحتراماً للخصم والنصر الناتج عن العنف كما يقول الزعيم الروحي للهند غاندي هو مساوي للهزيمة ، إذ انه سريع الانقضاء.
الرئيس مسعود بارزاني ، الذي حمل شعلة السلام الكوردية الی مدينة آمد يٶمن بأن السلام هو الطريق وأن العنف هو من صنع البشر، لذا يٶكد دوماً في خطبه ومناقشاته العلنية بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء ، لإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة. هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات ومن يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق.
هناك حقيقة لا بد منها وهي أن السلام الداخلي الكوردستاني اليوم ليس بحاجة الی إثبات وتأكيد لأنه يرتكز على معادلة طبيعية عناصرها واضحة وجلية وتكمن أولاً في القيادة السياسية التي تحمل رسالة قومية وتنثر المحبة بين افراد الشعب وتشيع التفاهم مع محيطنا الإقليمي وتخاطب العالم بلغة انسانية بليغة. هذه المعادلة خلقت الاستقرار السياسي وبفضلها تمكن إقليم كوردستان أن يواجه التحديات التي تفرزها شبكة العلاقات الاقليمية المعقدة في منطقتنا بشكل مستمر. وتحت هذه المظلة من الاستقرار السياسي والقدرة على اتخاذ القرارات السياسية الحكيمة قدمت القيادة السياسية في إقليم كوردستان وما يزال الدعم السياسي اللامحدود لإنجاح عملية السلام في تركيا وحل القضية الكوردية ، التي أخذت في السنوات الأخيرة بعداً إقليمياً  ودولياً.
السلام الداخلي في الإقليم خلق لشعب كوردستان أجواء مليئة بالأمن والإستقرار ، من خلالها إستطاع أن  يكون فاعلاً وحيوياً في مسيرة البناء والتنمية على مختلف الصعد وحافظ على الوحدة الوطنية الكوردستانية.
وهنا يجب أن نشير أيضاً الی السياسة المعتدلة التي تمارسها حزب العدالة والتنمية والإصلاحات وخطة الإنفتاح الديمقراطي التي بدأه السيد رجب طيب أردوغان منذ عام ٢٠٠٩ ، التي أدت الی تحولات إجتماعية و سياسية إيجابية تجاه القضية الكوردستانية في تركيا. فالسيد أردوغان قال خلال زيارته الی آمد بأن الديمقراطية في تركيا تمر عبر القضية الكردية و تعهد بتحقيقها من خلال وضع القضية الكردية على سكة الحل السلمي ، وإدراجها في الدستور الجديد الذي يجري إعداده.
نحن نعرف بأن التوصل إلى حل تاريخي للقضية الكوردستانية في تركيا يحتاج إلى قرارات تاريخية ، وإرادة حقيقة ونية صادقة. والحوار لايرمي الی التطابق في وجهات النظر بين المختلفين ، بل يرمي الی خلق مناخ للتعايش والسلام الأهلي.
إذن فالشعار يجب أن يكون: التفكير والعمل معاً ، أو فن العيش معاً ، بحسب منطق التبادل وفلسفة التعايش والتواصل أو التعارف والتفاهم. ففي هذا الزمن المعولم لم يعد من الممكن تأجيل القضايا الكبری والمزمنة ونحن نعيش ثورات شعوب المنطقة من أجل الحرية والكرامة.
وختاماً  نقول مع الكاتب والناقد والشاعر البريطاني صمويل جونسون (١٧٠٩-١٧٨٤):
"المثابرة لا القوة ، هي التي تصنع الاعمال العظيمة."
الدکتور سامان سوراني
 


18  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سيمفونيّة الوداع الأمريكية للسيد نوري المالكي والعزف المنفرد في: 19:11 12/11/2013
سيمفونيّة الوداع الأمريكية للسيد نوري المالكي والعزف المنفرد

يقال بأن جوزيف هايدن قام بتلحين سيمفونيّة الوداع (رقم 45) لسيده الأمير نيكولاوس استيرهاز إحتجاجاً على إطالة بقاء عازفي الفرقة بعيداً عن عائلاتهم بهدف ترفيهه في بيته الصيفي. يظهر الاحتجاج في الحركة الأخيرة من السيمفونيّة ، والتي تبدأ بطريقة تقليديّة لنهايات سيمفونيّات هايدن بإيقاع سريع (Presto) وبمبنى السوناتا، ومن ثم وبطريقة مفاجئة تنقطع نهاية الحركة ليبدأ قسم جديد ذو إيقاع بطيء (Adagio). ويعتبر هذا الانتقال الفجائي وتقسيم الحركة الأخيرة لقسمين، خطوة غير اعتياديّة بتاتاً في الموسيقى الكلاسيكيّة. ويتضمّن القسم الثاني فقرات صولو- يقوم كل موسيقي بعزفها، ومن ثم إطفاء الشمعة التي تضيء منصّة ورقة النوتة ويغادر. وهكذا يغادر جميع العازفين حتى يبقى هايدين، الذي يعزف الكمان في السيمفونيّة، مع عازف الكمان الأول ألُويْس لويجي توماسيني لوحدهما. حتى يفهم الأمير الرسالة، ويسمح لأعضاء الفرقة بالمغادرة إلى منازلهم في اليوم التالي.
بالرغم من ذكر هذه‌ القصة كمقدمة ، إلا أننا علی يقين كامل بأن الفرق بين النية الإنسانية لهايدن من عزفه المنفرد والنوايا الخفية للسيد نوري المالكي كبير جداً. فالأخير ذهب قبل أيام الی واشنطن حاملاً جعبة مليئة بالخطايا والذنوب لكسب الثقة والدعم الأمريكي ، متناسياً بأنه هو الذي قام بحمولاته الأيديولوجية و ثنائیاته الخلقية بهدم قدسية الوصايا التسعة لإتفا‌قية أربيل عارض بكل ما لديه من قوة وإيمان الشراكة الحقيقية والمشاركة الوطنية واستهدف معارضيه وخصومه السياسيين بآليات النفي والاستبعاد والإقصاء والإزدراء. أعماله تكشف لنا بأنه لم يتعلم من تاريخ الحكم في العراق أو من أخطاء حكام المنطقة شيئاً. السيد المالكي لم يصل بعد دورتين من الحكم الی النتيجة القائلة بأن مصدر قوة الحكومة يجب أن يكون الشعب في الداخل لا الأنوار القدسية الآتية من دول الخارج. وفيما يخص التقارب بين الولایات المتحدة الأمريكية و جمهورية إيران الإسلامية فإنه سوف لايكون لصالح تخميناتە الغير واقعية والمتعلقة ببقاءه في سدة الحكم في العراق.
العالم يتغير الآن بأفكار وآليات وفاعليات جديدة يعاد معها ترتيب العلاقة بين عناصر القوة الثلاثة: المعرفة والثروة والسلطة ، لکن ما يريد السيد المالكي صرفه في التسليح العسكري كشراء طائرات الأباتشي أو طائرات بلا طيار أو الأجهزة المخابراتية الفاشلة بحجة مواجهة ومكافحة الإرهاب هو هدر للثروات الطبيعية والإنتاج النفطي ، التي هي ملك لجميع أفراد المجتمع والتي يمكن إذا صرفت في البناء المدني والعلمي ببعد إستراتيجي وإجتماعي معاصر سوف تقود البلد الی الإستقرار والأمان. رهانه من أجل الحصول علی الدعم الأمريكي لدورة ثالثة يكون من غير جدوی ، طالما هو بعقلە الأونولوجي ومنطق الإستلاب لا يستطيع قراءة المستجدات المحلية والدولية و واقع المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق.   
إن تبني رئيس الحكومة الأساليب التفردية كمشروع في إدارة السلطة في العراق هو كإعادة عقارب الساعة الی الوراء و سعي لإعادة الصورة المشوهة للعراق تحت ظل الزعيم الأوحد والقائد الأسطوري المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال. 
إن عدم إلتزامه بإتفاقياته مع حلفائه في العملية السياسية وبالأخص مع التحالف الكوردستاني ، التي ساعدت علی تشكيل الحكومة العراقية ، عقؔد عملية إدارة العراق بشكل يهدد الآن وحدتهم الوطنية المشودة. ومن غير تفكيك الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي ومن غير العمل علی خلق لغة مشتركة أو وسط للمداولة أو مساحة للمبادلة في هذا المجال أو ذاك و ذلك باحياء النصوص الدستورية وتنفيذ موادها وخاصة المادة ١٤٠المهملة حالياً  من قبل بغداد ، لا يمكن الخروج من عنق الزجاجة و لايمكن جعل الحياة في هذه البقعة المليئة بالخلافات المبنية علی أسس الطائفية وامبراطورية المذاهب والعقل القوموي العروبي أقل بؤساً وفقراً أو أقل توتراً وعنفاً. فإدعاءات التأله والقبض في زمن الإنفجارات التقنية والطفرات المعرفية لا تثمر شيئاً والشعارات  تحيل أخيراً الی تنانين فكرية تولد الاستبداد والفساد و تنتج التوحش والخراب. فالعزف المنفرد للسيد المالكي علی أوتار التسلح ، التي تعيد إنتاج النزاع والحروب لا يعني سوی الإعداد لتقديم سيمفونيّة الوداع والإنتخابات القادمة سوف تشهد علی مانقول. 
وختاماً: السياسة هي صناعة شريفة إذا ما أحسن أصحابها سوس البشر علی قانون مقبول أو مجمع علیه ، أو إذا ما أحسنوا تدبير شٶون المجتمع وقودهم نحو الأصلح. لكن هناك من يری فیها مجال لإنتاج القوة والهيمنة والتفاوت أو أداة لإنتهاك الحريات وغصب الحقوق وسوق البشر الی الطائفية أو ومعسكرات الإعتقال أو الی خطف الأبرياء أو البدء في الإستعداد والتجهيز لحروب بأسم الوحدة الوطنية يمكن أن يقع ضحاياها القائمون بها، كما دلؔت التجارب في العراق ماضياً وحاضراً.
الدكتور سامان سوراني




19  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دكتور سامان سوراني رجل هذا الزمن وذاك التاريخ ...ثقافة فلسفية يتخللها أنتماء للأرض والحب والدار ... في: 13:40 07/11/2013
دكتور سامان سوراني رجل هذا الزمن وذاك التاريخ ...ثقافة فلسفية يتخللها أنتماء للأرض والحب والدار ...

الحوار دائما مع من تبحر في علم الفلسفة صعب جداً ...لأنه الضيف ..يأتي من خًلجات الحياة والفلسفة والعلم وهنا يكون خصماَ قوياَ في حلبة الحوار ...هذا هو ضيفي الدكتور الاكاديمي سامان سوراني أبن كردستان العراق ..

شيرين : دكتور سوراني درس علم الفلسفة وهذا مجال شاق وطويل ...هل تعتقدون أن المجتمع الأنساني لديه تدرجات معينة في تفسير القيم الاجتماعي ؟؟؟؟
د. سامان : لاشك أن مجتمعاتنا هي محصلة تواريخها ، لكن بداية أود أن أشير الی دور الفلسفة وأثرها العظيم في تطور حياتنا وتقدم البشرية. فلو قمنا بإستقراء الكثير من النهضات الإجتماعية والعلمية في عالمنا نجد أن الفلسفة قد قامت بجانب قيامها بتفسير الحقائق وتعليلها بدور التوجيه المستنير الذي ساعده على النهوض والتقدم في الأسرة الإنسانية وسارت جنباً الى جنب مع الحضارة الإنسانية تضيء لها الطريق وترسم الأهداف والخطوط .
المجتمع الإنساني يتكوّن من عدد من الأنساق كالنسق السياسي والنسق الاقتصادي والنسق الديني... ولكلّ نسق احتياجاته الضرورية التي يجب إشباعها وإلّا فإنّە سوف يفنى أو يتغيّر تغيّراً جوهرياً. يختلف مدلول كلمة قيمة لدى الناس باختلاف استخدامها وحسب استخدامهم لها. فالفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم ، وهو أحد مٶسسي علم الإجتماع الحديث ، يؤكّد على أنّ القيم تماثل كلّ الظواهر الإنسانية ، فهي في نظره من صنع المجتمع وتصدرعن إتفاق إجتماعي ، لذا فهي تتميّز بالعمومية والجبرية ، ولها قوة الإلزام.
الفلسفة الماركسية إعتبرت القيم والأخلاق السائدة في المجتمع إنعكاساً لقيم وأخلاقيات الطبقة الاجتماعية المسيطرة في المجتمع ، علی إعتبار أن طابع العلاقات الاجتماعية يحدّد مضمون القيم والأخلاق. وهناك إتّجاه فينومينولوجي أسسه الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل يؤكّد على أنّ القيم عبارة عن معاني أو مقاصد توجد في عقول الأفراد ، يتمّ إدراكها من خلال الوعي وعن طريق الخبرة بالعالم. والوعي كما نعلم لايوجد في رأس الفرد "الفاعل" بل أيضاً في العلاقات بين الفاعل والأشياء في العالم.
شيرين : هل تعتقدون أن الدولة الكوردستانية باتت ضرورة من ضرورات المجتمع الدولي ولماذا؟؟؟؟؟
د . سامان : إذا كان القصد من "المجتمع الدولي" الدول ذات النفوذ الدولي ، تختار المشاركة في المناقشات العالمية وصنع القرار العالمي ، نعم. فالبعض يری بأن المجتمع الدولي لا وجود له وآخرون يرون في هذا المصطلح إشارة الی جميع الدول عندما تقرر العمل معاً. في السابق كانت الدول ذات السيادة حريصة على تنظيم علاقاتها ، من إنهاء الحروب وترسيم الحدود إلى إنشاء الامتيازات الدبلوماسية وإدارة التجارة ، من خلال المعاهدات. اليوم نری بأن موازين العلاقات والسياسات قد تغيرت. فبعد سيادة سياسة توازن القوی و ظهور الواقعية الجديدة نری لزاماً علی الدولة المستقبلية أن تستوفي مطلبين: إستخدام الجهود الداخلية لزيادة القدرات الاقتصادية وتطوير الاستراتيجيات الذكية وزيادة القوة العسكرية من جهة و إتخاذ تدابير خارجية لزيادة أمنها عن طريق تشكيل تحالفات مع دول أخرى. المسألة الكوردستانية أصبحت مطروحة علی المشهد السیاسي والاجتماعي لا فقط في المنطقة بل في جغرافية أوسع. التحولات والتغيرات السياسية والإقتصادية وبالأخص بعد سقوط نظام الدكتاتوري في العراق والتغیرات الاجتماعیة والاقتصادیة في ترکیا، ساهمت في فتح الباب امام الحرکة القومیة الکوردستانية کي تجد أمامها فرصة للاندماج في المعادلات السیاسیة والعلاقات الاقتصادیة في المنطقة. صحيح بأن هدف شعب كوردستان ليس الفدرالية بل الحق في تقرير مصير، الذي هو حق تاريخي لا يمكن نكرانه. ومن حق شعب كوردستان بعد العيش في ثورات معرفية و اكتشاف قيمة الحرية والكرامة أن يسعی في رسم مسارات الحياة الشخصية والقومية ، مدركاً بالإنتماء الی الجنس البشري و قيمة مسؤولياته. إن العمل علی اجهاض قيام الدولة الكوردستانية في عصر تتعولم فيه العلاقات بين البشر و تقوم علی الإعتماد المتبادل لا يخدم فكرة التعايش السلمي وقيم التعارف بين الشعوب بل يفقر تقوية الأواصر بين الأمم. الاستقلال هو الهدف المطلوب الذي ترجو الشعوب تحقيقه وهي تمارس الحق في تقرير المصير، الذي يعتبر حقاً مشروعاً كرسته وأقرته كل أحكام ومبادئ القانون الدولي العام المعاصر.

شيرين : نعيش اليوم وسط توترات سياسية مهولة الا تثير هذة التقلبات شكوكاً على الاقل لدى المفكريين أن أحداث اليوم مكملة لسيناريو الأمس؟؟؟؟
سامان : برأيى أن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن أحداث التاريخ قد تتشابه. صحيح بأننا في وضعية وجودية تضع الإنسان أمام مأزقه ، ذلك ان إنسانيتنا التي ندافع عنها تولؔد ما نشكو منه ، أي البربرية بالذات ، إذا أردنا أن نری الی وجهنا الآخر الذي نحاول إخفاوءه والتستؔر علیە والعقل السائد ، بأشكاله اللاهوتية المقنعة أو بأنماطه الناسوتية السافرة، قد أمسی لا يعقل وأن العقلانيات بدأت تفقد مصداقيتها في مقاومة العوامل التي تولؔد الفوضی والفساد و الرعب والدمار ، أو تبدوا عاجزة عن مكافحة المرض والفقر والجهل و الحد من آليات الإستبداد و أعمال العنف ، لكن مع هذا أری أن بوسع المستبعد والمهمش والأقل حظاً أن يجري تحويلات علی ذاته و واقعه بالإنتاج والإبتكار بحيث يصنع إمكانا أو يخلق وقائع تتيح له تغيير ظرفه أو تغيير واقعه ، بقدر ما تتيح لە ممارسة فاعلیته و أثره. 
شيرين : هل نعتبر أحداث العراق والشرق الاوسط الجديد هي نتائج للاسلام السياسي؟؟؟
سامان : إن مايحدث في العراق والشرق الأوسط الجديد هي نتاج عدم وجود عقلية الوساطة ومنطق الشراكة والإحساس بالمسٶولية أو بسياسة التبادل والتعارف. وطالما لا وجود لأرضية التدرؔب علی عقل جديد يتجاوز الفكر الآحادي والعقل الماورائي تبقی الهوية أزمة غير قادرة علی صياغة روابط واضحة وثابتة أو المحافظة علی العلاقات البينية الإجتماعية ، بمعنی آخر ، تنعدم الثقة و تعلوا ظاهرة التخّوين والتكّفير و تبقی بنية المجتمع الشرق الأوسطي كما هي غير مبنية بالطريق الصحيح لا يسمح له بسبب وجوده في منطقة غير مستقرة سياسياً ببناء قواعد إجتماعية ثابتة و متماسكة. أن فرض الهوية الواحدة "المقدسة" عن طريق القوة سيكون دوماً مآله نفور الأقليات الدينية والقومية من هذه الهوية ، لأنها لم تأخذ بالاعتبار الحقوق الثقافية والدينية لباقي أطياف المجتمع. أما فيما يخص الإرهاب الوحشي الذي يستفحل يوما بعد يوم ، فهو ترجمة للمبادیء الوحدانية والنصوص المقدسة والعقلية الإصطفائیة والمشاريع الدينية الشمولية ، كالحاكمية الإلهية أو الحکومة الإسلامية أو الدعوة الی أسلمة الحياة والثقافة.
شيرين : متى تتحول الثورات من حديث وحق وحقوق الى دم ونزاع وهتك أوطان
سامان : هناك مثل فرنسي يقول " من السهل ان تبتدئ الثورات ولكن من الصعب ان تنهيها بسلام ". من الواضح بأن العمل على وتر الاستقطاب الطائفي والمذهبي والفكري يحول الحراك الشعبي الذي يحمل في برنامجه وطياته مطالب ديمقراطية شعبية مشروعة وتقف من وراءها الاكثرية الساحقة من الشعب بغض النظر عن المذهب او الطائفة او الدين الی دم ونزاع وهتك للأوطان.

شيرين : هل نعتبر التصوف حالة أجتماعية ام سياسية دخيلة على المجتمع العربي الاسلامي
سامان :  لاريب في أن التصوف نتاج مشرقي لايخلو من الغاية وغايته دائماً روحية ،  أصلە هو العكوف علی العبادة والإنقطاع الی الملأ الأعلی والاتصال به و الفناء فيه والإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها. فهو أيضاً فلسفة الإسلام الدينية ، والباحثين في التصوف عرؔفوه بإدراك الحقائق الإلهية. والتصوف شاع قبل الإسلام في الأديان والأمم كلها ، في الوثنية والمجوسية واليهودية والنصرانية ، ولقد عرفه في بعض أشكاله البابليون واليونان والرومان والهنود والصينيون والعرب والعجم، بل وحتی بعض الأمم الفطرية. التصوف الاسلامي ظهر ونما بصورة متداخلة و متوازية مع سائر فروع الثقافية كالفقه والكلام والفلسفة والعلوم ، لايجوز أن يٶخذ كنقيض للعلوم العقلية أو الفلسفة النظرية ، بل هو يتمفصل معها ضمن مجال معرفي واحد. فلو بحثنا التصوف عن كثب نری أنه كان في القرن الثالث الهجري علماً مستقلاً عن العلوم الأخری من فقه وحديث وكلام. والصوفية في أصلها رياضة نفسية تخلق في الإنسان إرادة فعالة وتخلق للمجموع المتصوف شخصية ثابتة. وهي ترمي الی إثبات الناحية الإجتماعية في وجه القوی الإجتماعية والطبيعية أحياناً، لذا يمكن أعتبارها ناحية جليلة من نواحي علم النفس. 

شيرين ..دكتور سوراني أيهما يغير الاخر الذات ...أم الحياة هي من تغير الذات وكيف ؟؟؟؟

سامان : من يريد أن يتغير و يساهم في التغيير ، علیه أن یعترف ، بأن الأزمة ليس مصدرها الغير ، بل الذات والفكر. والفرد كفاعل إجتماعي يعتمدعلی تشغيل قواه الذهنية وإستثمار طاقته الإبداعية ويفكر ويتصرف بصفته مسٶولاً عن نفسه أو صانعاً لحياته ، من غير وصاية نبوية أو وكالة نخبوية أو سيطرة بيروقراطية يستطيع أن يغير. إنني أوافق الرأي القائل بأن المجتمع لا يغيره الساسة والمثقفون وحدهم ، بل يغيره كل المنخرطين فيه ، علی هذا الوجه أو ذاك، سلباً أو إيجاباً ، تخلفاً أو تنمية ، خراباً أو عمراناً. هناك أكاديمات علم النفس تقوم بإعداد خطوات ذاتية لتغيير نمط الحياة والعيش بسعادة.   
شيرين : دكتور سامان كلنا يعلم أن القوانين البشرية هي تجليات من قانون الاله الواحد واعني هي أنحدار ...لماذا نجد هناك تغالطات في تفسير هذة القوانين الالهية من البشر ؟؟؟؟
د سامان :  إن الإدعاءات المثالية والتبجحات المتعالية والمزاعم الإلهية والغطرسة الحضارية والعربدة التقنية في غير مكان كلها نابعة من عدم مسألتنا لمفهوم الإنسان. الإنسان بالوكالة عن الله ، صاحب الدور النبوي يفسر القوانية الإلهية كيفما يشاء ، يبيح لنفسه كل شيء بقدر ما يعتبر نفسه غاية كل شيء. وهكذا نجعل علاقتنا بالحقيقة تقوم علی الحجب والتعتيم بقدر ما نجعل علاقتنا بالعدالة تبی علی الفحشاء والفساد ، أما علاقتنا بالحرية فتقوم علی المفاضلة والإستبعاد بقدر ما نجعل علاقتنا بالعقل تٶول الی كل هذا العبث والجنون والهلاك والخراب. إن الإعتراف بدونیتنا علی المستوی الوجودي هو أساس للأعتراف بحقوق بعضنا البعض علی الصعد السياسية والمجتمعية والثقافية أو حتی المعرفية.

شيرين : مرحلة التفكير هي العبور الى الذات مع خرق المعقول والغير معقول ..من المسؤول عن هذه المرحلة العقل أم القلب ؟؟؟؟
د. سوراني : هناك من يقول بأن الخيال والبداهة قد خلقا قبل أن يخلق العقل ،لكن الذي أعرفه عن الفيلسوف هو تحريه للحقائق المستورة عند الأكثرية بنظره النافذ ليكشف أسرار الطبيعة و يستفيد من قوانينها ويفيد غيره. عندما أعلن داروين نظريته في النشوء والإرتقاء وأهتدی بعقله الی مذهبه الذي الهب الأفكار وأحدث فيها ثورة و إنقلاباً وذكر أصلنا الحيواني خالفه أهله ومقتوە وعادوه ، لأنه خالف عواطفهم. ولكن في النهاية كان هو الفيلسوف ومعارضوە بقوا ذوي عواطف لاغير. أنا لا ألغي ماهو فطري في الإنسان ، لكنني لاأعطيهما تلك القيمة في كشف الحقائق. فلو كانت العاطفة أو القلب هي التي دفعت الحياة الی خلق الحواس ، فمن ذا الذي خلق العاطفة؟ 

شيرين:.الطريقة النقشبندية هل نعتبرها أعلى مراحل التصوف الديني ؟؟؟؟؟

د. سوراني : هناك طرق متعددة في التصوف والنقشبندية طريقة بين هذه الطرق لايمكن وصفها بمرحلة. فمن المعلوم بأن الزهد الإسلامي الذي كان مزدهراً في القرن الأول الهجري قد تحول شيئاً فشيئاً الی مدرسة لها قواعدها ونظمها وأسسها التي يفرضها الشيوخ علی السالكين. وسرعان ماعرف العالم الإسلامي أنواعاً متعددة من الطرق الصوفية ، فمنهم من التزم بالكتاب والسنة و منهم من تفلسف و نادی بنظريات وحدة الوجود ، (أي القول بأن هذا العالم المختلف في الأشكال ليس سوی مظهر من مظاهر متعددة لحقيقة واحدة هي الوجود الالهي) والحلول (أي نزول اله في شخص من الاشخاص) والاتحاد (أي شيوع الالوهية في العالم كله) والشطحيات وذلك في القرنين السادس والسابع الهجريين. أما لفظة الطريقة فهي تطلق علی مجموعة أفراد من الصوفية ينتسبون الی شيخ معين ويخضعون لنظام دقيق في السلوك الروحي. الأسماء تختلف بإختلاف أسماء مٶسسيها والخلافات التي كانت ولاتزال بين الطرق تنحصر في الرسوم العملية فقط.

شيرين : حرية الفرد في العالم العربي لم تكن متاحة كماهي اليوم قبل قرن من الزمن ...لحقتها حرية العلم والمعرفة هل تمكن الأنسان العربي الخروج من بودقة الغفلة العلمية والجهل؟؟؟

د. سامان : مفهوم الحرية هو من إبتكار المحدثين وإن كانت هذه المفردة ترد في الخطابات والمٶلفات قبل الأزمنة الحديثة ، فالمفكر السياسي المحدث اسبینوزا يقرر، أنه كلما زاد قدر مايتمتع به الأفراد في الدولة من حرية و مساواة ، زاد حظ الدولة نفسها من الاتحاد والقوة. هذا الإتحاد وهذه القوة لا نراه في الدول العربية. أما مشكلة الحرية هي مشكلة الوجود الإنساني بأسره. نحن نحيا في عالم ملیء بالعوائق ، ولابد للحرية من أن تصطدم بالعائق حتی تستحيل الی قيمة. والحرية هي كسب لابد لنا من أن نعمل علی إحرازه والكالم هو شكل من أشكال التعبير عن الحرية، بقدر ماهو نمط من أنماط الفعل والتأثير في المجريات ،علی مستوی من المستويات. الإنسان لايتمكن أن يخرج من بودقة الغفلة العلمية والجهل إذا لم يعمل علی تفكيك آليات عجزه ، لتغيير قواعد اللعبة بتشكيل عوالم ومجالات أو فبتكار أساليب ولغات أو إختراع وسائل وأدوات أو خلق موارد و فرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع وإمتلاك الوقائع ، هكذا يستطيع أن يمارس حريته. حرية الفرد يعني إستقلالية الشخص النسبية تجاه الأطر والقواعد والقيود الخلقية والاجتماعية والسياسية ،كيف هذا والعالم العربي يعيش الی الآن في فضاء الجبرية اللاهوتية.

شيرين : هل نحمل غياب الديمقراطية في المجتمعات العربية على عاتق الشعوب أم السلطات ؟؟؟
د. سامان : الديمقراطية لاتولد من العدم ، بل هي عملية وصيرورة تراكمية ، تنمو مع الزمن و عبر النضال الدٶوب للمجتمعات. النهضة والتنوير ضرورية لخلق الفضاءات الديمقراطية. وهذا المطلب الإنساني بحاجة الی بنية تحتية كخطوة أولی لتسد وتشبع الإحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع. نحن نعيش اليوم في قرية كونية صغيرة ، هناك ترابط وتشابك بين مصالح المجتمعات الإقتصادية والثقافية لافكاك بینها ، وهذا بدوره يساعد في تنامي وتطور الوعي السياسي والإجتماعي للوقوف ضد الأنظمة المستبدة التي لاتحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير والتطلع الی حياة أفضل. نحن نعرف بأن التطور هو سنة الحياة والديمقراطية تنمو عبر نضال الشعوب من أجل التخلص من القيم التقليدية الموروثة ، التي تبقی كحجر عثرة أمام التطور والتغيير. الأنظمة الجمهورية والملكية في البدان العربية مازالت أبوية المشرب ومطلقة في سلطاتها. أما "وعاظ السلاطين" كما تم تسمیتهم من قبل عالم الإجتماع الكبير علي الوردي فهٶلاء يوجهون المجتمع العربي- الإسلامي كما يشاؤون ، ووفق ما يريد منهم الحكام المستبدون. إذن مسألة غياب الديمقراطية هي مسألة جدلية بحتة وللإسلام السياسي و رفع شعار "الإسلام هو الحل" دور في إعاقة حتمية الديمقراطية. أما منظمات المجتمع المدني ، التي يجب أن تلعب خارج هيمنة السلطة دور الوسيط بين السلطة والشعب بعيدة عن العمل كشبكات تجسس علی الشعب فهي ضعيفة الی حد العدم ، لاتقوم بواجباتها الفعلية لدفع عجلة الديمقراطية نحو الأمام.     

شيرين : الانتماء للوطن والارض من يزرع بذرتها ؟؟؟؟
د. سامان : لامراء أن مسألة الإنتماء للوطن من أهم القيم الواجب غرسها من قبل المٶسسات التربوية في نفوس الناشئة والضروري تنمیتها لدی الطلاب. طبعاً هناك علاقة جدلية حميمة بين المواطن ووطنه ، لكن للأسرة دور مهم في غرس قيم الإنتماء للوطن ، بحكم أن كلاًّ منا يولد ويعيش ويتربى داخل الأسرة أولاً وأخيراً، بل ويتعلم ويتشرب كثيراً من القيم والعادات والسلوكيات من داخل الأسرة. في عالمنا اليوم تلعب وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة دور مٶثر ومهم في عملية التنشئة الإجتماعية وخاصة نحن نعيش عالم الأقمار الصناعية والشبكات العنكبوتية ، والحاسبات الآلية ، ووسائل الاتصال المختلفة كالجوَّالات وغيرها. فللإذاعة والتلفزيون والإنترنت وصحافة الفضائيات تأثير قوي في صناعة الفرد ، بل هي الموجِّه الأول لفكر الفرد. وبالتأكيد إذا سارت العلاقة الجدلية بين المواطن والوطن علی مسار حيوي و صحيح فإن المواطن سوف يكون مستعدا للدفاع عن وطنه مهما كانت مشاربه و توجهاته الفكرية والثقافية والسياسية. علی الإنسان أن ينتمي أولا لنفسه من خلال سعيه ليكون الأفضل وذلك بتنمية مهاراته وقدراتە وبعدها يسعی الی إثبات نجاحه و تفوقه. لأن النجاح والتفوق هما وسيلة من وسائل التواصل مع الغير. وعن طريق الإنتماء الی الاسرة تولد الإحساس بالمسٶولية الجماعية وهكذا تتدرج هذا الإنتماء تصاعديآ من خلال المدرسة والجامعة أو حيز العمل الی  أن يصل الی الإنتماء للوطن. 

شيرين : في فترة الاحتلال الأميركي للعراق ظهرت جماعة صوفية مقاتلة انخرطت في العمل المقاوم للوجود الأميركي عبر كيان سمى نفسه جيش رجال الطريقة النقشبندية.... هل نعتبر هؤلاء  متطرفين على النقشبندية الحقيقة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
د. سامان: بما أن للطريقة النقشبندية كغيرها من الطرق الصوفية أتباع من جنسيات و قومیات متعددة ، فأنه من الطبيعي أن تكون بعض من أتباعها عرب عراقيين. بعضهم قاموا بأدلجة الطريقة و إستغلوها لإقامة علاقات سياسية وتجارية أو تأسيس حركات إرهابية كـ"جيش رجال الطريقة النقشبندية" التي لاتربطها شيء بالصوفية ولا بشيوخ الطريقة النقشبدية. هذه الحركة الإرهابية تهدف أساساً الی إعادة حزب البعث المقبور الى الحكم أو تأسيس نظام اسلامي أشبه بنظام طالبان في أفغانستان بعد أن أفلست أيديولجية حزب البعث القومية. من صفات المتصوف أن يتخلص من عقدة الامتلاك لكي يحرر نفسه الأمارة بالسوء وتزكيتها بالعمل الصالح ، وهل يمكن إعتبار قتل الأبرياء من قبل هٶلاء المتطرفين عمل صالح؟ من يمارس التقديس لمطلق من المطلقات فهو لايحسن سوی إنتهاكه علی أرض الواقع البشري المنسوج من الأهواء والمطامع أو من الوساوس والهواجس. بصراحة أنا لا أری وجود للصوفية من دون محبة والمحبة هي أصل الموجودات.

شيرين : أي حديث لانمر به على العراق هو حديث ناقص لانه الوضع فرض نفسه علينا هل نعتبر العراق مجتمع تعرجات سياسية هشة

سامان : في العراق لا وجود لمجتمع سياسي واحد. سٶالنا هو ، ما الذي يجمع بين الجماعات الاجتماعية أو المجتمعات المحلية في العراق؟ هل قامت الحكومات التي تعاقبت السلطة في العراق والی الآن بترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية لدى أفرادها. هل الغيت مظاهر التمييز والتفرقة القومية والدينية والطائفية والسياسية في يوم ما؟ هل سعت الحكومات العراقية في يوم من الأيام بالقضاء على الفجوة بين الدولة والمجتمع من خلال الانبثاق الطبيعي للدولة والسلطة من رَحم المجتمع ذاته، وبالتفاني لتطبيق السياسات العادلة والمتوازنة الهادفة لخدمة الاجتماع السياسي والثقافي في المجتمع؟ الإنقسام المجتمعي موجود طبعا. أما حقوق المواطنة فهي حقوق مدنية تتعلق بالمساواة مع الآخرين وحقوق سـياسية تتعلق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وحقوق جماعية ترتبط بالشٶون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، لكن المواطنة في مجتمع العراق كانت ومن وجهة نظر الحكام في أنظمة الحكم المتعاقبة للدولة الراحلة ، صفة للجماعة التي ينتمي إليها هؤلاء الحكام. وحتی الملك غازي تطرف في ميوله الإثنية العربية علی حساب الكورد ، لذا أنا أعتبر السٶال المطروح من قبل حضرتك واقعي. 
شيرين :..هل نعتبر الفكر الحر الاهوج هو نتاج لناتج في المعترك العراقي ..ولماذا

د. سامان : الفكر الحر أو التفكير الحر هي وجهة نظر فلسفية ترى أن الأراء ينبغي أن تشكل على أساس العلم، المنطق والعقل ولاينبغي لها أن تتأثر بسلطة أو عادات أو أي من أشكال الدوغما. لكن الذي نراه في العراق هو عدم وجود مراكز علمية للأبحاث والتخطيط الاستراتيجي ومن غير تلك المراكز لايمكن أن تكون هناك تطور معرفي أو تنموي أو نهضوي. بالتأكيد تكون وظيفة هذە مؤسسات العمل علی إعداد دراسات وبحوث موجهة لصانعي القرار، والتي تتضمن توجيهات أو توصيات معينة حول القضايا المحلية والدولية، بهدف ترشيد أو عقلنة القرار السياسي للمسئولين وصناع القرار وتمكين صانعي القرار والمواطنين لصياغة سياسات حول قضايا السياسة العامة. أما احتكار صنع القرار السياسي والأمني من قبل شخص واحد وضرب مبدأ الشراكة عرض الحائط دون الإهتمام بنظام فصل السلطات يجعل من الشراكة حديث خرافة ومن العراق ساحة مفتوحة أو أرض مستابحة للنزوات الاستبدادية و الخطط الجهنمية.
 
شيرين: من لايتفوق على معلمه يكون تلميذ فاشل مقولة دافنشي ...من هو معلم سامان سوراني

د. سامان: من منا ليس له في هذه الحياة مُعلم، يستفيد منه ويتعلم من تجاربه وأفكاره؟ من منا لا يحيا بدون مَثَل، يستوحي منه القيمة ويستلهم منه المنهج الذي يطبقه في عالم الحياة؟
للفيلسوف الوجودي الألماني بيتر فوست رأي حول الإنسان فهو يقول : "الإنسان هو الموجود المتوسط الذي يتراوح وجوده بين الحياة (Bios)  والعقل (Logos) ، أنه لايجد الإشباع التام في الحياة ، ولكنه لايجد الراحة النهائية في العقل." هناك الكثيرون ممن أعتبرهم قدوة ومنار للفكر والإنسانية أمثال فيثاغورس الذي حدد معنی الفلسفة لأول مرة و سقراط الذي قام بدراسة الإنسان وله القول المأثور "أيها لاإنسان: أعرف نفسك" و اسبينوزا و ديكارت الذي مارس قواعد المنهج والشك والقائل: "أنا أفكر فأنا إذن موجود" و كيركجارد الذي ربط الفكر بالوجود و يسبرز الذي اهتم بالتأمل الفلسفي واصطدم بجدران "اللامعقول" وماركوس آوريليوس وباسكال و هيجل و نيتشه و سارتر وكامو و جاكومو ليوباردي وفيتجنشتاين ومن الفنانين العظام أمثال دوناتيلو و ميكيل انجلو و روبنس و ريناتو كاسارو و فان كوخ و سيزان و كليمت و مودلياني ماکس بكمان و اوتو دكس وغيرهم ، لكنني وقعت وأنا شاب يانع تحت تأثير الآراء الإنسانية لفلاح كوردي بسيط ، أراه معلماً لي  والذي كان يردد دوماً القول: "لن تكون إنساناً ، اللهم إلا إذا عرفت كيف تقضي كل يوم من أيام حياتك في اجتلاء جمال الطبيعة والبحث عن الحقيقة والمضي قدماً في طريق الخير و السعي نحو الکمال."

شيرين : كيف يصف دكتور سوراني القائد المستبد هل هناك معايير له ...؟؟؟

د. سامان : يقول الفيلسوف جون لوك بأن الطغيان يبدأ عندما تنتهي سلطة القانون. والقائد المستبد أو الطاغي يقترب دوماً من "التأليه"، يرهب الناس بالتعالي والتعاظم ويسعی في توحد الدولة في شخصه، معتبراً نفسه مصدر الإلهام ، يذل شعبە بالقهر وبالقوة ويسلب أموالهم. فهو لا يعترف بقانون أو دستور للبلاد ، إرادته هي القانون والدستور وما يقوله واجب التنفيذ وما على الناس الا السمع والطاعة. يقوم بتسخير وسائل الإعلام من اجل الإثارة والترغيب والترهيب وتطويع وتخدير الجماهير لإرادته. القائد المستبد يمكن تصنيفه من الناحية النفسية والإجتماعية بكل بساطة بشخصية بارانوية ملوثة بسمات نرجسية وسيكوباتية المستهينة بالمجتمع. لايعرف الإخلاص ولا الصداقة ، فهو دائماً شديد الحسد، شديد الغيرة، لا يطيق أن ينافسه أو يطاوله أحد. وهو يبالغ كثيراً في تقدير ذاته ويسخر كل شئ لتضخيم ذاته وقدراته ولديه شعور بالعظمة والأهمية والتفرد، وفي المقابل يحط كثيراً من قيمة الآخرين ويسفههم ويميل إلى لومهم وإلصاق الدوافع الشريرة بهم.

شيرين : هل من الممكن ان تحكم التعددية المجتمع الصامت الثائر؟؟
د. سامان: انّ فلسفة التعددية هو التنوع، وانّ جوهرها هو التميز عن بعض، ولو تشابهت لانتفت الحاجة للتعددية من الأساس. ما فائدة التعددية الحزبية إذا تشابهت أهداف كل الأحزاب وأدواتها ووسائلها؟ و التكاملية في المجتمع لا يخلقها التطابق. فسيادة قوانين غيرعادلة او سواد افكار سلطوية وشمولية حاكمة تفضل جزء من مكونات شعوبها على الآخر وتلغي وجود الآخر لايمكن أن تزرع بذور التعددية. إن تشجيع الحوار المجتمعي أمر ضروري لإتاحة الفرصة أمام القاعدة الشعبية للتعبيرعن نفسها وبلورة أمثلة لعملية التشاور ، يقوم المجتمع المدني من خلالها بمساعدة القادة والمسئولين على التعرف على ما يجب القيام به ، لضمان التأثير على عملية الإصلاح وتطوير السياسة العامة. الأحادية في التفكير والعمل تحت شعار أوحد ، هي بمثابة أفخاخ تلغم الحريات وتخنق التعددية و تٶول الی عسكرة المجتمعات والسلطات وتختزل الواقع.   
 
شيرين: أقرء لي سياسيا تميز اقليم كردستان وطفرته الحضارية ..
د. سامان : لقد عانى شعب كوردستان من الحکومات العراقية المتعاقبة في السابق الكثير من المآسي المتلاحقة، وكان أبرزها ضرب قوات المقبور صدام حسين لمدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية عام 1988 مخلفاً ما بين 5 إلى 10 آلاف قتيل. أما "حملة الأنفال" (1986-1989) السيئة الصيت ، التي قام بها المجرم علي حسن المجيد، والشهير باسم "علي الكيماوي" ضد شعب کوردستان مستخدما الأسلحة الكيماوية ضد الكورد، مزيلا أكثر من 4 آلاف قرية كردية من على الخارطة ، إذ يقدر عدد ضحايا هذه الحملة بنحو 185 ألف شخص ، فهو مثال آخر لسياسة التمييز العنصري للحكومات المركزية العراقية ضد أهل كوردستان.
لكننا ومنذ عام1991 ، أي بعد بعد إبعاد نظام البعث من بعض المناطق الكوردستانية شاهدنا تطور تدريجي في الإقليم بالشكل الذي اصبح فيه الإقليم اليوم قبلة لكل ابناء العراق والمنطقة في سياحتهم اليه بكمال الحرية واقامتهم فيه. هناك إستقرار أمني و تطور إقتصادي و سعي من قبل حكومة الإقليم المنتخب بشكل شرعي في إفساح المجال أمام التنافس السياسي الحر، وعدم تسخير المجال الديني لأغراض سياسية. لقد تبلورت الهوية الكوردستانية و تحولت اللغة والثقافة الكوردستانية الی لغة وثقافة حية والفضل عائد الی السياسة الحكيمة للقيادة الكوردستانية المعتصمة بقيم الديمقراطية والمٶمنة بالمساوات الجندرية من جانب و من جانب آخر الثورة الإعلامية الجديدة بكافة قنواتها التقنية. هذه الطفرة الحضارية تغضب بالتأكيد الاعداء وتسر الاصدقاء. من الواضح بأن الإقليم واجه أزمات سياسية و إجتماعية في علاقته مع دول الجوار علی مدار الأثنين والعشرين سنة الماضية ، إلا أنه تمكن من الاستمرار وتدعيم سيادته، ومن ثم يمكن القول أن استراتيجية الكورد للبقاء كانت ناجحة. فقد ركزت السياسة الخارجية للإقليم على تحقيق بعض أهدافه بالإعتماد علی الدبلوماسية الاقتصادية وتطوير أجندة قوية لتحقيق الأمن القومي و فتح باب الإقليم أمام المستثمرين والاستفادة من وفرة مواردها الطبيعية واستخدامها كأداة دبلوماسية لممارسة النفوذ على جيرانها، والذين كانوا معادين للإقليم. لقد تمكن الإقليم بحكم سياستها الذكية القضاء علی مشكلة التطرف الإسلامي و قام بدمج القوی الإسلامية المعتدلة في النظام السياسي للإقليم. هذه بعض من النقاط التي يمكن أن نأخذها بعين الإعتبار إذا ما أردنا أن نميز طفرة الإقليم سياسا.   

شيرين :: المجهر السياسي  السوري  هل نعتبر دمشق عين الشرق فيه وأين نضع الموقف كردستان من محنة الشام

د. سامان : إذا كنت تقصدين بالشرق المحاور الثلاثة إيران  و روسيا والصين ، فهذا أمر لايقبل الجدل ، فلهذه الدول مصالح إستراتيجية في سوريا و بالأخص لإيران. موقف إقليم كوردستان من التطورات السياسية في سوريا واضح وجليؔ. صحيح بأن الكورد يهدفون الی تأسيس خطاب قومي موحد وترتيب بيتهم بعد أن تمكنوا بفضل الهزة التي تعرضت لها دولة سوريا منذ بداية ٢٠١١ ولأول مرة في تاريخهم من طرح أنفسهم في الخارطة السياسية في سورية.، لكن حكومة الإقليم تأمل في  بناء دولة ديمقراطية تعددية تضمن حقوق الشعب الكردي وجميع المكونات الأخرى في سوريا.

شيرين : الاقصاء السياسي في العملية السياسية لاي دولة هل من الممكن ان يهز اكبر تاريخ لتلك الدولة كالعراق؟
د. سامان : إن أخطر ما يتضمنه إقصاء الآخر هو إنبثاق العبودية وإنمحاء الحرية. وهذا يكشف نظام شمولي يطمس كل إنفتاح للذات تجاه العالم. بمعنی آخر ، إن ثقافة الإقصاء يعني عدم رؤية الآخر وعدم تقدير مواقفه وآرائه أو التعامل معه وكأنه جرثومة يجب وأده واستئصاله ، هذە السياسة التي مورست من قبل نظام البعث بمنطق حصري ضدي عنصري عدواني إرهابي لعقود طويلة جلب معها الكوارث والآفات والمحن المعنوية والمجازر البشرية. إنه عين السخرية عندما نشاهد في العراق محاولة من قبل الحكومة في تأثيث المشهد السياسي الشمولي بديكور "حداثي" و "ديمقراطي" يغلف علاقات القمع والإقصاء السياسيؔيْن ، ويسبغ بعض أردية الشرعية علی نظام سياسي يفتقر الی أية شرعية. النرجسية المدمرة والاستقواء بالخارج فى مواجهة الداخل خطأ جسيم وإذا استمرت الحکومة الحالية علی السياسة القديمة ، فبالتأكيد سوف يكون تاريخ العراق قراءة الماضي علی قبر كلمات مطوية.

شيرين : دكتور سامان لنترك ضفاف السياسية ونخترق براكين المرأة والحياة لكن بنسمة هادئة الا وهي الجنس ..
  الا تعتقد أن الجنس هو الوسيلة لتحقيق الحياة ...؟؟؟
د. سامان : من المعلوم بأن الحياة تتولد وتتحقق في الوصال الجنسي الذي يتم بين الرجل والمرأة على نحو حبٍّ ومحبة. يهدف كلُّ دافع إلى تحقيق غاية والجنس في الإنسان تعبيرعن فعل الكيان ككل ، يتأثر في الإنسان بعوامل نفسية واجتماعية. الجنس محبة ، فهي الصلة بين قطبي الحياة لتوليد الحياة أو للتعبير عنها ، بها يدرك الإنسان بعده اللامتناهي أو الإلهي. الجنس الإنساني يتكون من عواطف ومشاعر وأفكار ومُثُل وتصورات ، فهو فريد من نوعه ، ذلك لأنه يتجاوز الحاجة البيولوجية ، بواسطته تلتحم أجزاء الكون وتأتلف وتتناغم. بنظري الجنس هو لقاء مع الآخر و تعبيرعن الكيان الواحد و تحقيق للحياة من خلال قطبي الحياة: الرجل والمرأة.
شيرين : أختلفت الاراء الى تفسير عملية الجنس بين الفلاسفة لبني الانسان انتم درستم الفلسفة هل تجدون هناك تفسير معين لوصول البشر للذروة الجنسية؟ الكثير يفسرها على انها شهوة وتنقضي والبعض يفسرها وخصوصا عند العرب على انه شىء مخجل ...أنا ارها هي مرحلة انتقال الى عالم الروح ...فلسفيا كيف وجد د. سامان سوراني هذا المنحى الفلسفي؟

د. سامان: لاجدال في أن الجنس هو أهم شيء في حياتنا ، لكننا عندما نفتح لە الباب علی مصراعيه فسيأتي علی الفحوی والمغزی العميق لوجودنا. وبالمقابل فإننا عندما نضيق الخناق علیه أو نثقله بتصورات الخطیئة والرذيلة فسنشوهه و سنفقد نحن أشياء جميلة ومجيدة، بمعنی آخر، ينبغي للجنس أن ينتظم في مجمل علاقاتنا. الحب والإنسجام هما حصيلة الإحترام المتبادل والمساعدة القائمة في كل نواحي الحياة. بالتأكيد كلما ارتفعت درجة التطور للكائن الحي أصبح كل من الحياة الجنسية والتجاذب بين الجنسين مرتبطا بالإيحائات العصبية. القواعد أو المعايير الأخلاقية لم تكن في يوم من الأيام قانوناً أبدياً وإنما كانت دوماً مختلفة و متغيرة ، لقد وجدت لخدمة مصالح فئات المجتمع المختلفة. الوصال الناجح أو ما تسمینه أنت بمرحلة الإنتقال الی عالم الروح يكسب المرأة سعادة طويلة الاجل ، لذا نجدها راضية حتی وإن أخفقت في مرات لاحقة في بلوغ قمة النشوة أو الذروة الجنسية. أما الشراكة الجنسية فهي في نظري ليست هدية وأنما وظيفة مستمرة  وحلها يتعلق بالتربية وبالمجتمع وبالتالي وقبل كل شيء بالناس الذين يريدون أن يتعايشوا مع بعضهم بعضاً سعداء.

شيرين : ماالفرق بين المحبة والحب من خلال قراءاتي للكثير من الكتب وجدت ان الفرق شاسع بين الاثنين وكبير فلسفيا مثلا الحب يجرنا للشهوة لكن المحبة تردعنا بوجود الله والشريعة واحترام الاخر كيف تجده حضرتكم؟
د. سامان : لو أننا فهمنا الحب علی أنه اهتمام بحياة الآخرين وشعور بأننا جزء من كلؔ وإسهام بنصيبنا من أجل رفاهية البشرية ، لكان في وسعنا القول ، إن الحب هو المعنی الحقيقي للوجود البشري بأسره. الإنسانية في حاجة الی الحب ،لا لكي تستمر مهزلة البقاء ، كما زعم الفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور، بل لكي يتحقق المعنی الحقيقي للحياة البشرية ، كما قال مٶسس مدرسة علم النفس الفردي النمساوي الفرد أدلر ذات مرة. صحيح بأنه في الحب أو الايروس شيء من المحبة لأنه وجهها المادي ، لكنه مع ذلك يشير إلى التجاذب ، إلى الحنين والتوق التلقائي الذي يخلو من الوعي. الحب الحقيقي هو تلك العلاقة الثنائية التي لايستأثر فيها أحد الطرفية بمركز الثقل ، بل يعد كل منهما نفسه مجرد جزء من كلؔ. هنا يمكن القول بأن الحب خـاص والمحبـة عامـة . المحبة هي القوة الواعية الدافعة باتجاه المعرفة والإبداع ، فهي عطاء لاينتهي وأساس التفاعل بين الذات ومايحيط بها. المحبة في اقترانها بالحب وبالقناعة والتجاوب المنطقي مع الفكر والوعي  تمثل قيمة أخلاقية ثابتة و تعكس سمو الروح وكرامة الجسد. فهي جاذبية وانسجام متناغمين ، أداتهما العاطفة ونتاجهما الإبداع.

شيرين : في سورة النساء،الاية 34 "الرجال قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا".
انتم من الذين عاشوا في بلد متقدم كالمانيا درستم وتشعبتم في المجتمع الغير عربي ..واكيد لاحظتم الفوارق الجمة بين المجتمع العربي والاوربي ...الرجال قوامون على النساء .. الاية صريحة ولم يقل أولياء ..والقوامة والولاية امر مختلف تماما فالقوامة تعني الرعاية والحماية أما الولاية فهي أثر من آثار نقص الأهلية في الشخص الذي تسري الولاية عليه..
لماذا نجد المجتمع العربي والاسلامي معتقلاً  نفسه والمراة وفق أنها ناقصة عقل ودين ...هل نستطيع ان نقول ان الرجل العربي رجل اناني متسلط ...ام هو ضحية مجتمع مازال يرى من ثقب ابرة ..

د. سامان : بدایة أود أن أشير الی المادة الأولی من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص: "تولد الكائنات البشرية جميعها حرة ومتساوية في الكرامة والحقوق"، لكن الرجل في المجتمعات العربية المحافظة وبسبب رسفه في أغلال التقاليد الرجعية الموروثة التي تسوّغ له ممارسة الاستبداد بالمرأة والتحكم في مصيرها وحريتها لا يستطيع أن يهضم مضمون هذه المادة.   
لقد أشار عالم الإجتماع الكبير علي الوردي بأن العالم العربي هو موطن البداوة و أكثر المناطق في العالم تأثرا ومعاناة بين قيم البداوة وقيم الحضارة. للأسف يٶثر هذا الصراع الی یومنا هذا علی البنية الثقافية وسمات الشخصية العربية. المجتمع العربي هو مجتمع أبوي ذكوري وعلی المرأة في هذا النوع من المجتمع أن تخضع وتنصاع الی أوامر الذكر ونواهيه. الرجل في الشرق الأوسط لايعترف بأنه بدون المرأة قياس عقيم لاينتج. أما المرأة فهي مثل الرجل إنسان یعقل، إنسان له عواطف وإحساسات، یشترك معه في العمل. ولو أردنا أن نقدر الدرجة التي وصل الیها أي شعب من الشعوب في الحریة فعلینا أن نبحث في الحریة التي یتمتع بها النساء فیه ، یعني أن مقدار التحرر الذي تحصل علیه المرأة من العبودیة السالفة في أي مجتمع هو أضبط مقیاس لتحرر هذا المجتمع.

شيرين : دكتور سامان هل نعتبر الفلسفة الوجودية هي رحلة البحث عن الله؟؟؟؟

سامان : الفلسفة الوجودية تتناول مشكلات وجودية ، مثل مشكلة معنى الحياة، مشكلة الموت، ومشكلة الألم ، لكنها لاتقف عند حد تناول هذه المشكلات. قرأت وأنا إبن العشرين إعترافات اوريليوس أغسطينوس هيبونيسيس أو من يسمی عندنا بالقديس أوغسطين المٶمن بالجبرية و خواطر للفرنسي باليز باسكال و إدراكات الفيلسوف الإسباني الباسكي ميکويل دي أونامونو و روايات الروسي دوستويفسكي وخاصة روايته المشهورة "الإخوة كارامازوف" وأشعار النمساوي المجري راينر ماريا ريلکه ، هٶلاء تناولوا في أعمالهم موضوع الخالق لكن لا بعمق الأب الروحي للفسلفة الوجودية الدنماركي سورين كيرکجارد أو الطلاب المنتسبين له أمثال الفرنسيين غابريل مارسيل و جان بول سارتر و الفلاسفة الألمان أمثال كارل ياسبرز و مارتين هايدغر  ونیتشه والروسي نيکولاس بريانيف. إن معالجة المشكلات الميتافييقية من قبل هٶلاء لعبت دور مهم في نشأة الفلسفة الوجودية. سورين كيركجارد يٶكد في فلسفته أولوية الوجود علی الماهية وهو علی ما أظن أول من أعطى كلمة “وجود” معناها “الوجودي”، فهو بمعارضته للعقل يری أنه لايمكن الوصول الی الإله بوسيلة طرائق الفكر وإن اللحظة هي تركيب يجمع بين الزمان والخلود والوجود يتماشی تماماً ويتطابق مع الزمانية. إن محاولات الوجوديين للوصول الی الوجود في ذاته بإختلاف تجاربهم الشخصية يتم بالتغلب علی النزعة المثالية و تعديها ، فالإنسان أو مايسمونه "الموجود" كحقيقة ناقصة و مفتوحة ومربوطة أوثق إرتباط الی العالم وخاصة الی البشر الآخرين ، يخلق نفسه بنفسه ، أي إنه هو هو حريته هو.
بالرغم من أن مارسيل و كيركجارد أعلنو إيمانهم بالألوهية ، إلا أن هذا لا ينطبق علی ياسبرز ، الذي قال بوجود التعالي  أو المتعالي أو علی الفيلسوف هيدغر الذي أنكر الألوهية . أما سارتر فوضع مذهب صريح ومتسق الأركان في إنكار الألوهية. بصراحة سٶالك هذا عام ويحتاج الی دراسة خاصة. 

شيرين : هل تعتبرون بداية اي وجود  هو الفكر...
د. سامان : لو أخذنا بمذهب الفيلسوف الفرنسي رينيە ديكارت في الـ"كوجيتو" "أنا أفكر إذاً أنا موجود" نری بأن الفكر يسبق الوجود ، لأنه من غير التفكير لا أستطيع القول بوجودي ، بمعنی أن الفكر هو الذي یكشف لي حقيقة الوجود. صحيح بأن الوجود ككيان مادي شاخص كائن ، لكن بدون الفكر لا أحد يستطيع إثبات هذا الوجود المادي الكائن. هل يمکن الفصل بينهما؟
إن مقولة ديكارت شكلت إعلاناً بالتحرر من أطر الفكر المدرسي و خروجاً من قوالب المنطق الشكلي ، فالكوجيتو الديكارتي هو يقظة من سبات الفكر اللاهوتي ونقلة من التمركز حول الله الی التمركز حول الإنسان ، إنە إعلاناً بلغة الفلسفة عن تشكل الإنسان ذاتاً مفكرة تخلق وتبدع بعد أن كان مخلوقاً مترهنا بفكره وإرادته لقوی الغيب ومشيئة اللامرئي. أنا أری أن حال الفكر والوجود، كما هو حال الروح والجسد، فلا الروح قادرة على أن تنفصل عن الجسد إلا بالعدم، ولا الجسد قادراً على أن ينفصل عن الروح إلا بالعدم، فهما في النهاية محكومان بوحدة لا تنفصم، وكذا الفكر والوجود. أما الإدراك والعقل والفكر وآليات الدماغ فهي وسائل للتعاطي مع الوجود والحياة. والبحث في الوجود يعني البحث عن رٶية الإنسان وإحساسه وإدراكه وإنفعالاته. الفكر عندي هو حركة الواقع وقد إنتقل لذهن الإنسان فلو لم يكن هناك حركة للواقع المادي ما كان هناك فكر ولا حياة. بالتأكيد لاتفكير بلا غاية. والفكرة تنشأ من صور مادية تترتب بعدها لتخدم حاجة وجودية سواء مادية أو معنوية تتمثل فى الأمان والسلام.

شيرين : لغة الخطاب السياسي تتحمل جزء كبير من كاهل الامة فالعراق مثلا دولة تفقد الى لغة الخطاب السياسي بسبب النزاع على العروش ...الى اي مدى تحتاج الشعوب ...لتخرج من قوقعة التهتر الواقعي ..واعني العراق

د. سامان : بما أن الخطاب السياسي حقل للتعبير عن الآراء واقتراح الأفكار والمواقف حول القضايا السياسية من قبيل شكل الحكم كالديمقراطية واقتسام السلطة والفصل بين أنواعها ، إلا أننا لانری أن في العراق أحزاب تمتلك لغة الخطاب السياسي المقنع والهادف إلى حمل المخاطب على القبول والتسليم بصدقية الدعوى عن طريق توظيف حجج وبراهين. الخروج من قوقعة التهتر الواقعي يتم إذا ترك المجتمع عقلية الإعتماد علی زعيم أوحد أو قائد ملهم أو مهدي منتظر ، يختزل مجتمعاً بكامله أو يستبد بلد بأسره بهدف تشكيل حشود بشرية أو قطعان عمياء تصفق وتطرب و تعد وتتوعد ، لكي تقع في النهاية ضحية من تقدسه وتبجله من زعماء وأئمة وآيات الله وحجج المسلمين. وللعراقيين تجارب في هذا المجال.
   
شيرين : يمر العالم العربي في مرحلة خطرة وهي نتاج لسيناريو لابد ان يكون هذه التغيرات ، هل نستطيع ان نضع ضمن اطار الثورة الوجودية ؟؟؟؟؟
سامان : هناك رأي للكاتب الجيكي القدير فاتسلاف هافل حول الثورة الوجودية، فهو يقول بأن الثورة الوجودية عبارة عن إمكانية إعادة هيكلة المجتمع أخلاقيا ، بمعنى تجديد جذري لعلاقة الإنسان بما أطلقت عليه "النظام البشري". إن الأمر يتعلق بهذا المسار، خبرة وجودية جديدة،  تجديد الارتباط بالعالم، الالتزام المتجدد بالمسؤولية العليا، إعادة اكتشاف العلاقة بالآخر والتضامن مع المجتمع.
العالم العربي والإسلامي تواجه أزمات ومآزق ، فهو يحتاج الی إعادة النظر في الكثير من المسائل الجوهرية ، منها القوة وفي مصدرها و أوجه إستخدامها. في الواقع الکوني الجديد لم تعد القوة هي قوة عسكرية محضة ، كما يراها السيد نوري المالكي وأمثاله من الكلاسيكين العرب، أصحاب عقلية ماقبل الزراعة، بل قد تكون إقتصادية  عبر إنتاج السلع والتقنيات والمواد الصلبة ، وقد تكون ناعمة عبر إنتاج الثقافة والرموز من الأفكار والقيم والمثل والمعارف والمعلومات. أين العالم العربي من كل هذا؟ المجتمعات العربية سقطت للمرة الثانية في إمتحان الفردية والمواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني ، وتراجعت وللأسف عما كانت علیه قبل عقود.
شيرين : هل توجد في الحب فلسفة؟؟؟
د. سامان: موضوع الحب أثير في كل الثقافات وعند كل الأمم، وأصبح في حياتنا المعاصرة ثقافة ودواء لعلاج أمراض الإنسان المعاصر من الوحدة، ومن أمراضه العضوية وهناك ثمة مقولة صوفية مفادها أن الحب "لا يكون موجوداً، حتى تخاطب الـ أنت بـ ألـ أنا". بما أن الحب هو المعنی الأسمی لكل ما يحيط بنا، فأن مفهوم الحب وتعريفاته قضية أثارت منذ البدء جدالاً وإختلافاً لدی المفكرين والفلاسفة. الحب فلسفة وهو كشعور أسمی للإنسانية ونور يفتح كنوز العالم لايمكن جمعه وتفسيره وتحديده بمقال. لقد أشار أفلاطون علی لسان أرسطوفان الی أن  الحُبّ جاء ليعيدنا إلى نشأتنا الأولى التي خرجنا منها، إنه يفعل كل شيء في سبيل إعادة وصل النصفين المشطورين واستعادة تلك اللُحمة الأصلية التي جسدَّت كمالنا الحقيقي. جوهر الحب هو البراءة والبساطة ، فهو بداية المعرفة رغم أنه يجلب لنا بجانب الغرق في  بحر العواطف والأحاسيس الجراح والآلام، وفي التعبير عن العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة يمكن القول بأن الحب هو كيمياء متبادلة بين أثنين وهو حالة قصوى من حالات الشرط الإنساني كالخوف والقلق والموت.
شيرين : يراودني شعور ان قلم سامان سوراني يجيد العوم في دنيا الانثى  واعني القوافي كما هو في زوبعة الفلسفة
سامان : أنا لا أری بأن دنيا القوافي رفاهية أوغياباً عن الواقع ، بل هو الحضور الأعمق فى قلب العالم. الشعر في نظري هو الشعور الإنساني، وجوهر الفكر البشري ونتاج التجارب النفسية العميقة الصادقة، بل هو المرآة التي تحاكينا وتترجم أحاسيسنا ومشاعرنا. لقد كتبت بحثا علميا مفصلاً باللغة الألمانية حول شعر وحياة الفيلسوف الشاعر الكوردي العراقي جميل صدقي الزهاوي ، الذي دافع كمصلح إجتماعي طوال حياته عن المرأة وهناك محاولة من قبل مٶسسة الزهاوي في بغداد لترجمته الی اللغة العربية. صحيح بأنني أكتب في حالات خاصة الشعر ولكنني لست بالشاعر.
شيرين : هل نسمي المرأة فلسفة الحياة والى اي مدى؟
سامان: إن خطاب المرأة لا تكتبه إلا المرأة، وحقيقتها لاينطق بها سواها، وإرادتها لايعبرعنها غيرها.

الحوار معكم دكتور سامان يثير فضولي لحوار اخر شكرا لوجودك معي في عالم اللا منتهى
20  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل العلاقات بين تركيا واقليم كوردستان هي حصيلة السياسة الحكيمة؟ في: 16:51 01/11/2013
هل العلاقات بين تركيا واقليم كوردستان هي حصيلة السياسة الحكيمة؟ 

شكل العام ١٩٢٣ تحولاً تاريخياً هزؔ أركان الخلافة العثمانية بعد أن تم خلع آخر السلاطين محمد السادس والغي السلطنة وأعلن بقيادة مصطفی كمال الجمهورية. التجربة الكمالية ، التي  تأسست على خلفية قيادة فردية ، وحزب أوحد ، ونظام جمهوري لكنه تسلطي توتاليتاري حوؔلت السلطنة العثمانية إلى تراث ماضوي ، لكنها أثبتت قدرتها ، رغم معارضة الكورد والأرمن لها ، علی الصمود لقرابة المئة عام.
اليوم تعيش تركيا في زمن الحقبة الأردوغانية ، تنتهج خطاب سياسي ذو حدين. من طرف تنادي بسياسة إحياء الوحدة العثمانية والتمجيد بتاريخ السلاجقة الأتراك ، بعد تبني شعارات إسلامية دوغمائية تجعل من الإسلام السياسي مقولة سحرية ، ومن طرف آخر تنحو في اتجاه تأسيس وترسيخ السلام وزيادة الاستقرار والسلام في العالم وخاصة في محيطها القريب. صحيح بأن التحول السياسي العالمي السريع، الذي بدأ في أوائل التسعينات من القرن الماضي، أدی إلى إنعاش أمل سلام دائم في العالم ، لكنه جلب معه أيضاً بعض الغموض بشأن المستقبل ، لذا تحاول تركيا رسم صورة قوية يزداد تأثيرها باستمرار في مجال السياسة الخارجية عن طريق انفتاحات جديدة تقتضيها المشاكل الإقليمية وإسهامات هامة لتطوير الحوار.
فيما يخص العلاقات بين تركيا وإقليم كوردستان فإنها تعيش اليوم مرحلة لم تكن متوقعة أن تصل اليها قبل عام ٢٠١٠.  إقليم كوردستان خطت ، كحصيلة للأستقرار الذي يتمتع به على المستويين السياسي والديمقراطي و كنتيجة لممارسة سياسة حكيمة مطلية بالدبلوماسية والشفافية والإيمان الكامل بالسلام والتعايش وإحترام حسن الجوار بينه وبين تركيا ، خطوات كبيرة نحو بناء نوع من التكامل الأقتصادي والتجاري مع الرغبة المتبادلة في الاستفادة بعد توافق المصالح السياسية والإقتصادية و بروز رٶی مشتركة لقضايا وتطوات سياسية في المنطقة.
حكومة تركيا لاتری الآن بأن تغير التركيبة الفدرالية الحالية التي يعيشها إقليم كوردستان الى الكونفدرالية تهديد علی أمنها وسيادتها ، بل تقرأها كسبيل لتنظيم الأمور وإدارتها بشكل أنجع. فهي مستمرة في سياسة تقديم الدعم المالي والفني والسياسي للشركات الترکية التي ترغب في الاستثمار في إقليم كوردستان ، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والإقليم أكثر من ١١ ملیار دولار أمريكي و حجم الشركات التركية العاملة في الإقليم تبلغ أكثر من 50% من بين الشركات الأجنبية العاملة فيه. مع هذا لا يمكن معرفة مدی قدرة الإقتصاد التركي على النمو والتوسع والوقوف أمام الأزمات الإقتصادية التي تلازم بعض البلدان الأوروبية منذ سنوات.
أما فيما يخص حل القضية الكوردية في تركيا ،  فلا يمكن لتركيا أنْ تتحول الى نموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط أو تدعو لها مالم تحل القضية الكوردية حلاً جذرياً واقليم كوردستان سوف يكون العامل المساعد في حل القضية سلمياً من غير التدخل في شؤون تركيا الداخلية.
إقليم كوردستان المتمسك الی حدٍ ما بفصل الدين عن السياسة يسعی الی لأم الشروخ و دعم التعاون داخل المجتمعات الكوردستانية لإجتياز الحدود و رفع القيود المصطنعة علی شعب كوردستان. والشعب الكوردستاني بدأ بعد جمعه التجارب في الدفاع والسياسة يستوعب المعادلات الإقليمية و الدولية ليرسم خططه التكتیكیة والإستراتيجية بوعي وإدراك علی ضوء تلك النتائج التي يتوصل اليها بعد تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية ليضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته.
في الماضي كانت الأنظمة الإقليمية في المنطقة تؤثر بشكل سلبي على مصير و مستقبل شعب كوردستان الذي واجه أقسی أنواع حملات الإبادة الجماعية و الممارسات العنصرية والاستراتيجيات السلطوية الاستبدادية و بشكل عام واجه تحديات جسيمة و لم يكن أمامه خيار آخر سوی الكفاح المسلح لتحقيق مطامحه القومية و الإنسانية المشروعة. لکن السياسة الحکيمة التي تمارس من قبل القيادة الكوردستانية استطاعت أن تحوّل الكورد الی لاعب نشط وديناميكي من شأنه أن يغير الخارطة الجيو- سياسية في الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين.
وختاماً: أن إرادة الشعوب في الحياة وفي العيش بحرية وشرف وكرامة هي التي ستسود في النهاية والتاريخ يٶكد أن إرادة الشعوب لاتقهر ولاتهزم ولاتخدع ولو بعد حين.
الدكتور سامان سوراني

21  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان وتحولاته في زمن عولمة الهوية في: 16:39 28/10/2013
إقليم كوردستان وتحولاته في زمن عولمة الهوية

في العقدين الماضيين شهدت البشرية الكثير من التطورات والتحولات التي طالت كل شيء تقريباً ، بحيث دخلت الإنسانية في مرحلة تاريخية جديدة على مختلف الصعد والمستويات.
السٶال هو، هل يمكننا أن نستوعب تلك التطورات والتحولات أو نستفيد منها إذا بقيت أوضاعنا الداخلية غير موحدة ؟
فعصر العولمة يتطلب منا إرادة إنسانية مستديمة وثقافة تعلي من شأن الإنسان وحقوقه، وتصون كرامته ومكتسباته، وتجذر وتعمق خيارات الحوار والتعددية والتسامح ونظاماً سياسياً، يستند في إِدارته وحكمه على مبدأِ المشاركة وتداول السلطة وإرساء دعائم الديمقراطية في الحياة العامة.
بالرغم من أن إقليم كوردستان يعيش حقبة آفاق مفتوحة لايزال هناك نقص القدرات الإنسانية في المعرفة ونقص في تمكين المرأة ومازالت حرية تكوين الروابط المدنية وجمعيات النفع العام ضعيفة و أنساق الحکم الإداري الطابع مركزية والمشاركة السياسية تدار بأسلوب مركزي جزئي خاضع لتنظيم شديد لايشمل جميع المواطنين.
العمل الجاد من أجل الوصول الی نموذج الحكم الصالح "Good Governance" من أجل تعزيز ودعم وصون رفاه الإنسان وتوسيع قدرات البشر وخياراتهم وحرياتهم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية يجب أن تبدأ بتفكيك آليات وأساليب قديمة متحجرة سائدة. فإدارة البشر في عصر العولمة يحتاج الی إبتكار سياسي ومٶسسي جديد يتلائم مع التغير في نمط السلطة.
إن مواجهة تحديات العولمة علی صعدها المختلفة والمتعددة تبوح بالفشل إذا كنا عاجزين عن خلق الأفكار وفتح المجالات أو قمنا بالهروب من المواجهة والإبتعاد عن إبتكار المهام وتغيير الأدوار. فالهوية هي ما ننجزه ونحسن أداءه ، أي مانصنعه بأنفسنا وبالعالم ، لا ما نتذكره ونحافظ علیه أو ندافع عنه. 
أما الماضي فيتحول الی عائق يصرفنا عن فهم الواقع وصناعة العلم إذا لم نستثمره بصرفه الی أعمال ومنجزات. فالماضي يقودنا الی مانحن علیه في حاضرنا ، بالرغم من أن البعض مازال يظن بأننا لم ندخل بعد عالم الحداثة ، مع أننا ننتمي الی الزمن الحديث منذ صدور أول جريدة كوردستانية في الثاني والعشرين من ابريل 1898.
من المعلوم بأن الديمقراطية لاتأتي من الباب الخلفي كما يسعی الیها البعض ، بل يجب أن تبنع من قرار سياسي واع و مقصود بتأسيس الديمقراطية ، والتحول والتغير الديمقراطي لا يأتيان إلا من خلال إصلاح واع و جريء. أما فيما يخص إصلاح الأخلاق الوظيفية فهذا لايتم برفع الرواتب ولا حتی بمجرد تطبيق نظام صارم من العقوبات والمحاسبة. علی الرغم من حتمية وبداهة هاتين الناحيتين في قطاع أي عمل ، إلا أن الأهم من هما هو إحترام التميز الفردي والإفساح في المجال للإبداع والإبتكار ومكافأة وتقدير المتفوقين عن طريق إفساح المجال لتحقيق الذات.
فالعمل علی إعطاء المواطن حقه الأخلاقي الطبيعي في تحقيق ذاته هو الأساس الناجح والصحيح لنظام لايعمل بعقلية فوقية تقول: "إن الدولة أهم من أفرادها وإن الأمة أهم من مواطنيها". 
إن حب شعب كوردستان لقياداتها السياسية يزداد كلما كانت هذه القيادات قادرة على تحمل مسؤولياتها بما فى ذلك أشراك الشعب الكوردستاني معها في إدارتها لأزماتها.
الديقراطية ليست عقيدة والعبرة بالنتائج والحوار قيمة إنسانية وحضارية كبرى تتجلى في الدوائر والمجالات كافة ، والاجتهاد وتطوير مؤسسات البحث والتفكير وصياغة ثقافة سياسية جديدة لا تنحبس في قوالب ماضوية ولا تلقي خصوصية أوضاعنا، ولا تقفز في المجهول وإنما تبني حياة سياسية جديدة ترتكز على إطلاق الحريات السياسية لكل القوى والمكونات لكل القوى والمكونات، وإدارة الاختلاف والتنوع بعقلية الحوار والاستيعاب ، لا بعقلية الصمت والإلغاء . أما المجتمع الذي تضمحل فيه إمكانية ممارسة النقد والمساءلة ، فليس بإمكانه استيعاب التحولات والإفادة القصوى من منجزات العصر والتقنية الحديثة.
وختاماً: إن عولمة الهوية لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية. أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات. الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
الدكتور سامان سوراني

22  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دور الوعي المجتمعي والسياسي في بناء الدولة الكوردستانية في: 19:54 26/10/2013
دور الوعي المجتمعي والسياسي في بناء الدولة الكوردستانية

يمثل الوعي إدراك الإنسان العاقل للواقع والأشياء و للتجارب والمتغيرات المحيطة والقدرة علی تحديد موقف تجاه الواقع والأشياء، إذ بدونه يستحيل معرفة أي شيء.
الوعي المجتمعي والسياسي هي رٶية ومعرفة عقلية لما يحيط بأفراد المجتمع السياسي من أفكار وممارسات واختلافات سياسية وركيزة أساسية لبناء النظام السياسي والإجتماعي الذي تشمله سلطة الدولة ، بدونها لايمکن لأي نظام أن يصمد أمام أزمات قد تمر بها الدولة أو المجتمع مهما كان حجم البناء السياسي أو العمراني.
فالوعي السياسي لە أهمية كبيرة في بناء الأنظمة الديمقراطية واعتماد العقلانية والتفكير العلمي أساساً منهجياً لتنظيم التعايش في المجتمع وقبول الآخر.
المسٶولية التاريخية تفرض علی النخبة المثقفة ، التي تمثل القيم العليا لثقافة المجتمع والتي علیها أن تلعب دوراً أساسياً في  متابعة الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع وايجاد الحلول والمعالجات الضرورية والبدائل لتلك الظواهر وفقاً لمعيار ومحددات المجتمع.
إن إشاعة الوعي المجتمعي والسياسي تتم عن طريق مشاريع نهضوية تتوجه الی المواطنين بقدر ما تتوجه الی السلطة والقيادات الحاكمة دون إنحياز وتملق علی حساب الشعب. المرحلة التاريخية التي يمر بها إقليم كوردستان تجاوزت طرح أسئلة بسياقها الإجتماعي والسياسي مرهونة بفكر وثقافة فترة النضال المسلح ضد الدكتاتورية والأنظمة الشمولية المستبدة والبائدة التي هضمت كافة الحقوق المشروعة لشعب کوردستان.
إن قراءة الواقع الكوردستاني الجديد باستقلالية تامة والقدرة علی إجتراح الحلول والمخارج إنطلاقاً من لحظة توصيفنا الحاضرة والمستقلة لذاتنا ، بغض النظر عما تنبأ بها أسلافنا أو ما أبدعه قياداتنا الوطنية الخالدة في الماضي ، تكشف لنا مدی حاجة المجتمع الی العدالة وتأمين الحريات الفردية للتعمق في الثقافة السياسية كالدستور والحقوق والواجبات وصلاحية السلطة الی جانب الأمن والغذاء لبروز أسس الوعي السياسي ومحو حالة الإستغفال والتخلف والإتكالية وسياسة التجويع فيه. فضعف الوعي المجتمعي والسياسي تخلق أزمة الهوية و الإندماج الإجتماعي وأزمة العزوف عن المشاركة السياسية مما يٶدي في النتيجة الی عدم نضوج التجربة الديمقراطية والتخلف في بناء الدولة.
إن العمل علی نشر الوعي المجتمعي والسياسي بين أفراد الشعب الكوردستاني بعيداً عن التعصب المذهبي أو القبلي أو القومي وبعيداً عن ربط المواطنة بأشخاص أو أحزاب أو عن المصالح الضيقة والأهداف الآنية ، يٶدي الی ترسيخ مفهموم المواطنة ويعزز ثقة المواطن بالقوى الفاعلة ويخلق التوازن في المجتمع بعد تشريع قوانين عادلة تحقق المصلحة المشتركة للدولة والفرد و يسهل أخيراً عملية الاستعداد النفسي والفكري للالتصاق بالوطن تاريخاً وأرضاً وشعباً وقيماً.
المجتمع الكوردستاني يجب أن يبدأ رحلة بناء الدولة الديمقراطية للوصول الی مكاسب برلمانية علی حساب سلطة الأحزاب المطلقة ونضوج الفكر الديمقراطي بجهود مفكرين يعملون من أجله لتقييد حركة السلطة وعدم السماح لها بان تعمل بشكل مطلق في الساحة الداخلية وحتى على المستوى الدولي ، بعد إشاعة مبدأ العدالة الاقتصادية من خلال حل المشاكل المعيشية للمجتمع كالبطالة والفقر والعدالة في توزيع الثروة ، تلك الرحلة التي ساعدت الشعوب الغربية في التخلص من قيود الظلام والاستبداد والسلطة المطلقة وكل ما يتعلق بغلق الفكر والحرية الإنسانية.
من الواضح بأن الإستبداد السياسي هو السبب الرئيسي وراء التخلف في المجالات الاجتماعية، والثقافية ، والاقتصادية. والطريق الأمثل للتخلص منه هو معرفة الشعب لما له وما عليه، أي لحقوقه وواجباته وليس معرفة ما عليه فقط دون التفكير فيما له، وان الشعوب المتقدمة قد تغيرت وتطورت نتيجة لنمو الوعي السياسي.
الدولة الكوردستانية الحديثة هي الواقعية الروحية التي يتعين فيها حقوق الأفراد وحرياتهم و واجباتهم ، لذا نراه من الواجب أن تكون عقلانية ، مرتكزة علی العلمانية والمواطنة والديمقراطية ، أي مدنية ومٶسسة علی فصل الدين بالسياسة رافضاً استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية ، وإقحام الدين في عالم المصالح الدنيوية الضيقة ، فالدين في الدولة المدنية ليس أداة للسياسة وتحقيق المصالح.
الإعلاء من شأن الانتماء للدين على حساب الانتماء للوطن فمآله التقليل من شأن مفهوم قيم المواطنة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات واحترام القانون وسيادته. فـ"الدولة"، بوصفها العقلي الكلي، لا تستمد وجودها من ، "التصور الديني" ، و "العاطفة الإيمانية" ، كما يعتقد البعض ، ذلك أن "الدولة" ، هي" الروح الضاربة بجذورها في العالم" قاعدتها ومبدأها العقلي ، هو "الحرية"، على خلاف "الدولة الدينية" ، اللامبالية حيال العالم الدنيوي.
إن هوية دولة كوردستان المعاصرة ينبغي ان تكون انعكاساً ودليلاً علی قدرة أبنائها علی الإبداع والتقدم والانفتاح علي العالم وثقافاته وعلومه وليس العودة إلی الوراء. فالجهاز الإداري يجب أن يخضع لقانون موحد والمؤسسة العسكرية أو الجيش ، يجب أن تكون مؤسسة ديمقراطية، وعلی البيشمرگه الدفاع عن الوطن أو التراب مما يُبين "الحس الوطني"  لديه.
أما الموظفين في الدولة فيجب إنتخابهم علی أساس مباراة مفتوحة ، تعتمد على مفهوم "الإستحقاق"، من شأنه أن يخلق تكافٶ لافرص والجهاز التعليمي يجب أن يكون مٶمم و تطبيقي النوع  يعتمد علی اللغة الموحدة وإقتصاد السوق الموحد يعتمد علی الإنتاج. أما أيديولوجية الدولة فيجب أن تكون في عالم تتعدد فيه النزعات العقائدية دولوية لضمان الإستقرار. بإختصار يجب أن تكون الدولة الكوردستانية مبنية على منطق الإنسان الإجتماعي الذي يحاور ويناقش ويصوت في شؤون الجماعة مقيداً فقط ببنود والبعد التنموي يجب أن يكون حاضراً وفاعلاً كمكونات سياسية وثقافية لشعب الدولة الكوردستانية الحديثة وليس مجرد شعارات جوفاء.
وختاماً: الإنسان لا يولد مواطناً، بل هو يتربى على المواطنة وإن أفضل دولة هي تلك التي يقضي فيها الناس حياتهم في وئام و تبقى فيها القوانين محفوظة من كل تجاوز.
الدكتور سامان سوراني


23  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الأدوات السياسية المعاصرة للتفاوض و خفايا النجاح الدبلوماسي في: 16:34 24/10/2013
الأدوات السياسية المعاصرة للتفاوض و خفايا النجاح الدبلوماسي

بالرغم من أن  ثنائية الحوار والتفاوض تشكل المكوؔن الأساسي للحل السياسي وهي قديمة قدم التاريخ
يظل التفاوض مسٶولية من مسٶولیات العمل الدبلوماسي في السياسة الخارجية للدول. فالتاريخ البشري عبارة عن مشاكل و قضايا و سعي نحو حلها.
الهدف الأساسي للدبلوماسية هو التوفيق بين المصالح المتعارضة وخدمة المصلحة البشرية بالطرق والأدوات السلمية والسعي الی تجنب التوتر أو تخفيفە. والتفاوض هو فن لحل الخلافات الدولية بالطرق السلمية، بل هو علم التعرؔف على أفضل وسائل تكوين الأرضيات المشتركة والتفاهم الفعؔال بين بني البشر، رغم اختلافاتهم وثقافاتهم وعقائدهم، يحكمه قواعد تطورت مع تطور العلوم السياسية والاجتماعية.
البعض يعتبر التفاوض وظيفة شكلية بإعتبار أن وراء كل تسوية قوی موضوعية وهذه الوظيفة الشكلية ماهي إلان تغليف الأوضاع بالغلاف القانوني. وهناك آخرين يعتبرون بأن للمفاوض تأثير علی محصلة التسوية ، لأن قدرة المفاوض علی إقناع الطرف المقابل وإدراكه ومهارته في حل مسائل الصراع المتشابكة لتحقيق أفضل عائد ممكن من المفاوضة تلعب دوراً مهماً في مسألة التلاقي أو التنافر بين المفاوضين. فالتفاوض اداة نلجأ اليها للمحافظة على المصالح المشتركة ولكن وجود تلك المصالح من الاصل او الامل في تحقيقها شرط في نشأة الحاجة الى التقاوض واستمرارها.
صحيح أن معرفة استراتيجيات ومهارات التفاوض في المجال الدبلوماسي والإتصال بالآخرين أمر لابد منه ، لكن دور التفاوض يجب أن لا يقتصر مجرد علی كسب الوقت أو جمع المعلومات عن الخصم أو إستعمال المبادیء التقليدية كـ"خذ ثم طالب" مثلا أو "أطلب المزيد تحصل علی ماتريد أو يزيد" أو "إستخدم ورقة الضغط الداخلي والخارجي" فهذا كلها لاتنفع ونحن نعيش عصر المعلومة والإنسان الكوكبي بعد أن ولؔی زمن الفحولة السياسية والحنكة المغلؔفة بالتحايل والخدعة. 
من يؤمن بأن إدارة الصراع السياسي والاجتماعي لا تحتمل حلولاً وسطاً ، بحاجة إلى دروس إضافية في ثقافة التفاوض، وقبلها ثقافة الحوار وقبول الآخر. فالتفاوض يجب أن يبنی علی أساس التعاون بين الأطراف لا باستخدام أساليب التحايل والغبن والشخص المفاوض يجب أن يكون على مستوى عالي من دماثة الخلق، وعذوبة ‏البيان، وبراعة اليراع، وغزارة العلم، والصبر وسعة الصدر ونابذ للتمسك بيقينيات كاذبة.
أما نجاح الدبلوماسية ، التي هي أداة سلام ، فهو يكمن في السير وفق مبادئ قويمة تضمن لها تحقيق الغايات السامية التي وجدت من اجلها، كالإيمان بالتفاهم مع المختلف و إمكانية التعايش السلمي مع الأطراف الأخری المختلفة . 
إن تعيين الهدف وإدراجه في قائمة الأولويات ، التي يجب ‏الاعتماد عليها بوصفها أساساً للتواصل والتقارب‏ والحوار ، هو من الأمور الملحة التي يجب عدم تجاهلها في مسألة الحوار. أما التعارف المسبق بين طرفي التفاوض وحسن الظن المتبادل ، التي لا يمكن الحصول‏ عليها الا بعد ان يعرف كل طرف من طرفي الحوار الطرف الآخر معرفة دقيقة ، يبسط من أمر التسوية.
ومن الشروط الأساسية الواجب تواجدها في الشخص المفاوض أيضا هو تحري الموضوعية وتجنب الشخصانية أو التقوقع داخل الذات ، هذا بالإضافة الی تنمية حاسة الاستماع الجيد للآخرين، بلا افتراضات مسبقة والاعتراف بالخطأ في حال الوقوع فيه ، واستيعاب ما يقال وتخزينه في الذاكرة لاسترجاعه في الوقت المناسب في الحوار ومقاومة قابلية تصديق أفكار الآخرين بتسرع دون برهان قوي والقدرة علی إقامة الحجج، واستخدامها إيجابياً لصالح التفاوض، لا لصالح هزيمة الخصم وتجنب التفكير الأحادي أو عدم التكييف مع المستجدات. الحوار مع الآخر يتطلب الحوار مع النفس أولاً بعد التحرر من اليقينيات والهويات الماضوية والمسلّمات المُسبَقة، التي لا تقبل الشك و المراجعة و الاستبدال. والتجارب تكشف لنا بأن ترك الانطباع الأخير طيباً قد تكون له نفس دلالة الانطباع الأول.
إن إيجاد الجو التفاوضي المناسب و تحريك الأطراف للتطور في المفاوضات وكسر الحاجز النفسي بعد التعرف علی مواقف الآخرين وعرض الموقف المطلوب بوضوح مع التحلي بهدوء الأعصاب والتنازل عن بعض الأهداف لغرض الوصول الی تسوية مع الآخر كخطوة أولى نحو تحقيق أهدافنا كافة في وقت لاحق. أما الفلسفة القائلة بأن "لا نتفاوض أفضل من أن نتفاوض بدليل أن التفاوض والحوار قد يصل بنا إلى تغيير مواقفنا ، والتغير عندنا أمر غير مرغوب"، تٶدي بالنتيجة الی اغتيال التفاوض والحوار ، لكن اغتيال التفاوض والحوار ليس سوى قتل إنسانية الإنسان.
وختاماً: التفاوض هو تفاعل بين الأفراد و اختبار الحوار مع الآخرين. و التفاوض الناجح هو التفاوض الإنساني والتفاوض الإنساني هو الذي يعتمد على اعتبار الآخر ليس سوى الذات و الأنا.     
الدكتور سامان سوراني
24  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / التصوف والفن والقدرة علی توليد المتعة الاستيطيقية (الجمالية) في: 17:16 23/10/2013
التصوف والفن والقدرة علی توليد المتعة الاستيطيقية (الجمالية)

في كتابه "سيكولوجية الفن" يقول عالم الجمال الألماني المشهور ريشارد مولر- فراينفلس (١٨٨٢-١٩٤٩) بأن الفن هو شتی ضروب النشاط أو الإنتاج التي يجوز أو "ينبغي" أحيانا أن تتولد منها آثار جمالية (استيطيقية) وإن كان هذا الأثر ليس هو بالضرورة المعيار الأوحد. أما عالم النفس الفرنسي الكبير هنري دولاكروا (١٨٧٣-١٩٣٧) فهو يری بأن الفن لايبدأ إلا في اللحظة التي يتمكن فيها المرء من الإنصراف عن الطابع النفعي للحياة العملية ، لكي يحرر نفسه من حضارة المنفعة وإرادة الحياة.
في التصوف كما في الفن يحاول الإنسان أن يرحل في عالم متغير و محاصر بحدود الزمان والمكان بذاتیته الی السعادة المطلقة ليعيش تجربته الفنية أو الصوفية أو ليصل الی المتعة الجمالية. فالجمال عند الفيلسوف اليوناني الشهير أفلاطون هو موضوع محبة النفس لأنه من طبيعتها فنراه يقول في كتابه حوارية فيليبوس: “عندما تصادف النفس ما هو جميل تندفع نحوه لأنها تتعرف إليه إذ إنه من طبيعة مشابهة لطبيعتها أما حين تصادف القبيح هي تنصرف عنه وتنكمش على نفسها لأنه مغاير لطبيعتها." سٶالنا هو ، كيف يستطيع الفنان إدراك الجمال المثالي والمتصوف إدراك الكشف الربؔاني؟
المذاهب الصوفية والفنية المعاصرة في مجموعها تجتمع في مفاهيم روحية وعناصر شكلية مشتركة ، تعمل للوصول في أدائها الى تحقيق الشكل الجوهري الذي يمثل المضمون دون ذلك الشكل السطحي الذي يعبر عن عالم الظواهر القابلة للتحويل والتغير والزوال. المضمون إذن هو الحقيقة الميتافيزيقية الخالدة المتمثلة في الشکل الجوهري. والجانب الحسي هنا يجتمع مع الجانب العقلي في توليد اللذة الجمالية وتذوق العمل الفني أو التجربة الصوفية ليترك الأثر الملموس على الاداء التكويني والروحي.
فالباحث في الشعر المقطعي والفن الغنائي والموسيقي الأندلسي يری بأن التصوف لە أثره الأول والأخير في فن الموشحات والزجل وأن المتصوف والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي الأندلسي (١١٦٤-١٢٤٠) الذي رسم مناهج بلوغ السعادة المطلقة وسعی من أجل إلتقاء النسبي بالمطلق كان أول من إستعمل كلا الفنين معاً.
التصوف كما الفن ظاهرة جمالية وعملية مركبة يتناول المسائل النفسية والإجتماعية  ويمثل ظاهرة فلسفية معبرة عن رٶية فلسفية معينة ويستوعب جوانب الفكر والإجتماع والدين الأدب والفن ، تعد الأبعاد الروحية من عمدها الرئيسية ، ومن توابعها التدريب عليها في شعاب الحياة.
وسيبقی في الفن والتصوف تذوق الجمال هو الهدف ، جمال الخالق وتجليات المطلق في المخلوق، والإعتناء بجمال القول وجمال اللحن وجمال الصورة و كذلك الخروج من عبثية النظر إلى الجمال لأنه جمال. والجمال بهذه الصفة لغة مشتركة بين جميع أفراد الأسرة الإنسانية ، وبهذا يمكن أن تكون لغة الجمال والنظر الجمالي جسراً للتواصل الإنساني، ذلك أن العقلاء مشتركون في النظر الإجمالي للجمال وإن اختلفوا في وظائف النظر الجمالي. فالتداخل واضح وكبير بين الفن والتصوف لكونهما يعتمدان على العقل والقلب كوسيلة لتوليد الجمال والأخذ بالذوقيات والوجدانيات والاشتراك في مباحث اللذة بالرغم من أن تلقي المعرفة الشهودية وإستجلاء الحقيقة عند المتصوفة يعتمد علی القلب أولاً كوسيلة ولا يقف عند حدود العقل. يذكر شيخ الافلوطينية الفيلسوف الرواقي المشائي نومينيوس (ولد في أفاميا عام 135 ق.م) بأن الوصول الی الجمال لا يأتي إلا عبر المعرفة ، معرفة النفس وأصلها، والانفصال عن كل شيء والتحرر من كل شيء ، المعرفة التي هي عبارة عن رؤية مباشرة يتحد فيها الرائي والمرئي إتحاداً تاماً. العبقري كما يراه الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل (١٧٧٠-١٨٣١) هو من يملك المقدرة العامة علی الخلق الفني ، وكذلك الطاقة الضرورية لممارسة هذه المقدرة بأقصی النجع والفعالية. والعبقري الحقيقي هو من يتمكن من تقنية فنه الخارجية في وقت مبكر ويتعلم كيف يرغم أفقر المواد وأقلها مطاوعة في الظاهر علی تجسيد إبداعات تخيله الباطنة وتمثيلها. والسهولة المكتسبة بالممارسة وحدها لاتنجب أبداً عملا فنيا حياً.
الفن والتصوف يستحثان قوانا علی التسامی وكلاهما درس رائع في الإخلاص والفنان أو المتصوف الحقيقي يعبر دائماً عما يجول في ذهنه حتی ولو أدی به الأمر الی أن يطيح بشتی الآراء الذائعة، وهو بذلك يلقن أشباهه من الناس درساً في الصراحة. وللموضوع الجمالي المنبثق من أحضان الموجود البشري قدرة هائلة علی الترقي بالناس الی مستوی "الإنسانية". الصوفية هم الذين إختصوا أكثر من غيرهم بالتأول والغوص علی الباطن. الفكر الحق ينحو دوماً الی إعادة تعريف الأشياء ، لذا نأسف حينما نری البناء النظري في فكرنا لايزال غير محكم و المعارف المشتركة مشوشة و المصطلحات العلمية مختلطة في الأذهان، فعلی العقل في محيطنا القائم الوصول الی مرحلة التجلي والإشراق والتجديد في الرٶية الأصلية ، فمن غير ذلك لا يمكن إستخدام العقل في توليد اللذة الاستيطيقية ، بل يظل إستخدامه قاصر علی إستعماله كأداة استبدادية لرفض المغاير والمختلف أو كنسق مغلق يضيق إستيعاب الجديد. فمع العرفان والفن يتقاطع البيان والبرهان والحدس والإستدلال والوحي والنظر وبهما يتصالح الرمزي والواقعي ويطل الظاهر علی الباطن ويظهر الحق في الحقائق في عالم ثار فيه العقل علی الوجدان وتمرد علی المكان والزمان وصار القانون ضد المصير والحقائق غير الواقع والطبيعة في مقابل التاريخ.
وختاماً: "لن يكون أروع من ذلك التقدم الذي لابد من أن تحرزه الإنسانية لو قدر للصدق أن يسود بين الناس".
الدكتور سامان سوراني
25  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / خطوات نحو تشكيل حکومة الكفاءات والوحدة الوطنية الكوردستانية في: 18:09 17/10/2013
خطوات نحو تشكيل حکومة الكفاءات والوحدة الوطنية الكوردستانية


في عالم سمته السيولة والتسارع باتت الأزمات تحصل علي إيقاع سريع وعلي غير صعيد كما تشهد الحروب والإنتفاضات في الشرق الأوسط والفضائع الإرهابية في غير مكان.
بالرغم من أن إقليم كوردستان الآمن والمستقر محاط بمناطق ساخنة أو بعواصف بركانية، لكن هذا لا يمنعنا بأن نٶمن بالنظرية القائلة "أن المجتمعات تبني قطعة قطعة ، في كل قطاع أو حقل بحيث ينخرط جميع الفاعلين في أعمال التنمية والبناء". أي أن الإدارة الفعؔالة هي التي تدير مجتمعاً ، يتصرف فيه أفراده ومجموعاته ، کفاعلين ومسٶولين بقدر ماهم مختصون ومنتجون للثروة أو المعلومة أوالخدمة أو السلطة، بحيث تكون القرارات حصيلة التداولات والتأثيرات المتبادلة. فالسلطة السياسية إذن لاتصنع المواطنين ، بل المجتمع هو الذي يصنع سلطته ، سواء أكانت هذه السلطة تعمل بثوابت متحجرة و معيقة ملئها الإستبداد أم  بعقلانية راشدة متوازنة وتقنيات فائقة  تزرع ثقافات ديمقراطية خلؔاقة.
هناك وللأسف تيارات وجهات تريد تشويه مسار العمل السياسي والحكومي في الإقليم وتركز كل جهودها كمعارضة حزبية أو مستقلة أو ثقافية علي مهمة وحيدة وهي خلق الأزمات والنيل من الوحدة الوطنية أو التقدم المزدهر الذي يشهده الإقليم في الكثير من المجالات. 
نتائج الإنتخابات البرلمانية في إقليم كوردستان أتاحت الفرصة للأحزاب السياسية التي تعيش لحد الآن في تحالف إستراتيجي أن تشكل حکومة الأغلبية السياسية لكن الذي يراه الكثيرون هو اللجوء الي الخيار الوطني للمرحلة التي تمر بها كوردستان اليوم وذلك لإحتواء أحداث ، قد تهدد بقاء المجتمع والحکومة معاً ، والتوافق بين معادلة الديموقراطية وتحقيق تغليب المصلحة الوطنية.
نحن نري بأن من أهم مسٶوليات الحکومة التي تتشكل هي تثبيت سيادة الأقليم و بسط الشرعية علي كافة الأراضي  الكوردستانية وتعزيز القدرات العسكرية والأمنية الرسمية وتحقيق العدالة الإجتماعية و الإنماء المتوازن وبسط اللامركزية الإدارية الغير متعارضة مع القانون. السياسة العامة للإقليم يجب أن تتجه نحو بت المشكلات والأمور العادية دون الرجوع الي الإدارة المركزية ، أي لامركزية الإدارة ، وترسيخ الوحدة الوطنية والتركيز علي تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي من قبل الحکومة الإتحادية.
أما المعارضة التي ترفع سقف مطالبها للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية فعليها أن تدرك بأن الحکومة الجديدة ستواجه ملفات مهمة و ساخنة منها العلاقة مع حكومة بغداد ، التطورات التي تحدث علي الساحة السياسية السورية ، الملف المالي والإسراع في تنفيذ إصلاحات جذرية في هذا المجال والمحافظة علي الإستقرار الأمني والوحدة الوطنية، التي بدورها تٶدي الي تحريك عجلة الإقتصاد وإنعاش السياحة والإستثمارات وتوفير فرص عمل جديدة وعودة بعض الكفاءات الي الإقليم لتساعد في تقدمه وإزدهارە وتقوية البنية التحتية وتحسين الأوضاع الإجتماعية و تفعيل التأمين الصحي والضمان الإجتماعي ومكافحة البطالة ورفع مستوي جامعات الإقليم والإهتمام بالبيئة ، التي لم نسمع عنها شيء في فترة الدعاية الإنتخابية رغم تزايد عدد المصطافين والسواح العرب والإيرانيين ، الأمر الذي يتطلب تشريع قوانين مختصة بالبيئة وتطبيقها للحفاظ علي البيئة النظيفة بشدة وصرامة.
إن تحقيق المشاركة السياسية و تفعيلها في إقليم كوردستان هو شرط تحقيقها للتنمية الشاملة وأن النقد البنؔاء من قبل الجهات الغير مشاركة في السلطة هو المنهچ الفعؔال. وبناء الثقة وتحويل الاستشارات المسهبة الي طاولات الحوار وملتقيات النقاش ومنتديات المكاشفة ضروري لإظهار المشكلات في الملفات الأساسية و مكامن الحلول العملية لها وإيجاد القواسم الجامعة بين القوي السياسية والحزبية.
إن الرهانات كبيرة والتحديات قائمة، لذا عليه اللجوء الي حكومة تكنوقراط من شخصيات ذات ثقة و كفاءة وإختصاص ، تهتم بالقضايآ الملحة التي يعانيها المواطنون، خصوصاً في مجال الخدمات وتحفيز الإقتصاد ، حكومة ذات قاعدة موسعة في الإقليم تلزم جميع الأطراف السياسية التعاون والعمل معاً من أجل ترتيب البيت الكوردستاني من الداخل وإجراء مزيد من الإصلاحات في الإقليم لتحقيق التنمية والتطور. فبدون التنمية والإرادة القوية في العمل علي توسيع القدرة على استثمار الموارد البشرية والطبيعية في إقليم كوردستان وتهيئة ممارسة ثقافية فكرية تشتغل على مشاريع الإصلاح والتغيير النهضوية لايمكن أن يكون هناك ديمقراطية. الديمقراطية التكاملية، التي تعبر عن إستراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب بدلاً من التنافس واتخاذ القرارات بالأكثرية تحتاج الي جهد ومثابرة.
أما العمل علي استراتيجيات دفاعية مطلوبة لحماية الإقليم من محاولات النيل من مكتسباتها و تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية علي الساحة الداخلية وطرق حمايتها من التدخلات الأجنبية فيجب أن تكون من أولويات الحكومة المستقبلية.
وختاماً: المتغيرات هي فرصة لا كارثة والجديد هو غني لا فزاعة والشباب طاقة لا عبء. ومن لايتقدم يتراجع لامحالة و من لا يحسن أن يتغير يهمشه المتغيرات أو تنتقم منه الوقائع.
الدكتور سامان سوراني
26  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الثورة المنهجية في السياسة وتخليص المجتمع الكوردستاني من الإرتهان للماضي في: 09:34 12/10/2013
الثورة المنهجية في السياسة وتخليص المجتمع الكوردستاني من الإرتهان للماضي

بالرغم من أن بعض الفلاسفة أمثال الإنكليزي الفرد نورث وايتهد (١٨٦١-١٩٤٧) يقارنون نتائج التفكير الفلسفي بأعمال بعض رجالات السياسة ويضعون أفلاطون وأرسطو وديكارت وهيجل في مصاف رجال من أمثال الاسكندر وقيصر ونابليون وغيرهم مع إعترافهم في الوقت نفسه بأن كل نجاح يحرزه الفيلسوف لايمكن مطلقاً أن يبدو في الظاهر جليل الشأن واسع المدی ، كالنجاح الذي يحرزه رجل الدولة أو القائد الحربي ، لكن هل يمكن أن ننسی الأثر الضخم الذي خلفه المذهب السياسي للفلسفة الهجلية علی حركات سياسية متباينة أمثال الفاشية والاشتراكية الوطنية والشيوعية بل وحتی علی القوی التاريخية التي تصنع المستقبل وتوجه البشرية.
بكلام آخر إن التفكير الفلسفي هو قوة جبارة وحاسمة تقترن بكل تغير يطرأ علی الحضارة وتكمن وراء شتی الانقلابات الاجتماعية الهائلة والتغييرات الحاسمة. وما يتمخض عنه الغد من تطورات تمهد دوماً عن طريق النظريات الفلسفية والمذاهب السياسية.
التفكير الفلسفي يعمل علی تفكيك الأصول والماهيات ، لا للوصول الی الفراغ ، بل لفتح الإمكان الذي يتيح فهم المآزق وتسليط الضوء علی الأزمات والعوائق. ومهمة الفيلسوف هي شق توجه وجودي يتيح بلورة مفهوم جديد للإنسان ينفتح علی معاني الشراكة والوساطة أو المداولة والمبادلة.
سياستنا اليوم بحاجة الى ثورة منهجية في نظرتنا وممارستنا لها. ومهمة السياسي الحداثي والليبرالي المعاصر هو تخليص مجتمعه من الإرتهان للماضي الی الرهان علی المستقبل وإخراجه من الماضي البائس المليء بالشك من الآخر ومن نوایاه الإيجابية ونقله الی مستوی العصر. فالشك والبٶس المجتمعي متأت من العيش في بٶس الماضي وفي بٶس المجتمع التقليدي، أما تغيير المجتمع بشكل جذري وواقعي هو مايمكن إخراج المجتمع الكوردستاني من التخلف الی التقدم ومن عالم الأحلام والخيالات الی عالم الواقع والرهانات.
إن حماية مكتسبات شعب كوردستان من الإنتكاسة والإنحراف عن الهدف الأسمی وهو بناء دولة كوردستان عصرية نموذجية في المنطقة والسير بالإقليم الی بر الأمان لا يتأسس دون بناء ديمقراطية حقيقية تقوم على تحديد مسؤولية كل من المواطنين والسلطات لإرساء قواعدها ، في تجربة يمكن أن تعمم على العراق والبلدان المجاورة. نحن لا نستطيع أن نتحدث عن أي مشروع سياسي يسعى لبناء مجتمع أكثر ديموقراطية دون الخوض في فكرة تعزيز وتفعيل دور المواطنة التي تعتبر الأرضية الخصبة لقيام مجتمع تقدمي.  فالمواطنة التي تعتبر المبدأ الأساسي يجب أن لايغيب عن المشاريع السياسية ولو للحظات وأن مشاركة الشعب في الممارسة السياسية ورسم المستقبل السياسي للبلاد حاجة ضرورية وملحة أكثر من أي وقت مضی. فلا وجود للمواطنة دون ديمقراطية تمنح للشعب حق المشاركة السياسية واختيار ممثليه في الحكومة والبرلمان والتعبير عن رأيه بشكل حر، ليمارس مسؤوليته تجاه وطن عبر المشاركة في رسم معالم الديموقراطية. والقادة السياسيين هم اليوم أفراد من المجتمع يتم إختيارهم في انتخابات عامة شبه مفتوحة. وبقاءهم او ذهابهم رهينان الی حد ما بارادة الشعب الكوردستاني. ويتوجب علی الأحزاب ان تمارس السياسة ممارسة ايجابية ولا يجوز  استنكرر فسادها باتخاذ موقف سلبي منها وبالدعوة للابتعاد عنها لان هذه الدعوة الى السلبية هي التي تحول الديمقراطية الى استبدادية. فتفادي المشاركة العامة في السياسة يتيح للاقلية المتفرغة لها ان تتصرف بها كما تشاء.
صحيح بأننا نعيش اليوم في عصر إضطراب فكري من صفاته عدم الإهتمام بالعمل علی مناقشة آلأفكار أو تعقل المذاهب أو مواجهة الفلسفات بعضها البعض الآخر كما في الماضي ، لكن الذي يجدر الإشارة إليه هنا هو عدم إهتمام الأحزاب السياسية بمناقشة آراء الخصوم بل القيام قبل كل شيء و بالإستناد الی تحليل المصالح وحدە والإستعانة بالتفسير النفعي الضيق بالطعن فيها والإنتقاص من قيمتها وهذا ما يجرؔ العملية السياسية الی هاوية المحال أو الی دائرة اللامعقول. إن الخروج من النفق الأزلي الذي استراح اليه الأحزاب السياسية ضروري لتواءم اللغة السياسية مع مفاهيم العصر بعد خوض صراع بناء مع الذوات واللغة بهدف عدم التشرنق في كهوف الأزمنة الغابرة أو الوقوع في هوة الثيوقراطية السحيقة أو الإتيان بالماضي الشمولي.
إن النقد بناء للإمكان و أن كسر التعارضات الخانقة وإتقان صناعة التنمية وهندسة العلاقات الإجتماعية بفتح خطوط التعايش والتواصل يجب أن تكون من أولويات عمل الأحزاب السياسية لخلق قيم للتداول والتبادل لكي يتيح لنا إخراج اختلافاتنا وإدارة واقعنا علی سبيل المساهمة في إنتاج المعرفة والثروة والقيمة. ومن يعتقد بأن هناك فرداً متنوراً أو نخبة متقدمة تصنع للشعب الكوردستاني تقدمه و حريته يعيش في خرافة يسهم في تدمير مشروعات التقدم والتحرير والإستقلال. وختاماً يقال: "تاريخ التفكير الفلسفي هو مرآة صادقة لتطور المجتمع البشري وترقي الروح الإنسانية في صيرورتها المستمرة. والرهان هو اختراع سياسة معرفية تتگير معها خارطة الواقع بقدر ما تتغير خارطة الفكر حتی لانظل نفكر بالمقلوب ونعود الی الوراء."
الدكتور سامان سوراني
27  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هذيان الأحزاب السياسية الكلاسيكية أمام سلطة المعلومة في عصر الوسائط في: 14:29 09/10/2013
هذيان الأحزاب السياسية الكلاسيكية أمام سلطة المعلومة في عصر الوسائط

من المعلوم بأن المشروعية السياسية المتعلقة بممارسة الحرية لاتتحقق من خلال التمثيل الديمقراطي ، بل بقدرة كل فرد علی تشكيل سلطته وممارسة فاعلیته علی مسرح وجودە. العالم يعيش اليوم تراجع العقل الأكاديمي الحديث أمام العقل المُحَوْسَب أو المُعَولم بعد أن تم ردم الفجوة بين الإنسان والآلة وبعد أن ازدادت التغييرات وتراجع العقل النخبوي أمام العقل الميديائي لنشطاء الإعلام المرئي والمسموع و المختصين علی الشبكات الإلكترونية والآلات الإفتراضية. 
في ظل المتغيرات الجديدة كما تشهد الخريطة السياسية في غير مكان بدأ حق الاختلاف والاجتهاد والتمايز بين القوی السياسية والاجتماعية المختلفة يتجلؔی لإنهاء مبدأ التنظيم الواحد وحقبة الصوت الواحد أو الزعيم الأوحد وتدريم أظافر وسائل التنشئة بأساليب التعبئة والحشد الخالي من الاختيار الطوعي والإقناع السياسي والتي كانت تعتبر التعددية نوعاً من الإنقسام والشرذمة والفرقة والحريات الفردية والعامة مسألة غير مشروعة بإعتبارها لاتخدم الهدف القومي الأسمی أو الأكبر.
الأحزاب القديمة أو الکلاسيكية تعيش اليوم في قمقم الماضي المتخلف وفي عزلة عن التطورات ، بداخلها خوف نابع من الموروث القديم والتقاليد المعتادة والأساليب المجربة ، بغض النظر عن مستوی صحتها أو فعاليتها أو حتی تكيفها مع الواقع المعاصر المتجدد ، بعيدة عن التواصل مع الشارع ناهيك عن التواصل مع القوة الثقافية الطليعية الشابة أو القدرة علی إقتحام أي جديد أو تجربة ما هو مخلتف.
إن مراجعة القواعد الثابتة المستقرة بشكل مستمر وكسر حاجز التقاليد القديمة في عصر الوسائط أمر ضروري للتقدم والأحزاب التي لا تخضع أفعالها وتاريخها السياسي للمراجعة والمحاسبة أو للجدال والمناقشة ولا تستطيع أن تتحر من قيود الماضي تكون مصيرها بشكلها و تكوينها الغير متحول إما التفكك والضمور والزوال و دخول متاحف التاريخ أو التحول الی أرصفة تجارية للقيادة والحاشية أو الی زوايا وصومعات يتجمع فيها المخضرمين من كوادرها لإستذكار الماضي التليد والحاضر المأزوم.
التاريخ لن يعيد نفسه وإرث الماضي مهما ثقل لايستطيع أن يتحكم في صياغة الحاضر ولا في سجنه أو تقييده ، لذا نراه من الضروري أن تلعب الأحزاب السياسية التقليدية دوراً فاعلاً في عمليات الإصلاح والتحديث والتطوير الديمقراطي والتي تستوجب تغيير أو مراجعة الكثير من المنطلقات الفكرية والسياسية وكذلك التنظيمية والمؤسسية. فالعمل علی إدماج أجيال جديدة من الناحية العمرية لا تعني شيئاً إذا لم تكن تلك الأجيال مجهزة بأفكار نيرة وإختيارات وبدائل جديدة عصرية لكي يكتسب التجديد الی جانب محتواه الجيلي معناه الفكري والسياسي. الحزب الذي يفكر بالمشكلات بعد إستحكامها و يأتي الی المسرح بعد فوات الأوان ويستخدام العدة المستهلكة لمعالجة قضايا راهنة وينفي الوقائع ويتحجر ويذعر من المتغيؔرات و يبرأ ذاته ليرمي المسٶولية علی الغير يهمشه التحولات والتغيؔرات.
نحن نعلم بأن الأحزاب السياسية في العالم الغربي كانت الوليد الطبيعي للمرحلة الصناعية وللحداثة ، عاشت الثورة الصناعية والتغيرات الإجتماعية والإقتصادية الجذرية التي رافقتها بجانب التكوين المٶسساتي الحديث والمتين للدولة مما أدت الی تزايد أسباب و عوامل المشاركة السياسية بعد إجتياز وحدات الانتماء الأولية مثل العائلة أو القبيلة أو العشيرة أو المذهب والطائفة ، بعد ترسيخ الإنتماء السياسي وإنتشار الثقافة الليبرالية والدستورية القانونية ومبادئ الحقوق والحريات المدنية وهذا من جانبه عزز البنية المؤسسية للدولة. إن العبور الی مرحلة حزبية جديدة يحتاج الی رٶية جديدة متكاملة ترسم معالم الطريق القادم بخطاب سياسي جديد يعبر عنها.
المتغيرات علی المسرح الدولي والإقليمي والمحلي تطورت واختلفت جوهرياً في شكلها ومضمونها ونظمها وقوعدها عما ساد من قبل ، اليوم مع إزدياد سلطة المعلومة لا يمكن تعامل مع القضايا الاقليمية بالمنطق القديم أو عدم التواءم مع روح العصر الجديد. حتی الصورة الداخلية تغيرت الكثير من ملامحها ولم تعد هي ذات الصورة الساكنة أو الباهتة التي تجمدت لسنوات في الماضي سواء القريب أو البعيد فالمرونة والقدرة علی التكيف مع الواقع المتغير والتجدد تضمن نجاح الحزب السياسي وتفتح الآفاق للإنطلاق نحو مستقبل أفضل. 
وختاماً: هناك دوماً فرص سانحة أمام الأحزاب الكلاسيكية لدرس أزماتهم للإسهام في تجديد شبكات الفهم وصياغة العقلنة بعد التحرر من خرافة المماهاة وعقيدة الإصطفاء وعقدة الضحية وعقلية المٶامرة أو من جرثومة التضاد.
علی الأحزاب التقليدية التي تريد الإستفاقة من سباتها تشكيل علاقات تكون أقل عنفاً وتسلطاً وتفاوتاً بل أقل عبثاً وجنوناً. فالإنفراد والطغيان والإستقواء لا تعالج شيئاً ، لأن المعالجة تكمن في عقلية المشاركة ومنطق المداولة وسياسة الإعتراف ، إنطلاقا من الوعي بالمسٶولية المتبادلة عن الحياة والمستقبل والمصائر.
الدكتور سامان سوراني.




28  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إتجاهات إقليم كوردستان نحو العلاقات الدولية و سيادة الدولة في: 21:12 04/10/2013
إتجاهات إقليم كوردستان نحو العلاقات الدولية و سيادة الدولة

بما أن السياسة الخارجية هي جزء مهم من النشاط الحكومي نحو الخارج و جزء من السياسة الوطنية  الناتجة من قرارات وأفعال صادرة من أصحاب القرار لمعالجة مشاکل تطرح ماوراء الحدود بهدف تحقيق أهداف بعيدة أو قريبة المدی يمكن القول بأن السياسة الخارجية هي المفتاح الرئیسي في العملية التي تترجم بها الدولة أهدافها ومصالحها بعد أختيار ماينبغي علیها أن تقوم بە فيما يخص الشٶون الدولية وفي إطار حدود قوتها و واقع بیئتها الخارجية.
والعلاقات الدولية هي تفاعل بين وحدات المجتمع الدولي لدفع الدولة حتی تصبح فاعل نشيط علی المسرح الدولي. أما السيادة كرمز لوجود الدولة وهیبتها فهي تعني بأن للدولة الكلمة العليا واليد الطولي على إقليمها وعلى ما يوجد فوقه أو فيه ، أي إستقلاليته وهذا يجعلها تسمو على الجميع وتفرض نفسها عليهم باعتبارها سلطة آمرة عليا و منبع للسل0طات الأخری ، أي مِسبارٌ لە حق الشرعية في ‬الحكم وفرض السيطرة أو السلطة الشرعية على السكان أو الشعب.
إن الثورة في وسائل الإتصال والتطور المُذهل في وسائل الاعلام صَغؔر من حجم العالم وجعله قزماً يمكن مشاهدته من فوق رأسە وإن معرفة خصائص ودور الوحدات المعنية في العلاقات الدولية ودور الأخلاق والقانون والأيديولوجية والقوة وكذلك معرفة العلاقة بين الأهداف الآنية والمتوسطة المدی ، التي من الواجب الحفاظ علیها ، أمر ضروري جداً. فصانع القرار يجب أن يكون علی دراية وعمق واسع بالمعرفة والمهارة العالية في صياغة و تنفيذ سياسة الدولة الخارجية ليتمکن من إنتقاء الخيار الملائم من بين البدائل المختلفة في سبيل تحقيق وحماية الأهداف الوطنية النبيلة.
فيما يخص اقليم كوردستان فهناك أحزاب سياسية ، هي بمثابة العمود الفقري للنظام السياسي الديمقراطي وأداة ربط المواطنين بالحكومة ، تمارس عملها بحرية كاملة وتمتلك الی درجة الصوت في تكوين السياسات الخارجية. نحن نری بأن الخلافات يجب أن تكون متواجدة أو قائمة بين الأحزاب المختلفة حول قضايا داخلية مع إحترام المنهج الديمقراطي لكن السياسة الخارجية الفعؔالة تطلب أن یكون الشعب متحد حول سياسة خارجية متحدة وصانع القرار يجب أن يعمل علی حل الخلافات الداخلية قبل الدخول في المسرح الدولي. السياسة الخارجية يجب أن تعبر عن الإرادة الشعبية ، فهذا يثير مسألة الديمقراطية والمساهمة الشعبية في صنع القرارات.
بالرغم من أن التناقضات والتساؤلات وعدم اليقين أصبحت ميزة المسرح الدولي "الوليد" وأن التمييز بين الداخل والخارج أصبح نسبياً، إلا أننا نری أنه من حق الإقليم أن تبرم علی الصعيد الدولي معاهدات في سبيل تطوير وتطور الإقليم وتقوم بعملية تبادل التمثيل الدبلوماسي للغرض نفسه وإثارة المسؤولية الدولية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابتها إبان حكم الأنظمة الدكتاتورية المتتالية في العراق والتي سعت بسياساتها الفاشية والقوموية وأعمالها الإجرامية وبدعم من بعض البلدان لها لوجستیاً إبادة الشعب الكوردستاني من علی الخارطة الكونية. على المستوى الداخلي فللإقليم حق التصرف في مواردها الأولية وثرواتها الطبيعية ، كما يمكنها اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة حيال الأشخاص المتواجدين على إقليمها بغض النظر عن صفتهم كمواطنين أو أجانب.
رغم أن مرحلة نمو الاعتماد المتبادل الشامل والتي معها برزت التدفقات العبر- قومية المعرؔف من قبل النظام الدولي الراهن بظاهرة العولمة تنزع معها رويداً رويداً سيادة الدولة الوطنية لصالح كيانات جديدة فوق وطنية أو تقوم بتفكيكها إلى كيانات إثنية عصبوية دون وطنية  ورغم تفقد الدولة في ظلها طابعها كممثل حقيقي للقوى الاجتماعية المتجددة ، إلا أن الحقيقة تكشف لنا بأن قیام الدولة الكوردستانية بات من ضروريات هذا العصر وخاصة بعد أن بدأت حكومة إقليم كوردستان تأخذ بسبب سیاستها العصرية والمتزنة وتزايد نمو الإقتصادي السريع للإقليم تلعب دوراً سیاسياً فعالاً لا فقط علی المسرح الإقليمي بل العالمي أيضاً. وما إحتضان وإيواء حكومة الإقليم لربع ملیون لاجئ سوري وتعاملها المتحضر والنبيل معم إلا مثال بسيط لما تظهرها من الإحتراف في التشخيص لركوب الإمكانيات و إجتراح الوسائل لتحسين الأوضاع أو لحل المشكلات، حيث تدار الشٶون بعقل مركب يجمع بين التقليد الديني والتحديث الاقتصادي أو بين الهوية القومية والبعد العالمي.
حکومة إقليم كوردستان تۆمن بالإستراتيجية القائمة علی أساس التعايش المشترك بعيداً عن المبادیء المطلقة و الإرادات الفوقية المتعالية ، التي تدفع البشرية في غير مكان ثمن مصائبها و كوراثها وإن تأمين المصالح و صنع المصائر هو صناعة مشتركة يساهم فيها كل مواطن كوردستاني من موقعه و حقل عمله.  فالقوة يصنعها القادرون علی خلق ما تحتاج اليه من مشاريع النهوض والإصلاح والتحديث والتنمية والسلم من اجتراح المعادلات و الصيغ والأطر والشبكات والأسواق والأدوات.
علينا أن نقرأ الواقع الكوني الجديد، فالتجارب المريرة والأزمات المتلاحقة في العراق أثبتت بأن القوة والهيمة والإحتكار والصدام والغزو والعقلانيات القاصرة والفاشيات القومية لم تجلب أمناً لهذا البلد و لم تصنع سلاماً ولم تصن هوية بل سحقت في سعيها وراء الأحلام المستحيلة الشعوب و دمرت المجتمعات. فلا توجد شراكة حقيقية علی هذه السكينة من غير الإعتراف الكامل بالآخر المختلف.
وختاماً: إن الإصرار علی الفضاء العالمي ، الذي هو مدی حيوي لإقليم كوردستان وإتقان فن التعايش والتبادل لإزالة العوائق و حلحلة العُقد يصنع السوق ويُنمي الإقتصاد،  فهو عنوان الحضارة وأساس بناء العلاقات الدولية وسيادة الدولة.
الدكتور سامان سوراني
29  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان بين رهانات التحديث وتحديات المستقبل في: 22:06 01/10/2013
إقليم كوردستان بين رهانات التحديث وتحديات المستقبل

الحکومات الدكتاتورية السابقة التي حکمت علی العراق بسياسة الحديد والنار والأرض المحروقة قوؔضت فكرة المواطنة و ألغمت المٶسسات الديمقراطية بإفراغها من مضمونها و تحویلها الی نظام إستبدادي أو الی جهاز مخابراتي مارست التفاوت والإقصاء بعد أن آمنت بأن التنمية لا تعني سوی النهب والسلب وأن حرية التعبير يجب أن تحجب وتضلل و تقمع بآليات مدروسة ومنظمة.
والدولة العراقية المصطنعة التي تشكلت بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولی و زوال الحكم العثماني وبداية الإحتلال والإنتداب ورثت نظام ديمقراطي طبؔق بعض التطبيق في ظل الحکومة الملكية ، لكنها لم تكن قادرة لخلق وبناء الأشكال والطرز والمهمات المٶسساتية العادلة أو لفتح مجالات وآفاق ديمقراطية تضمن الحرية والعدالة وتصون الهوية والذاكرة. وهكذا بدأت بعد سقوط الملكية و هيمنة العسكر تلعب نظرية الوصاية دورها ليمارس كيان معين وصايته علی الآخر المخلتف غير مهتم بمبدأ المسٶولية المشتركة في البناء والحکم وتشكيل مجتمع مفتوح ومرن يٶمن بالتعدد والتنوع بقدر ما يعمل علی الإستيعاب والدمج لتفعيل الوحدة. وهكذا لم تسنح للإختلافات أن تتجلؔی علی نحو تواصلي أو بصورة فعؔالة و مثمرة ، فوضع المجتمع أمام خيارين أحلاهما مرؔ: إمؔا نظام فاشي أو مجتمع طائفي ، إمؔا وحدة القطيع أو الإرهاب القومي العقائدي.
لقد أصبح شعب كوردستان في الماضي ضحية هذا المنطق الأحادي التبسيطي المغلق وعاش أشد أنواع الإرهاب من قبل السلطة الحاكمة ، التي مارست بحقهم سياسات فاشية  وقامت بتهجيرهم و تعريبهم وإبادتهم جماعياً.
اليوم وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمان يعيش شعب اقليم كوردستان حريته بعيداً عن سياسات الإستبعاد والإستبداد والإرهاب والبربرية ، تمكن بفضل قيادة حکيمة بعد فترة قصيرة أن يشتغل علی ذاته و يبتكر إنسانيته من جديد، من خلال التمرس بأخلاقية الحقيقة و صناعة الحدث وتجاوز المشروطية وممارسة الإنفتاح الحضاري والتعايش الفكري.
الحرية لاتعني عند هذا الشعب مجرؔد الخلاص من قيود المركزية الفوقية التي كانت تجربة مرؔة أو العيش في عقدة الضحية بل تعني سوس الذات وصناعة الحياة عبر خلق الوقائع وصناعة الحقائق في المجالات المعرفية والتقنية و الإقتصادية والسياسية بل وحتی الجمالية.
ممارسة الحرية يعني للفرد الكوردستاني تفكيك آليات العجز لتغيير قواعد اللعبة ، بتشكيل عوالم ومجالات و إبتكار أساليب ولغات أو خلق موارد و فرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع الكوردستاني نحو الأفضل لاإمتلاك وقائعيتها.  أما التقدم العمراني و إرتفاع المستوی المعيشي في الإقليم والسعي الأكثر من قبل الحكومة الكوردستانية لإستثمار الموارد الطبيعية لغرض بناء البنية التحتية و إيجاد فرص العمل للجميع وتحقيق العدالة الإجتماعية وصنع المعجزة التنموية من غير تقليد وإحتذاء بنماذج ناجحة مسبقة ، بل لإستثمار تلك الأعمال كإمكانات خصبة لإنتاج صيغ ومفاهيم جديدة فحـدِّث ولاحرج. لا يمكن اليوم بناء الوطن أو تدبير الدولة العصرية عن طريق مشاريع أصولية خانقة و مسبقات معيقة و ثقافات عاجزة وحداثات هشؔة وشعارات مستهلكة وتقسيمات فقيرة وخادعة. فمن يريد ممارسة الشراكة الحقيقية مع شعب كوردستان لصنع المستقبل علی نحو إيجابي وبنؔاء علیه أن يتحمل المسٶولية المتبادلة ويتؔقن لغة الشراكة والمداولة برٶی ومفاهيم ومفردات المفاوضة والتسوية أو التعاون ويتجاوز النرجسية والمكابرة والمحافظة والتقليد والتحجر والذُعر من المتغيرات وتبرئة الذات لرمي المسٶولية علی الغير ، فمن دون ذلك لا يمكن مجابهة الفوضی والإرهاب أو نشر قيم الحضارة والمدنية والديمقراطية.
فسياسة الإنفتاح علی الخارج التي تمارسها إقليم كوردستان عبر المٶسسات الإقليمية والهيئات الدولية ، السلمية والمدنية ، التي تهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الحريات الديمقراطية ، تفتح للأحزاب الكوردستانية التي تٶمن بالديمقراطية آفاق جديدة ‌أمام الفكر السياسي في ميادين الممارسة أفقياً وعمودياً ، داخلياً وخارجياً ، مما يتيح للديمقراطية أن تغني وتتحدؔد أو تتعزؔز  وتتطور وتنفتح، سواء بالإنفتاح علی الفضاء الإجتماعي المحلي أو الخارجي عبر المشاركة في المناقشآت العالمية في الهيئات والمٶسسات الإقليمية والدولية . وهكذا ينفتح المجال للتحوؔل نحو ديمقراطية نوعية ، غير منمؔطة ، جديدة وأكثر فاعلية وديناميكية. مادام من المستحيل إلغاء الفروق الفكرية في السياسة إذن علی الأحزاب الكوردستانية أن تبحث عن الوسط الجامع ، کفضاء للمباحثة والمحاورة أو المداولة والمبادلة لتشكيل صيغة للتعايش أو لغة جامعة أو مساحة مشتركة أكبر للوصول الی تحقيق الأهداف السامية لشعب كوردستان و لتتشكل حكومة وحدة وطنية تعكس كالمرآة الوجه الجميل لهذا الاقليم النموذجي وتغذي التواصل والتعايش بين الأطراف المختلفة لإطلاق طاقات و تحريك قوی وإستثمار رموز مبدعة و نماذج متفوقة في أعمال و مشروعات تعود بالنفع والنماء علی عموم المجتمع الكوردستاني بفئاته وشرائحه. إن تعامل الأحزاب الكوردستانية مع الواقع الكوردستاني الجديد بمنطق الجدؔ والإجتهاد والنقد بعيداً عن العُقَد والهواجس بات من الأمور والمُسَلمات الضرورية للخروج من السُبات الفكري والقوقعة التراثية. من غير ذلك لايمكن أن نصل الی حقؔنا في تقرير المصير أو نواكب الجديد والعصري في هذا العالم الرقمي المعولم.  وختاماً: "الواقع السيؔال لا يواجه بأسلوب المحافظة والتقليد ، بل بمنطق التحويل الخلاق والإستثمار البناء"
الدكتور سامان سوراني
30  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إرادة شعب اقلیم كوردستان أقوی من مخططات الإرهاب وآلهة الدمار في: 20:00 29/09/2013
إرادة شعب اقلیم كوردستان أقوی من مخططات الإرهاب وآلهة الدمار

شهدت مدینة السلام والتعايش السلمي أربيل الیوم ٢٩-٩-٢٠١٣  في الساعة ١:٢٤ دقيقة بعد الظهر هجوماً إرهابیاً جهنمیاً وحشیاً مدبؔر و مخطط ومبرمج من قبل جماعات اسلامية إرهابية متطرفة تسمي نفسها "الدولة الإسلامية في العراق والشام" استهدف دائرتي الأمن والأمن العامة في عاصمة إقليم كوردستان  أودی بحياة ستة أشخاص من منتسبي الأجهزة الأمنية و الی جرح أثني أربعين شخصاً من رجال الأمن و الشرطة والدفاع المدني. 
هذه العملية الوحشية التي يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب الفلسفة البربریة التي تقف ورائها والتي لا ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بالشعب الكوردستاني وإفساد الوحدة الكوردستانية والتعايش السلمي في أربيل. إنها فلسفة الموت ، التي تفضل الموت على الحياة. وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء، مواطنین یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم و ذویهم، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم. انها فلسفة مجرمي الحرب ، وغايتها قتل اشخاص يعملون ليل نهار في سبيل حفظ الأمن في بلدهم و أناس أبرياء يسيرون ببراءة في الشوارع أو يٶدون واجبهم كمواطنين في أماكن عملهم.
بالأمس كانت الإنتخابات البرلمانية في كوردستان التي أجريت في أجواء مليئة بالأمان والفرح وفضاء يفوح منه عبير الديمقراطية ونفح الحرية وهذا ما يريد التيارات الإسلامية المتطرفة حرماننا منه بإعتبار الديمقراطية والقانون الوضعي و سيادة الشعب نوع من أنواع الكفر الأكبر.
یتصور أصحاب الارهاب وأتباعه انفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم ، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم ، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر ، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زوراً و تشبیحاً ، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم و أرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم.
إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم و شكل حكوماتهم ، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین الخ... فهُم یستخدمون العنف والإرهاب ، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً و انتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعاوی سخیفة و مزیفة، منها إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العراق و سوريا ،هدفهم تغییرالحیاة في مدینة المحبة والسلام أربيل الی جحیم، قتلاً وحرقاً وتدمیراً بصورة وحشية و مدروسة، لإستحالة الحياة الی جحيم لايطاق.
نحن نعرف بأن إرادة شعب كوردستان الأبيؔ في البناء وترسيخ الديمقراطية والتعايش السلمي لممارسة الحقوق والحريات الفردية أو الجمعية بصورة مدنية عقلانية تداولية أقوی من كل تلك المحاولات الفاشلة التي تمارس من قبل القوی الظلامية وأصحاب فلسفة الجُبن ، الذين لايٶمنون بمنطق الحوار ولا بالشراكة.
لهذه العملية الشرسة واللاإنسانية دلالتها الرمزیة وأبعادها الثقافیة. والذین یقفون وراءها والذين يٶيدونها سرؔاً ، وهُم للأسف غير قليل في العدد ، یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی حدود الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر ، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء ، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة ، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض ، لکنها تمارس تحت سمعنا و بصرنا ، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات.
إنهم یریدون برسالتهم "الجهادیة" هذه‌ أن ینصاع المواطنین المدنیین المسالمین و مأموري الحکومة إلی أوامرهم ویتخلوا عن کونهم أُناس عاقلین مستقلین، قادرین بالفکر الحي والعمل الصالح أن یفعلوا ویؤثروا في صناعة كوردستان نموذجي وآمن في المنطقة ومجتمع كوردستاني متقدم بصورة خلاقة و ایجابیة. إنهم یریدون إدخال الناس الی سجنهم العقائدي وضّمهم الی القطیع البشري، کي ینفذوا بصورة آلیة مایملي علیهم من الفتاوی والأحکام، إنهم مع العماء والإرهاب.
فهل هناك أکثر عدوانیة وجهنمیة أو أشد ظلماً وجُحوداً و کفراً من مجموعات یدّعي افرادها الإیمان ، وینصّبون أنفسهم وکلاء علی الأکثریة الساحقة من بني البشر، لکي یدینوا ویعاقبوا ویذبحوا الأبریاء بإسم شرع الله أو للفوز برضوانه وجنته؟
أتمنی من أهالي أربيل والمدن الكوردستانية الأخری بمختلف بقومياتها وطوائفها الدينية المتعددة التضامن مع البعض والوقوف صفاً واحداً ضد الإرهاب والفتنة و تقف بالمرصاد لكل المحاولات الفاشلة من طرف القوی الغاشمة التي تريد النيل من تجربتنا الفتية للحفاظ على أمن كوردستاننا الغالي.
الدكتور سامان سوراني   
31  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الطريقة النقشبندية بين الظاهر والباطن أو الممنوع والممتنع في: 17:46 27/09/2013
الطريقة النقشبندية بين الظاهر والباطن أو الممنوع والممتنع

إذا إنطلقنا من فهم للحقيقة مبنية علی التطابق بين الفكر والواقع ، بين العقل والمعقول ، بين الكلمات والأشياء فسوف نقع في أفخاخ اللغة ، لأن الحق يمتلك فوق الدلالة المنطقية الإبستمولوجية (المعرفية) دلالة أنطولوجية (وجودية) و دلالة حقوقية أيضاً ، لأنه هو الوجود الذاتي واليقين العقلي والحكم العادل. المعنی الانطولوجي يجرنا للقول بأن الحق يُشهد و لا يُعلم ، ينكشف ولا يُثؔبت، يتأول ولا يُبرهن، أي أنه يعرف بالكشف والمشاهدة ، لا بالبحث والنظر.
الباحث في التصوف يدهش كثيراً عندما يری النهج الذي يسلكه المتصوفون للوصول الی الحقيقة العليا دون أن يعرفوا ماهو التصوف ومتی نشأت هذه العبادة. فالتصوف يشبه الی حد كبير الصورة الروحانية التي إنفردت بها الروحانية الهندية. وهي مرتبطة أحكم ارتباط بمذهب "الفيدا" ، كتاب الهند المقدس ، و بمذاهب الهنود المختلفة في تلك العصور. للأسف هنا لا مجال للبحث العميق في الأصول الغربية والشرقية للتصوف وكيفية إنتقاله الی المجتمع الإسلامي وأسباب تطرفه. مايهمنا ذكره هنا هو مجاهدة الإنسان الهوی و الإشتغال علی الذات لتغير نمط الحياة وإستثمار الطاقات الإبداعية للتحول من كون الإنسان مجرد ذات أو موضوع نفساني الی كونه ذاتاً راغبة تفحص عن الحقيقة والإنتقال الی الصعيد الحقاني والتحول من لذة الجنس الی لذة الفكر والنص ومن متع الايروس الی متع اللوغوس للتخفيف من المركزية و النرجسية والإدعاءات المثالية والمتعالية بنزع عباءة القداسة والعصمة والألوهة والكف عن ممارسة الوحدانية والوصاية وإحتكار المعنی.
نحن نعرف بأن المجتمعات المعاصرة لاتعاني اليوم من نقص في القيم المتعالية والمبادیء الروحانية ولا تعاني من غياب الله وبقية المقدسات الأخری كالتراث والوطن والهوية، التي تكاد تحول الحياة في أكثر من مكان الی أفخاخ و كمائن إن لم نقل الی مصائب و كوارث. والعملات العقائدية التي هي مصدر مصائبنا وكوارثنا تباع و تشتری وتتاجر في أسواق البورصة والهرج ، فما علینا إلا أن نفكر بطريقة مغايرة لمعالجة أزماتنا.
فما نظنه هو الحل نراه هو العلة والمشكلة. فنحن اليوم أحوج من أي زمن مضی الی عدة فكرية و روحية جديدة ، بمفاهيمها و طرقها و حقولها واستراتيجياتها. ومن غير إهتزاز في البنی الفوقية والمنظومات الرمزية والقواعد الخلقية لايمكن أن ننتظر أي تغير لأسباب الحياة وطرق المعاش وأنظمة التواصل المجتمعي.
تعرؔف النقشبندية من قبل مشايخها بأم الطرائق ومعدن الأسرار والحقائق ، تضع هذه الطريقة، التي هي من أكثر الطرق الصوفية إنتشاراً في الوقت الحاضر، أمام سالكیها أصول جامعة ، علیهم ممارستها للوصول الی درجات التوحيد بدعوات الی العبودية التامة ظاهراً و باطناً. من الأصول مثلاً إطلاع المُريد علی إستمرار الزمن وعلمه بالأحوال التي يمرؔ بها من حضور مستوجب للشُكر و غفلة مستوجبة للمعذرة. وشعور الذاكر عند ذكره بعدد الذكر و توجه قلبه الی المذكور و الإستمرار في المراقبة من دون الإلتفاف الی الغير وعدم النظر الی الآفاق أثناء السير وحفظ النفس عن الغفلة والتخلؔي عن الخلق للتوجؔه بسفر ظاهري وباطني الی الحق والإنعزال مع الذكر المستمر بالنفي الإثبات وملاحظته والرجوع الی المذكور حتی يتمكن القلب أن يحضر مع المذكور و مشاهدة الأنوار الأحدية. أما عن الطريق المراقبة فيستطيع قلب السالك أن يلازم معنی اسم الذات الالهية فبفضلها يتمكن من تنوير باطنه بنور الهداية. وبدون المراقبة، التي هي علی شکل درجات، لا يصح الكشف حسب رأیهم. فالنقشبندي، الذي ينقش الذات والصفات والأسماء والأفعال والأحكام ، يتوق الی معانقة الحق لأنه يری فیه الوسيلة الوحيدة لخلاصه من الواقع المرفوض وغاية الطريقة هي الوصول الی الفناء.
التفكير يبقی دوما إختراق للحدود وإجتراح للإمكان بالطرق علی أبواب الممنوع و إقتحام مناطق الممتنع. فالممنوع هو في نظرنا خارجي متمثل في القيود المفروضة من قبل جهات أو سلطات سواء كانت سياسية أم دينية ، مادية أو رمزية. أما فيما يخص الممتنع فهو علی شكل عوائق متمثلة بعادات الذهن وآليات التفكير وقوالب المعرفة. فالتحرر من سلطة الأفكار تتحقق بممارسة إختراق "الممتنع الذاتي" وهكذا يستطيع الفرد أن يمتلك حرية الفكر. والمقاومة التي تمارس ضد "الممنوع الخارجي" تولد الحرية التي تنجب التحرر من علاقات السيطرة. نحن نعرف بأنه لا يمكن أن تمارس شیئاً من غير نظرية ولا فاعلية من دون شكل من أشكال العقلنة للنشاطات والتصرفات، يتيح الحصر والضبط والتنظيم، نمذجةً أو قولبةً أو برمجة. لا يصح النظر الی الطريقة النقشبندية علی أنها نقيض للعقل، فهي محاولة للتعبير عن مأزق هذا العقل الذي لم يتح له إمكانية أن يتعقل مايحصل و يُحس و يرغب، فمجال العقل هو المجال المحسوس والعيني فقط ولا يمكن الخلاص من مأزق العقل حسب تعاليم الطريقة إلا بالفناء عن الذات أو الإنفلات من عالم الواقع. للإنسان إرادة كما للخالق إرادة والعقل علیه أن يبرر الرغبة البشرية مادام لايستطيع أن يقهر رغبة السلطان القادر.
وختاماُ نقول: لاتلغی الإرادة فهي بحسب تعاليم العالم والمحلل النفساني النمساوي سيغموند فرويد (١٨٥٦-١٩٣٩) تتسامی و ترغب في الخلود والأبدية والخروج من زمن الأشياء. وهذا هو معنی التوحد مع الحق والجمع به. وما العارف إلا ذلك الإنسان الذي ينطق عن سرؔك وأنت ساكت.
الدكتور سامان سوراني

32  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المرأة الحديدية الجديدة و نتائج الانتخابات البرلمانية في المانيا في: 13:08 25/09/2013
المرأة الحديدية الجديدة و نتائج الانتخابات البرلمانية في المانيا

بالرغم من أن حق الإنتخاب علی حد تعبير الفيلسوف الألماني إيمانویل كانط (١٧٢٤-١٨٠٤) يمكن أن يٶدي الی التعبير من خلال ممارسة الاقتراع العام الی إرادة عامة تقريبية ، إلا أن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (١٧١٢-١٧٧٨) يخالف هذا الرأي بحجة أن شعباً من الآلهة قادرعلی أن يحكم نفسه بصفة ديمقراطية وحكم كامل لا يتلاءم مع البشر. مع هذا عليه العمل في سبيل المزيد من التطور نحو إحترام أفضل للإرادة العامة لأنه به تقاس الديمقراطية.
في يوم ٢٢-٩-٢٠١٣ توجه نحو 62 مليون ناخب ألماني إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية. نتائج هذه الإنتخابات تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشرعلى مستقبل دول أوروبية أمثال بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان والكثير من الدول الاوروبية الأخرى ، وإن كانت هذه الدول لا تملك حق التصويت بالطبع في هذه الانتخابات، نظرا لكونها انتخابات ألمانية صرفة وسوف نشاهد في المستقبل القريب هذا التأثير علی تلك الدول ، لأن بعضها لم تتعافی بعد من الأزمة المالية التي مرؔت بها ، وكيفية تناول حكومة المانیا للمرحلة التالية من تلك الأزمة.
السيدة التي حظيت بإهتمام سياسي بارز خلال هذا الحدث التاريخي هي المستشارة انجيلا دوروتیا ميركل (المولودة عام ١٩٥٤ في مدينة هامبورغ) أو ماتسمی عند البعض بـ"المرأة الحديدية الجديدة" والتي فازت بولایة ثالثة من أربع سنوات علی رأس أكبر اقتصاد أوروبي.
هذه المرأة الصعبة المراس و الكتومة علی نحو غير معتاد حاصلة علی شهادة الدكتوراه في الفيزياء ، تمتاز بذكاء و دینامیكية ، تنخرط دوماً في صناعة الواقع و تقوم بتواظب بخلق وقائع تخرق الحدود المرسومة والشروط الموضوعة وتكسر القوالب الجامدة والنماذج المستهلكة، التي تشل طاقة الفكرعلى ابتكار الحلول بصورة غير مسبوقة.
بدأت نجمة هذه السياسية الأهم في العالم تتصاعد عام ١٩٨٩بعد هدم جدار برلين الذي كان الحد الفاصل بين دولة المانيا المقسمة الی الشرقية الإشتراكية والغربية الرأسمالية وكان عمرها آنداك ٣٥ عاماً.   
انضمت ميركل عام ١٩٨٩ لحزب نهضة الديمقراطية (بالألمانية: Demokratischer Aufbruch) وبعد أول انتخابات حرة جرت في المانیا الشرقية أصبحت هي المتحدثة باسم الحكومة المنتخبة تحت رئاسة لوثر دي ميزيير.
أما بعد الوحدة الألمانية فانضمت ميركل بسرعة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والذي ترأسها منذ عام ٢٠٠٠ لتصبح بعد ذلك أول سيدة و بروتستانتیة ترأس حزب مٶسس عام ١٩٤٥ من الكاثوليك بهدف تجميع قواهم المسيحية الخارجة من أتون الحرب العالمية الثانية في كیان واحد ، الحزب الذي طالما اشتهر بكونه عالماً للذكور و للعلم تشغل ميركل منذ عام ٢٠٠٥ منصب المستشار في بلاد الشعراء الفلاسفة أمثال يوهان فولفغانغ فون غوته (١٧٤٩-١٨٣٢) و يوهان كريستوف فريدريش فون شيلر (١٧٥٩-١٨٠٥). 
الحزب المسيحي الديمقراطي، الذي يشدد في مقدمة قانونه الأساسي على أنه حزب ديمقراطي ليبرالي ومحافظ يلتزم بقيم عصر التنوير الأوروبي تقدم في الإنتخابات علی الحزب الإشتراكي الديمقراطي يريد بعد تشكيل حكومة إئتلافية، لأنە لم يحصل علی الأكثرية المطلقة ، تنفيذ برنامج إصلاحي. 
انجيلا ميركل ، المنتصرة الآن في موقع قوة للتفاوض حول ائتلاف ، بعد حصول حزبها علی (٤٢،٣) في المئة من الأصوات أي (٣٠٢) مقعداً من أصل (٦٠٦) مقاعد برلمانية، و علی الأكثر مع الاشتراكيين الديموقراطيين (25,7 في المئة) كما في ولايتها الاولى بين 2005 و 2009.
أما حلیفها السابق، الحزب الديموقراطي الحر أو الليبرالي، فخرج من البرلمان بعد فشله للمرة الاولى ما بعد الحرب في الحصول على نسبة الـ 5 بالمئة اللازمة حيث لم يحصد سوى 4,8 في المئة.
والحزبين الخضر واليسار المتشدد ، الذين تراجعا بحصولهما علی (8,4 في المئة للخضر) و (٨،٦ لليسار المتشدد) بسبب سوء استراتیجية حملتهما الإنتخابية ، فيأخذان لا محالة دور المعارضة لمدة أربع سنوات.
وهنا لابد من ذكر حزب جديد معارض لليورو يحمل إسم "البديل من أجل المانيا" تأسس قبل أشهر قليلة من الإنتخابات يٶكد علی الخروج من منطقة اليورو لينقذ الألمان حسب إدعائه من "خطر الأزمات الإقتصادية" التي تلازم العديد من الدول الأوروبية، الذي أثار بسبب قفزته النوعية والكبيرة بحصوله علی ( 4,7  في المئة) من الاصوات حالة من الإندهاش والتساٶل لدی الكثيرين. 
فهذا الحزب تمكن في خضون ٤٨ ساعة من جمع مايقارب ٤٣٢،٦٧١ یورو من تبرعات المٶيدين لبرنامجه ، منه ١٣٦،٢٢٧ يورو جمع بواسطة نظام PayPal الإلكتروني. "البديل من أجل المانيا" يعمل من أجل الخروج في انتخابات برلمان أوروبا ، التي تجری في مايس ٢٠١٤، برصيد مرموق رغم إستخدامه لبعض مصلحات سلبية تعود الی زمن الرايخ الثالث و رغم تحفيزه المشاعر القومية لدی شريحة معينة من الشعب الألماني المخالف لفكرة الإتحاد الأوروبي.
هنا نری بأن القوی والكيانات المتعثرة في هذه الإنتخابات سوف تتوجه منذ الآن نحو بناء الذات السياسية و تقوم بتجهيز کيانها الحزبي للإستحقاقات الإنتخابية القادمة.
إن دمقرطة البلدان تتم بتنشيط الفضاء المواطني والمساهمة البناءة ، لا بهجر النزاهة والإبتعاد عن التواضع الوجودي وعدم إحترام الرأي المعارض. فمن دون الإختلاف في عصر الاعتماد المتبادل والتشابك في المصالح والمصائرلا وجود للتحالف والوحدة و العقل التواصلي والتبادلي يمهد الطريق للإنتقال بسلام و تعايش نحو المستقبل.
وختاماً قالت هذه القيادية الحكيمة الفائزة في الإنتخابات ، بعد أن عم الفرح والسرور أرجاء صالة حفل حزبها "المنتصر": "كما ترون من حقنا ان نحتفل ، لكن كفانا إحتفالاً بهذه المناسبة العظيمة فأمامنا الكثيرمن العمل غداً."
الدكتور سامان سوراني
33  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / رحيل عميد الأدب الألماني مارسيل رايش - رانیتسكي في: 19:50 19/09/2013
رحيل عميد الأدب الألماني مارسيل رايش - رانیتسكي

بالأمس (١٨-٩-٢٠١٣) رحل سيد الكتب و "بوب ستار" الأدب ، المٶلف والناقد الألماني مارسيل رايش - رانيتسكي (١٩٢٠-٢٠٠٣) عن عمر ناهز الـ ٩٣ سنة. 
تعامل هذا الناقد البارع والحصيف مع اللغة كوسيلة الی غاية بغض النظر الی الطريقة المستخدمة كونها غاية بذاتها، نصوصه كانت تخاطب ذكاءنا وتحسسنا بالتناقض الإنساني الظاهري وكيف لا وهو الذي كان معجباً حد الإفراط بالفنان وعبقري اللغة الألمانية توماس مان. وهو القائل عن رواية "الجبل السحري" التي نشره توماس مان بعد نحو ربع قرن من نشر روايته "آل برودنبروك"  بـ"إنها قمة لم يصل إليها أحد من قبل في تاريخ الأدب والفكر والثقافة بألمانيا".
تقيمه لتوماس مان موضوعي لا مبالغة فيه، لأن هذا الكاتب البارع هو صاحب الروایات العالمية المهمة مثل "الموت في البندقية"، "الدكتور فاوستوس"، "لوته في فايمار"، "يوسف واخوته" (بأربعة أجزاء)، "طونيو كروجر"، "البطة السوداء"، "فيلكس كرول"، "ماريو والساحر" وغيرها.
عمل مارسيل رايش - رانتسكي في العديد من كبريات الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية المتخصصة ودار لعقدين من الزمان “ الرباعية الأدبية” وهو برنامج تلفزيوني شعبي جداً و حصل بسبب مٶلفاته و بحوثه الأدبية والنقدية الغزيرة و مساهماته في إدارة العديد من الانطولوجيات الأدبية علی الكثير من الجوائز الأدبية المرموقة في داخل و خارج المانيا.
لم يكن مارسيل رايش - رانتسكي ، الذي عاش و مات من أجل الأدب ، يرفع صوته عالياً مدافعاً عنها، هاباً لنصرتها، عندما تهددها قوى الجهل والبطش والبربرية ، صاحب نظرية جديدة في الأدب ولم تكن كتبه فتحاً مبيناً في النقد الأدبي، لكن براهينه النقدية و لغته التهكمية كانت رقيقة و دقيقة التكوين ، رصينة التعبير ، مصونة في جمل ثورية تعليمية و هادئة في آن واحد و متينة البنيان وواضحة بوضوح يجانف المعميات بفهم يتعارض مع الإبهام و تخرج علی یدیه غالبية مسؤولي الصفحات الثقافية الألمانية اليوم.
كان يكره النازيين بشكل قاتل ، لأنه فقد أقارب له في معسكرات الإبادة النازية ، لكنه يحب الشعراء الألمان أمثال غوته و شيلر حد الجنون. أما هجماته وأحكامه النقدية علی كتاب و شعراء كبار أمثال غونتر غراس الحاصل علی جائزة نوبل للآداب (١٩٩٩) بسبب روايته المشهورة "الطبل الصفيح" أو رولف ديتر برنكمان المجدد الأدبي الثوري فقد كانت بمثابة طلقات مسدس يجرح بها من طرف المعنيين و يجذب من الطرف الآخر مئات الألوف من القرؔاء.
لذا قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في نعيها له ، "بوفاتك نفتقدك  أيها لاصديق، الذي لا شبيه له في الادب ولا في الدعوة للحرية والديمقراطية".
إذن سيبقی مارسيل رايش - رانتسكي ، الذي أشادت كبار الشخصيات العامة في ألمانيا بمناقبه ، حتی بعد رحيله لدهر طويل أسطورة النقد في المانيا و صحراء النار في الأدب الألماني ، لأنه استطاع ببحوثه النقدية أن يصهر الكتب الأدبية والحياة في بوتقة واحدة، بوتقة الأدب والحياة.
و ختاماً لكم مثله الشهير القائل: "المال لا يجلب السعادة، ولكني حين أكون حزيناً أفضل البكاء في التاكسي وليس في المترو."
الدكتور سامان سوراني

 
34  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / السلطة و المعارضة السياسية و غياب المشروع السياسي في: 16:57 17/09/2013
السلطة و المعارضة السياسية و غياب المشروع السياسي

من النافل القول أن هدف كل معارضة سياسية في كل مكان و في كل الأزمان هو الوصول الی السلطة أي سلطة الدولة ، فلا وجود لحزب أو تيار سياسي هدفه الحصري التبشير بفكرة علیا أو الدفاع عن مبدأ أجتماعي أو ثقافي إلا بمقدار مايكون هذا التبشير و هذا الدفاع جزءاً من عملية سياسية مشدودة الی الهدف النهائي وهو السلطة.
السياسة هي مرآة المجتمع ، لا يمكن أن ينظر اليها كفاعلية سلطوية و سلطانية أو حزبية فقط بل هي قبل كل شيء فاعلية اجتماعية ومجتمعية. أن نشأة المعارضة في المجتمعات الإنسانية ، كأداة من خلالها يتم كبح جماح اي سلطة ما ، مرتبطة بنشأة السلطة. وللمعارضة السياسية علاقة وثيقة بالديمقراطية فهي تُعد جزء أساسي وشرعي من النظام السياسي الديمقراطي.
ففي الديمقراطيات الغربية، التي تجاوزت الی حدؔ ما الديمقراطية التمثيلية نحو الديمقراطية الميديائية، نری بأن السلطة والمعارضة هما قطبان جدليان في وحدة تناقضية يحمل كل منهما إمكانية أن يصير الآخر. فهما تنتميان إلى مجال سياسي مشترك ، هو المجال الذي ينتجه المجتمع ، ويعبر عن فاعليته السياسية الحرة الواعية والهادفة. وهناك طلب متزايد ومستمر علی دور المعارضة وفاعلیتها. الهدف منه هو صون الحياة السياسية من الإضطراب و مدؔها بأسباب الإستقرار. فوجود المعارضة يعني قوة توازن ضرورية في الحيز السياسي أو المجال العمومي لأنها لا تصبح عبء أو مصدر إزعاج لإستقرار السلطة. فالسياسة كالطبيعة في المنظور الأرسطي تخشی الفراغ والمعارضة هي الأثير الذي يملي هذا الفراغ الناجم من وجود سلطة منفصلة عن المجتمع و لو بشكل جزئي، لذا علیها بوصفها البديل السياسي للسلطة القائمة أن تصون الصورة الإعتبارية التي لديها عن نفسها أو لدی الجمهور عنها.
أما فيما يخص السلطة و أحزابها فإنها إن عجزت عن التأقلم مع تحولات الفكر والسياسة والواقع في عالم إعتاد علی التحول المستمر فسوف تنكمش بالنتيجة علی نفسها و تجترؔ بداهتها دون مراجعة و تدقيق وكأنها حقائق مطلقة منزؔلة أو مسطورة في كتاب مبين وهكذا تعجز عن التأقلم مع التحولات المجتمعية وموجات أجيالها الجديدة لاخارجة من رحم حقبة من المآسي والكوارث. وهنا نری استمرار خطاب المعارضة الشعاراتي في ترديد أوراده و أذكاره الغير منسقة حول التغيير الشامل و الأهداف الكبری تُزيد من هربها نحو الأمام في مفارقة صارخة تشبه مفارقة التلازم بين الهزيمة والبطولة في الوعي المجتمعي، كأنه التوازن بين ما يجب ، فيدعو للفيل إن حوصِرَت النملة.
إن تكرؔس البيروقراطية والتسلط الإداري وإنعدام آلية التداول الديمقراطي للمسٶولية داخل الأحزاب تمنع إمكان تجدد الدورة الدموية في شرايين الأجهزة الحزبية.  و بهذا لا يصل الغذاء الكافي الی أعضاء تلك الأجهزة فيقع مايشبه التصلب القاتل في شرایینها. و المآل هو غياب الديمقراطية في الحياة الحزبية الداخلية لتلك القوی.
ففي ظل غياب الديمقراطية تتعرض الوحدة الحزبية الی خطر التمزيق و الإنشقاق ، بعد أن لا يجد الرأي المعارض إمكانية التعبيرعن نفسه في الأجهزة التنظيمية و في الإعلام الحزبي أو حين يتعرض أصحابه الی التهميش أو التعتيم أو الإبعاد أو الطرد أحياناً و یبقی الملاذ الوحيد كما ينتظر الإستقلال التنظيمي أو الإنشقاق عن الحزب. أما فيما يخص الإستتباع السياسي فمن الضروري أن يمتلك الحزب قراره السياسي المستقل وهنا لا نعني بالإستقلال إمتلاك الحزب استقلاله التنظيمي فقط بل تمثيله السياسي الصادق لمصالح قسم أو جزء كبير من المجتمع ، فبدون صون الإستقلال السياسي يفقد الحزب المعارض والمتواجد في السلطة مصداقية التعبير عن القاعدة الإجتماعية التي يفترض أن يمثلها ، و هكذا ينحو بإتجاه تزوير وظيفته السياسية-الإجتماعية و يسقط في آلية من الإستبدال الوظيفي ليتحول الی قوة تعبر عن مركز أو موقف خارج عن التمثيل الأصلي الخاص به.
علینا أن لا نستسلم للتفسيرات التي تحجب و لا تفسر بثوابتها القديمة و عناوينها الحديثة، لأن بناء الوحدة الوطنية و إنهاض الخطاب الوطني الموحد ينظم بمشروع سياسي ذو رٶية متماسكة يقلل من أهمية الشعارات السياسية الخاوية ويزيد من نظرية النظام الديمقراطي. فالعمل السياسي لا يملك أن يكتسب أسباب الفاعلية والتأثير إلا إذا كان مستنداً الی مشروع سياسي و إجتماعي يبرؔره و يٶسؔس له عوامل النجاح. لنعترف بالواقع إذا شئنا معالجته أو تدبيره ، فطريق التغيير الديمقراطي لايمكن أن يقتصر من خلال ركوب موجة الضغط المنطلقة من حماسات الجهات المعارضة والمركبة علی حوامل خارجية تشتغل ببطاريات أجنبية  والنضال الديمقراطي يقتضي نفس طويل و ماعداه يجلب الإنتكاس و الإخفاق. الديمقراطية ليست الترياق الشافي من جميع الآفات بل هي نظام من بين الأنظمة داخل الفضاء الاجتماعي المركب ، قد لايصلح لمختلف دوائر المجتمع و مٶسساته، فهو نظام لإنتاج الفاعلية السياسية و لممارسة السلطة و إن نجاح الديمقراطية رهن بتوفير ميزان قوی يرفده و يحميه و يفتح المسارب و الأنفاق أمام تدفق حركاته. والنظام الديمقراطي يستحيل الی الضد مالم يتعامل الناس، أفراداً و جماعات ، مع أنفسهم بوصفهم فاعلين إجتماعيين يعبرون عن فاعلیتهم السياسية عبر التفكير الحي والعمل المتقن.
وختاماً يقال: إن فاقد الشيء لا يعطيه وأن الحزب المطعون في ديمقراطيته الداخلية لا تملك أن تقدم للمجتمع بديلاً ولا مشروعاً ديمقراطياً.
الدكتور سامان سوراني
35  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مستقبل الفلسفة بين المراجعة التاريخية والسياجات الدغمائية في: 13:29 05/09/2013
مستقبل الفلسفة بين المراجعة التاريخية والسياجات الدغمائية

عندما سئل الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859 - 1941) ذات یوم عن أحسن كتاب سيصدر بعد عشر سنوات ، كان جوابه كما ينتظر من فيلسوف، "لو كنت عرفته لكتبته أنا". هذا ما يدفعني أن أقول، لو كنت أعرف مستقبل الفلسفة بالشرق الأوسط لسعيت اليوم في تهیئة الجو لها، لكن هیهات، فمستقبل الفلسفة في هذه البقعة من السكينة المليئة بالحروب والصراعات العقائدية والطائفية والنفسية الدنيئة مرتبط بمستقبل الثقافة والتطورات السياسية  والإقتصادية والإجتماعية.   
بما أن الفلسفة هي الفكر الذي يجلب نفسه الى الوعي و يجعل نفسه موضوعا لنفسه ، بل هي عرض لتطور الفكر كما هو في ذاته لذاته ، دون أية إضافة ، وأن تاريخ الفلسفة مع الجهود التي بذلت آلاف السنين وما أنتج فيها ، هي محصلة كل ما حدث في الماضي ونتيجة ما سبقها إلا أننا نراها كبحث عقلي عن حقائق الموجودات لمعرفة البداية والنهاية والحاجة إليها اليوم أشد من أي وقت آخر. هذه الحاجة مرتبطة طردياً بالأسئلة التي تواجه الفكر والعقل.
يری الفيلسوف الألماني جورج ويلهلم فريدريش هيجل (١٧٧٠-١٨٣١)، أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، أن أساس الحاجة إلى الفلسفة هو حاجة الحداثة إلى الوعي بذاتها وبمظاهر حدتها وبأسسها المعيارية.
 فالفلسفة مدعوة إلى أن تتعقل زمنها Penser son temps وأن تترجم عصرها وزمنها إلى أفكار.
أما المعرفة الفلسفية هي معرفة شمولية تسعى باستمرار لتصور القضايا بكل مظاهرها و أبعادها. في الشرق الأوسط نری بأن التخلف كمشكلة متجذرة یغطي جميع مناحي الحياة والفكر لا يمكن حله من دون السعي الی إيجاد حل قطعي للتزيف الايديولوجي الساعي الی قصر مشاكل التخلف بإستمرار والتردي في بعد واحد.
التفكير الفلسفي لا يعرف مناطق محرمة فهو منفتح علی كل المنافذ والأسئلة و يرفض الإخفاء والتستر و جمود الإجابات أو قمع الأسئلة أو المكابرة المرضية التي تعانیها الثقافة في الشرق الأوسط، تلك الثقافة التي منعت المنطقة من التطور في العلوم والبحوث و جعلتها منطقة فكر ديني ولغوي دفاعي تكراري واجتراري قائم على التلخيصات والتهميشات.
ولم يشذ تلك الثقافة الشمولية عن هذا الإطار طيلة قرون من الزمن بحيث جعلت غياب الحكمة من أبرز سماتها و أدت في النهاية الی سيادة نمط واحد محدد من أنماط التفكير أو شيوع التفكير اللاعقلاني وغياب المنطق وحضور الخرافة  المٶدية الی منع تغلغل التفكير العلمي السليم في أذهان الناس وحياتهم العامة على المستويات والطبقات كافة والمعمِّقة لمشاعر الإستنقاص ونزعات الفرار من الذات.
 إن نشر الفكر الحديث وإشاعة الحداثة الثقافية و وعي حداثي مبني علی أسس فلسفية للإنتقال من فكر التكرار والإجترار والنقل والتذكر والسرد الی فكر التحليل والتعليل والنقد و هجر الدغمائیات والحقائق القبلية الجاهزة والمسلمات الفكرية والثوابت الظلامية‏ ‏يمهد الطريق لتبنؔي التفكير النقدي المعتمد علی المناهج والمفاهيم الحديثة للوصول الی باب توسيع دائرة المفكر فيه لا دائرة المهمش والمنسي والمقموع فقط ، بعد مسح السياجات الدغمائیة التي تحرسها قوی التقليد والمحافظة الواعية بذاتها.
إن توجيه التفكير إلى الماضي و العيش في النهج الأبوي التقليدي القديم لا تفيد في حل قضايا العصر المستجدة. علینا بالدعوة إلى الاهتمام بالحاضر والآني والمتحول أو بما أسماه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 ـ 1984) أنطولوجيا الحاضر أو الراهن  وهو الذي تتبع في دراسة له حول فلسفة الأنوار (سنة 1983) جذور فكرة ارتباط الفلسفة بالآن، لأنه كان مٶمن بأن العالم الجديد يبنی بالتفكيك و يستمد مشروعیته من ذاته. 
وأن تنازل الإنسان عن أستخدام عقله في بناء المجتمع والدولة و المٶسسات يتحتم علیه العيش في ظل وصاية من يقوم بالأشياء بدله فلا عجب من أن يتحول هذا الإنسان الی شخص تابع، عديم الإرادة والحرية . فالعقل هو مرادف للحرية والإرادة والذي يستخدم عقله صاحب إرادة حرة، أما مهامه فيجب أن يتعدی المهام الكلاسيكية لتكون عالمية و إنسانية و خاصة في المجالات المرتبطة والمختصة بالقيم  والغايات الأخلاقية والمثل والأحلام والأهداف المستقبلية التي يمكن الإجماع علیها ليستطيع المحافظة علی عریته والدفاع عنها وإلا سيكون المآل السقوط في الهاوية كسقوط فلسفات سيئة الحظ التي تبنتها سلطات ارهابية في ظل النظم الأيديولوجية المتحجرة والنظم الطاغية المتخلفة.
وختاما نقول مع المفكر المصري الدکتور فٶاد زكریا (١٩٢٧-٢٠١٠)، الذي كان متحصناً بالعقل النقدي‏ و عاش ومات مناضلاً من أجل سلطة العقل:
«العقول لا تتغير من فراغ، فلا معنى لدعوة تغيير طرق التفكير عند الناس أولاً، ثم بعد ذلك تغيير الظروف والأوضاع، لأن الدعوة بهذا الشكل دعوة معكوسة، فالعقول لا يعاد تشكيلها بقرار فوقي أو خطة طويلة المدى، العقول لا تبدأ التغير إلا بعد أن تتغير الأوضاع من حولها».
الدکتور سامان سوراني
36  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المٶتمر القومي الكوردستاني في زمن الفيروسات المعلوماتية والحروب السيبرانية في: 18:03 28/08/2013

المٶتمر القومي الكوردستاني في زمن الفيروسات المعلوماتية والحروب السيبرانية

ما نلاحظه اليوم هو وقوف منطقة الشرق الأوسط بسبب الأحداث المتلاحقة مع الربيع العربي والمشاهد المتوترة علی مفترق طرق و تواجدها أمام حالة من السيولة السياسية غير مسبوقة.
الولايات المتحدة التي انتعشت آمالها في دور جديد بسبب تلك التغيرات لا تستطيع أن تحدد دورها بسبب غياب إستراتيجية واضحة المعالم و العجز الظاهر في تقييم المجريات بشكل دقيق ، لذا نراها تتبع سياسة خارجية متمثلة في عمل لاشيء و انتظار ما قد تقدمه التفاعلات الداخلية من نتائج. بالرغم من سعيها الدائم الی التربع على زعامة وقيادة العالم كما تشاء من دون أن يشاركها أحد في ذلك و إدعاء الی توجيه
ضربات ضد نظام الاسد المتهم بتنفيذ هجوم فتاك بالسلاح الكيميائي ضد مواطنين أبرياء.
أما روسيا و حلفاٶها فتأثيرهم واضح في المناطق الشبه مفككة من الشرق الأوسط، يعملون لیل نهار بجدية و فعالية لرفع ثمن تعاونهم التكتيكي. 
الی جانب كل هذا هناك بلدان تسعی في التأثير علی الفضاء الإلكتروني ، الذي يمثل التهديد الأكبر في المستقبل، بعد أن أصبح هذا الفضاء ميداناً جديداً للحرب والوعيد. فالولايات المتحدة تسير نحو استراتيجية تمكنها بواسطة الفيروسات المعلوماتية من شل البنية التحتية لبلد ما بشكل يفوق ما تحققه القنابل وهناك هجمات تقودها الصين الشعبية تسمی بالقرصة الحاسوبية تهدف التجسس واكتشاف الثغرات ومواطن الضعف عند الآخر أو التخريب. ولقد قامت في الآونة الأخيرة ما لا يقل عن ثلاثين دولة بتشكيل وحدات متخصصة مهمتها التصدي للهجمات وأيضا القيام بشن هجمات الكترونية مماثلة. وهناك دول تشارك بعضها البعض المعلومات للحد من المخاطر و التهديدات، وبالإضافة إلى الصين والولايات المتحدة، هناك أيضاً روسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسرائيل والهند، كلها تقوم بأنشطة في المجال.
أين كوردستان و "المٶتمر القومي الكوردي الأول" من كل هذه التطورات علی الساحة السيبرانية؟ 
بداية نقول: من يقف ضد مفهوم الدولة في الفكر الكوردستاني يفتقر الی المصداقية والمشروعية والفاعلية في ما يرفعه من الشعارات، إذ هو لا يحسن سوی طعن الديمقراطية ولا ينجح في الاسهام الايجابي في الحداثة، فضلاً عن كونه أبعد ما يكون عن العالمي.
فبعد الاجتماع الموسع بتاريخ 22 تموز ٢٠١٣ تم تشكيل لجنة تحضيرية متضمنة ٢١ عضواً للمٶتمر القومي الكوردي بهدف تهیئة الأرضية المناسبة للعمل علی مشروع يتضمن التخطيط الاستراتيجي الدقيق لإسترجاع كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والتراثية واللغوية والثقافية المسلوبة للشعب الكوردستاني و طرح حلول ديمقراطية عصرية هادفة الی بناء مجتمع كوردستاني مدني ، حرّ و ديمقراطي للوصول الی الإعتراف بتلك الحقوق من قبل القانون والمجتمع الدولي. ما لا يجوز أن يكون له حضور في المٶتمر هو السعي الی مكاسب و مصالح حزبية ضيقة.
فالشعب الكوردي الآمن بوحدته والمٶمن بالتعايش السلمي بين شعوب الشرق الأوسط والنظام الديمقراطي كبديل للأنظمة الشمولية ينظر الی ذهنية التجزئة ونفسية الغنيمة السائدة عند بعض القوى السياسية بعين الذلّ والعار و يتطلع كباقي الشعوب الی خطوات بناءة للتخلص من الحيف التاريخي والاعتراف بهویته و التمتع بحريته. ومن اجل الوصول الی تفاهم حضاري علیه التعالي عن الصغائر، فالتحديات المستقبلية لا يمكن مواجهتها من غير السعي الی الموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية.
ومن لا ينهض من تخلّفە الفكري و من لا يشخص الواقع ولا يكسر عقليات البيروقراطية الفوقية لإدارة شؤونه بعقل أفقي، تواصلي، تبادلي لا يستطيع أن يجد مخارج من الأفخاخ والمآزق.
المٶتمر يجب أن يصب جلّ إهتمامه علی شخصية الفرد الكوردستاني ذاته و المجتمع من جميع النواحي لغرض تحقيق العزة و الكرامة و السعادة و الرفاهية لشعبه ولشعوب المنطقة و يجعلها دائماً تعيش في أمن و اطمئنان و رخاء و عيشٍ رغد. وكذلك توفير المناخ الديمقراطي و الأسس العلمية لدعم مشاركة المواطنين و توجهاتهم في أمور حياتهم، بالإضافة الی التخطيط الواعي و إلتزام القيادات بالأهداف الإستراتيجية المٶدية الی كسر التعارضات الخانقة، لإتقان صناعة التنمية و هندسة العلاقات السياسية والدبلوماسية بشكل يٶمن حق تقرير مصير الشعب الكوردستاني ، بعد فتح خطوط للشراكة الإستراتيجية المٶدية الی الحرية و الإستنارة والعقلانية.
نحن كشعب نعرف بأن الماضي هو زمن من أزمنتنا المتداخلة والمتعاصرة بشكل إهليلجي، بل هو طبقة من طبقات وعينا المركب الذي يمكن قراءته علی نحو جيولوجي، نمتلك إرادة التضحية والتاريخ شاهد علی مانقول. لكن الذي نحتاجه اليوم في عصر التغيير هو خلق إرادة المجازفة، لمواجهة التحولات والإستحقاقات و الإشتغال علی الهوية والذاكرة والتراث من أجل تحويل ذلك الی عمل منتج أو الی ممارسة إبداعية تتجسد في صناعة الإستقلال و نسج علاقة مع العالم راهنة و فاعلة، سيما أن العالم لم يعد كما كان عليه، بل هو يتغير بصورة جذرية و بنيوية متسارعة.
علينا بتثوير الإدراك وحرية الفرد الكوردستاني وإمتحان القِيَم قبل تبنِّيها، فثورة الإنسان على داخله، كما يراه الفيلسوف والكاتب الياباني المعاصر (Daisaku Ikeda)، هي الشرط الضروري للتقدم والمساهمة الفعالة في سبيل بناء الوطن.
أما قضايانا الوطنية والمصالح العمومية فيجب أن تدار بسياسة جديدة من مفرداتها ومفاهيمها و قواعدها الخلق والتحويل والتجاوز بعد أن سجلت نهاية لنظرية المؤامرة والأجندات الخارجية. علينا بشحذ العقول الكوردستانية و إنشاء مراكز البحث والإشتغال علی الذات بالمراجعة والمحاسبة أو بالنقد و الفحص.
الضرورة تدفعنا الی الإعتراف بالقوة الناعمة و إنشاء مراكز دراسات ومعاهد بحوث ومتابعة ، التي هي بمثابة مفاتيح الفكر وصناعة القرار المتخصص في المجالات الاستراتيجية ، لإنتاج دراسات و بحوث علمية رصينة لمعالجة الأزمات والمواقف وفق منظور علمي ومنطقي وموضوعي بهدف تجنب المفاجئة والأزمات.
وختاماً يقال: "إذا طعنت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة."
الدكتور سامان سوراني


37  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سقوط إخوان المسلمين و انقشاع عهد الشعارات الدينية السياسية الخاوية في: 17:44 19/08/2013
سقوط إخوان المسلمين و انقشاع عهد الشعارات الدينية السياسية الخاوية

 من الواضح بأن الدولة العصرية و تنمية المجتمع العصري لا يمكن أن تبنی بأفكار الماضين و نماذجهم و أدواتهم. فالحكم بالإستناد الی الشريعة الدينية بغض النظر الی المصدر للوصول الی الحاكمية الإلهية أو الخلافة الإسلامية وسلطة المرشد الآمن بوجود طليعة إسلامية تقود البشرية إلى الخلاص، يٶدي الی عجز الإدعاء و مآله الفشل. 
"حزب الحرية والعدالة" الذي إدّعی بأن وراءه حشد بشري كـ"خميس بشرق الأرض والغرب زحفه وفي أُذن الجوزاء منه زمازم تجمع فيه كل لسن وأمةٍ" بدأ بالتهويل و رفع الشعارات الإسلامية و طرح المفاهيم و الأفكار والأنماط المستقاة من نظريات سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي و هدد بسيفه بدايةً غرق في سحر السلطة من غير أن يقدر حجمه الحقيقي ووزنە السياسي. فإذا به مكون من مكونات المجتمع المصري لا غير وإذا ببطلان شعارات المشروع الأصولي الفارغة والخادعة حول شرعية الرئيس المنتخب بالأكثرية عبر الوسيلة الديمقراطية. فالفكر الأصولي القابع في عقول هدامة لا يمكن أن ينجح في تجارب المعرفة والديمقراطية والتنمية.
بعد ثورة ٢٥ ینایر ٢٠١١، التي جرت من غير قائد تاريخي أو بطل ملهم أو زعيم أوحد، يمارس الوصاية على الثورة ويحتكر السلطة ، تم مشاهدة أداء نواب جماعة الإخوان وسلوك قادتها ورموزها وتنصلهم من وعودهم التي أطلقوها أو اتفاقات أجروها مع قوی وأطراف أخری بالإضافة الی إعتماد الإخوان تحالفاً مع جماعات سلفية جهادية أو راديكالية و تعظيمهم مصالح الجماعة على مقدرات الدولة و فشلهم في إدارة أمور أكبر بلد عربي لمدة سنة.
إن بقاء "الإخوان" في واجهة المشهد سوف يٶثر فیه سلباً و المهتم بأوضاع مصر أو مايسمی بأرض الكنانة يعلم جيداً بأن عودة الجماعة مرتبطة بإنهيار الدولة و مٶسسات الجيش والشرطة أو عبر تدخل خارجي عسكري يأتي بها إلى القصور والبرلمان وهذا ما لا يمكن تصوره في المستقبل القريب.
من لا يريد أن يخدع نفسه يعرف بأن فشل تجربة "الإخوان"  لە آثاره و تداعياته علی الأحزاب الإسلامية في البلدان الأخری و حتی علی الأحزاب الاسلامية في کوردستان، التي لا تهتم بمصير أبناء جلدتها في غرب كوردستان أو ما يسمی بكوردستان سوريا بل تبكي علی عزل الرئيس محمد مرسي و سقوط نظامه ، الذي أراد أن يقبض علی الأمر في مصر ، فهي بذلك فقدت مصداقيتها و شعبيتها و أخفقت في حمل الأمانة و إدارة الدفة لتكون مرجعاً ومثالاً ومع هذا يعاند قادتها و رموزها و يستخدم الأساليب المتنوعة تحدياً للفشل الذي وقعوا فيه ومارسوه.
في تصورنا هناك قواعد حاكمة يجب أن يخضع لها الجميع و خاصة إخوان المسلمين والذي يسعي متطرفوهم وراء شهوة إقصاء كل طرف آخر إلا الحلفاء من دعاة العنف وأصحابه لفرض قواعد شاذة من خلال العنف والإرهاب في مواجهة النقاش المتعقل والحوار الصريح البناء و كلام قادتهم يعيدنا إلى ما قبل الثورة، أي إلى نظام الاستبداد الذي طوت صفحته ثورة يناير.
و مشروع إقامة الدولة الثيولوجية ، الذي سعی الیە الدكتور محمد مرسي والذي ركؔز على «الأخونة» من دون التنمية وخلق المشاكل وفجؔرها بدلاً عن حلها، و يسعی اليه آخرون في غير مكان من غير جدوی ، فانه يحمل الإسلام ما لا طاقة له على حمله، ويسيء إليه بقدر ما يؤدي إلى انتهاك القيم الدينية على يد حراسه وحماته.
الرصاصة التي خرجت من السلاح بعد بيان الفريق عبد الفتاح السيسيوإقرار عزل الرئيس مرسي لن تعود اليه، لذا من المستبعد أن ننتظر عودة الرئيس المخلوع مرسي الی سدة الحكم في مصر، فالعجلة تدور ولاتتوقف حتی وأن أصرؔ الجماعة علی الموت في سبيل الشرعية، كما جاء علی لسان المرشد محمد بديع.
وختاماً يقال: "إن من يملك حساً نقدياً وعقلاً منفتحاً، لا يركن إلى ما يطرح من الشعارات، سيما من جانب الذين يمارسون الوصاية على الناس بوصفهم ملاك الحقيقة وحراس القضايا والأوطان والبلدان، فضلاً عن ملاك الدين الذين يوظفون الاسم والرمز والفكرة، لأهوائهم وأحقادهم، أو لنفاقهم وفسادهم، أو لإرهابهم ووحشيتهم."
الدكتور سامان سوراني
38  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / موقفنا من بربرية أعمال الجماعات الإسلامية المتطرفة في غرب كوردستان في: 21:57 07/08/2013
موقفنا من بربرية أعمال الجماعات الإسلامية المتطرفة في غرب كوردستان

من الواضح بأن الهجمات البربرية التي تقودها الجماعات الإسلامية التكفيرية الإرهابية منذ العام الماضي في بعض مدن غرب كوردستان أو ما يسمی سهواً بـ"كوردستان سوريا" ضد المدنية والمجتمع الكوردستاني والتي اشتدت في الأيام الأخيرة لتتحول الی مجازر دموية رهيبة بحق مدنيين عزل من أطفال ونساء وهدم منازل و بيوت لأناس مسالمين بعد سلب و نهب أموالهم وممتلكاتهم ماهي إلا إرهاب أعمی بإسم الدين و عنف فاحش ذو طابع عدمي يدّمر كل ما يدعو اليه و يريد بعمله هذا ترك الأثر الأقوی والأبلغ في‌ نفوس المواطنین.
هٶلاء هم اعداء الحرية والديمقراطية ، اعداء الحضارة والانسانية ، یمارسون دیکتاتوریة الحقیقة و یشتغلون بوصم الآخر من خلال تُهم الکفر والارتداد أو التحریف والرجعیة والعمالة أو الخیانة، یریدون إدخال الناس في السجن العقائدي والایدیولوجي المستهلك ، لإنضمامهم الی القطیع البشري، حیث کل واحد هو نسخة عن سواه، لتنفیذ ما یملي علیهم من الفتاوی والاحکام و المناهج الشوفینیة بصورة آلیة لتدمیر الحیاة والعمران.
الشعب الكوردستاني عاش بسبب شمولية الحكم في سوريا واستبدادية النظام طوال عقود من الزمن مسلوب ومنتهك الحقوق والحرية. اليوم نراه يتوحد في سبيل حقه في حياة حرة كريمة ويتمرد في وجه الظلم والقسوة ويناضل من أجل التخلص من كل أشكال العبودية، التي مورست في السابق وتمارس اليوم ضده ويسعی من أجل الحرية ، حريته و حرية الآخرين علی دروب التكاتف الإنساني.
الكوردستانيون هم مسئولون عن مستقبلهم و مصيرهم وعليهم ان يقرروا ويختاروها بأنفسهم وهذه هي الحرية المسئولة. أما من الناحية الإنسانية فنراه من حق إقليم كوردستان / العراق كعمق استراتيجي وحيد أن يدعم الكوردستانيين والتشكيلات الكوردستانية في سوريا التي تقوم بإدارة المناطق المحررة والمدن الواقعة تحت تصرفها لتسيير حياة الناس وحماية أرواحهم وممتلكاتهم لوجستياً و عملياتیاً ، لأن الكورد اليوم يواجهون أبشع أنواع حملات الإبادة المنظمة من قبل تلك الجماعات الإرهابية الجهادية.
الجماعات الاسلامية تعيش منذ فترة غير قصيرة أزمة الهوية والمعنی المصابة في قيمها و ثوابتها ومألوفاتها وفتاواها لاتمتلك صيغة للعيش المشترك و حياة بعيدة عن العنف و الإرهاب. تريد بشعاراتها الأحادية و ثوابتها الأبدية و عقل مغلق أن تأخذ زمام تسيير أمور البشر بيدها و تملأ علیهم نوع العيش و لون الحياة. فهي تتغذی من عقدة المماهاة مع الذات و جرثومة التضاد مع الغير.
وهذا الخرق من جانب الجماعات الاسلامية الإرهابیة التي تعمل بمنطق متحجر وتصدر الفتوی والتکفیر ضد کل منطق یملك قدرة النقد والتنویر وهذا البروز بالشكل الحالي علی الساحة السورية هو ثمرة من ثمار الصراعات السیاسیة العقیمة بین القوی والأطراف الأنانیة التي تعتبر نفسها معارضة للنظام السوري والتي ترید أخذ زمام الحکم بالقوة ولاتتکاتف مع نظائرها من أجل البناء والتطور.
نحن نری بأن المشروع الإسلامي فقد مصداقيته علی أرض الواقع ، فعلی القوی الوطنية الكوردستانية في كافة أجزائها أن تتوحد أكثر من ذي قبل و تقف صفاً واحداً و تعترف بأن مصائرنا و مصالحنا مشترکة ومسؤولیتنا باتت متبادلة و جسیمة في مواجهة سفاکي الدماء وبیت الداء. الديمقراطية و الفدرالية هي الحل في سوريا و نشر ثقافة الاحترام والتعايش المدني المشترك وفق مباديء الاعتراف والقبول بالآخر وتشجیع الطاقة الشبابیة الكوردستانية علی المشارکة في الخدمات الانسانیة والأنشطة البنائیة، هو الطريق العصري للوصول الی الحلم الكوردستاني، لأن المحك هو تدبیر أمر العیش سویاً وخلق لغة مشرکة ووسط للمداولة وساحة للمبادلة في مجالات مختلفة ولیس ممارسة الرعب والنرجسیة والتأله بشن هجمات أرهابیة جهنمية و حملات بقصد الابادة الجماعية. ولكي ندفع مركب الحكم الذاتي في غرب كوردستان الی بّر الأمان علینا بفتح نوافذ المشاركة السياسية او التعبير السلمي ، فالكيان الكوردستاني القائم في المنطقة سيكون كياناً فاعلاً و مفيداً، لأنه یريد البناء في حين الآخرون يصرون علی الهدم.
وختاماً: إن تحويل الدين الذي يسميه البعض بـفيتامين الضعفاء من صيغته المركبة والمزدوجة التي كانت تٶمّن نوعاً من التوازن بين التقی والإنتهاك و الوازع الخلقي والسلوك الهمجي وبين الرحمن الرحيم والجبار المنتقم الی مٶسسة لإطلاق الوعيد والتهديد أو الی إستراتيجية قاتلة تنتهك كل قيم التواصل والتعارف و التراحم والتكافل وتقتل الديمقراطية و تحجب العقلانية أثبتت اليوم في سوريا وفي غير مكان بأنها لا تساعد علی خلق مساحات و لغات و آليات للتعايش والتبادل علی نحو إيجابي و بناء.
الدكتور سامان سوراني
فرانكفورت / المانيا في ٧-٨-٢٠١٣
39  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سكوت شاعر الحرية و بركان الشعر الكوردستاني شيركو بيكەس في: 15:50 05/08/2013
سكوت شاعر الحرية و بركان الشعر الكوردستاني شيركو بيكەس


يقال بأن الشعراء هم "جهاز الحس في الجنس البشري، ومن مخاوفهم وشكوكهم نستطيع أن نحكم بأن العالم لا يسير في طريق الإنسانية، وإنما في طريق اغتراب إنسان واستلاب إنسانيته."
شيركو بيكەس هذا الشاعر الكوردستاني الذي سعی الی السهل الممتنع ووصل و الذي رسم جمال جبال كوردستان وتمكّن. أما كلماته الجميلة المشبعة بالبوح و الرٶی المعرَّفة بالسرمدية و المليئة بالقيم النبيلة  وكل ما هو بهيّ وإنساني في هذه الحياة فهي بمثابة بركان يحمل في طياته سمفونيات شعرية تبرز فيها فلسفة الحياة بأشكالها الإنطباعية والواقعية و الرمزية والسريالية والمستقبلية وتجريد المجسّد بكل أدواتها وإلماحاتها الفنية و إيحائاتها الزمانية والمكانية ، التي وظفها هذا الشاعر المناضل البيشمركه لخدمة شعبه ووطنه المجزء بأفضل و أعلی أشكالها.
أمضى شيركو بيكەس ، المولود عام ١٩٤٢في مدينة السليمانية ، العاصمة الثقافية لجنوب كوردستان ، سنوات من عمره في الجبل والسجن والمنفی والغربة. مارس الترجمة والسياسة وتقلّد المناصب العامّة حيث عين كوزير للثقافة وغيره ولكن قصائده هي التي يعوّل عليها في معرفة مواقفه المختلفة أكثر من الخطب والمقالات.
أعماله التي أتسمت في بدایة رحلته الشعرية بالرومانسية تحولت فيما بعد الی رسم فضاءات مليئة بالدخان والبارود والنابالم ودوي قصف الطائرات والكيمياوي بعيداً عن عهد العشق تحت وميض الليالي المقمرة والهدوء والإستقرار و حطّمت جليد الستينيات واستطاعت أن تتوّج اللغة وتصبح صرخة تمرّد و دفاع عن الوجود. 
شارك شيركو شعبه أفراحهم و أحزانهم كل هذا بأكثر من ١٨ مجموعة شعرية تجريبية متنوعة بسيطة الأسلوب و بعيدة الرٶی وله نثر ثوريّ جميل ومميّز جداً ولكنه لا يُعدّ أداته لممارسة الحياة بطولها وعرضها ، فملاحمه الشعرية في حلبجة والأنفال ‌ماهي إلا نصب تذكاري مشيّد للشهداء وضحايا جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني.
لقد تأسست حركة "المرصد" في السبعينيات علی یده وتمكنت تلك الحركة أن تمثل بداية الحداثة الفنية والشعرية في الثقافة الكوردستانية بعد أن عجزت الأساليب والقوالب القديمة في التعبير الإبداعي أمام الواقع الكوردستاني الجديد المتمثل بتعقيداته السياسية والإجتماعية وثوراته الغارقة في الإنكسارات والخيبات أمام النظام الإستبدادي الظالم والصمت الإقليمي والدولي عما كان يجري في كوردستان.
السياسة أغنت أدبه و كيف لا وهو ابن الشاعر الفيلسوف الوجودي الوطني و الليبرالي فائق بيكەس ، الذي كان من الشعراء الوطنيين الكورد في الثلاثينات و الأربعينات من القرن الماضي. احب الحرية وعشقها ودافع عنها بالكلمة.
وهو القائل:
"وضعت أذني على قلب الأرض
حدثني عن حبه للمطر
وضعت أذني على قلب الماء
حدثني عن حبه للينابيع
وضعت أذني على قلب الشجر
حدثني عن حبه للأوراق
عندما وضعت أذني على قلب حبيبتي حدثني عن الحرية".
لقد نال شيركو بيكەس عام ١٩٨٨ جائزة "كورت توخولسكي" السويدية الأدبية العالمية و تُرجمت منتخبات من قصائده فيما بعد على شكل دواوين إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والسويدية و الدانماركية والمجرية والفارسية والتركية والعربية.
بالأمس سكت نسر جبال كوردستان شيرکو بيكەس أما بركان شعره فهو خالد كنيران باباكوركور الأزلية.
الدكتور سامان سوراني
السويد في ٥-٨-٢٠١٣
40  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فلك الدين كاكائي و حلاجيات كوردستانیة في: 10:24 02/08/2013
فلك الدين كاكائي و حلاجيات كوردستانیة

يقال بأن الأديب يفترض أن يكون لديه مبدأ يؤمن به يحلق به يميناً وشمالاً باحثاً عن الحكمة مؤصلاً لها في موروثه الأدبي و الأدب أداة مثلى لمعرفة أحوال المجتمع ،  تقيس بدقة التحوّلات الإجتماعية مهما كانت محدودة ، لأن نصوصه يكتبها مبدعون من رحم تلك المجتمعات، يعبّرون من خلالها عما تشاهده أعينهم وتسجّله مشاعرهم ، وتلتقطه آذانهم. هكذا كان المثقف والسياسي الكوردستاني البارز فلك الدين كاكائي ، الذي رحل أمس الأربعاء في أربيل عن عمر يناهز الـ 70 عاماً، إثر مرض مفاجئ لم يمهله وللأسف أن يستمر في حلاجياته. هذا الكركوكي الكوردستاني بدأ حياته الثقافي ضمن حركة اليسار و أنتمی في مطلع الستينيات للحزب الديمقراطي الكوردستاني ليصبح قيادياً فيه ، مساهماً عبر أسلوبه الواضح ذو النهج الهادف بفاعلية و نشاط في تأسيس إعلام الحركة الكوردستانية التحررية وإثراء الثقافة والفكر والسياسة الكوردستانية ليصبح فيما بعد إسماً في الوسط الثقافي الكوردستاني و العراقي والعربي. وهو الذي ترأس تحرير صحيفة "التآخي" منذ صدورها ولسنوات متأخرة.
التصوف هو إشراق في القلب و الصوفي هو من يتعامل مع عصره من خلال تفاعله مع واقعه و فلك الدين كاكائي الزرادشتي كان معروفاً بتواضعه الوجودي و نزعته الصوفية و بحثه الدائم في أحوال العقل الواعي وفي ماهية الوجود وفلسفته ، مٶمناً بالإنقلاب الروحي ، قائلاً بأن الإنسان أدنی شأناً بكثير ممّا يدّعي ، سواء من حيث علاقته بالمبادئ والقيم والمثل، أو من حيث قدرته على السيطرة والتحكم في الأهواء والأشياء والأحداث ، مقارناً محنة شعب كوردستان بمحنة الحسين بن منصور الحلاج ، الذي ذهب ضحية المظالم والالتباسات والافتراءات كما كان حال الثورات الكوردستانية وقادتها الخالدين.
لقد طبع فلك الدين كاكائي أسمه في ذاكرة الزمن الكوردستاني بأحرف ذهبية مضاءة بالمحبة والنضال و الإصرار علی التسامح والتعايش و البناء وكان يحاسب نفسه بإستمرار لتقويم أعماله و يغذيه بالفضائل ليجعل حياته معتدلة. التقيت به لأول مرة عام ١٩٨٦ مع قيادي كوردستاني في غرفة ضيقة  في أحدی "مسافرخانات" طهران القديمة وهو جالس علی أرض مرطوبة وحوله أوراق مبعثرة ، يكتب في السياسة والنضال.
هذا العارف  المجاهد أفنی كل زهرات عمره و شبابه بالنضال و ترك بصمة و تاريخ ناصع بياض. كان الراحل الخالد يٶمن بعدالة قضية شعبه وحقه بمقاومة الطغيان والدكتاتورية و يبحث  بناصية اللغة الرمزية الممزوجة في بیانها بين التعبير والمعنی الی حدّ التماهي ويكتب في معنى الجسد والظلام و معنى النفس والروح والنور ومعنى الموت والتجرّد والحياة لينتج نصوصاً كأجنحة الملائكة ساعياً في بيان المعرفة الحسية.
حاورته في مسائل أدبية و سياسية، أثبت لي من خلالها أنه مثقف إجتماعي متواضع صانع تاريخه بنضاله وإنسانيته و مٶلفاته و ثقافته ، يحب التواصل بعيداً عن الحواجز التي قد يصطنعها البعض ، شجاعاً في الإدلاء بآرائه و أفكاره يقول الحق ولا تأخذه فيه لومة لائم.
وختاما نقول: أن البعض قد ينسی هذا الحلاجي الثائر لكن التاريخ لن ينسی مواقف الثوار والمناضلين.
أتمنی لأهله وإخوانه في النضال الصبر والسلوان ولنفسه المطمئنة السعادة الأبدية.
الدكتور سامان سوراني

41  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الوحدة الكوردستانية بين عولمة الهوية و عقلنة السياسة في: 18:19 30/07/2013
الوحدة الكوردستانية بين عولمة الهوية و عقلنة السياسة

من الواضح بأن الهوية هي ما ينجزه الإنسان و يحسن أداءه ، أي ما يصنعه بنفسه و بالعالم ، من خلال علاقاته ومبادلاته مع الغير ، لا ما يتذكره أو يدافع عنه. ومن المعلوم بأن اللاوعي والوهم أو الخداع لها دورها في تشكيل الوعي وقرارات العقل وسير التاريخ وأن المنظومات الإيديولوجية و فلسفات التاريخ قد تكون مصدراً للوعي أو أداة للتثقيف و التنوير ، لكنها قد تكون أداة للتزييف و التضليل.
أما الوحدة الكوردستانية والوفاق الكوردستاني فلا تأتي من العدم ، بل هي نتاج موضوعي وضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية الهادفة الی بناء الهوية الوطنية ، لا ربط لها بلعبة الوفاق السياسي أو المساومة السياسية. ومن أجل تحقيق الهوية الوطنية الكوردستانية ، لابد من العمل علی مشروع وطني للوحدة و الاتفاق على عقد اجتماعي يتجاوز ويذلل ذهنية التجزئة ونفسية الغنيمة السائدة عند بعض القوى السياسية ولابد من تطوير البعد الثقافي لهذه الهوية في مجال الوطنية والقومية والدين والاجتماع.
في الماضي كانت الأنظمة الإقليمية في المنطقة تؤثر بشكل سلبي على مصير و مستقبل شعب كوردستان ، الذي واجه أقسی أنواع حملات الإبادة الجماعية و الممارسات العنصرية والاستراتيجيات السلطوية الاستبدادية و بشكل عام واجه تحديات جسيمة و لم يكن أمامه خيار آخر سوی الكفاح المسلح لتحقيق مطامحه القومية و الإنسانية المشروعة. أما اليوم فيقوم هذا الشعب بتظهير صورة جديدة للهوية ، معنی و معاشاً ، نظرية وممارسة ، يسهم في إخراجها مخرجين مٶمنين بالوحدة الكوردستانية والعيش المشترك و السلم الدائم ، يملكون قوة و فاعلية غنية ، يكرسونها في سبيل الإنبناء والتكوين والتنمية والتواصل بعيداً عن علاقات مبنية علی النفي والإستبعاد والإزدراء أو مطلقات يقينية أو كليات مجردة و مليئة بمبادیء المفارقة و الأقانيم المقدسة. إنهم لا يهدفون التعامل مع الواقع كنسق محكم أو كرسالة متعالية ، بل يستخدمون التحاور والتفاهم كوسط  و التدوال و التواصل كمجال بعيداً عن التعبد للأسماء والنصوص ، يٶمنون بضرورة الأخذ بالخيار الديمقراطي و إحترام قواعد النظام الفدرالي.
الشعب الكوردستاني بدأ بعد جمعه التجارب في الدفاع والسياسة يستوعب المعادلات الإقليمية و الدولية  ليرسم خططه التكتیكیة والإستراتيجية بوعي وإدراك ، علی ضوء تلك النتائج التي يتوصل اليها  بعد تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية ليضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته.
إن عولمة الهوية لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية واليوم نری بأن الشأن العام لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات ، بإختصار يمكننا القول بأن الأحزاب السياسية ليسوا أولی من غيرهم بشأن المجتمع أو الهوية المجتمعية.
بعد عقلنة السياسة نری بأن الفرد يكون قادراً علی تحمل المسٶولية عن نفسه و حريصاً علی استقلالیته بحيث يصنع نفسه عبر المشاركة في تدبر مشكلاته وهذا الفرد لا يقبل الوصاية علیه وعلی حقوقه من قبل أحزاب تريد ممارستها باسم قيم علیا و ضرورات تاريخية.
وعقلنة السياسة يعني إتاحة الفرصة لأهل السياسة أن يديروا خلافاتهم بطريقة عقلانية سلمية تفاوضية مثمرة بعيداً عن التحاور بلغة السيف والمدفع، فمن لا يقوم بإخضاع هويته الوجودية ، سواء أكانت تلك الهوية سياسية أم ثقافية، للنقد و التشريح والتفكيك والتعرية لا يستطيع أن يخرج من مأزقه الوجودي أو يبتكر إمكانیات وجودية يتغير بها عن ما هو عليه أو يغير قواعد اللعبة بینه و بين الآخر.
التحولات في عصرنا هذا هائلة و جذرية وهي شاملة و متسارعة والشبكات الاجتماعية والأسواق الحرة والهجرات الطوعية تعولم الهويات والمجتمعات والأوطان وهي كما تكشفه التطورات الحاصلة في السنوات العشر الأخيرة تبدو أقوی و أولی من العقائد والايديولوجيات. وهكذا نری أنفسنا أمام واقع بلا حدود نهائیة أو هويات متميزة. 
وختاماً نقول: من يريد الوحدة الكوردستانية وترسيخ صيغة التعايش والسلم الأهلي بين الكوردستانيين فعليه تشكيل حكومة شراكة ووحدة وطنية ، بعد التعالي عن الصغائر من أجل الوصول إلى تفاهم حضاري، فالموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية ضرورة يجب التمسك بها في حفاظ الأمن و مواجهة التحديات المستقبلية.
الدكتور سامان سوراني

42  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سقوط أقنعة الإخوان في عصر الثورات غير المنتهية في الشرق الأوسط في: 16:58 08/07/2013
سقوط أقنعة الإخوان في عصر الثورات غير المنتهية في الشرق الأوسط

عندما قلد الرئيس المصري محمد مرسي في شهر أكتوبر من العام الماضي الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات "وسام النيل" بمناسبة حرب تشرين الأول /أكتوبر 1973 ، أو ما عرفت "بحرب العبور" فيها استطاع الجيش المصري أن يحطم خط بارليف الحاجز ، الذي أقامته إسرائيل بعد انتصارها في حرب 1967 ، تساءلت في قرارة نفسي ، هل من المعقول أن يتجلّی معنی المثل العربي السائد " قتل القتيل ومشى في جنازته" بهذا الوضوح؟
فالذي يعرفه الرأي العام والذي نقل علی شاشات التلفاز في حينه هو أن محمد أنور السادات قتل في السادس من اكتوبر ١٩٨١ في عرض عسكري متعلق بالمناسبة المذكوره أعلاه بيد خالد الاسلامبولي ، أحد أعضاء حركة الإخوان المسلمين، التي دبرت حسب ما جاء في الإعلام المصرية آنذاك تلك العملية الشنعاء.
قبل أیام قام الجيش بإطاحة محمد مرسي من رئاسة الجمهورية الذي إستشاط غضباً بعد أن علت أصوات الثورة والتغيير مرة أخری و بعد أن استمرت التحركات الشعبية ضده للدفاع عن مكاسب ثورة ٢٥ ینایر والوصول الی تحقيق الأهداف الاجتماعية التي قامت أصلاً من أجلها.
محمد مرسي الإخواني رفض فكرة الدولة المدنية كما رفض الاتفاق على الدستور الذي انفرد هو و جماعته بكتابته و سعی بعد أشهر من الحكم الی فرض سيطرته علی القوات المسلحة والمخابرات و تصرف خلال السنة الماضية و كأنه هو الزعيم الأوحد و القائد الأعلى للبلاد و  وارث الأرض و العباد و خارج عن دائرة المساءلة السياسية أو القانونية.
صحيح بأن حياة البشر و أوضاعهم تتغير وتتبدل بفعل أحداث و تطورات تنبثق من داخل المجتمعات وأن الاعتدال والعدالة سمة الديمومة في الحكم في القرن الواحد والعشرين و أن أكثریة شعب مصر اليوم ترغب في بناء نظام سياسي يهدف إلى رفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء ، في ظل مجتمع مدني ديمقراطي يحمي الحرية ويسمح بالتعددية لكن السٶال هو ، هل يخضع الإخوان لإرادة الشعب وينضمون إلى صفوف المعارضة ليشاركوا في صنع مستقبل هذا البلد؟
اليوم و بعد ظهور ميليشیات مسلحة من شباب الإخوان المسلمين - التي ينتمي الیها الرئيس المطيح - المتحالفة مع جماعات جهادية والتي تقوم حسب الأخبار بإسم الدفاع عن الشرعية و الرئیس بالقتل والخطف في صفوف المدنيين ،  وصلت مصر الی مرحلة حرجة يصعب التنبؤ بتاریخ انتهائها ، مع العلم بأن الوضع الأمني الغير مستقر يجلب معه انهيار الاقتصاد و تفكيك النسيج الاجتماعي و ولادة حروب أهلية تفتك بالمجتمع المصري و غيره من المجتمعات. فالأصولية هي موجة إرتدادية تحكمها الذاكرة الموتورة والعقيدة الإصطفائیة يفكر صاحبه بعقلية الثأر والإنتقام أو بمنطق الإقصاء والإستئصال للمختلف و الآخر.   
صحيح بأنه لا يجدي اللعب علی المخاوف والهواجس لكن الإخوان عجزوا عن المشاركة الفعالة في بناء مصر ما بعد مبارك وإن فلسفتهم السياسية المبنية علی استغلال الفرص للقضاء علی الخصوم و إقصاء المنافسين و الشركاء و سعیهم الدؤوب بعقلیتهم البرجماتية النفعية الی السلطة دون مراعاة قواعد اللعبة الديمقراطية أنجبت الديكتاتورية بعد وقت قصير من تسنمهم زمام الحكم و إغتصابهم سلطات الله و تنزیههم للقرارات و منعهم الطعن فیها بحجة "حماية الثورة" وهكذا أحرقو لفظ "المدنية" بعد أن رفعوا شعارهم الداعي الی "مدنية ذي مرجعية اسلامية".
بالرغم من أن أقنعة الإخوان قد سقطت في مصر، إلا أنها لا تريد أن تقتنع بالحقيقة الجلية كل الجلاء بأن ثورات "الربيع العربي" لم تأت من العقائد الدينية و لا من الإيديولوجيات العلمانية، بل هي ابنة العصر الرقمي بتقنیاته و معلوماته، بقدر ما هي صنيعة فاعلين جدد هم الشباب والمدوّنون من عمال المعرفة الذين يشتغلون بقراءة المعلومات و بث الصورة علی الشبكة في هذا العصر عصر الحداثة الفائقة والسيّالة.
بالأمس كان الصراع في مصر بين الشعب والنظام و بالأخص الرئيس أو الزعيم، الذي أعتدی علی مصالح شعبه ببرامجه الداعية الی الدكتاتورية و حكم الزعيم الأوحد. أما الحدث الأخير فهو يترك بالتأكيد أصداءه المدوية و آثاره العميقة في النفوس و يشعل الفكر المتكلس و يحرر العقل المستعبد في ظل الحضارة الكونية الواحدة.   
وختاماً نقول: "الايديولجيات الاسمنتية و المنظمات الجهادية الارهابية لا تستطيع أن توقف الثورات في الشرق الأوسط و تخطف الرؤی والمصالح الإنسانية المشتركة من الجيل الجديد الصاعد الشاب الفتي الذي يتعاطی مع النماذج والتجارب بلغة الخلق والتحويل والتجاوز لتوليد نماذج جديدة، وفقاً لسيناریوهات مغايرة." 
الدكتور سامان سوراني
 
43  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الشرق الأوسط الجديد بين الفردوس السماوي و الجحيم الأرضي في: 12:55 27/06/2013
الشرق الأوسط الجديد بين الفردوس السماوي و الجحيم الأرضي

في الرواية الجديدة للكاتب الأمريكي دان براون تحت عنوان "انفرنو" يعيش البطل في صراع بين الخير والشر، نمط حياة مستوحاة من رائعة دانتي العالمية "الكوميديا لالهية" فصل "جهنم" ، التي تعتبر من أهم الملاحم الشعرية في تاريخ الأدب الايطالي.
بالرغم من أن كتاب دانتي عرف تأويلات عديدة من قبل النقاد ورجال الدين وذلك انه يصوّر بأسلوب مجازي الحياة بعد الموت في إطار جمع الديانة المسيحية الى فلسفة القرون الوسطى، ذهب البعض الى اعتباره النسخة الأوروبية لكتاب "رسالة الغفران" لضرير معرَّة النعْمان، أبي العلاء وفي النهاية لا شيء، سوى الظلمة.
لقد مضی أكثر من عامين علی الربيع العربي، الذي بدأ حسب رأي المفكر اللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي، لأول مرة في نوفمبر عام 2010 بالصحراء في المغرب، عندما انتفض سكانها بسبب أحداث "اكديم إزيك" قرب العيون، لكن الآراء الأخری تقول بأن نار الثورة إمتد من جسد الشاب التونسي محمد البوعزيزي المحترق بهدف التخلص من الظلم والإستبداد و الفساد المطبق علی المجتمع منذ عقود من الزمن.
لقد شاهدنا نزول الناس في أكثر من بلد إلى الشارع للتنديد بالأنظمة والعمل على إسقاطها و في النهاية أسقطت الأنظمة لتٶسس أنظمة دينية أخطبوطية جديدة غير واضحة الموقف من الديمقراطية على غرار مختلف الأحزاب الدينية في المنطقة التي لم تصل بعد إلى مرحلة تقبّل الديمقراطية، فكيف إذن بفصل الدين عن الدولة أو الوصول الی الحرية الحقيقية؟
من الواضح بأن مسألة إعادة البناء ليس بالأمر السهل، فهي مسار متعثر و معرض دوماً للإنتكاسات. أما الثورات فهي كانت في الأصل ثورات للحرية أكثر من أن تكون للديمقراطية، أي أنها كانت تشكل تمهيداً لانفلات الآراء من القيود وأشكال القمع للدخول في نقاش سياسي حقيقي، لكننا وللأسف لم نری بعدها أیة منافسة شريفة بين نخب لإنتاج البرامج السياسية من أجل إلى الديمقراطية.
إن دخول الإسلاميين إلى ميادين الثورة و لعبهم بأوتار الولاءات المذهبية ليكونوا بعدها النماذج المسيطرة علی الساحة الثقافية أو السياسية أعادت الی الحياة نظريات المطلق و المقدس و الثابت و الكامل و الأحادي و النهائي لتحويل فئات كبيرة من المجتمعات الی الآت عمياء و اتخاذهم رهائن لبرامج و مشاريع تتحول معها الأفكار والقضايا الی أدوات لممارسة الحجب و الاستبعاد أو المصادرة و الاحتكار أو الاستئصال والخراب و محت بلعبتها مساحات و صيغ و قواعد التعايش السلمي، بعد إعلانها أمام الملأ بأن الأفكار محاريب مقدسة علیه أن نضحي من أجلها. وهكذا بدأت وصاية المٶسسة الدينية علی عمل التشريع و التنظيم الذي يعود للدولة لتترجم أفخاخاً و مآزق و تنتج مزيداً من الاستبداد و الفساد والفقر والتخلف والبٶس. 
الأحزاب الدينية لا يعاملون الفرد كفاعل بشري له أبعاده المحلية والوطنية أو الاقليمية والعالمية، بل یعاملونه كقاصر لا يستطيع أن يفكر و يتصرف كمسٶول عن نفسه بقدر ما يساهم مع سواه في صياغة المصائر.   
فما تشهده المنطقة من إراقة الدماء وما تحدث من خراب بسبب حروب الأسماء والرموز والأفكار والهويات حول قضايا العقيدة والإيمان للحصول علی مقعد في الفردوس السماوي تدخل في باب المفارقات لأنها تخلق جحيم أرضي و هي من صناعة أصحاب المشاريع و الدعوات بشعاراتهم الدينية القديمة و عناوينهم السلفية الحديثة و ليست من صنيعة المرتدين والزنادقة أو من إنتهاك المارقين والخارجين. فالعنف المتصاعد أعاد الشرق الأوسط الی نقطة الصفر و أطاح بمنجزات الحضارة والمدنية، إن كانت هناك حضارة أو مدنية من قبل.
الأصوليات الدينية التي تعمل بلغة التحريم والتأثيم و حراس الإيمان، عباد النزوات والأهواء والأحلام المجنونة والخطط الجهنمية و نواب الله و خلفائه والناطقون بأسمه و أصحاب الأحزاب الشمولية الفاشية المتمترسة وراء الهويات المغلقة أو الجامدة، التي تقود الحروب في سوريا علی سبيل المثال أو في أماكن أخری، تقاوم كل واقع جديد و تعمل علی نفيه و تسعی الی تعميم العنف و تحويله الی ظاهرة معولمة لإدخال البشرية في نوع من الحرب الأهلية الكونية. فكيف نستطيع إذن أن نٶسس في ظل هذه الفضاءات الإرادة الحرة للاعتراف بالكينونة الإنسانية و بحقها في أن تكون كينونة مغايرة، لا مماثلة مع ما يقابلها من ذوات أخر وفق نمطيتها الخاصة في الحياة؟
وختاماً: "ما لا يختلف لا ينفتح و كل حياة مشتركة خلاقة هي التعايش الأصيل الضامن للوجود الإنساني في الكون".
الدكتور سامان سوراني   
44  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الشرق المتوسط بين آفة الإستبداد و آفات الأصولية الدينية في: 12:12 07/06/2013
الشرق المتوسط بين آفة الإستبداد و آفات الأصولية الدينية

بما أن الإستبداد هو إستعباد للعقول والسيطرة علی الأفكار نری الأصول الغير عقلانية، التي لا تخضع للجدل والنقاش، هي أمر و تسليم و إمتثال بقدر ما هي نص و إيمان و إعتقاد.
في الإستبداد هناك إدعاء للحاكم بأمره للألوهية يمارس المصادرة والإستكبار و الإنتقام كيفما يشاء و متی ما يشاء، بصورة تحول المجتممعات الی معسكرات و العكومات الی أنظمة شمولية تهیمن علی العياة في مختلف مجالاتها. أما فيما يخص الأصولية الدينية فهناك شعار يطرح مفاده الحاكمية الإلهية أو الحكومة الإسلامية. هذا يعني إقامة حكومات أو أنظمة علی أساس ديني تجمع فيها السلطة السياسية و الدينية أو المادية والرمزية و لنا في المنطقة أمثلة علی ذلك. و الحصيلة في كلتا الحالتين هي إستبداد مضاعف و حجب مركب يمارسه أصحاب السلطة، يدّعون بأنهم حملة صفات أو مهمات إلهية أو أنهم ناطقون بإسمه بها ينتهكون الثوابت بتغيير الإتجاهات من النقيض الی النقيض وهكذا يتستطيعون تنفيذ مشاريع مستحيلة تعود عليهم وعلی المجتمع ضرراً ووبالاً أو قهراً و ظلماً أو خراباً و دماراً، كما شاهدناه بالأمس في كل من افغانستان و السودان و ليبيا و دول أخری ونشاهده اليوم في سوريا.
في عالمنا الحديث بفلسفاته العلمانية و رواياته العقلانية أو بأدلوجاته العالمية و تهويماته الإنسانوية لايمكن للحكومات ممارسة السلطة بإستخدام أقنعة مزورة فقدت المصداقية و المشروعية بالأخص في إطار مواجهة التحديات الداخلية أو في إدارة العلاقات و الصراعات مع الخارج.
فعندما يشعر الفرد في مجتمع ما، بأن كرامته لا تراعی و لا تصان ليس فقط بسبب الفقر و العوز، بل بسبب إنتهاك القوانين والتمييز في المعاملة بين مواطن و آخر و الشعور الدائم بالإنتماء الی بلد يفتقر الی المصداقية والمشروعية في نظر المجتمع الدولي ينبثق في داخله إحساس بالمهانة يدفعه للثوران و الإنتفاضة و هكذا يكسر عقدة الخوف و جدار الصمت ليطالب بالحد الأقصی من حقوقه، الأمر الذي يفسر ميلاد ثورات في أكثر من بلد عربي يسميه البعض جهلاً بـ"الربيع". بالثورة يستعيد المرء ثقته في نظر نفسه و يمارس جدارته لينتزع الإعتراف بمشروعيته في نظر الآخر والعالم.
الكائن العاقل يقيم في حاضره و يعيش واقعه، بقدر ما يتوجه نحو المستقبل. إن استخدام هويات مغلقة و ثوابت معيقة لبناء جدران الأنظمة السياسية المبنية علی أفكار أحادية، إستبدادية، شمولية و أصولية هو العمل علی إعادة الأنظمة الديكتاتورية المغطاة بعباءة الإيديولوجيات المقدسة لممارسة البيروقراطية المركزية الفوقية من جديد التي لا تؤمن بقواعد الشراكة والتوأمة والحماية والرعاية، فكيف بممارسة التقی والتواضع و الإعتراف والزهد.
الحركات الأصولية بدعاواها المزيفة بأنها تتماهی مع السلف و زعمها الباطل بأنها تسعی بإخلاص الی خدمة دين الله و شريعته لا تقتنع بالإستنارة واللبرالية في مجال القيم والحريات و لا التشابك والتواطؤ بالرغم من الفتح الكوني المتجسد بثورة الأرقام والإتصالات، التي تغيرت معها شيفرات التفكير و برامج العقول و خرائط المعرفة وقواعد المداولة.
كيف يمكننا تفسير كل هذا الخراب و الإفلاس في الشرق المتوسط، مادامت مبادیء الأصوليين و المستبدين مثلی وقيمهم سامية و زعاماتهم ملهمة و قياداتهم فذة؟
الأولی أن يحملون المسؤولية عن أنفسهم، بعيداً عن التهويمات اللاهوتية والتشبيحات الغيبية، للتعامل مع الماضي بوصفه تجارب و خبرات بشرية يمكن العمل عليها و إستثمارها، لا كسلطات تمارس الأحادية والإحتكار أوالوصاية و المصادرة أوالهيمنة و الإلغاء، تلغم و تسمّم صيغ التعايش بين الناس لإعادة المجتمع الی الوراء بعد قرن و نيف من الإندراج في عصر النهضة و رفع شعارات التحديث والتنوير والتقدم.
وختاماً: لكي لا تذهب مصالح العباد والبلاد الی الجحيم ولكي لا تتواطأ الأنداد علی صناعة الدمار لحصد المآزق و الخسائر و الكوارث علی أفراد المجتمع أن لا تذوب في حشود تؤله الزعماء و تتعبد القادة علی سبيل التحزب والتعصب و لاتدعم التفكير الطائفي الكاريكاتوري المتحجر و العقيم، التي تنصب جدران الكره و الحقد فيما بين المجتمع وتصوغ قواعد الفكر العنصري الفاشي والعدواني. فالإنفتاح والتعدد والديمقراطية تفتح الفرص والآفاق أمام القوی الحية والديناميكيات الخلاقة وتؤدي الی كسر الحدود بين المجتمعات والقارات والثقافات لتنتج أخيراً نظام سياسي عصري قادر علی قيادة المجتمع نحو برّ الأمان.
الدكتور سامان سوراني       


45  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق بين سباق اللامعقول في السياسة و السقوط الثقافي في: 20:58 02/06/2013
العراق بين سباق اللامعقول في السياسة و السقوط الثقافي

من الواضح بأن الثقافة الغربية المعاصرة تمكنت بفضل علاقتها النقدية بذاتها من ممارسة حيويتها و تفوقها من خلال قدرتها الفائقة علی نزع جلدها و تغيير ذاتها باستمرار، فأتاحت لها قابلية توليد الصيغ والنماذج و الأطر و القوالب أو الطرق والمناهج أو الأساليب والأنماط أو الأنظمة والأنساق وحتی القوانين والتشريعات.
أما الحقيقة المرة فهي، أن العراق قد تأخر و للأسف عن الإنخراط في العالم الجديد لفتح آفاق المستقبل الدينامیكي. فلا النخبة السياسية، التي لم تخرج و ليومنا هذا من سجونها العقائدية والقوموية أو الطائفية، تمكنت من بناء مجتمع فاعل و غني بإنتاجه أو قوي بأقتصاده أو ديمقراطي بحكومته أو سلمي بتوجهه أو مزدهر بإنجازاته الحضارية و لا التيارات السياسية التي تدعي بأنها العلمانية استطاعت فصل مجالي الإيمان و العقل أو مجالي السياسة و اللاهوت، لكي يحقق من خلاله المزيد من الحرية. أما فيما يخص المجال العلمي فلا يمكننا أن نصفه إلا بما أشار اليه أحد الفلاسفة في القرن الثاني عشر ويدعى بيتر أبلار Peter Ablard في أسوء حالاته بقوله " إن العلم من دون ضمير هو موت الروح". وإن البحوث العلمية تكمن أساساً في بعث الأمن والسلم لدى المجتمع، لكن ماالنفع من تشكيل دولة فدرالية دون استغلال نبراس العلم والمعرفة في الطريق المرسوم له علمياً وتقنياً وفنياً؟
إن السباق نحو اللامعقول في السياسة بعيداً عن قواعد الشراكة والتوأمة والحماية والرعاية بعقليات بيروقراطية مركزية فوقية غريباً عن قيم التقی والتواضع و الإعتراف يحمي عقلية النخبة المتقوقعة لكي لا يصل الی المجتمع التداولي، حيث كل الناس هم فاعلون و مشاركون في أعمال البناء والإنماء.
الثورة المعلوماتية، التي بزغت في أواخر القرن العشرين المنصرم و الدولة الكوكبية المفترضة التي تفجرت و التجارة الرقمية المتعددة الجنسيات التي شاعت شكلت ظواهر إجتماعية جديدة من قبيل العولمة وصراع الحضارات والاستنساخ والهندسة الوراثية بقت بعيدة عن الفضاء الفكري للمجتمع العراقي، الذي كان و لايزال محاصراً بثقافة الإستهلاك الديني، التي أعطت للعمل الديني مهام ممارسة حكومة إلهية ترجمت أفخاخاً و مآزق، بقدر ما أنتجت الكثير من الإستبداد والفساد والفقر و التخلف والبؤس. ما نشاهده يومياً من كوارث علی شاشات التلفاز ماهي إلا صورة من السياسات البربرية الإنتقامية، التي تثبت لنا غلبة ثقافة الإصطفاء والإقصاء و الإستعداء والشحن و الإنتقام و الإستئصال في هذا البلد، الذي يدعي بأنه مهد للحضارة الإنسانية.
و من أجل إيجاد منهج علمي و عقلاني قادر علی التمحيص والتفسير الدقيق لإختلال المعايير الإجتماعية، التي لا تتجاوب مع العقل و التقليل من الإنحراف الغالب في هذا المجتمع علينا الرجوع الی علوم السوسيولوجية المعاصرة وإستخدام أدواتها بغية فهم الصيرورة الاجتماعية والتحديات المستقبلية وأنماط التداخل التاريخية و هدم إمبراطورية الفوضى المجتمعي.
إن إنتهاج سياسة إعلامية تكيل بمكيالين علی ما يجري علی الساحة العراقية‌ والترويج لمنطق العنف والإرهاب و نصب المتاريس و خلق الأعداء لا يغير الأوضاع و لا يؤدي الی تحسين الأحوال، بل توّلد الحروب الأهلية و العجز والهشاشة. إن إحتكام البعض الی الغرائز و المصلحة القوموية أو الطائفية أو الفردية يؤدي الی إنهيار المصلحة العامة، التي يجد في ظلها كل واحد أمنه و سعادته. فالحياة الاجتماعية بما هي امتداد للحياة الأخلاقية لا تتحقق إلا داخل الدولة كإطار يتحقق فيه التضامن ويسود فيه الأمن و الفضيلة. يقول لنا سبينوزا في الحق الطبيعي، "إن المسؤولية المباشرة للدولة على المستوى الاجتماعي و السياسي، هي ضمان أمن الأفراد و حريتهم" و " الهدف النهائي للحكم ليس السيطرة على الأفراد و قمعهم بالخوف و ليس فرض الطاعة عليهم، و إنما هو بالعكس من ذلك تحرير كل شخص من الخوف حتى يعيش في اطمئنان تام و بعبارة أخرى تأكيد حقه الطبيعي في أن يعيش و يعمل دون أن يلحق غيره ضرر."
وختاماً نوجه كلامنا الی النخبة "السياسية المثقفة" بالقول: "واقعنا الحي و عالمنا المعاش من حيث الحركة والصيرورة أو من حيث الزمن والتراكم أو من حيث البنية والتشابك هو في غاية التعقيد والإلتباس، لذا علينا مواجهته والتعامل معه بفكر مرن و عقل متحرك يفيد من تعدد الإختصاصات و فروع المعرفة و ينفتح علی التجربة الوجودية بعيدا عن الإقصاء والإستبعاد."
د. سامان سوراني
46  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حديث دستور إقليم كوردستان و آفة القصور في: 15:48 31/05/2013
حديث دستور إقليم كوردستان و آفة القصور

يقال بأن الأفكار ليست مجرد صور أو مرايا، بقدر ماهي إستراتيجيات معرفية لفهم العالم والتعاطي معه وأن كل فكرة هي عبارة عن قرأءة، لتفسير الواقع، أو تأويل حدث، أو صرف لفظ، أو شرح ظاهرة، أو تحليل تجربة، أو فك شيفرة، أو تفكيك بنية، أو صوغ مشكلة، أو معالجة قضية، أو تحويل علاقة، أو ترتیب صلة.
والأفكار تختلف و تتفاوت من حيث معقوليتها و مصداقيتها، أو من حيث أهميتها و فاعليتها، كذلك من حيث القدرة علی النفوذ والإنتشار.
فالدستور لا يكتب إلا لدولة وطنية، والدولة الوطنية بطبيعة الحال بحاجة الی المواطنة والمشاركة الفاعلة في كافة الميادين. فهو إذن وثيقة خالصة من صنع البشر لتحديد طبيعة العلاقة وكيفية التعامل بين مؤسسات الدولة الوطنية بعضها بعضاً وبين الحكام والمحكومين على وجه الخصوص. فالوثيقة الدستورية لا تمتلك أية قيمة إذا لم تتوفر شروط ثلاث: الدولة الوطنية، المواطنة، والمشاركة.
الذي نعرفه بأن الدستور يكتب بالتزامن مع تشكل وترسخ الدولة الوطنية كهيكل سياسي مستقل ليعکس المساواة الكاملة بين المواطنين بصرف النظر عن الاختلاف في العرق أو لون البشرة أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي في الحكم. و مواد الدستور تصميم معماري يجب أن تتسق مع بعضها البعض لتبنى معا كياناً متكاملاً له فلسفة أو رؤية تعكس تصور الشعب لنفسها في هذه المرحلة المحورية من تاريخ كوردستان و مشواره الديمقراطي. الهدف الرئيسي من كتابة دستور إقليم كوردستان كان الإسراع في بناء كيان وطني مستقل و تنظيم و حماية و تطوير هذا الكيان.
نحن نأمل أن يحضی موضوع نظام الحكم فيما يخص صلاحيات سلطات الدولة الثلاث وتوزيعها واستقلالها وتقاطعها وتعارضها بالإهتمام الكامل من قبل النخبة المثقفة في الإقليم لإغناء هذا النظام بفكرة "التوازنات والمراجعات" علی غرار النظام الذي تبناه الدستور الأمريكي من أجل منع تغول أي سلطة علی الأخری بهدف عدم التفرد بالسلطة من قبل طرف واحد يحكم البلد بقبضة حديدية.
في النهاية يجب أن تكون عمل السلطات الثلاث في ظل تناغم و رضا عن بعضها البعض لمنع الطغيان أو حدوث شلل في أحدها، لكن هذا لا يعني أبداً دعم فكرة بعض الجهات المعارضة، التي تريد النيل من الدستور و نظام الحكم الحالي في الإقليم من أجل مصالح سياسية ضيقة تفوق المصلحة العليا لكوردستان و الهدف الذي من أجله سُطّر بنود الدستور الكوردستاني. 
النظام الأمريكي هو نظام رئاسي بامتياز فللرئيس سلطة تعيين الحكومة ولكن هذا لا يعنى بتاتاً أن يتمتع الرئيس بصلاحيات تسمح له بالتحكم فى البرلمان أو القضاء أو حتى اختيار من لا يرضى عنهم البرلمان والقضاء لأسباب موضوعية تتعلق بالصالح العام وللسلطة التنفيذية في هذا النظام حق الإعتراض على القوانين، كمنع إقرار أية ميزانية و تعيين القضاة وكل المناصب الرسمية و إبرام المعاهدات و للسلطة التشريعية حق سن القوانين و تعيين قضاة المحاكم ما عدا المحكمة و حقوق أخری.
أما السلطة القضائية فهي تفسر القوانين الصادرة من البرلمان و لها حق اعتبار أى قانون أو قرار تنفيذى باطل دستورياً و التأكد من حسن سلوك أعضاء البرلمان و حقوق أخری.
المادة 117 من الدستور الدائم للعراق الفدرالي تقول بأن لسلطات الأقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتعديل تطبيق القانون الاتحادي.
في الثقافات الديمقراطية نری بأن الشعب هو الأصل في كلّ السلطات و لشعب كوردستان حق اختيار رئيس الاقليم عن طريق الاقتراع المباشر و أن شعب كوردستان بتجربتها الجديدة (21 عاماً) صاحب الكلمة الأخيرة بشأن الدستور عندما يعرض على الاستفتاء الشعبي.
الأطراف التي تعارض هذه الفكرة لاتهتم بالتشنجات الإقليمية علی المستوی السياسي والعسكري و تنسی موقع الإقليم الجغرافي علی الخارطة السياسية.
هذا دأبهم، إنهم يحسبون المشكلات حلاً، ولا يحسنون سوی التستر علی الأخطاء والمساویء لكي تفعل فعلها بصورة مضاعفة، هذا ما تشهد به مآلات المشاريع والشعارات التي تقدمها تلك الجهات في المعارضة، لذا نراها تطالب لمصالح حزبية في اتخاذ القرار بدلاً من المواطنين حول مسودة الدستور- التي صوغت بحضور و موافقة أكثر من 20 حزباً سياسياً من قبل لجنة لترسم مستقبل كوردستان- من أجل التقليل من الوحدة الوطنية، التي نحن اليوم بأشد الحاجة اليها. 
علینا أن ندرك بأن عملية تغيير المجتمعات والعالم، أيا كان الشعار والعنوان هي مصير مشترك. فلكل فاعل الحق في المشاركة بفكره و عمله أو بمعرفته و درايته أو بمبادرته و إقتراعه، فالإنسان كما يقال هو فاعل فكري بالدرجة الأولی، أيا كانت التجليات و القطاعات أو المهن والأعمال والصناعات.
إن عملية إعادة البناء هي عمل نقدي تحويلي و إيجابي، علی الذات، يمس شكل الوعي والتوجه الوجودي، كما يمس منطق التفكير فضلاً عن الأسماء و منطوق الخطابات وأن إعتقاد تلك الجهات في المعارضة بأنها تمتلك وحدها الحقيقة لإحتكار المشروعية هو نوع من الإلتفاف علی الحقيقة أو لفلفة القضايا لإنتاج الفتن عبر تعبئة النفوس ضد الحكم أو الغير، بدلاً عن تغذية اللغة و الخطاب بمقاصد و مفاهيم و قيم تدعم الوحدة في دولة وطنية لها دستور يضمن المواطنة والمشاركة.
وختاماً: "علينا أن نعترف بواقع التداخل و التشابك بيننا و بين الآخرين، لكي نندرج في حركة العصر و نتقن لغة التواصل مع العالم و فيما بیننا."
الدكتور سامان سوراني 
47  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إعادة تعريف العلاقات الأمريكية تجاه إقليم كوردستان في: 16:18 16/04/2013
إعادة تعريف العلاقات الأمريكية تجاه إقليم كوردستان

صحيح بأن تبني "القوة الناعمة" في التعامل مع القضايا الدولية أصبح من مسلمات القرن الـ٢١، لأن القوة العارية بعنفها و حروبها و أبطالها وكوارثها لم تعد تغري العقلاء أو الذين أفادوا من دروس الحروب، التي لا تنتج في هذا الزمن المعولم سوی الدمار المتبادل.
ومن المعلوم بأن الشراكة في ظل عصر المعلومات الذي نعيشه يعتمد الی جانب سياسات الحکومات علی القوة المدنية و مواقف الناس أيضاً، لكي تستطيع أن تصمد و تحافظ علی متانتها. والدبلوماسية هي بمثابة العمود الفقري للسياسة الخارجية والعمل بالجهود الدبلوماسية الفعالة لمعالجة التحديات والأزمات هو من الأمور التي تمهد الطريق أمام الاستقرار.
جورج بوش الابن حاول أن يضع أساس فلسفي لـ"إستراتيجية الحرية المستقبلية" في الشرق الأوسط و أعتقد هو كـ"مناصر" للديمقراطية بأن الديمقراطية ليست السبيل الی عالم مثالي، لكنها السبيل الوحيد الی النجاح والكرامة الوطنيين، أما الإدارة الأمريكية  فقد كانت و لا تزال متناقضة السلوك في بعض المسائل، منها القضية الكوردية. فهي للأسف لا تشدّد علی تعميم التجربة الكوردستانية في الديمقراطية في كل أنحاء العراق من دون إستثناء. فقضية حقوق الإنسان و التمثيل السياسي و تقبل الآخر و حكم القانون و حقوق المرأة و شفافية صنع القرارات الحكومية ، كلها أمور يجب أن تدعم من قبل الولایات المتحدة الأمريکية لتثبت من خلالها عمق التزامها بقضية الإصلاح والتغيير في المنطقة. والتكتيك التي تستخدمه الولايات المتحدة لتعزيز دور المالكي وترددها في إنتقاد سياساته السلبية تجاه إقليم كوردستان لن يكون لصالح الفدرالية أو لصالح المدّ الديمقراطي في العراق.
واشطن تعلم جيداً بأن الجغرافية السياسية للشرق الأوسط تقف اليوم الی جانب الكوردستانيين و إن إقليم كوردستان من الناحية الأمنية هو القطب الهادیء في المنطقة وإن فرض سلطة المالكي علی الإقليم سوف يٶدي الی زحزحة كل من الإستقرار و الأمن فيە و يكون حجر عثرة أمام التقدم و النمو الإقتصادي. 
نحن نعرف بأن السياسة الخارجية تصنع في البيت الأبيض  والولايات المتحدة تجاهد في سبيل منع ظهور منافس عالمي آخر في المنطقة ، لكنها في الوقت نفسه تهمل فرصة القيام بتحالفات مع منطقة حيوية تحتوي علی موارد إقتصادية و بشرية كإقليم كوردستان لتمنع الهيمنة المعادية علی هذه المنطقة الحساسة أو لتكسب التأييد المحلي لزعامتها و لا تحثّ بغداد علی تطبيق بنود الدستور و إرساء حكم القانون و إستقلال القضاء و إحترام  مبادیء الشراكة أو عدم السماح لإستخدام المحكمة العليا كمجرد أداة  تعمل علی ترسيخ سلطة الفرد. إن محاولات بغداد في السير نحو الهاوية ولدت معضلات أدت الى تعقيد العملية السياسية وبروز الاحتجاجات في أغلب المناطق بالعراق.
وإن تمرس أمريكا الدور الاستشاري بعد انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من العراق وعدم سعي إدارة أوباما بجدية في حل اخلافات بين الحكومة الإتحادية و الإقليم الفدرالي دليل آخر علی ممارسة الإزدواجية في السياسة، مآل هذه السياسة هو إفشال  مشروع الشرق الأوسط الكبير للمحافظة على الأمن القومي الغربي و على التقدم الحضاري العالمي.
حكومة الإقليم تعمل في سبيل ربط استقلاليتها الاقتصادية بالفكر الديمقراطي و الإنساني المتسامح و المنفتح ، الذي يعترف بالآخر و يقبل الرأي المختلف ، لأن حرية و رفاهية الإنسان هي الهدف من الإستقلال و التقدم. هذه الحكومة هي اليوم عامل إستقرار في المنطقة و سياستها تدعم وحدة العراق و تساهم في تثبیت الفدرالية، لذا نری بأن عقود الشراکة الاستراتیجیة بین واشنطن و أربيل يجب أن تبنی علی أساس المنفعة المشتركة ، لا أن تبقی الأخيرة اسیراً في دائرة المصالح الامیرکیة الاقلیمیة.
وختاماً: "ما نحتاجه بعد كل تلك الطفرات المعرفية والتحولات الفكرية هو إعادة تعريف علاقاتنا و كسر التعارضات الخانقة، لإتقان صناعة التنمية و هندسة العلاقات السياسية بشكل يٶمن حق تقرير مصير الشعوب بعد فتح خطوط للشراكة الإستراتيجية المٶدية الی الحرية و الإستنارة والعقلانية."
الدكتور سامان سوراني
كاتب سياسي و باحث أكاديمي






48  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق بعد عشر سنوات على كسر العقليات الدكتاتورية والمركزية الفوقية في: 17:03 10/04/2013
العراق بعد عشر سنوات على كسر العقليات الدكتاتورية والمركزية الفوقية

قد تكون المنظومات الإيديولوجية و فلسفات التاريخ مصدراً مهماً من مصادر الوعي و أداة للتثقيف والتنوير، لكنها قد تكون في المقابل أداة للتزييف والتضليل، خاصة عندما نعرف بأن اللاوعي والوهم أو الخداع لها دورها في تشكيل الوعي وقرارات العقل و سير التاريخ.
فقبل عشر سنوات كانت النرجسية العقائدية والإيديولوجية القوموية طاغية علی ممارسة الهوية في العراق. تلك الإيديولوجية التي كانت مبنية علی منطق العنف والإرهاب والقتل والدمار، لا تؤمن بسبب عقليتها المركزية الفوقية و لو بشكل نظري علی قواعد الشراكة و التوأمة والحماية والرعاية.
و بعد سقوط الطاغية في التاسع من نيسان 2003 كانت هناك محاولات للتوصل الی تسوية مقبولة من جميع المكونات في هذا البلد المصطنع (العراق)، لكنها ضعفت و وصلت الی حد الشلل والإنسداد بعد أن نهض البعض في بغداد من سباته الديني ليعلن  الدكتاتورية من جديد. إنها سياسة مآلها إزدياد حدة الأزمة بدءاً بأعمال العنف و إنتهاءاً بعدم الإستقرار السياسي، إن لم نقل الی السير نحو الحرب و الإقتتال داخلي، فبدلاً عن السعي في سبيل دمقرطة حقيقية جذرية للمجتمع العراقي وترسيخ العدالة الإجتماعية وسيادة القانون ودولة المؤسسات عوضاً عن دولة الشخص والعين يعمل رئيس الحكومة في بغداد من أجل أجندات شخصية ومصالح ضيقة ضارباً عرض الحائط مستقبل الشعب العراقي والشراكة والدستور.
إن بناء الديمقراطيات هو من أجل بناء البلدان وسعادة الشعوب، بعد تثبيت ثقافة أحترام كل بند من بنود الدستور، أما التغيير فيجب أن يشمل البنية السياسية القائمة واستئصال رموز الفساد المهيمنين على مراكز القرار في بغداد.
ومن المعلوم بأن الحرية هي صراع و محرك الوجود، التي تبدأ بالإعتراف المتبادل  و أن الشخص المستبد أو الدكتاتور لا يؤمن بالحرية، لأنه يبقی أسير ضرب من الأنا و حدية من العزلة والإنغلاق النرجسي حول ذات، لايمكن أن تتواجد إلا من خلال الآخر. فبروحه السيكوباثية المضادة للمجتمع يريد هو أن يملي بشكل جبري سياساته و مواقفه علی الآخرين و يعيد إستعمال الترهيب والتصفية والترغيب بعد نشر الفساد في كل مرافق الدولة و جمع المتملقين والمتسلقين حوله، لإستخدامهم كمادة خام في سبيل إنجاح مهامه و مشروعه الإستبداي، الذي تتمعن في تفكيك البنى والروابط المجتمعية وتسعی في تدمير جميع الفئات الاجتماعية ولا سيما المنتجة منها لمصلحة أوليغارشية طائفة عسكرية تستأثر بقوة عمل الجميع.
"دولة القانون" برئيسه و هو رئيس مجلس للوزراء و قائد عام للقوات المسلحة و المسؤول الوحيد عن الأمن في العراق بعد أن أخضع جميع المؤسسات العسكرية والأمينة والاستخباراتية مباشرة لسلطته تريد اليوم إذابة الشعب العراقي في بوتقة فكرية واحدة أي إذابة الأفراد والمؤسسات والجماعات في كل اجتماعي واحد حيث الشعب والدولة والمجتمع المتجانس و هذا يعني بأن توجهات حزب الدعوة المقولبة في دولة القانون ستكون لها كلمة الفصل في التوجه العام للدولة والمجتمع.
فبدلاً عن نسج علاقات صداقة ومصالح مشتركة متوازنة تخدم قضية السلم والتعايش القومي والعملية الديموقراطية وحل الخلافات العالقة بين الإقليم والحكومة الإتحادية بشكل سلمي عن طريق الحوار البناء، تسعی رموز بارزة في "دولة القانون" في تقليص موقع الكوردستانيين ككتلة قومية ثانية الى جانب كتلة القومية العربية و تعمل بجدية علی إفشال التجربة الديمقراطية اليانعة في الاقليم الكوردستاني الفدرالي الآمن. فالذي يشتغل علی تغيير مواد الدستور و الإنقلاب علی النظام الديمقراطي الفدرالي يقوم بجرّ العراق نحو العباءة الخمينية، لكي لا تتأهل المجتمعات العراقية لممارسة الديمقراطية و لكي تنضج بنيتها و ثقافتها.
إن المراهنة علی المنطق الشمولي و فتح جبهات سياسية أخری على طريقة التدخل السيادي للدول إقليمية بهدف تجييش الحالة السياسية هي نوع من أنواع العمل علی إفشال التجربة الفدرالية السعي لتقليل إستحقاقات الشريك الأساسي في العراق. 
نقول بأن الثقافة الديمقراطية هو حق الجميع في النقد و طرح مشاریع بديلة. والحريات الديمقراطية تقوم على أساس المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون وهي تكسب معناها ووظيفتها العضوية عندما ينتمي المواطنون إلى جماعات تمثلهم. و التعددية السياسية كما التعددية الثقافية والاجتماعية لها أهميتها. أين نحن اليوم من تلك الثقافة بعد عشر سنوات من سقوط الدكتاتور صدام. 
وختاماً لقد صدق من قال: "أعدنا بناء العراق على أساس مبادئ ثلاثة وهي  الشراكة، واالتوافق، والمشاركة في القرار السياسي، ولم نتفق علی أن يذهب ديكتاتور ليأتي آخر محله."
الدكتور سامان سوراني
49  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أسطورة الإسلام السياسي بين التشبيح الثوري و وهم النصر الإلهي في: 08:37 31/03/2013
أسطورة الإسلام السياسي بين التشبيح الثوري و وهم النصر الإلهي

بالرغم من أن الإنسان حقق علی صعيد العلوم و التقنيات، التي فتحت أمامه أبواب المستحيل في غير مجال و ميدان، كما في الجينة والذرة أو في الفضاء والمجرة أو في الإتصال العابر لحواجز المكان و حدود الزمان، تشهد البشرية علی عجزها عن معالجة أوهامها التاريخية ومعضلات الإستبداد والعنف النابع من الأصولية والتطرف الديني والوعي الأحادي. صحيح بأنه لا انفكاك للعقل عن الوهم و أنه لا شيء يعود كما كان عليه، بحرفيته أو بحذافيره، إلا علی النحو الأردأ والأخطر أو الأرهب، لکن الإنخراط في ممارسة فكرية نقدية هو مصدر إغناء وتوسيع للمفاهيم و مفتاح نسج علاقات جديدة مع العقل والتنوير.
إنها الطوبی التي تجعل أصحاب التشبيحات الثورية يقفزون فوق الواقع البشري بما ينطوي علیها من التعقيدات و الإلتباسات والمفارقات. الأصوليون الدينيون يحلمون بالفردوس الموعود و يمارسون في الوقت نفسه أعمال مضادة للقانون والدستور والحقوق والقيم الجامعة و يمارسون في غير مكان الوصايا علی شؤون القضايا المجتمعية و يتدخلون حيث أمكنهم ذلك. أما تهويمهم الإلهي ووصاياتهم النبوية فيتجسد في إعتقادهم بأنه إذا تمكنوا من أخذ زمام الحكم في غير مكان فسوف يعود للمسلمين مجدهم و تستعاد مبادرتهم التاريخية لإقامة دولتهم أو خلافتهم وعندها سوف تنقذ البشرية و يكون رفع الظلم و إحقاق الحق، أي تحقيق ما عجز عنه "الأنبياء والرسل" عن تحقيقه وهم كانوا استثناء. ولا عجب أن تكون الحصيلة المزيد من الأزمات والمحن والكوارث ، مادام قادة فكر الإسلام السياسي يفكرون و يعملون علی هذا النحو. وإن عدم قدرتهم في معرفة إستغلال تراثهم و تعلقهم به تعلقاً أعمی ينتهي بهم في إستعادة الماضي بشكل هزلي كاريكاتوري لكي يمارسوا علاقتهم به فقراً و مسخاً و تشويهاً.
إن الخضوع لمنطق الفتوی الأعمی والتخلي عن الطاقة الفكرية والقدرة علی الخلق والإبتكار أو علی التجديد والتغيير، التي هي ميزة مهمة من مميزات الإنسان، يفسر لنا أسباب تراجع العلم والتعليم في بلدان الشرق الأوسط و الباعث لنشر الوباء بعد إجتياح الثقافة الدينية بشاشاتها و معارفها الميتة و نماذجها المتحجرة لمؤسسات التعليمية في المدرسة والجامعة.
من لا يتعامل مع الدين كوازع معنوي أو سلطة رمزية أو مهنة خلقية لا غير، هدفه تفعيل تلك العلبة السوداء التي تعشعش في عقله، بعقدها و متحجراتها و تهويماتها و خرافاتها و تصنیفاتها العنصرية لإجبار الدولة علی العمل في قضايا التشريع والتنظيم  بوصاية المؤسسة الدينية. لكن الدولة العادلة والفعالة يجب أن تعمل بقوانين و خطط و سياسات قادرة في أن تكون حصيلة المجتمع بمختلف قطاعاته و فاعلياته و مشروعياته. فالمهام التي أعطيت للدين تُرجمت في العالم العربي والإسلامي أفخاخاً و مآزق، إذا لم نقل بأنها قامت بشحن النفوس و تعبئتها بمشاعر العداء والكره.
لقد علمنا الثورات الجديدة، التي لا تزال تسعی في إزالة آثار ما خلفته الثورات السابقة من المساوێء والمفاسد و الكوارث، بأنه‌ من الممكن أن يتحرر المجتمع من خلال الثورة السلمية والمدنية من ديكتاتورية الشعارات و المقولات و عبادة الأشخاص والأبطال، لأن تقديس الثورة لا يعني سوی قتل أهدافها و عبادة الأشخاص تفسدهم. أما الإنسداد فإنه يولد الإنفجار و الشعارات المقدسة والأيديولجيات الحديدية تعمل علی تقويض الحريات و إستعباد العقول.
نحن رأینا تغيرات طرأت في مشهد العالم و خريطته، وهذه بدورها جلبت تغيرات في جغرافية العقل و شبكات الفهم و صيغ العقلنة و قواعد المداولة. فهل من المعقول أن تبقی الترسانة الفكرية القديمة المستهلكة و الصدئة و المتجسدة في أفكار و برامج الأحزاب الإسلامية، التي أكتشف في الدين فيتاميناً تحول الی داء فتاك و سلاح قاتل، كما هي من غير تفكيك ثقافتها و أنماط تفكيرها؟
إن تشبيحاتهم الثورية الهامشية المتخلفة و الرجعية و سياساتهم الإلهية الإنتقامية ليست إلا أحابيل جهنمية تتردد بين أساطير الأولين و أقانيم المحدثين، بين الشعوذة الفكرية والتفكير الحي، بين فتاوی الشريعة و كهنة الإستنارة، بين الأشباح الأنتروبولوجية و أطياف الأيديولوجية، تشهد علی جهلهم و عجزهم. أصحاب إدعاءات التأله والعصمة والرشد ينسون بأنهم ينمون الی أصناف البشر المصاب بالجهل والنسيان والنقص والخطأ والحمق والجنون. ماالنفع من رمي التهم علی الغرب و تحميلهم مسؤولية المصائب والفشل و التحصن وراء متاريس العقائد والقناعات والهويات الثقافية والمنظومات الفکرية، إذا لم نعتبرها مجرد معلومات أو معارف أو وجهات نظر تشكل مقترحات للحوار و المباحثة من أجل الوصول الی الأمر الجامع أو الشيء المشترك؟
وختاماً نقول: لا تنجح محاولات التقريب والحوار، طالما هناك مفردات مثل "الشرك والكفر" أو "البدعة والضلالة" تشكل صُلب العقيدة والعدسة، التي من خلالها يری الواحد الی الآخر المختلف، لكي يدينه و ينزّه نفسه.
الدكتور سامان سوراني








50  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أربيل و المؤتمر الدولي حول الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان في: 20:16 19/03/2013
أربيل و المؤتمر الدولي حول الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان

في عالمنا اليوم كما الأمس تتواطأ الأضداد لتسهم بعقول ملغمة و مُسلّمات عمياء و توجهات مقلوبة في صناعة الخراب، فيا لفضيحة الأفكار والمشاريع و منطق العداء، الذي ينتهك بالعنف والدمار و البربرية كل الحقوق والحرمات.   
في الـ 14-3-2013 إحتضنت أربيل، عاصمة كوردستان – العراق، مؤتمر دولي حول الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان بحضور جمع غفير من شخصيات سياسية، دبلوماسية، عالمية ومحلية و ذلك بمناسبة مرور 25 عاماً علی القصف الكيمياوي علی مدينة حلبجة الكوردستانية وإحياء ذكری عمليات الأنفال البربرية، التي لا تقل من ناحية الفظاعة والهمجية عن جرائم الهولوكوست. المؤتمر هدفَ الی جمع طاقات قوی محلية و عالمية لتعمل علی إستراتيجية فكرية جديدة و مساحات عقلية و مفهومية جديدة و مغايرة بتوجهاتها و أولوياتها و مفرداتها و تراكيبها لگرض الوقوف يد بيد ضد كل جريمة بربرية، لاإنسانية تمارس ضد البشر. إن تدويل جريمة الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان كان أحد أهم مواضيع المؤتمر، بعد أن دخل هذا الموضوع مرحلة المناقشة الجدية والتأييد اللازم لدی عدد من البرلمانات الأوروبية لكي تغيّر و تؤثّر وتحارب و تقلص مساحات قدرة الطاغية والمفسدين أو المخربين و العنصريين و البربريين الذين هدموا و يهدمون جدران التعايش السلمي ويمارسون العنف الوحشي ضد من لا يتماثل معهم.
جريمة إبادة الجنس البشري Genocide، التي مورست عن قصد التدمير الكلي و بشكل منظم من قبل نظام البعث الفاشي في نهاية الستينات و أواسط السبعينات و أواخر الثمانینات و بداية التسعينات من القرم الماضي ضد ابناء شعب كوردستان بسبب أصلهم العرقي، هي من نمط الجرائم ضد الإنسانية، تخضع للمسؤولية القانونية، لم تنحصر آثارها على الوضع الداخلي للعراق و إنما إمتدت حتى الى الأسرة الدولية بسبب أثارها الشاملة، فهناك دول و أنظمة مهدت طريق تنفيد تلك الأعمال الوحشية و الجرائم الشنيعة و غضت الطرف عن كل تلك الجرائم الوحشية، التي إرتكبها أجهزة صدام خلال تسلطه لأكثر من ثلاثة عقود.
نحن نعلم بأن مجلس النواب العراقي أقرّ في عام 2008 بأن عمليات الأنفال و جريمة قصف حلبجة، التي نفذتها القوات العراقية في العام 1988 ماهي إلا جريمة إبادة بشرية ضد الشعب الكوردستاني و نحسب التوجه الدولي و إقرار برلمانات كل من السويد والنرويج و بريطانيا والمانيا بأن الشعب الكوردستاني تعرض بالفعل لحملات الإبادة الجماعية، بخطوة جبارة نحو إنتزاع إعتراف دولي شامل بتعرض هذا الشعب الأبي الی الجينوسايد، تلك الخطوات تمهد الطريق للعمل على اعتماده وتعميمه على الصعيد الدولي العام.
من هنا أرای أنه من واجب الأطراف الكوردستانية الرسمية والخاصة العمل الدٶوب و تقديم الدعم المالي اللازم في سبيل تحقيق هذا الهدف الإنساني. أما ممثلي حكومة إقليم كوردستان في الخارج فعليهم وضع هذه القضية في مقدمة أعمالهم والبدء في إعلام الرأي العام في الدول الموفدة اليها و الترويج لها و جمع التواقيع و الإتصال بمراكز القرار و إشراك منظمات دولية و الإتحاد الأوروبي و المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ومنظمات ومراكز معنية بالإبادة الجماعية في العمل علی تعريف جرائم الأنفال كونها جرائم إبادة جماعية. وعلی الفرد الكوردستاني أينما كان بذل قصاری جهده من أجل دعم كافة المبادرات الرامية الی إدراج جرائم الوحشية، التي مورست ضد شعب كوردستان كجريمة إبادة جماعية ضد الإنسانية.   
فالحكومة في بغداد، تعمل بمنطق الرفض، الذي يٶدي دوماً الی تضييع الفرص وحصول الأسوأ، فهي تحيا دوماً علی نحو خرافي تكشف اليوم بأفعالها الماورائية و منطقوها اللاعقلاني بأنها دخلت حقل الألغام و تعدت الخطوت الحمرو لا تنوي تعويض ذوي الشهداء والمٶنفلين ولا تهتم بالتعاون مع المجتمع الدولي لتعريف جريمة حلبجة بالجينوسايد، فكيف ننتظر منها أن تجعل من يوم 16/3 مناسبة رسمية في العراق الفدرالي. فهي بتعامیها المستمرة علی الحقائق و ممارستها سياسة التجاهل تنوي التقليل من شأن هذه الجريمة النكراء، التي مورست من قبل النظام السابق ضد شعب كوردستان.
الشعب الذي ينوي بناء نفسه، عليه بتفجير طاقاته المعطلة و إطلاق قواه الحيّة أو استثمار مقدّراتها المهدورة. أما من أراد العمل بشكل أحادي فعمله يتحول إلى لغم، سيما في بلد ذات التركيب المتعدد الطائفي أو المذهبي، سواء تعلق الشعار بالتنمية أم بالوحدة، لأن العمل العام، على المستوى الوطني، يتم بمنطق التعدد وقواعد المداولة والشراكة، لا بمنطق الاحتكار أو الاستئثار والانفراد.
وختاماً: "من أراد فرض الوصاية على القضايا و إحتكار الشعارات للسيطرة علی المجتمع أو لقمع الشعب و تهديدهم، فمنطقه هذا لا يحقق الغاية المرجوة، بل يرتدّ ضده و مشاريع حكومة بغداد المدمّرة واستراتيجياتها القاتلة شاهد علی مانقول."
الدكتور سامان سوراني

51  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الكرادلة والكونكلاف، أزمة الفاتيكان و العقيدة في زمن العولمة في: 21:45 13/03/2013
الكرادلة والكونكلاف، أزمة الفاتيكان و العقيدة في زمن العولمة

لا يهمنا هنا فشل أو نجاح الكرادلة الكاثوليك الـ115  في جولتهم الأولی للتصويت السري في المجمع المغلق (الكونكلاف) في الفاتيكان علی إنتخاب بابا جديد، بعد أن إستقال بنديكتوس السادس عشر في موقف مفاجيء من منصبه، فإنهم أكثر تجربة ووعياً من الحكومة العراقية المنتخبة و يستطيعون إجتياز جمرة عقبتهم هذه بتحضر، دون إنتصاح، بالرغم من إنتظار الملايين من الكاثوليك في العالم مشاهدة تصاعد الدخان الأبيض من مرجل كنيسة سيستين و سماع دوي أجراس كنيسة القديس بطرس إيذاناً بإعلان إنتخاب الحبر الأعظم الجديد للفاتيكان.
لنتصفح المرحلة التي سبقت إنتخاب خلف للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني كي نتعرف عن كثب كيف بدأت الصحافة والاعلام بتردد إسم الكاردينال الألماني جوزيف راتسنغر كخلف محتمل له، و كيفية القيام بشكل منظم في تصنيفه بسبب بعض آرائه و مواقفه في مجموعة من القضايا الدينية والإجتماعية و السياسية في خانة المحافظ المتشدد و كيف أن البعض وصفه بـ "بابا الردة" بسبب إختلافهم معه في المعتقد و الإجتهاد والرأي.
لكن بندكتوس المٶمن بعمل الفرد علی نفسه، ليخطو نحو الآخر علی سبيل الإنصات و التعلم والإفادة بصورة متبادلة، تمكن من دحض آراء معارضيه من خلال إعترافه بالحدود، بمعنی الوعي بالتناهي و هذا يثبت بأنه لا صداقة بلا حرية، حرية الاخرين في أن يحتفظوا بغيريتهم.
وهو الذي قام بإنتقاد الذات و خضع الأزمات، التي مر بها لمبضع النقد والتشريح، بحثاً عن المخارج و إعترف بأن الحوار هو السبيل الناجع نحو كسر الحواجز و تعدی الخطوط الحمر، علی نحو يتيح لكل واحد أن يتحول عما هو عليه، لكي يسهم في تحويل الآخر.
أقول أين "بابا الردة"، الذي اتخذ القرار التاريخي بالاستقالة وأدخل شرخاً في  التقليد المتبع بتولي منصب أي بابا يتم إختياره مدى الحياة، وهو أول حبر أعظم يقرر بملء حريته الاستقالة خلال سبعة قرون، من الساسة و الحكام في منطقتنا، الذين لا يٶمنون بالإستقالة أو التنحي و يتعاملون بصورة لاهوتية أو قوموية مع الديمقراطية والعلمانية والحداثة والذين لا يملكون الجرأة من نقد الذات علی نحو يكسر السياجات الشوفينية أو العقائدية، من أجل العبور نحو الآخر، بل يهربون من المواجهة النقدية والمحصلة هي، كما الآن في العراق، تفاقم المشكلات و تراكم الأزمات.
قبل تسلمه سدة البابوية دخل الكاردينال راتسنغر عام ٢٠٠٤ في مناظرة فلسفية مع يورغن هابرماس، فيلسوف عصر مابعد الماورائیات، وكان عنوان موضوعهم "في ما يسبق الأسس السياسية للدولة الديمقراطية"، تبین من خلال مناظرته بأنه ناقد للأديان، بقدر ماهو ناقد للعقل، مدرك لحدوده، كونه ينتمي الی العالم الغربي، معترف بمنابع الثقافات الأخری كالهندوسية والبوذية والإسلام و الأفريقية. لقد تمحورت مناظرته حول قضايا فكرية مثل "الديمقراطية والحق والدين" و هنا أثبت إنتماءه الی جماعات التنوير و قدرته علی تفكيك آليات عجزه، علی نحو يتيح أن يفهم ما كان يمتنع عن الفهم. فبعد إستعراضه لنظريات حول الحق الطبيعي، والحق العقلي و حقوق الشعوب أو مايسمی بالحق الثقافي و حقوق الإنسان، إعترف راتسنغر بوجود أزمة تطاول العقل بقدر ما تطاول الدين و لاحظ بأن الدين يعاني من أمراض هي في غاية الخطورة، كما تتجسم في إنتشار الإرهاب، الذي يتغذی من التعصب الديني.
فالتحاور عند بندكتوس في هذا الزمن المعولم لا يعني أبداً السعي لمعرفة من المخطیء ومن المصيب، أو من الضال ومن المهتدي، بل هو لكسر الحواجز و تعدي الخطوط الحمر.
الدين ليس البديل ولا الحل، كما يطرحه دعاته وكما يعتقد الكثيرون من الذين يبشروننا بأن القرن الحادي والعشرين سوف يكون قرناً دينياً بإمتياز ونحن نعيش كل يوم تحول الدين علی ید دعاته وحماته من الجهاديين و الأصوليين المتطرفين الی سياسة للإستئصال وآلة للخراب.
"بابا الردة"، الفيلسوف المستقيل، تعهد بإظهاره الطاعة والاحترام الغير مشروطين لخليفته في الكرسي الرسولي، تخلی عن حذائه الأحمر الشهير وعن الخاتم الممهور بإسمه، ليقضي وقته في سماع الموسيقى الكلاسيكية والعزف على البيانو. فهو يری بأن التعبير الفني الأصيل هو خبرة مؤثرة تحمل القلب إلى الجمال الحقيقي.
وختاماً: "من لا يدافع عن أشكال العيش المشترك علی الأرض لا يساهم في مواجهة الأخطار والكوارث التي تكاد تهدد الأرض بمن عليها و ما عليها". و ما المنفع من التصارع علی حطام البيض الذي لا وجود له؟
الدكتور سامان سوراني







   

52  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أفخاخ النوايا و منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني في: 19:03 10/03/2013
أفخاخ النوايا و منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني 

التاريخ بجدليته العلمية أثبت بأن مآل كل حدّ أقصی هو إنتاج الضد وإن الأنظمة التي كانت ترعب شعوبها أصبحت هي الخائفة و المرعوبة من التظاهرات السلمية علی ممارساتها من الإستئثار و الإحتكار للسلطة و الثروة أو المصادرة و الإهانة للحرية، بعد أن إنتقلت تلك التظاهرات أو الإحتجاجات في أكثر من مكان من مجرد حشود بشرية الی ثورات تهدد أنظمة الحكم و تؤول الی سقوطهم. 
في عصر تشابك المصائر و المصالح لا يمکن ترجمة السياسة، التي تسمح لحكومة ما عملية إبادة جماعية ضد شعب آمن، بفن الممكنات و لا يمكن التحدث عن الإنسان و إنسانیته، ذلك الكائن الذي يبقی أسير أفخاخ النوايا ليفاجئه بربريته و يبعده عن التطابق مع ذاته، لينتج إنتهاك ما يدعو اليه.
ما الفائدة إذن من تقدمه في مجالات أشواطاً، لكي يتراجع في مجالات أخری عصوراً الی الوراء؟
نظام صدام حسين، الذي حرق البلاد و العباد تحت شعار "أنا أو لا أحد" و مارس العنف المنظّم و سفك الدماء كأي نموذج ديكتاتوري آخر، بدأ بالحروب ثم بعمليات الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان و قام بتدمير البنية الإقتصادية و النسق الإيكولوجي في کوردستان، ليجبرنا أن نعيش اليوم ذكری مرور ربع قرن علی فاجعة مدينة حلبجة الكوردستانية و مذابح الأنفال و التجارب اللاإنسانية، التي كانت مدعومة من قبل الكثير من رؤوساء العرب و خصوصاً الأمين العام للجامعة العربية و بعض الدول الأخری، التي ساهمت في الدعم اللوجستي و كذلك من قبل أحزاب و منظمات و حركات أصولية و ظلامية، التي أيدت و شجعت بعمائها الفكري النظام المقبور في تنفيد تلك الأعمال الوحشية و الجرائم الشنيعة و غضت الطرف عن كل تلك الجرائم الوحشية، التي إرتكبها أجهزة صدام خلال تسلطه لأكثر من ثلاثة عقود.
حكومة بغداد، بهشاشتها الفكرية و الحمل المفهومي الخادع تدّعي الشراكة الوطنية مع إقليم كوردستان و تطلب دعمه لتستمر في سياساتها الخاطئة، لم ولن تكن مستعدة و لو بشكل نظري أن تولي الإهتمام بضاحايا الأنفال و حلبجة و لم و لا تنوي أن تنطق بكلمة الإعتذار عن ما تعرضوا له من المآسي. 
هل يعقل أن نستغفل بعد كل هذه التجارب المريرة مع الحكومة "الفدرالية" مرة أخری بالشعارات والوعود الكاذبة و نتخلی عن إرادتنا الحرة وحقنا في الإستقلال الكامل أو علی الأقل في الإستقلال الإقتصادي في هذه المرحلة لتنمية و تطوير إقليمنا؟
وما تمرير الموازنة الإتحادية من قبل مجلس النواب دون موافقة كتلة التحالف الكوردستاني إلا دليل آخر علی إمرار نهج التسلط وتكريس سياسة الانفراد والاقصاء و النوايا الخفية لحكومة بغداد للعودة الی أيام الحكم الشمولي.
والذي يزيد الأزمة السياسية الحالية أكثر تعقيداً هو الدور الكبير للماكنة الإعلامية لرئيس الوزراء بممارسة تزييف وعي الإنسان العراقي والعربي وتحريف الحقائق والعمل علی تشويه وجه السياسة المعتدلة في الإقليم و التقليل من أهمية الإنفتاح الكوردستاني علی التجارب الدولية الناجحة في الحكم الرشيد و الإقتصاد الحر و أهمية تحفيز الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحقيق إقتصاد مزدهر، وغرس روح المبادرة والمنافسة وتشجيع وجذب الاستثمارات من خلال هذا المجال الهام.   
فما نلمسه من الحكومة الحالية في بغداد هو التعامل مع الإقليم و قضایاه بعقل إستعلائي، تارة بإسم العروبة و أخری بإسم الإسلام، بعد رفضها دعم و تطبيق الحقوق‌ الدستورية. لقد آن للإقليم كسر هذه الدائرة الخانقة، التي يحبسنا فيها دعاة الشمولية وأصحاب إمبريالية المبدأ الواحد و فاشية العقيدة المغلقة و كهنة الرجوع الی ثقافة الجمود، التي لا تريد أن نتمكن من تفكيك الحاضر أو أن نتحرر من المسبقات و إستباق المجهولات.
من يفكر علی هذا النحو لا يغير واقعاً و لا يصنع وحدة بين المكونات المختلفة في العراق، بل ترتطم أفكاره المثالية و نظراته التبسيطية علی أرض الواقع العنيد، لكي ترتد علیه، كما ترتد الكرة عندما تصطدم بأرض صلبة ملساء. والمآل هو إنتاج واقع أسوأ و أكثر كارثة مما أنتجه نظام البعث و علّامة التفرّد و الدكتاتورية، صدام حسين.
من هنا لا تجدي معالجة الأزمات بما هو مسبق أو محقق أو سائد من الصيغ والقواعد والأنظمة والنماذج و لا حلول بإستكمال ما لم يستكمل بعد. الأجدی هو عدم نفي الواقع بإسم ماض مزعوم أو مستقبل موهوم و التمرس بسياسة فكرية جديدة تتعامل مع المعالجات والحلول بصفتها تخييلات خلاقة و تراكيب جديدة، لكن أين رئيس الحكومة في بغداد من كل هذا وهو الذي يٶمن الی اليوم بالمسبقات المعيقة و الدغمائیات الخانقة و التقديس والتسبيح للذوات والأشخاص والشعارات الخاوية، التي كانت منبع من منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني.
و ختاماً: "من لا يعمل علی تفكيك الممتنعات من الداخل، يدعم أفراد أو جماعات من الناس يدّعون بأنهم يجسدون قيمة القيم، لإنتاج آليات المصادرة و منطق السيطرة علی النفوس و الوصاية علی العقول".   
الدكتور سامان سوراني



53  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / التعايش السلمي بين الأديان في إقليم كوردستان و النوايا الخفية للجماعات الدينية المتطرفة في: 17:19 20/02/2013
التعايش السلمي بين الأديان في إقليم كوردستان و النوايا الخفية للجماعات الدينية المتطرفة

من المعلوم بأن التعايش هو ضربٌ من التعاون القائم على أساس الثقة والاحترام المتبادلين و الرغبة في التعاون لخير الإنسانية، الهادف الی غايات يتفق عليها الأطراف التي ترغب في التعايش بشكل طوعي و بإختيار كامل بعيداً كل البعد عن خلط الأوراق ومزج العقائد وتذويبها وصبّها في قالب واحد.
والتعايش الذي يهدف الی سلب الهويات و يٶدي الی إختلال توازن الأفراد و إهتزاز كيانهم و يخدم أهدافاً سياسية خطيرة تتعارض مع الأهداف الإنسانية النبيلة، لا يمكن تسميته بالتعايش، بل هو ضرب من الغشّ والإحتيال والتضليل. إذ لا يمكن أن يطالب فئة من فئة أخری بالتصديق علی إيمانها هي، جاهلاً الأختلافات بين الأديان.
أما المواثيق الدولية الإنسانية التي تعكس عالمية القيم و خصوصية الثقافة والعقائد الإيمانية والتطور والرقي و وحدة الضمير الإنساني و التي ترفع من شأن قبول الحوار الخارج عن الاحتفال البروتوكولي والمبني علی قضايا أساسية ومحاور حاكمة، فيجب أن تعامل كدستور يملأ فضاءات التعايش والحوار و العقلانية من أجل ترسيخ قيم المواطنة الفاعلة و معالجة المتناقضات السلبية و الخلافات الدينية والمذهبية بين المكونات المختلفة.
نحن نظن بأن لكل مواطن كما لكل رجل دين رسالة في الحياة. فالذي يؤمن بالتعددية بشكل عام له رسالة، يستطيع أن يعلن عنها بالقول والعمل و يؤكد على الوحدة في التعددية. والمحاولات التي تجري بإتجاه تقويض وتجريد المواثيق الحقوقية من مضمونها و محتواها فيما يتعلق بالحريات الدينية وحقوق المرأة و الأقليات، مآلها كسب الشهرة و الترويج لثقافة السياسات المتهافتة و اليقينيات المطلقة.
هناك وللأسف في الإقليم جماعات دينية تؤمن بالدولة الشمولية، التي تنوي الهيمنة علی المقدّرات و إحصاء الأنفس و إخضاع البشر بالقوة العارية من أجل تجنيد المواطن و تسخيره لدعوات مستحيلة أو عقائد مدمرة تحوّل الوعود بالفردوس أعراساً للدم.  تلك الجماعات المتطرفة لا تؤمن بعمل منظمات المجتمع المدني ولا وجود للحوار السلمي مكانة في قواميسها العملية،  لكنها تنوي تحت يافطة تأصيل القيم الدينية في وجدان الأفراد والجماعات في وضع السياسات العامة والخطط والبرامج بما يقلل من ترسيخ قيم المواطنة الكوردستانية والحكم الرشيد في العمل الحكومي و يزيد من نشر بذور العنف الفكري و إشاعة روح العداء بين المواطنين بعد السيطرة علی المؤسسات الدينية و دور العبادة بدافع الإشراف عليها. و صونها من العناصر الثقافية الغريبة.
المجتمع الكوردستاني اليوم بأشد الحاجة الی كسر وحدانية الذات علی نحو يفتح الإمكان لقبول الآخر بوصفه مختلف عنه باالدين والمذهب و لكنه مساو له‌ في الحقوق والكرامة والهوية.  من يريد التعايش في ظل دولة راعية أو وطن جامع أو بلد آمن أو مجتمع مفتوح أو عالم أوسع فما عليه سوی الخروج من المأزق. لقد حان الوقت لیعلن علماء المنابر أمام الملأ، أولئك الذین ینطقون بإسم مذاهبهم ویؤثرون في الجمهور الواسع من المتدینین، بأنه لیس کل ماجاء في کتبهم صحیحا أو صالحا للتربیة الدینیة، فبدون إلغاء النصوص والأحکام والفتاوی، التي تولد الاقصاء المتبادل وتبث العداوة والکره بین المذاهب و الأديان من کلیات الشریعة وبرامج التعلیم الدیني، وبدون إستبعاد النصوص والأحکام التي تتعامل مع الإيزدیین والمسیحیین الكاثوليك منهم و الأرثودوكس والصابئة المندائیة والیهود، کمشرکین أو ضالین وبدون إطلاق حریة الإعتقاد بإلغاء قاعدة الارتداد لایمکن مواجهة الذات و لایمکن مکافحة ممارسة التشبیح أو الشعوذة و نشر الفتن ولایمکن صناعة مجتمع مدني تتعدد فیه الثقافات والإعتقادات، التي تمحي التحجر الإجتماعي والسکون الثقافي. الخروج من المأزق هو العمل علی التمرس بإستراتیجیة فکریة جدیدة من مفرداتها: الإعتراف المتبادل، لغة التسویة، عقلیة الشراکة، البعد المتعدد، ثقافة التهجین والعقلانیة المرکبة.
و ختاماً: "لكل عصر شكله في النضال و مفهومه للتغيير. فمن لا يعترف بما يقع تهمشه الوقائع ومن لا يقوم بتشخيص الواقع لا يقاومه ومن لا يستخدم لغة مفهومية جديدة لا يساهم بشكل إيجابي في تغييره."
الدكتور سامان سوراني
 

 


54  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الإتحاد الأوروبي و إمكانية التوصّل إلى حل للأزمة السياسية في العراق الفدرالي في: 19:31 19/02/2013
الإتحاد الأوروبي و إمكانية التوصّل إلى حل للأزمة السياسية في العراق الفدرالي

من المعلوم بأن الأزمة السياسة المزمنة في العراق ليست وليدة اليوم بل هي ثمرة تراكمات و ترسبات السياسة الإتكالية العقيمة، التي أنجبت الديكتاتورية العسكرية المٶمنة بالحروب و المدافعة عن العقلية القوموية الكامنة في ظلال العتمة الفكرية المتسمة بالشوفينية تارة و بالعنصرية المقيتة تارة أخری و التي أدت الی هدم الثقة بين كيانات المجتمع العراقي المختلفة و تهشيم نوافذ المواطنة.
صحيح بأن العراق مرّت بسبب تلك السياسات العوجاء بمآسي و صعوبات تخصها مثل حرب الخليج الأولی والثانية و الإقتتال الداخلي الدموي بين جهات شيعية و سنية بعد سقوط الطاغية في بغداد والتي أستمرت لسنوات عديدة، لكننا لم نری أيّة إرادة سياسية قوية من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة في إنهاض هذه الدولة و إعادة بناءها بعد نشر فلسفة المواطنة و تطبيق بنود الدستور الفدرالي لتتضائل الفوارق الإستراتيجية القديمة التي كانت تهتدي بها سياسات الحقبة الماضية. ما لمسناه هو هيمنة الفكر الطائفي العروبي علی مٶسسات الدولة و إحتكار السلطة من قبل رئيس الحكومة بصفته الشخصية و إنتهاج سياسة التفرّد في إصدار القرارات و إهمال نصوص الدستور و تجميد عمل المٶسسات الرقابية الأخری و توظيف بعضها كأداة مجندة لتعزف أناشيد الرضی لرئيس الحكومة و تروّج لإستيراد عدم الإستقرار و تصدير الديكتاتورية من جديد.
قبل أيام زار وفد الإتحاد الأوروبي متكون من سفراء كل من بولونيا والتشيك واسبانيا والسويد وسلوفاكيا ورومانيا وبريطانيا والمانيا واليونان وفرنسا وايطاليا وهولندا و سفيرة الإتحاد الأوروبي لدی العراق الی إقليم كوردستان لـ "يراقب من كثب" تطور الوضع  المتأزم في العراق و يبحث العلاقات الثنائية والتوترات السياسية التي يعيشها العراق، كيف يصل الی معرفة السبيل في مساعدة جميع الأطراف للتوصل إلى معالجة الأزمة الحالية.
نحن نعرف بأنّ ألمانيا و بريطانيا وفرنسا تشكل القوى العظمى في الاتحاد الأوروبي وأنّ لكل دولة من تلك الدول رؤية ومصالح مختلفة في دول الشرق الأوسط و بالأخص في العراق و إن هذا الإتحاد يريد دوماً الجلوس في المقعد الخلفي فيما يتعلق بالشأن السياسي في المنطقة، لكن هذا لا يعني بأنه لا يريد أن يلعب الدور الريادي في الترويج لإقتصاد ليبرالي وتعددي يساهم في بناء الفضاء الديمقراطي و ترسيخ مبادیء الفدرالية و سيادة القانون و الديمقراطية البرلمانية الضامنة للتعايش السلمي. بكلام أخر إن جلّ إهتمامات الاتحاد الأوروبي اليوم هي اقتصادية و أمنية  أكثر من كونها سياسية.
ما نريده من الإتحاد الأوروبي هو إتخاذ موقف أقوى سياسياً  في المنطقة ، لأنه من الصعب فصل السياسة عن الاقتصاد كلياً.
واليوم يحظی إقليم كوردستان بجانب علاقاته مع شركات عملاقة متعددة الجنسية، التي تعتمد بالإضافة الی السياسات الإقتصادية، الی سياسات مالية و إجتماعية و أحياناً أمنية تفضي الی زيادة نفوذها الدولي، بالوضع المتقدم في علاقاته مع الإتحاد الأوروبي و هناك نوايا جديّة و رصينة من قبل الإتحاد الأوروبي لدعم الإقليم في المجالات الإقتصادية والتقنية.
ما يفرح الإتحاد الأوروبي هو طلب الأطراف السياسية العراقية من الرئيس مسعود بارزاني شخصياً، الذي ينطلق دوماً من نظرية الديبلوماسية الوقائية، تفادياً لوقوع إقتتال داخلي و تهديد الأمن والسلم في المنطقة، ليبدأ بمبادرة تاريخية ثانية و إستعداد أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، إحتضان مٶتمر موسع لقادة الكتل السياسية العراقية نهاية شباط ٢٠١٣ لدراسة الوضع و إتخاذ الخطوات اللازمة للدخول في حوار جديّ و الوصول الی حلول سليمة لإحتواء الأزمة الراهنة. هناك ملفات ساخنة كثيرة، لكن الذي يهم الطرف الكوردستاني هو حسم النقاط الجوهرية و وضع حد لسياسة التأجيل والمماطلة المتكررة، التي تمارسها حکومة بغداد مع سبق الإصرار والترصد.
فمن حق إقليم كوردستان وضع شروط للحصول على ضمانات تنفيذ مقررات المؤتمر قبل الشروع به، إذ انه لا يريد أن يلدغ من جُحرٍ مرّتين  ليتكرر ما حصل في اتفاقية اربيل بعد تنصل بغداد و هروب السيد المالكي من تنفيذ موادها. يتطلب صوغ أساس منطقي واضح للعلاقات بين الكيانات الرئيسية مبنيّ علی الشراكة الحقيقية والإحترام المتبادل، إذ لا يحتمل أن يسود السلام و الإستقرار الدائمان في العراق دون إيجاد تسوية مقبولة للنقاط الساخنة.   
وختاماً: إن تعاملنا مع السلطة السياسية كمحصلة قانونية أو إجرائية للحراك الإجتماعي والنشاط الإنتاجي أو الإبداعي لكل الفاعلين الإجتماعيين في مختلف القطاعات والحقول و إخضاعها للمناقشة العمومية والمداولة العقلانية والمراجعة النقدية، شأنها شأن أي حكومة ديمقراطية فعالة، يعزز تجربتنا في الديمقراطية، فالديمقراطية ليست نموذجاً يُنقل عن بعض الدول، ولكنها هدف ينبغي أن تحققه كافة الشعوب.
الدكتور سامان سوراني
55  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فلسفة الاستقلال الإقتصادي و مستقبل إقليم كوردستان في: 14:14 10/02/2013
فلسفة الاستقلال الإقتصادي و مستقبل إقليم كوردستان

من المعلوم بأن فلسفة الاستقلال الاقتصادي المبنية علی أساس العقل والتعقل و الفكر والتفكير تلعب دوراً مهماً في زمن التواصل والعولمة والتحولات المجتمعية الكبرى و الانتشار التدريجي لثقافة "ميركانتيلية" قوامها تحويل كل "شيء" إلى بضاعة، أي إلى شيء معروض في السوق قابل للبيع والشراء. 
ما يفرحنا اليوم في عصر التعدد، تعدد المناهج والنماذج، أو الأقطاب والمراكز، سواء على صعيد العلاقات بين الدول، أو داخل كل دولة، هو مشاهدة الحضور القوي لإقليم كوردستان علی الساحة الإقتصادية العالمية، بعد أن قامت حکومته بعقلنة التدبير الإقتصادي و بعد أن قام المجتمع الكوردستاني بالعمل علی نفسه في مختلف الحقول والقطاعات و بمختلف قواه و فاعليته لإجراء التحولات البنيوية يطال اللغات والعقليات والشيفرات و أنظمة الحقوق وقواعد المعاملة و التي ينتقل معها إلى وضع جديد و بعد إجتياز الكثير من العيوب والمساویء والتناقضات التي إنكشفت بعد سقوط النظام الديكتاتوري في العراق و إنهيار سلطته القمعية و بعد تحرره من المفاهيم والنماذج والقيم والأساليب التي كانت متأصلة و راسخة لعقود من الزمن، تلك المفاهيم و النماذج التي كانت مبنية على حجب الوقائع وتزييف الحقائق، بقدر ما كانت تمارس الخداع والتضليل للذات وللغير و التي كانت تٶمن بأن المجتمعات العراقية يجب أن تتغير من خلال ذوبانها في فكرة العروبة و الثورة القومية و قائد الضرورة، لا عن طريق الإبتكارات الخلّاقة و الإستعارة بالأفكار المعاصرة لصنع الحياة و المشاركة في صناعة الحضارة.
إن عمل الإقليم علی فلسفة إقتصادية تمهد الطريق لإستقلاله و تٶثر بشكل إيجابي علی مستقبل و أمن المنطقة و تطور العملية الديمقراطية فيها و تضمن في الوقت نفسه أهداف حكومته في الحرية والعدالة والكرامة من أجل إقامة مجتمع تعدّدي، مدني، تداولي، ديمقراطي، هو الذي جهّز لشعب كوردستان هذه الرفاهية و هذا التقدم الملحوظ، بعد سنوات من النضال ضد الجرثومة السرطانية البعثية الفتّاكة و القوی القوموية، التي مارست الإستبداد والفساد والتخلف و سعت في تشليل طاقات شعب كوردستان الحيّة والخلاّقة على تحديث أبنيته واستغلال مقدّراته، لمنع ضمان نجاحه في صنع نموذجه في التنمية. عالمنا اليوم والعالم المستقبلي هو عالم التكتلات، عالم الشركات والاستثمارات الكبرى، عالم الثقافة والمعلوماتية والمتغيرات الإقتصادية للعولمة، تتركز فيە نظرية 'الليبرالية الجديدة"، التي تری في رفع الحواجز والحدود أمام انتقال رأس المال وتحرير التجارة وخصخصة المشروعات الحكومية والتقليل من شأن الدولة من التدخل في النشاطات الاقتصادية تمهيدَ طريقٍ أمام الإنتقال من منطق القرار الاقتصادي لسلطة الدولة المركزية إلى منطق القرار الاقتصادي المعولم، الذي تديره المؤسسات والشركات العابرة للقومية.
بالرغم من ظهور ملامح (دولة الإقليم) التي تتشكل من منطقة اقتصادية تربط بين أجزاء من بلدان مختلفة تهمش الولاءات الوطنية، نری السيد المالكي، رئيس الحكومة في العراق الفدرالي، يمارس الی الآن وللأسف منطق القرار المركزي و يحاول بشكل بائس الی إعادة تطبيق نظام مركزية القرار بإعتبار أن الأحقية والمشروعية تابعة للمركز، بعد أن تغلب عندە الاعتبارات الايديولوجية والاستراتيجية المذهبية على هموم الإقتصاد ومشاغل البنية التحتية. فهو يرفع من شأن منطق "المنظومة" الأيديولوجية الحديدية التي تشتغل بالقولبة والتطويع والتدجين أو بالشحن والتعبئة و يرفض فكرة إقامة هيئات إستشارية ثنائية "كوردستانية-عراقية" في مجالات السياسة و الإقتصاد والإجتماع، مهمتها تقييم واقتراح السياسات المستقبلية في هذا المجال و تحديد الاختلافات وسبل معالجتها، أو وضع استراتيجية بناء القدرة التنافسية والتي تعد من أهم عناصر الاستراتيجية العليا للتنمية الشاملة، بعد تبني اللامركزية الإدارية من أجل تفعيل الديمقراطية المحلية. إذ لا نفع في الكلامي و التهديدات لمنع حكومة الإقليم في الاستمرار بالتعاقد مع شركات الطاقة العالمية أو منع الشركات النفطية العالمية للتعامل مع إقليم كوردستان والسعي في مقاضاتهم.
و إنه من التبسيط والغفلة أن نصدّق برنامجه الإقتصادي و سياسته النفطية العقيمة، التي تٶول الی الإخفاق، بعد صنع كل هذه الأزمات و ممارسة الانتهاكات و الدعوات التي تشدّد من رٶاه الخاصة و تفسيراته القاصرة علی الوحدة الوطنية المزيفة و بناء الترسانة العسكرية، تلك العملة، التي تعيدنا إلى الوراء ولا تصنع نمواً أو ازدهاراً، بل تحول القوة إلى غطرسة. إن دينامية الحداثة وفّرت شروط سوسيولوجية متربطة باستقلالية أكبر للفرد و لوعيه بذاته و بمسؤوليته و لتمتعه بقسط أكبر من حرية الاختيار، لينبثق كذات فاعلة في كل المجالات وبخاصة في المجال السياسي كمواطن فاعل، ذي حقوق. ففي ظل العراقيل التي تضعها الحكومة الفدرالية أمام جهود شعب كوردستان في تعزيز بنية و فاعلية مؤسساته الكوردستانية سوف يرقی و يعزز الحكم الرشيد و يرسخ الی منزلة الهدف الوطني في حد ذاته. 
وختاماً يقال بأن "المشروع الذي لا ينتج مؤسسة ينتهي بوفاة صاحبه و المشروع الذي لا يبدع منهجاً لا يستحق أن ينعت بالفلسفي". 
الدكتور سامان سوراني
56  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الرئيس مسعود بارزاني و المنتدی الإقتصادي العالمي في دافوس في: 16:46 23/01/2013
الرئيس مسعود بارزاني و المنتدی الإقتصادي العالمي في دافوس

مع تفجير أطر الزمان والمكان بسبب ظهور الإنسان الرقمي و العمل الإفتراضي والفاعل الميديائي و إنتهاء زمن العقل الإمبراطوري، نری اليوم صدارة الإستثمارات الأجنبية في قضايا الإقتصاد المعاصر، التي كانت قبل عقود قليلة موضع الشك والريبة، بإعتبارها كانت تفسر كأداة للتجنيد وممارسة أنشطة مناهضة للإيديولوجيات والنظريات القومية الضيقة، التي إحتلت زهاء نصف قرن عقول النخب السياسية الضالة في العالمين العربي والشرقي و ساهمت مساهمة سلبية في تأخر المجتمع و الإقتصاد القومي. 
بعد سقوط نظام الجمود العقائدي و الفكر الإستبدادي في العراق، نمت فكرة تشجيع الإستثمار الأجنبي لا فقط في نقل رأس المال، كما يتخيله سذجة علوم الإقتصاد، بل في نقل التكنولوجيا والإدارة الحديثة و تطوير ثقافة العمل و الإشراك في النهضة العلمية الحديثة. حكومة إقليم كوردستان بادرت في إصدار قانون الإستثمار، کخطوة مهمة لجذب الاستثمارات الأجنبية و منحها إمتيازات وعرضت مجموعة من الفرص الاستثمارية في الاقليم وتم بفضل هذه المبادرة تنفيذ مشاريع سكنية وفندقية عظيمة و إنشاء عدد من الجامعات الخاصة مثل الجامعة الأمريكية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية ومجموعة أخرى من المشاريع الصناعية.
في هذا الزمن الكوكبي لا مجال للفصل بين الداخل والخارج، فهناك تداخل في الأنشطة الإقتصادية و تشابك بين الميادين والحقول المختلفة و ترابط في المصالح و مشاركة فاعلة بين الأطراف المختلفة بعيدة عن فكرة الطرف القوي والطرف الضعيف، بل هناك مفاوض ضعيف و مفاوض قوي. فآراء الجهات المختلفة تٶخذ بعين الإعتبار لكي لا تخلق إختلال في البنية الإقتصادية المشتركة ولكي تتحقق أهداف الأنشطة الإقتصادية بشكل كلي.
إن مشاركة الرئيس مسعود بارزاني، الذي يكون ضمن ٥٠ رئيس دولة و حكومة، في منتدی إقتصادي عالمي يحمل عنوان «الدينامية المثابرة» دليل علی إهتمام حکومة الإقليم بالفلسفة الجديدة للإقتصاد و سعيها الدٶوب في الدخول الی منظمة التجارة العالمية من أجل تحقيق مكاسب علی أرض الواقع و يقينها بأن الشعوب أصبحت تقيّم النظم الإقتصادية من خلال المكاسب، لا من خلال الإنغلاق السياسي والإقتصادي أو من خلال نظريات طوباوية و كلمات منمقة و رفع شعارات زائفة. 
اليوم، ٢٣-١-٢٠١٣، سوف تبدأ دورة المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السياحي شرق سويسرا، التي تحولت من مجرد ملتقى مصغر لمسيري مؤسسات اقتصادية غربية كبرى، إلى محفل دولي بارز لكبار قادة العالم، اضطر للإنفتاح شيئاً فشيئاً على حكومات دول الجنوب والإقتصاديات الصاعدة. ومن المتوقع أن ينصب التركيز هذا العام على عدد من القطاعات الإجتماعية، وفي مقدمتها القطاع الصحي بعد تقييم التطورات والتغيرات الحادثة في العالم. وسوف يسمح هذا المحفل للوفد الكوردستاني المشارك بالإلتقاء بالأوروبيين والأمريكيين وإبرام صفقات تجارية و طرح مشاكل آنية والبحث عن حل للصراعات القائمة في المنطقة. ففي المجتمعات التي تنوي التنمية و البناء، تكون القرارات علی المستوی الأعلی حصيلة التداولات و التأثيرات المتبادلة، علی مختلف المستويات و في كل الإتجاهات.
أما المنتدی، الذي إجتذب علی مدی تاريخه أسماء لامعة من عالم الأعمال و الأكاديميين و السياسة والفن، منهم نيلسون مانديلا، بيل كلينتون، أجيلا ميركل، بيل غيتس، توني بلير، مسعود بارزاني، فهو منظمة غير ربحية، تمول نفسها  بالإشتراكات التي يدفعها أعضاؤها، تأسس من قبل كلاوس شفاب، رجل أعمال الماني الأصل، بهدف ربط الصلة بين زعماء المال والأعمال الأوروبيين ونظرائهم في الولايات المتحدة لإيجاد طرق تعزيز التعاون وحل المشاكل بدأ أعماله عام ١٩٧١ تحت عنوان "منتدى التسيير الاقتصادي الأوروبي". المشرفون علی المنتدی يدّعون بأن منتداهم ساهم في الماضي بشكل فعّال في تهدئة الخلافات بين تركيا واليونان، وبين الكوريتين، وبين ألمانيا الشرقية والغربية، وفي جنوب إفريقيا أثناء نظام التمييز العنصري.
نتمنی أن يحصل الوفد الكوردستاني، المٶمن بالسياسة الديمقراطية و الحداثة و الإقتصاد الليبرالي المعولم، المزيد من الدعم العالمي لقضية شعبه العادلة و تعزيز و تثبيت المكانة الإقتصادية للأقليم دولياً من أجل ترسيخ مبادیء الديمقراطية الجذرية في العراق و إستدعاء مفهوم التعددية وإستبعاد مفهوم المطابقة والإنفراد و منع ظهور فكرة الزعيم الأوحد و القائد الملهم أو المهدي المنتظر، الذي يهوی حراسة ثوابت معيقة و مقولات مستهلكة و نماذج بائدة أو يريد أن يختزل المجتمع بأكمله و يستبد العراق بأسره، لأن الهدف وراء هذه الفكرة هو تشكيل حشود بشرية و قطعان عمياء تصفق وتطرب و تعد و تتوعّد، لكي تقع في النهاية ضحية من تقدسه و تبجّله.
وختاماً: "لا سبيل اليوم لمجتمع أن ينمو و يتطور أو أن يتقدم و يزدهر من غير أن يمارس حيويته الإقتصادية، فالهوية هي صيرورة تصنعها العلاقة مع الغير، كما الدين هو المعاملة و العقل هو المداولة و السياسة هي الشراكة."
الدكتور سامان سوراني
 
57  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كركوك بين عمليات دجلة اللادستورية والعمليات الإرهابية الجبانة في: 17:12 17/01/2013
كركوك بين عمليات دجلة اللادستورية والعمليات الإرهابية الجبانة


شهدت مدینة کرکوك وقضاء طوزخورماتو صباح یوم 2013.01.16 هجمات إرهابیة جهنمیة وحشیة عمياء مزّقت الأجساد ودمّرت الممتلکات، راح ضحیتها ما لايقل العشرات من المواطنين المسالمين و أعضاء لمنظمات مدنية كوردستانية فاعلة في المدينة وأصيب أكثر من 200 آخرين بجروح، يعجز اللسان عن إيجاد كلمات تناسب شجبها، بسبب الفلسفة البربریة التي تقف ورائها والتي لا ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بالشعب الكوردستاني وإفساد الوحدة الوطنية والتعايش السلمي في كركوك. إنها بحق فلسفة عنصرية صادرة من عقول مجرمي الحروب، التي تفضل الموت على الحياة والتي تستند أساساً الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبرياء و تعريفهم بالأعداء الألداء والنيل منهم، لمجرد عدم إنتمائهم الی حضيرتهم و رفضهم قرارات خاطئة صادرة من قبل القائد العام للقوات المسلحة، مثل تواجد قوات عمليات دجلة اللادستورية في مناطقهم والتي أدت تمركزها الی تأزيم الوضع السياسي و ساعدت تحركاتها العدمية الی إحياء الفوضی الأمني في المنطقة.
من المعلوم بأن العنف لم یقُد یو‌م من الأیام الی تحقیق الأهداف الطوباویة والمشاریع المستحیلة، إذن ماهي الرسالة التي يريدون توجيهها من خلال هذه العملیة اللاإنسانیة؟
لا المسؤولين الأمنيين في الحكومة الإتحادية و لا رئيس الوزراء الإتحادي، الحائك لخيوط الدكتاتورية و لغة العنف، أبدوا إهتمامهم بهذه الفاجعة اللاإنسانية أو إتصلوا بالجهات الحكومية في كركوك أو قاموا بزيارة الجرحی للإطمئنان علی أوضاعهم الصحية أو لإعلان الأسف و إدانة هذه العملية الوحشية، التي تهدف أساساً الی تغییرالحیاة في كركوك من التآخي الی الجحیم، قتلاً وحرقاً وتدمیراً. هذه هي و للأسف فلسفة الحكومة الإتحادية، التي لا تضع للمواطن، ذلك العنصر الأساسي المساهم في تحویل العراق الی مجتمع مدني ديمقراطي تعددي متحضر، أي إعتبار يذكر.
الحكومة الإتحادية تعمدت طوال مدة حكمها عن سبق إصرار في تنفيذ المادة 140 من الدستور المتعلقة بالحل السلمي لقضية كركوك والمناطق الكوردستانية الأخری الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان. فهي تسعی الی إقناح الرأي العام في العراق، بأن القوات الأمنية الكوردستانية ضعيفة، لا تستطيع حماية مواطني كوردستان ولكن رؤيتها الإسترجاعية هذه لا تقودها الی النجاح، بل تنتهي بها الی القعود ولیس الی النهوض.
لقد مارس النظام السابق في العراق أعنف أنواع العمليات الوحشية و الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان ولم يتمكن من التقليل من إرادتها في الحرية والإستقلال، لذا نقول للجهات التي لم تستفد بعد من دروس الماضي والتي تمارس اليوم الترويج لجحيم الآلة العسكرية، بأنه مع كل محاولة يائسة للنيل من شعب كوردستان يزداد إيمان الكوردستانيين في تلك المناطق بكوردستانية مدنهم و أقضيتهم وسوف يستمرون في الحوار كقاعدة للعيش و يستخدمون كافة الوسائل السلمية لإسترجاع حقوقهم المهضومة، بعد إدانتهم لكل فکر شوفیني بعثوي إسلاموي إستعلائي، تروّج ثقافات العروبیة الفاشلة وأساطیر السردیات الکبری، التي ستؤول الى الإنتهاء قريباً بفعل حركة حضارة الانسان.
ولا جدوی بعد الآن من التشبث والإحتماء بالهويات المسيّجة و السيادات المصطنعة، إذا كانت تفضي الی تقويض معاني الآصرة والرابط بين النظراء والشركاء و الأجدی هو ما يسهم في بناء علاقات التعايش والتواصل أو التعلم والإفادة علی سبيل التداول والتبادل.
أصحاب الثقافات المتحجرة الأحادية العدوانية والإستبدادية لا تؤمن ببناء المؤسسات، التي تستطيع أن تكافح داء الإرهاب أو أن تجمع القوی المتحضرة لتسهم في بناء دولة مبنية علی أساس الشراكة الحقيقية، دولة تؤمن بالدستور و القانون و تعزز الفدرالیة الدیمقراطیة و التعددیة الإتحادیة.
ومعالجة الإرهاب تحتاج الی إجراءات أمنیة بقدر ماتحتاج الی تحولات في بنیة الثقافة بثوابتها ونماذجها أو ببرامجها وتعلیمها. أما نحن كإنسان، فمن واجبنا محاربة كل تطرف ديني أو قوموي للتخلص من فلسفة الارهابيين الخاطئة. و لتعمل المؤسسات الأمنية الكوردستانية علی تفکیك مفهوم هذه الفلسفة، لکشف بنیته‌ الفکریة وتبیان آلیات عمله، من أجل قلع جذور المعتقد الإصطفائي الشوفيني، الذي یزّین لأصحابه أنهم ملاك الحقیقة و خیر أمة و سادة الخلائق، المعصومون عن الخطأ، أهل الفرقة الناجیة.
وختاماً نقول: لا للإرهاب و لا للعنف و لا لعقلیة الثأر والأنتقام تحت يافطات سخیفة و مزیفة، مثل إنقاذ "الوطن من التقسيم والوحدة الوطنية" و لا للسعي إلی نفي الآخر و محو خصوصيته. فلتتضامن أهالي مدینتي، بکورده‌ وعربه وترکمانه و کلدانه وآشوره وأرمنه، مع البعض و تقف صفاً واحداً ضد الإرهاب و العنف للحفاظ على أمن كركوك المجروحة و أرواح مواطنيها المسالمين.
الدكتور سامان سوراني


58  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أوهام الثورة الإسلامية الشمولية في باكستان و أعطال الديمقراطية في: 14:43 15/01/2013
أوهام الثورة الإسلامية الشمولية في باكستان و أعطال الديمقراطية

ظاهرة تفاقم المشكلات علی المسرح الكوني، في غير مكان و علی غير صعيد و توالي الدعوات و إصطراع الهويات و صعود أنبياء جدد بين ليلة و ضحاها، يدعون بأنهم أصحاب مهمات إلهية و منازع إسلامية تهدف الی إحتكار المشروعية و ممارسة الوصاية علی الشأن الكوني أو إدارة الشأن الإسلامي بمنطق الدين، دليل علی إنهيار المشاريع الديمقراطية الكارتونية السطحية، التي صادرت حرية التفكير و أنتجت الأخطاء و الأوهام و الأصنام و المحرمات أو المقدسات.
الحل هو المشكلة، فقبل فترة وجيزة ظهر نجم "محمد طاهر القادري" في سماء السياسة الباكستانية، الذي يلقب نفسه بـ"شيخ الإسلام" و الذي إكتسب شعبية فور عودته من كندا إلى بلاده منذ أسابيع، فهو مٶسس منظمة إسلامية كبيرة في بداية الثمانينات من القرن الماضي تسمی "منهاج القرآن العالمية"، تملك فروعاً في أكثر من تسعين دولة في العالم.
صحيح بأن محمد القادري، الداعي "للسلام العالمي"، قام في الماضي بإصدار فتاوی عديدة منها فتوی ضد الإرهاب و المتورطين في العمليات الإرهابية، معتبراً إيّاهم بالخارجين عن "الملة القويمة" أو بـ"كفار"، واصفاً تنظيم القاعدة بـ"شرّ قديم بإسم جديد"، لكنه اليوم يريد أن يحول إسلام آباد الی "ميدان التحرير"، بعد أن أعلن بشن حرب على الفساد و سوء الإدارة، داعياً الی تنفيذ إصلاحات انتخابية، منادياً الی تظاهرات مليونية ضد الحکومة الحالية، تشارك فيها أتباعه "القادريين" ومن النشطاء في "حركة منهج القرآن" التي تضم شبكة من المؤسسات الدينية والتعليمية في باكستان والعالم، لخلق "ثورة ديمقراطية" و حل البرلمان الحالي المنتخب من قبل الشعب الباكستاني بشکل ديمقراطي.
لكن من هو محمد طاهر القادري؟ هذا الرجل ذو اللحية البيضاء و النظارات المطلية بماء الذهب، عاش في السنوات الماضية في أمريكا الشمالية، يحمل بالإضافة الی الجنسية الباكستانية، جواز سفر كندي. رجع القادري في شهر كانون الأول عام ٢٠١٢ الی باكستان، قام بعده بجمع الآلاف من أتباعه في مدينة لاهور ليطالب معهم بالإصلاحات الإنتخابية و إنتخابات جديدة يسمح فقط لمرشحين يثبتون بأنهم دفعوا ضرائبهم الی الحكومة، لكي يحتل، علی حد قوله، "أناس أمناء و نزهاء" مقاعد البرلمان.
المعروف بأن هناك إنتخابات يحتمل إجراءها في الربيع من هذا العام و إذا تمت الإنتخابات، فإنها سوف تكون أول إنتخابات تجري بشكل ديمقراطي بعد ٦٦ عام من تاريخ هذا البلد. لكن بسبب مطالبته من الجيش تقديم المشورة لتشكيل حكومة إنتقالية، يعتقد الكثيرون بأنه يدعم من قبل الجيش و بالأخص من قبل الدكتاتور العسكري السابق برويز مشرّف.
السٶال الذي يطرح نفسه و الذي يدعوا الی الإستغراب، هو من أين لـ"شيخ الإسلام" محمد القادري            كل هذا التمويل المالي للقيام بحملته الانتخابية، وهو الذي تحول في غضون أسابيع قليلة من لا أحد الی هذا النجم السياسي الساطع؟
أتباعه يقولون بأن مٶسسته، "منهاج القرآن" هي التي تقوم بتمويله مادياً لهذه الحملة بعد حصولها علی تبرعات من قنوات مختلفة و هي التي أجّرت أكثر من أربعين الف حافلة لنقل المتظاهرين ولها رجال أمنها الخاص والتي تعمي المشاركين في التظاهرات. و هو كإنتهازي يلعب بحبل المدافع لآراء المحافظين تارةً و يقبل الرجم كحد شرعي من الحدود الشرعية و يدعم تارة أخری مساواة المرأة في حقوقها المتعلقة بديتها.
سٶالنا، هل يملك محمد القادري القدرة الكافية لتحريض الشارع في عموم باكستان للقيام بالثورة هناك وهل تكون هذه الثورة إسلامية، أم إنها تبقی أقرب الی التهويم والتشبيح أو الی الشعوذة والهذيان؟
المآل هو دوماً عكس الإدعاء والوسائل تدمر الغايات والمشروع الإسلامي يفقد مصداقيته و يحرق الأوراق التي يلعب بها، لذا يمكن الإدعاء بأن منطق التقديس والتسبيح للأشياء والذوات والأشخاص أو للأفكار الشعارات، التي يرفعها "شيخ الإسلام" اليوم هو الذي سوف يولد الإستبداد والإستلاب و العماء والإرهاب أو الفساد والخراب. أما التسبيح بحمد الحقيقة والحق أو الحرية والديمقراطية فلا يقود باكستان الی برّ الأمان. فالأجدی لهم، خاصة و أننا نلج الی عصر كوكبي تتعولم فيه الهويات والثقافات، كما تتعولم المشكلات والكوارث، أن يصنعوا صور جديدة عن أنفسهم و عن علاقاتهم بسواهم و عن مكانتهم في العالم، لا أن يعمل نعض منهم تحت یافطة ما هو مطلق و مقدس و ثابت و كامل و أحادي و نهائي، لتحويل البشر هناك الی آلات عمياء أو إتخاذهم كرهائن لبرامج و مشاريع "شيخ الإسلام" الشمولية لتطهير الأرض من المخالفين في العقيدة والحصيلة سوف تكون دوماً إستحكام الأزمات و إعادة إنتاج المآزق. 
وختاماً: إن تحويل الدين، الذي يسميه البعض بـ"فيتامين الضعفاء"، من صيغته المركبة والمزدوجة التي كانت تٶمّن نوعاً من التوازن بين التقی والإنتهاك و الوازع الخلقي والسلوك الهمجي وبين الرحمن الرحيم والجبار المنتقم، الی مٶسسة لإطلاق الوعيد والتهديد أو الی إستراتيجية قاتلة تنتهك كل قيم التواصل والتعارف و التراحم والتكافل، سوف تقبر الديمقراطية و تحجب العقلانية، لا تساعد علی خلق مساحات و لغات و آليات للتعايش والتبادل علی نحو إيجابي و بناء.     
الدكتور سامان سوراني

.
59  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مخيلة آلهة القتل و التصفية الوحشية لرموز سياسية كوردستانية في: 22:18 11/01/2013
مخيلة آلهة القتل و التصفية الوحشية لرموز سياسية كوردستانية


لا شك أن جريمة الإغتيال والتصفية الوحشية التي ارتكبتها أيادي الغدر والهمجية المحرضة الصفراء ضد ثلاثة ناشطات كوردستانیات نهار التاسع من شهر كانون الثاني 2013، في إحدی مراكز الإعلام الكوردستاني في قلب العاصمة الفرنسية باريس شأنها شأن سائر الجرائم التي تقام منذ عقود بحق الشعب الكوردستاني و رموزه السياسية نابعة من عقليات فاشية إصطفائية دغمائية ثبوتية لاإنسانية تؤمن بعمائها الإيديولوجي بالتطهير العرقي و الإستئصال الإرهابي.
هذه الجريمة ارتكبتها أطراف تسعى لعرقلة مرحلة الحل الراهنة، مرحلة المفاوضات المباشرة بين الحكومة التركية و حزب العمال الكوردستاني و الحوار من أجل الحل السلمي لقضية أكبر شعب يناضل بوسائله الدفاعية ويسعی إلی تحديث الدول التي تمارس العنف ضده لعصرنة قوانينها و تحويلها من دول تحكمها الأجهزة العسكرية والأمنية الی دول تحكمها القانون وتسود فيها الديمقراطية والتعددية، و ذلك من أجل إرجاع حقوقه الأساسية في العيش علی هذه البسيطة.
إن التصفية الدموية التي تعرضت لها كل من ليلی سويلميز، فيدان دوغان و ساكينه جانسيز لا تقلل من  عزيمة الكفاح التحرري السلمي و ثبات الشعب الكوردستاني المؤمن بمستقبله المشرق و حريته و إستقلاله بعد هذه المحنة الخطيرة، بل تجلب معها صفحة و شعلة جديدة من النضال التحرري الدؤوب والمشروع.
ساكينه جانسيز (55 عاماً)، كانت ضمن مجموعة صغيرة من الناشطين الكوردستانيين، الذين أسسوا "الحزب العمال الكوردستاني". تعرضت هذه المناضلة في الثمانينات من القرن الماضي للتعذيب في سجون دياربكر (آمد) بتهمة ميولها "الإنفصالية". إستردت حريتها عام 1991 و توجهت أواخر عام 1992 بتعليمات من رئيس حزبها الی المانيا بهدف تنظيم أنشطة حزب العمال الكوردستاني هناك.   
وبمرور الزمن اصبحت ساكينه كادراً مهماً لحزبها في أوروبا،  خصوصا لقربها من القائد العسكري الأساسي لحزب العمال الكردستاني مراد "قره ايلان" الذي كان متمركزاً مع نحو الفي مقاتل كوردستاني في جبال قنديل. والأخير أصبح رمزاً لـ"حزب العمال الكوردستاني" تم إعتقال مؤسس الحزب عبد الله اوجلان عام 1999 المتواجد ولحد الآن في سجن جزيرة إيمرالي، شمال شرق تركيا.
التعامل مع القضية الكوردستانية بلغة التهديد والوعيد للتخلي عن الحقوق المشروعة في تقرير المصير و الإنصياع الی أوامر الشوفينيين رسالة تحمل في طياتها ثقافة التحجر و العدوانية و الإستبدادية، لايمكن أن يقبلها شعب يعيش في عصر كوكبي من سماته الإعتماد المتبادل و التأثير المتبادل.
القتلة هم من صنيعة العقلية العنصرية المقيتة التي عشعشت لعقود في الذاكرة التركية بسبب فرض أيديولوجيات عمياء و ممارسات تعصب فاشية رفضت وجود الكورد علی أرض أجدادها و لم تكن مستعدة لمجابهة ظاهرة نشوء حزب العمال الكوردستاني و فاعليتها بعقلية التعددية الفكرية والثقافية أو بإستخدام لغة وسيطة و هوية مفتوحة و هجينة، تؤمن بالحرية في الإعتقاد والتعبير و الإختلاف.
و ليعلم أصحاب العقل الإمبراطوري بأن زمنهم قد ولی في عصرنا هذا، عصر الإنسان الرقمي والعمل الإفتراضي والفاعل الميديائي و لابد الإعتراف بكامل حقوق شعب كوردستان السياسية  و الإقتصادية والثقافية و فك الوصاية علی القيم والحقوق والحريات.
نحن نرفض العنف والإرهاب أياً كان مصدره و ندين و نفضح تلك الممارسات اللاإنسانية. وعلی الجهات التي تؤمن بالحل السلمي للقضية الكوردستانية نزع الألغام التي تفجر مشاريع التقريب والحوار والتوحيد والإهتمام ببناء المعادلات و خلق الصيغ الحضارية التي تتيح للمجتمع التركي والكوردستاني التعايش والتواصل أو التعارف والتبادل، بعقلية الشراكة والوساطة و بصورة مدنية تداولية.
وختاماً: نقول لديناصورات الفكر العنصري الشوفيني، التي تفبرك الأوهام الخادعة أو الأحلام المستحيلة علی حساب الشعب الكوردستاني لإنتاج مزيد من الكوارث، بأن حصيلة أعمالهم الإرهابية الهمجية هي مضاعفة الأزمة والورقة الأخيرة بأيديهم، التي هي في طريقها الی الإحتراق.
الدكتور سامان سوراني


60  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لماذا التحوّل نحو الحكم التسلّطي أو حكم الفساد والاستبداد في العراق الفدرالي؟ في: 21:16 08/01/2013
لماذا التحوّل نحو الحكم التسلّطي أو حكم الفساد والاستبداد في العراق الفدرالي؟

لقد كان سقوط نظام الطاغية في بغداد عام 2003 علامة تاريخية فارقة للعراق، بعدها بد‌أت عملية سياسية مركّبة ومعقّدة، كنا نظن بأنها قد تسجل إنتصار للشعب العراقي بمكوناته المخلتفة لا يحتمل التعثر والتراجع، بعد أن إنكسرت شوكة تجربة المدّ التحرري عام 1991 في نيل غاياتها في الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.
اليوم و بعد مرور مايقارب 10 سنوات من هذا الحدث الفريد، نری تحول ديكتاتورية فوضی التوافق والمحاصصة الی ديكتاتوريّة العسكر المصبوغة بالصبغة الدينيّة تارة و لدغة الشوفينية تارة أخری يوحي بأنّ البلد إندفع مرة أخری نحو حكم تسلّطي جهوي فاسد و مستبد يهدف الی تهميش الكيانات و الشعب و إرادته النبيلة و يمارس العداء للحريّة في الداخل وفي المحيطين الإقليمي والعالمي، بعد أن جثم هذا النوع من الحكم على صدر العراق طوال عقود و قام بالأنفال و الإبادة الجماعية و مارس جرائم كبری ضد الإنسانية لا يعد و لا يحصی.
بعد فشل عملية سحب الثقة من رئيس الوزراء، الذي يمكن إرجاعه الی أسباب مختلفة، لا مجال هنا لذكرها، والتي كانت حسب رأينا من أنجع الطرق السلمية لحل الأزمة الحالية علی الأقل و قطع الطريق أمام معضلة الحكم الفاسد المائل نحو الإستبدادية، ترتفع بسبب التسويف والمماطلة المتنطعة في تنفيذ مواد دستورية و تحقيق مطالب الكيانات أصوات متظاهرين في محافظات مختلفة و تتصاعد المطالب الی سقف "إستقالة رئيس الحكومة" لرفع الحيف و الخيمة الطائفية و تقليل الترهیب والإعتقالات العشوائية والأساليب القهرية، فهل ياتری بدء المتسلّط  بالفكاك و إستيعاب الدرس من الأنظمة السابقة أو يكون عقله خال من التعسف كي لا يفسد الضمير أو أن لا يضمر العنصر الأخلاقي في السلطة أو يغيب؟
كالعادة يبدأ الاستبداد بسيطرة السلطة السياسية على المجال الثقافي و كذلك سيطرتها على مجالات الإنتاج الاجتماعي بعد استتباع المثقفين واستمالتهم أو تهميشهم والتنكيل بهم. لماذا يجب أن تسيطر السياسة على الثقافة وتستتبعها، ولماذا يجب أن ينظر رئيس الحكومة إلى المثقفين و حتی المتحالفين معه على أنهم فائضون عن الحاجة، سوى المنضوين منهم في مؤسساته الطائفية والعسكرية والأمنية.  لماذا يجب أن يكون الولاء الخالص له هو المعيار للوطنية و الإخلاص لا الكفاية العلمية والثقافية، ولا الجدارة الأخلاقية. إنها الفضيحة والكارثة بل الخديعة و الأكذوبة، التي تهدف الی تعطيل الدستور و إن أمكن الی تجريد المخالفين من المناصب والسيادة لكي يتألّه رئيس الحكومة، الذي يری نفسه بأنه أكبر من بلده و لكي يمارس سلطته المطلقة، لا يسأل فيها عما يفعل. أدواته تريد حل البرلمان، لأن سيادته لا يطيق أعواناً يناقشونه أو يتبادلون معه الرأي ولأن البرلمان لم يعد مجرد عبد ينفذ أوامره و يستجيب لنزواته، كما القضاء الأعلی في العراق.
فالإنسداد يولد الإنفجار وأن النوم علی الهدنة و الإفاقة علی الفتنة والترجح بين موجات من العنف الكلامي و جولات من الإضطراب الأمني دليل علی أن عوامل الإحتراب الطائفي والقومي و الفاشية المذهبية والشعوذة العقائدية مازالت شغالة و لم تنتف.
ولا شيء يلغم المشاريع والسياسات أكثر من أحادية التفكير، كما يمارسه اليوم رئيس الحكومة لينتقض من شأن الآخر المختلف، فإدعائه إحتكار مفاتيح الحلول و أبجدية الوطنية بفضل تملك حزبه الثروة والسلاح، الذي يغدو مشكلة و لغم ينتظر ساعة الإنفجار، يعود ضررٌ علیه و علی دولة القانون وعلی العراق و المجتمع. من لا يعمل علی فتح ممكنات جديدة أمام العمل الوطني، العابر لحدود الطوائف، والمستوعب لحراك المجتمع ومتغيرات العالم يظل غارقاً في عالم الشعارات و يفقد مع مرور الزمن مصداقيته.
علينا أن لا ننتظر حلولاً قصوی من المساعي العاجزة، بعد كل هذه التطورات علی الساحة السياسية في العراق الفدرالي، كي لا نصطدم و نفجع بالواقع، فالفيدرالية، كما الديمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفكر فيه و نصنعه، فهي صيرورة مفهومها علی مستوی الفكر، بقدر ما هي ثمرة التجارب الفذة والغنية، علی أرض الواقع البشري الملغم دوماً بالأهواء والمطامع أو بالجهل والنسيان. و الرهان هو أن لا تسمتر الحكومة في هذا البلد علی نفس النهج أو بنفس المنطق الذي أنتج العجز والفقر و الحروب و أفضی الی المآسي والكوارث بعد إستخدام القوالب والآليات الفكرية القائمة علی البعد الأحادي والمعتقد الإصطفائي و الإستبداد السياسي والتهويل الأيديولوجي و قصة المؤامرة و عقلية التهمة التي تستعدي المختلف والآخر هنا وهناك. 
وختاماً: "علينا أن نتعامل مع السلطة السياسية كمحصلة قانونية أو إجرائية للحراك الإجتماعي والنشاط الإنتاجي أو الإبداعي لكل الفاعلين الإجتماعيين في مختلف القطاعات والحقول و نخضعها للمناقشة العمومية والمداولة العقلانية والمراجعة النقدية، شأنها شأن أي حكومة ديمقراطية فعالة."
الدكتور سامان سوراني


61  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / رئاسة إقليـم كوردستان ولغة التفاوض الدبلوماسي في: 15:51 31/12/2012
رئاسة إقليـم كوردستان ولغة التفاوض الدبلوماسي

من المعلوم بأن التفاوض الدبلوماسي هو وسيلة من  وسائل تسوية النزاعات بهدف صياغة إتفاق مشترك بين أطراف النزاع في إطار رعاية المصالح المتبادلة سواء علی المستوی الداخلي، الإقليمي أو الدولي.
و هناك فرق بين الحوار و المفاوضة. فالحوار يسبق التفاوض و يمهد له الطريق و تلعب الثقة المتبادلة دور مهم في توفير فرص جيدة لحل الخلافات  بشكل جذري بعيداً عن حشد القوات العسكرية و ذلك من أجل تعزيز التوافق.
لقد آمن رئاسة إقليم كوردستان بنظام توزيع السلطات و مؤسسات دستورية تمارس الحكم الديمقراطي في العراق، لكي‌ تبتعد بغداد عن الشمولية في الحكم. وما الفدرالية، التي ينادي بها الإقليم إلا حق ثابت لشعب كوردستان. ذلك الشعب الذي عانی الكثير من الويلات بسبب الحكم المركزي، الفردي و حكم الحزب الواحد، بعد أن غاب الدستور والقانون و صارت حقوق الإنسان مفردة ممنوعة و بعد أن أصبحت لغة الحرب، اللغة الوحيدة والسائدة لعقود من الزمن في العراق. 
لقد مضی وقت طغت علی الخطاب السياسي في العراق مصطلحات عروبية كالوحدة والحرية والإشتراكية، لا من خلال تصور تعددي و إختلافي، بل في سبيل تهميش و إقصاء و لغو الآخر المختلف وتطبيق نظريات الإصطفاء العقائدي والفرز العنصري و التطهير العرقي.
فلكي لا تعني السياسة في العراق من اليوم فصاعداً السيطرة علی قول و أعمال الآخرين، بسبب تعارض الإتجاهات حول قضايا مهمة، و لكي لا تكثر التهديدات و تحشد و تجند و تنحصر إمكانات الدولة في سبيل الهجوم علی الآخر المختلف، علی الحکومة الإتحادية العمل في سبيل توظيف طاقات هذا البلد البشرية نحو البناء و التنمية الإقتصادية والإجتماعية المنتجة و القيام بنبذ فلسفة عسكرة المجتمع و الإسراع في إيقاف إستقدام ضباط الاركان والحركات في الجيش العراقي السابق، الذين يتمتعون بخبرات عسكرية نجومية في مجال حروب فاشلة مضت، لدفعهم في حروب مستقبلية فاشلة أيضاً، تخطط لها في السر و العلانية.
سياسة الإقليم تؤمن بأن المؤسسة العسكرية يجب أن تستخدم للأغراض الدفاعية فقط، لا الهجومية و تری بأن إنخراط العسكر في العمل السياسي والحزبي هو تهديد علی النظام الديمقراطي الفدرالي التعددي. وما الإقرار بحقوق الشعب الكوردستاني المشروعة في الاتحاد الفيدرالي إلا السعي لتلبية المطالب الدستورية لهذا الشعب والإلتزام بالمادة 140 من الدستور تطبيقاً لحقه في تقرير مصيره، بعد أن صار شعب كوردستان عامل الاستقرار في العراق و المنطقة.
علی الحكومة الإتحادية أن تعرف بأن التصورات والنماذج والخيارات و الرهانات تتعدد و لا وجود لحل واحد من قبل الجهة الإتحادية و إن الأفراد والجماعات مختلفون في أذواقهم و ميولهم و بيئاتهم و رغباتهم و مشاريعهم و إن زمن إستخدام آليات التمايز والتفاوت و إستراتيجيات التوسع والسيطرة أو ممارسات العنف والتوحش ووسائل الحجب والآليات التمويه أو التلاعب قد ولّی وإنّ الآمال والأحلام الجماعية لم تنتج سوی قطعان بشرية و أنتجت أنظمة تعمل علی قهر البشر و جعلهم رهينة المشاريع المستحيلة والأحلام المدمرة.
فالمفهوم الإختلافي يتيح قيام وحدة مركبة تجمع المفترق وتؤلف بين المختلف، أما المفهوم الأحادي فلا ينتج سوی الإختلاف والشرذمة، بل هو ينتج وحدة مجتمعية مفخخة تنتظر دوماً لحظة الإنفجار.  وعلی هذا الأساس قام وفد إقليم كوردستان بزيارة بغداد، حاملاً معه منهاج عمل تحريري حدد فيه خطط و أسس العمل المشترك مع وفد الحكومة الإتحادية و الذي أكد خلال لقاءه بالوفد الإتحادي بأنه من الضروري تنفيذ نقاط هذا المنهاج، للوصول الی  إنهاء السياسات الإستفزازية ضد إقليم كوردستان، التي مورست وللأسف من قبل السيد رئيس وزراء العراق الإتحادي، لکن كيف لنا أن نؤمن اليوم بأن الحكومة الإتحادية تعمل علی التعديل من سياستها التصعيدية، إذا لم تتسرع في سحب قوات دجلة اللادستورية من محافظة كركوك و مناطق كوردستانية أخری خارج الإقليم، لكي نطمئن و يطمئن معنا شعب كوردستان بأنها مع المبادرة السلمية.
الرهان أمام الحكومة الإتحادية هو الإنتقال من سياسة الإستثمار في التجهيزات و المعدات العسكرية و الحروب و سفك الدماء و تخريب العمران، للإستثمار في الموارد والطاقات، بخلق ما يحتاج اليه الإنماء والبناء والتقدم والإزدهار، من النماذج و الصيغ والوسائل والأدوات، بعد محاربة الفساد و لجم الأهواء والنزوات. فلا يمكن للحكومة الإتحادية أن تسحق أمال شعب كوردستان مهما طال أمدها أو تقف كحجر عثرة أمام قرار شعب كوردستان في المناطق الكوردستانية خارج الإقليم الی مالا نهاية. 
وختاماً: لا أحد يستطيع تحرير سواه. إذ الحرية هي أن يخلق كل فرد من أفراد المجتمع عالمه و مداه، لكي يظهر إبداعه و يمارس حضوره، أو لكي يلعب لعبته و يُشكّل سلطته."
الدكتور سامان سوراني
 
 

 



62  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الرئيس جلال طالباني القطب الهادئ في العراق الفدرالي في: 11:46 22/12/2012
الرئيس جلال طالباني القطب الهادئ في العراق الفدرالي

من المعلوم بأن السياسي العامل في مجال الفكر، هو من يشعر بأن إتنماءه الأول هو للنوع البشري و أن العالم هو المدی الأرحب لفكره، لا النظريات العقيمة أو الهويات المغلقة. فهو يفيد من التجارب و ينفتح علی الحقائق و يشتغل علی التراثات والهويات و يفكر نقدياً علی العقائد والفلسفات، من أجل تحديد عالم الأفكار والمفاهيم. ومن خلال الوقائع الفكرية التي يخلقها، يمارس السياسي المفكر فاعليته علی ساحته وفي بيئته و في المدی الإقليمي والعالمي.
في حين تشهد الساحة العراقية أزمة سياسية حادة و تسيطر علیها أجواء الخوف والقلق والترقب، نتيجة الممارسات اللادستورية لرئيس الحكومة في بغداد و الهجمات الشرسة لرجال دولة القانون علی المخالفين لسياسته التفردية و تحشد قواته العسكرية في مناطق كوردستانية للنيل من التجربة الديمقراطية، يمر الرئيس طالباني بنكسة صحية خطيرة و ينقل الی دولة المانيا الإتحادية بغية العلاج وبذلك تبتعد و للأسف تلك القوة الخفية، التي أثرت في تاريخ كوردستان السياسي وأنهت في السنوات الماضية الكثير من الأزمات السياسية التي عصفت بالعراق الفدرالي. بإبتعاده عن الدخول في خندق الخصومة و قيامه بحماية السلم الوطني من خلال سعيه لتقريب وجهات لأطراف المتخالفة تمكن الرئيس طالباني من كسب ثقة العراقيين، الذين إتفقوا علیه‌ كرئيس رغم تعقيدات المشهد السياسي العراقي.
السيد جلال طالباني، الذي أصبح اليوم مدار الكلام و محور الإهتمام والذي عرف كيف تُلعب اللعبة السياسية و تُبنی القوة و كيف تُنتج الحقيقة و تُقّر المشروعية، هو أول رئيس كوردستاني للعراق، يراه أغلب الجهات المهتمة بالشأن العام، بسبب سعيه إلی تعزيز العيش المشترك بين الكيانات المختلفة في العراق، كقطب هادئ أو كصمام أمان لهذا البلد، جاء عبر ثقة الشعب بانتخابات ديمقراطية حرة. مارس السياسة بأسس روحية صافية و واصل العمل السياسي طيلة 50 عاماً دون إنقطاع، عاش كمعارض لحكام حصّنوا أنفسهم بإنشاء أنظمة بوليسية كبتت الحريات و منعت التعبير عن الأفكار والآراء و أعتقلت المفكرين و المثقفين، الذين تعارضت أفكارهم المنفتحة مع أفكار أنظمتهم المنغلقة، ليزجوا في النهاية في السجون من دون محاكمة و لتبقی أماكن وجودهم و مصائرهم مجهولة لذويهم، حكام خدعوا شعوبهم بالإدعاء بأنهم أنظمة تؤمن بحقوق الآخرين و تجلب لهم الحريات و الحكم الذاتي و غيرها من الشعارات الخادعة، بينما كانوا في النهاية حكومات فردية تسلطية شوفينية عدوانية بربرية و وحشية، قاوم كقائد وطني تلك الأنظمة القمعية، هو واحد من أبرز الشخصيات الكوردستانية في التاريخ العراقي المعاصر، جمع خلال عمله السياسي خبرة كبيرة و تجربة عميقة و أکتسب حنكة سياسية موسوعية، لذا نری بأن غيابه سوف يعود بنتائج سلبية على العراق.
الرئيس جلال طالباني المهتم بشؤون الحقيقة والحرية والعدالة، كمثقف نموذجي متفرغ لمهنته، يحيا وسط الأزمة و يساهم في حقل الإنتاج الرمزي، هو بحق رجل دولة من الطراز الرفيع و عنوان للإعتدال والوسطية، بحث بعد تسنمه مقاليد رئاسة الجمهورية دوماً عن مخارج للقضايا الشائكة بإستعمال الحكمة وتدوير الزوايا و الجمع بين المتناقضات و رفض التحدي و عمل بسبب كونه كوردستانيا أن لا يتقوقع في قوميته، لكي لا يحجم موقعه الوطني و دوره السياسي و فضّل كداعية وفاق و محبة أن يدفع من أعصابه و صحته علی أن يدفع العراق من سلمه و إستقراره، نقيضاً لرئيس الحكومة الحالي، الذي يؤمن وللأسف بالظواهر الكُلانية، التي لم تعد تنتج سوی عوائقها و فشلها أو الغامها و إنفجاراتها و الذه‌ لا يتورع عن دفع العراق نحو الهاوية في سبيل مصالحه الفردية الضيقة. 
علی الساسة العرب في العراق، لإكتساب المصداقية السياسية و ممارسة الفاعلية المجتمعية، تسليط الضوء علی المناطق المستبعدة من نطاق التفكير السياسي و التکلم علی العلاقات اللاديمقراطية و الممارسات المعتمة داخل القطاع السياسي و بين النخب السياسية و الأخذ من هذه‌ الشخصية الكوردستانية نموذجاً للعمل السياسي و عليهم عدم إعتبار أنفسهم متماثلين تمام التماثل، بمعنی عدم قبولهم التنوع و الإختلاف في الرأي والموقف، بإستخدامهم منطق الإستبعاد و إستراتيجية الرفض المتبادل، بهدف تجميع البشر والسيطرة علیهم. 
و أخيراً نتمنی أن يعيد إقامة الرئيس طالباني في المانيا له الصحة ويشافيه بأسرع وقت ممكن من مرضه ويعيده الى وطنه ومسؤولياته وأهله وشعبه، فهم اليوم بأشد الحاجة الی حضوره الفاعل‌.
الدكتور سامان سوراني
63  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الرئيس مسعود بارزاني و بداية العصر الكوردستاني الجديد في: 18:56 15/12/2012
الرئيس مسعود بارزاني و بداية العصر الكوردستاني الجديد

لا مراء بأن المشهد المتشنج في كركوك اليوم، علی ما شاع صورته، ينفتح علی خيارين كبيرين لكل منهما ثمنه و ثمراته‌: التبسيط والتطرف والإقصاء لصنع الحروب والكوارث و إستعداء العالم و عدم الإعتراف بالآخر، كما يعمل له السيد المالكي، صاحب الأفكار المستهلكة و المحالات العقائدية والحتميات المعيقة  مع نفر من رعاع غثرة متكونة من بقايا نظام البعث المنقرض، أو تحمل المسؤولية المتبادلة و إتقان لغة الشراكة و الحوار و المداولة في معالجة المشكلات و إدارة العراق، كما يسعی له السيد مسعود بارزاني، من أجل تشكيل مرجعية ديمقراطية مختلفة بعيدة عن التفرد، بفتح آفاق أمام العمل الحضاري والتنمية البشرية في العراق الفدرالي، تكون أقل كلفةً و وطأةً أو أقل تسلطاً و عنفاً، بل أقل عبثاً و جنوناً.
من المؤسف أن نری بدل بذل جهود ترمي الی تحقيق الأمن و التنمية والإزدهار، إنغماس حكومة بغداد في لعبة سياسية، مآلها إضعاف العيش المشترك و الإستقرار الأمني. علاقة السيد المالكي بمحيطه، هي من أسباب الأزمة السياسية في العراق، فهو يعمل في سبيل إرتباط أزمة حكومته بأزمة المنطقة، لتصبح الساحة الداخلية في العراق ساحة للصراعات الإقليمية و هو لا يهدف الی تنفيذ برامج إنمائية و إصلاحية و إجتماعية برفع الغطاء السياسي عن العناصر المتقاعسة الفاسدة داخل حكومته و إرساء علاقات متوازنة تراعي مصالح العراق و العراقيين مع إقليم كوردستان الفدرالي و دول الجوار، بل يدلي بخلاف ذلك بتصريحات تعزز إقتناعنا بأن بغداد تعمل اليوم أكثر من أي وقت مضی لتمييع كل ما تم التوافق عليه في أربيل، من خلالها يكرر فشله‌ في تحقيق الوفاق و يحوّل سلطته التنفيذية الی طاولة للمناكفات السياسية و تبادل الحملات و وسيلة لتعطيل العمل بالدستور و سلب الحريات العامة.   
مواطني كوردستان يعيشون اليوم عصرهم الذهبي بعيداً عن الحكومات الدكتاتورية و حكومة إقليم كوردستان تعمل الی تقوية اللحمة الكوردستانية و إنتعاش الاقتصاد و إزدهار السياحة و تعزيز الإستثمارات و توفير فرص عمل جديدة و عودة الكفاءات الی الوطن لتساهم في تقدمه و إزدهاره، لذا لا تسمح قيادة الأقليم، التي تعمل بنفس الحماسة في سبيل ترسيخ أواصر المحبة والوئام بين الشعبين الشقيقين، أن يجرها المالكي بسياسته الإستفزازية الفاشلة الی حرب تهدد بتخريب منجزاته الإعمارية والإنمائية و تعيد مشاريعها التطويرية والتحديثية الی نقطة الصفر. لتصل الی هدم السلم الأهلي و الإستقرار الأمني.
إن قبول القيادات الكوردستانية بالمادة 140 من الدستور العراقي لم يكن في يوم من الأيام من باب الشك في كوردستانية المناطق المستقطعة من كوردستان، بل كان من أجل معالجة القضايا العالقة مع الحكومة الإتحادية عن طريق الدستور، لكن تهرب السيد المالكي من تطبيق هذا الدستور و رفضه القاطع بكوردستانية تلك المناطق و إستعراضه القوة و توسله الإستقواء بالسلاح و إتباعه سياسة التهديد المسلح و الترهيب لتغيير خارطة تلك المناطق، بعد بسط سلطته علی أكثرية مفاصل الحكومة في بغداد و تهميشه للشركاء  بفرديته الإستئثارية أجبر رئاسة الإقليم حفاظا للطابع الكوردستاني السكاني و الارث الثقافي المتنوع لهذه المناطق، من إصدار قرار رسمي باستخدام عبارة (المناطق الكوردستانية خارج الاقليم) من الآن و صاعداً للدلالة على المناطق الكوردستانية المشمولة بالمادة 140 من دستور جمهورية العراق.  علی السيد المالكي أن يعلم، بأن عهد الإدعاء بالوطنیة علی حساب حملات الابادة والتهجیر والتعریب التي قام بها الطاغي صدام قد ولیّ الی غير رجعة.
کوردستانیة کرکوك تعني إثراء العراق، لا التقسیم أبداً، لأن الذي قسّم العراق هو السياسات الطائفية والعنصرية التي مارستها الانظمة السابقة. شعب كوردستان ومن خلال برلمانه المنتخب أقر بأن ممارسة حقوقه يكمن في عراق ديمقراطي إتحادي فدرالي، لذا وجب علی المشروع الوطني في العراق اتباع سياسة المساواة وخدمة الكل، لا سیاسة التهمیش و إثارة الأحداث، التي يعمل من أجلها‌ السيد المالكي ليل نهار، بهدف حجب الأبصار عن الحقائق التاريخية و تغليفها بالأفكار السوداء، التي لا تنتج سوی نشر رائحة العنصرية البغيضة والتعصب و الإنغلاق والتطرف و الإشتغال بمنطق الرفض والصدام. إنّ الممارسات الصبیانیة من قبل بغداد لا تقود العراق نحو الأفضل و إنّ عسکرة المجتمع وتسلیح الجیش بالطائرات الأمریکیة لا تبشر بالخیر لدولة ترید أن تطبق النظام المدني لا الشمولي الدیکتاتوري. أما الإنشداد الی الماضي فیقود العراق الی التراجع والتهرب من الواقع وعلی الساسة العراقيين، الذين يدعمون اليوم سياسة السيد المالكي، الترجل من صهوة الغرور القومي وأمتطاء صهوة التعددیة الفکریة وإحترام مطالب الكوردستانيين، شرکائهم في الوطن، ولیعلموا بأن بعد سقوط الطاغي صدام إنتهی عصر یقدّر فیه لفرد أو حزب أو معتقد أن یقهر شعباً بکامله و لتعل حكومة بغداد بأن الكوردستانيين لم ولن يتحاوروا حول كوردستانية كركوك، لانها بالنسبة اليهم مسألة محسومة تاريخياً وجغرافياً و واقعياً.
وختاماً: المجاهدة في سبیل إنکار کوردستانية کرکوك والإنشداد الی الوراء، بدلاً من التوجه نحو الحاضر والراهن والمستقبل، بالسعي للخروج من المنطق الإختزالي و السجن العقلي و الحتمیة الأيديولوجية و المكابرة و التهرب من المسؤولية و إنكار الحقائق الصارخة والترويج لجحيم الآلة العسكرية، كل ذلك لا تورث سوی النزاعات الداخلیة والهزائم والمهالك للعراق. و الإعتراف بحق آلآخر و بالفيدرالية والديمقراطية هي لغة العصر والحلول لا تقوم علی نفي الواقع في کرکوك. سؤالنا هو،  الی متی القفز فوق الاحداث و نفي المتغيّرات؟
الدكتور سامان سوراني 
64  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العودة المرعبة للدکتاتورية في العراق والنهايات الكارثية في: 12:08 28/11/2012
العودة المرعبة للدکتاتورية في العراق والنهايات الكارثية

من ينظر الی العالم يراه يتغير بمحركاته و نوابضه و أدواته و خريطته‌ و الفاعلين علی مسرحه‌، فيما يجد الإتجاه السياسي الحاكم في بغداد ما زال ثابت أو جامد أو متحجر، بل مدمّر أو مرعب. هذا الإتجاه الذي يسعی باللف والدوران الی دفن روح الوطنية العراقية و إحياء الإستبداد الطائفي أو المذهبي والتعالي القومي. خير دليل علی ما نعنيه‌ هنا هو قيامهم بحشد قوات عسكرية بإسم "عمليات دجلة" في مناطق مستقطعة من إقليم كوردستان بهدف النيل من التجربة الديمقراطية و التطور الإقتصادي والعمراني في الإقليم الفدرالي. ومن الواضح بأن عقلية القطيع البشري، التي تعجز عن رفع "لا" بوجه الديكتاتور بقول أو بفعل يشهد علی إرادة التغيير، تصنع دوماً حكومات إستبدادية و أنظمة شمولية أو فاشية، لأن الجماهير تتماهی مع القادة الملهمين و تفنی في شخص الزعيم الأوحد الذي يحول الناس الی مشاريع قتلی في زمن الحرب أو عبيد لتألهه و جبروته و عذابه في زمن السلم.
صحيح بأننا نقف ضد الحرب، سواء جرت بطائرات الـ 16 أو بالصواريخ الروسية والدبابات أو في قصور النهاية و أقبية الخطف والتعذيب والتصفية، لأن ما عانيناه جراء الحروب المدمرة ضدنا طوال أكثر من 100 عام لا يمكن وصفها بالقلم، لكننا مع كل ذلك لا نقف ضدها لكي نتخلی عن التفكير المستقل و ننخرط في القطيع دونما رؤية أو تمييز. هدفنا بناء المستقبل لأبنائنا بعيداً عن لغة السلاح والحروب، التي أشعلت نيرانها ضدنا لينتصر "القائد الملهم" علی شعبه و ينهزم أمام أعدائه. لقد بدأنا بتعليم الجيل الصاعد في كوردستان لغة الحوار والتفاهم لحل مشاكلهم مع الآخرين، ليتواصلوا و يتفاهموا و يتعايشوا و يتبادلوا بين البشر بعيداً عن منازع العنف و ظروفه ووسائله. 
لا شيء يحيي العظام و هي رميم، دعونا نستمر علی خطانا ولا تجلبوا لنا أمراء الظلام الذين يعيشون فساداً في العراق مع كل الحصانة والرعاية و وجوه إنتخبتموه كقادة لقواتكم المحتشدة في مناطقنا الكوردستانية، لتذكرنا بأياديهم الملطخة بدماء أباءنا و أمهاتنا في عمليات القتل الجماعي و التهجير القسري والأنفال السيئة الصيت.
نحن لسنا سذجة، كي ننتظر الخلاص والإنقاذ ممن لا يحسنون الإنتصار إلا علی شعوبهم و مواطنيهم. و التجارب السابقة أثبتت بأن نتيجة أفعالهم لا تصنع سوی أنظمة للسيطرة و مجتمعات معسكرة و نماذج للتنمية غير فعّالة. فالقفز فوق جذور المشكلات و الأزمات، التي استفحلت الى درجة المرض العضال،  لممارسة طقوس الإستعداء ضد الكوردستانيين، كما كان يفعله نظام صدام المقبور طوال عقود بعقلية شوفينية و بربرية، معتبراً الهزيمة نصراً والمشكلة حلاً، تاركاً وراءه قيوده وفقره و أدوات رعبه أو حتفه، لا يفتح الفرص والإمكانات لتشكيل قوی و فاعليات تفكر و تعمل لبناء مجتمعات مدنية بعقول تداولية، عراقية و لا يبني جسراً نسير فوقه نحو فضاءات مغايرة نتجاوز فيها ما يعمل علی إنتاج المآزق والكوارث.
نقوله بكل صراحة، بأنه ليس هناك أمل في بناء دولة مدنية، طالما الصوت الاول في ادارة الدولة العراقية يدعم فكرة إعادة بناء الجيش والسماح لحمل السلاح تكريساً لعسكرة الشارع العراقي أو لإنهاء الحرية الفردية للمواطن بعد إحياء النزعة العشائرية وتكريسها عرفاً، بعد جعل شيوخ العشائر العربية والوجهاء موظفين بدون دوام لدى الحكومة الحالية، لدعم رئيسها في الانتخابات وتسخير طاقات تلك العشائر للمصالح الذاتية و بعد أن إختزل السيد المالكي الحكومة و مسك بيده الوزارات الأمنية كالداخلية والدفاع والإستخبارات و بعد أن تجاوز هو علی القضاء و جرده من حياديته و صار مالك القرار السياسي و المالي و استغل الهيئات المستقلة بالرغم من حماية الدستور لها، فهل يعيش هذا السيد في الخوف و إنعدام الثقة و جنون الإرتياب؟
الإتجاه السياسي الحاكم في العراق يجب تتخطی عوائقها الايديولجية المستهلكة و أن تتمرّس بعقلانية جديدة مرنة و مفتوحة، مركّبة و متحرّكة، تصدر عن الإحساس بالمسؤولية المتبادلة بقدر ما تشتغل بلغة الحوار والتسوية و منطق الشراكة والمداولة، لا بلغة العنف و السلاح والعسكر وبخلاف ذلك ليس لديه الحق في إنتقاد المواقف المضادة للصف الكوردستاني الموحد تجاه تلك السياسة اللاواقعية، التي تعكس علی أرض الواقع الحي والمعاش أوهام و مهاوٍ أو عن أفخاخ و كوراث.
وختاماً: "لا يمكن لنا أن نحضر في هذا العالم الحضور القوي الفاعل الخلاق، إلا إذا نجحنا في تغيير أنفسنا و قمنا ببناء العراق الفدرالي علی أسس ديمقراطية جذرية تضمن حقوق الآخر المختلف و تحترم كيانه و تؤمن بالشراكة الحقيقية. فالديمقراطية هي تجربة سياسية تُعانی و تُبْتَدع بإبتكار ممارسات سياسية جديدة أو بتشكيل واقع جديد أو بخلق مناخ فكري مؤات."
الدكتور سامان سوراني

65  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حكومة إقليم كوردستان و حملة مناهضة العنف ضد المرأة في: 18:25 26/11/2012
حكومة إقليم كوردستان و حملة مناهضة العنف ضد المرأة

لا محاجة في أن العنف، الذي أمسی و للأسف خبزاً يومياً للإنسان المعاصر والذي يرتبط بالأفراد حيناً و ترعاه المؤسسات أحياناً أخری رذيلة وهمجية أتعبت العالم ولم تُفِد الإنسانية في شيء، فهو يتجسد في إستعمال القوة بشكل غير مشروع لإلحاق الضرر و الأذی بشخص ما أو جماعة من الأشخاص.
العنف، الذي كان يُنظر اليه في الماضي كصفة غريزية أو مكتسبة والذي نقسمه اليوم علی أساس التحليل النفسي الفردي أو علم النفس التحليلي التجريبي الی العنف الدفاعي أو التدميري ما هو إلا قانون يحكم النوع الحيواني لا الإنساني و ثقافة العنف تقوم على منظومة فكرية مركزية عقائدية وأخلاقية تستند إليها، لذا يمكن مناهضته بإستعمال العقل في الإقناع الحجاجي والبرهاني و تفعيل قيم الفلسفة والحوار، إبتداءً من الأسرة ثم من قاعة الدرس، بعد إعداد الأساتذة والمعلمين بقيم العقل والتفكير المنطقي و الإنفتاح علی الآخر، ليقوموا هم بدورهم لإيصال تلك الثقافة الی الطالبات والطلاب، كي يستطيعوا من خلالها أن ينظروا بشفافية و علمية الی ذواتهم لإكتشافها، ثم إلى واقعهم المهووس بقيم الخرافة والتفكير اللامنطقي. فالمجتمع الذي يربِّي أطفاله على العنف، ولو لجيل واحد، بحجة البناء أو بذريعة الدفاع ضدَّ العدوان، لا يستطيع، فيما بعد، تلافي توريث هذا العنف للأجيال اللاحقة إلا بجهود شاقة وكبيرة.
اليوم 2012.11.26 وبحضور السيد نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة اقليم كوردستان وأعضاء من برلمان كوردستان وعدد من الوزراء وممثلي الأمم المتحدة و المكاتب والقنصليات الأجنبية في إقليم كوردستان إنطلقت حملة مناهضة العنف ضد المرأة في أربيل العاصمة، التي تستمر 16 يوماً تقام خلالها العديد من النشاطات والفعاليات لتوعية المجتمع في هذا المجال. و ما أسعدني بعد هذه الإنطلاقة كلمة السيد رئيس حكومة إقليم كوردستان، الذي أكد فيها دعم حكومته لكل عمل يناهض العنف ضد المرأة، معرّفاً المجتمع الذي يدعوا الی العنف ضد المرأة بمجتمع خالٍ من الأسس و القواعد الديمقراطية و معتبراً عدم المساواة الحقيقية بين الرجل والمراة في المجتمع بمصدر من مصادر العنف ضد المرأة. و الذي نعرفه بأن حكومة إقليم كوردستان تشارك منذ عام 2007 في الحملة العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة و ذلك من أجل توعية و زيادة الوعي الاجتماعي للوقوف ضد كافة أنواع العنف وهي من ضمن الدول الـ 122 المتقدمة في العالم، من حيث مكافحة العنف ضد المرأة وقانون العنف الاسري.
ثقافة العنف نابعة أصلاً من العُقَد الاجتماعية، كفقدان القدرة علی المواجهة والخوف من عدم التكافؤ الاجتماعي والخوف من السلطة المنشغلة والمهمِلة لفردية الإنسان و كذلك من عقدة العار. ففي ظلِّ تلك الثقافة نری الإنسان يخجل من ذاته، يعيش حياته عاراً وجودياً متأصلاً و نشاهده في حال دفاع دائم من إحتمال إفتضاح أمره وعجزه وبؤسه، إذ يخشى أن ينكشف و لا يصمد في النهاية أمام الحقيقة.
أما الأطر الثقافية التي تقوم على التمترُس الماضوي و العقيدة المركزية التوتاليتارية و النرجسية، ورفض الآخر، والانغلاق، والارتداد إلى السلف، القريب أو البعيد و تقدم دعماً و تبريراً للعنف ضد المرأة يمكن حصرها في العادات والتقاليد والقيم الإجتماعية البالية، بالإضافة الی القيم العشائرية، التي تساند الثقافة الذكورية و ترفع من شأن الرجل، الذي يتعامل مع المرأة بشكل دوني إقصائي عدواني لتكون هي عبداً لنزواته و نرجسيته أحاديته و إصطفائيته. و بممارسة هذه الثقافة في المجتمع تُسلب حقوق و دور المرأة في الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية و تنتزع منها مكانتها الإنسانية، مما تؤدي الی تقوية سلطة الرجل و تعطيه التبريرات في ممارسة العنف ضدها.
نحن نعرف بأن الاعلان العالمي لحقوق الانسان أكد عام 1948 في مادته الثانية رفضه الكامل للتمييز على أساس الجنس و في مادته الرابعة ترفض الإسترقاق والاستعباد. أما مادته الخامسة فترفض التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية و في المادة 16 إشارة على سن الزواج، الذي هو سن البلوغ، والتساوي في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.
أما المادة الثانية عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فتنص: لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.
فعلينا اليوم بتطوير التشريعات والإجراءات في الإقليم أكثر و أكثر و تشجيع إجراء الدراسات والبحوث المتعلقة بالعنف ضد المرأة لنبذ منطق الإحتكار والمصادرة الذكورية أو الإستئثار للهيمنة وأن لا نتعامل مع العناوين الوجودية والحضارية بمنطق الثبات والجمود وعلی المؤسسات التربوية و الثقافية و الإعلامية أن تلعب دوراً أكثر بروزاً في  مواجهة العنف و الحد منه بتفعيل مراكز الإرشاد القانوني و مكاتب شكاوی المرأة وتنشيط وترويج ثقافة عدم التسامح مع العنف ضد المرأة في الاسرة والمدرسة وفي المجتمع و علی المجلس القضاء الأعلی و وزارة العدل في الإقليم تفعيل دور القضاء و أعضاء الإدعاء العام للحد من ظاهرة الإفلات من القضاء  والتسليم باحتياجات الضحايا والتجاوب معها، وتعزيز التعبئة الاجتماعية والتحول الثقافي وعدم جواز في أن يكون العرف أو الدين أو التقاليد تبريراً للعنف المرتكب ضد المرأة. و علی الجهات الحكومية العمل برسالة السيد رئيس الحكومة في تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة في القيمة والكرامة الأصيلة، لكي تستطيع المرأة أن تتمتع بكامل حقوقها كإنسان ولكي تمارس دورها في في التنمية علی أحسن وجه. فإن القيمة العميقة لأية حضارة تكمن في المكانة التي تعطيها لكرامة الإنسان و ليکن الهدف ممارسة السلام في الأسرة للوصول الی السلام في المجتمع.   
وختاماً نراه من الضروري إعادة كلمات العظيم مهاتما غاندي في إستهجان العنف لنقول: "إن اللاعنف هو القانون الذي يحكم النوع الانساني و سيظل العنف ذلك القانون الذي يحكم النوع الحيواني."
الدكتور سامان سوراني


66  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق الفدرالي بين الدولة المدنية و عسكرة المجتمع في: 14:42 23/11/2012
العراق الفدرالي بين الدولة المدنية و عسكرة المجتمع

ما نعرفه بأن فكرة إنشاء دولة مدنية قائمة علی مبادئ المساواة و رعاية الحقوق إنطلاقاً من قيم أخلاقية في الحكم و السيادة بدأت بعد محاولات من قبل فلاسفة التنوير.
فالدولة هي إرادة المجتمع و مدنيتها يجب أن تنبع من إجماع المواطنين ومن إرادتهم المشتركة في إرساء مبادئ العدل و عدم خضوع الأفراد الی إتهاكات لحقوقهم من قبل أطراف أخری أو سلطة عليا، المتمثلة بالدولة، التي عليها تأسيس أجهزة سياسية وقانونية خارجة عن تأثير القوى والنزعات الفردية أو المذهبية لتطبيق القانون و البنود الدستورية.
والدولة التي لا تؤسس علی نظام مدني من التبادلات، التي تقوم أساساً علی السلام و التعايش السلمي و قبول الآخر المختلف والمساواة في الحقوق والواجبات و الثقة في التعاقد والتبادل، لا يمكن أن توصف بالدولة المدنية.
في العراق الفدرالي نشاهد "دولة القانون" و رئيسه "المنتخب" في سعي مستمر الی تحديد صور التبادل قائم علی الفوضی و العنف كأسلوب ووسيلة لتحقيق الأهداف الطوباوية والمشاريع المستحيلة و العيش الفردي والقيم المبنية علی إستراتيجية الرفض والإقصاء للمختلف، بالعمل علی إتهامه و نبذه أو استبعاده و إلغائه والنزعة المتطرفة، لا النظام والسلام و العيش المشترك و القيم الإنسانية العامة، ناهيك عن العمل في سبيل الحقوق المهضومة لشعب كوردستان في المناطق المستقطعة منه.
وما الديمقراطية، التي هي سمة من سمات الدولة المدنية، إلا الوسيلة، التي تتبعها الدولة المدنية، البعيدة عن خلط الدين بالسياسة، لتحقيق الإتفاق العام والصالح العام للكيانات المختلفة، كما إنها الوسيلة الأنجع للحكم العقلاني الرشيد وتفويض السلطة وانتقالها. والديمقراطية جسر لإلتئام الأفكار والتوجهات السياسية المختلفة بهدف إيصال المجتمع الی الرقي وتحسين ظروف المعيشة فيه و تعزيز نوعية الثقافة الحاكمة لعلاقات الأفراد وتفاعلاتهم نحو الأحسن. أين نحن من ذلك. إن السير في سلوك الجانب العسكري المشدد و العمل علی خضوع الدولة بسائر مؤسساتها لقرار المنظومة العسكرية تخطيطاً وتنفيذاً، لتغييب الواقع المدني و الإستعداد لخوض حروب داخلية من أجل جعل المجتمع عجلة تدور في فلكها، دليل آخر علی أن سياسة الحكومة الحالية غير منضبطة وغير محسوبة.
الشعب العراقي عانی الكثير من الظلم و الإستبداد من جراء العسكرة، التي شكلت حالة من الكبت النفسي لديه‌ و طوقته بأسوار متعددة إبتداءً من مرحلة التنصت السري و المتابعة الظلية و إنتهاءاً بالقتل الجماعي و الأنفلة، لذا يرفض القوی الديمقراطية المؤمنة بالفدرالية و التعددية من هذا الشعب نظرية عسكرة المجتمع جملةً و تفصيلا ويعمل علی عزل  وإبعاد أصحاب هذه النظرية من علی السلطة و مراكز القرار بأسلوب مدني متحضر. فالعنف والسلاح و لغة الطائرات الحربية و المدفع أو الحشد المرصوص والجمهور الأعمی و نشر "قوات عمليات دجلة" والتحركات العسكرية في المناطق المستقطعة لم يعد يثمر في هذا العصر، بعد أن أصبحت المصالح والمصائر متشابكة و متداخلة. أصحاب الهويات المغلقة و العقول المفخخة، الذين يستنكفون من ممارسة التقی والتواضع بالثورة علی الذات للتخفيف من أمراضهم النرجسية و مركزيتهم الإصفائية و إستبداديتهم يهدفون دوماً تمزيق الوحدة الوطنية و تخريب العمران محاولة وتصدير أزماتهم الداخلية نحو اقليم كوردستان.
ولكي لا نبقی علی الهامش أو في مؤخرة الركب العالمي علينا العمل علی إيقاف محاولات خرق الدستور من قبل رئيس الحكومة الإتحادية و دفع مخاطر التفرد ومنع عودة الدكتاتورية ، التي تخنق الشراكة الوطنية.
ولا يمكن البحث عن حلول جذرية للمشاكل القائمة بين الإقليم والحكومة الإتحادية عند دول لم تنجح هي علی أرضها في تحسين شروط العيش لمواطنيها و إحراز التقدم والإزدهار.
الدول المتقدمة أثبتت بأن الولاء للدولة لا يمكن أن يأتي بالتسلح والعنف و نشر الخوف والرعب و إستخدام الجيش في الصراع السياسي والحملات الشوفينية وتجسيد إرادة الشطب والإلغاء و بناء مصانع سلطوية لا تنفك عن إنتاج التفاوت والتفاضل أو الإنتهاكات و الإرتكابات المضادة للقوانين والحقوق، بل بنشر الأمن والأمان والإستقرار، كما الحال في إقليم كوردستان. أما شؤون البلاد فيجب أن تدار بالدستور والقانون، لأنهما المظلة التي يستظل بها كل مواطن.
وختاماً: يقول المفكر الأمريكي جورج هربرت ميد (1863-1931)، صاحب نظرية التفاعل الرمزي،"لا يمكن أن نطور وعي الذات بدون الاعتراف بالأخر"، فالمكابرة والغطرسة والإستكبار هي التي تولد العنف و تنتج الفتن و الحروب الأهلية و الإعتراف المتبادل يعزز و يبلور قيم التقی والتواضع أو التبادل والتضامن.
الدكتور سامان سوراني

67  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة السيد مسعود بارزاني و مسألة تلغيم المشروع الفدرالي في العراق في: 21:55 21/11/2012
سياسة السيد مسعود بارزاني و مسألة تلغيم المشروع الفدرالي في العراق

من الواضح بأن "والعصر إن الإنسان لفي خسر" هي ثمرة الإيمان بالإنسان بشکليه اللاهوتي أو الناسوتي، فما ذكره‌ السيد رئيس إقليم كوردستان في خطابه الأخير، من أن "دماء كل فرد عراقي، بإعتباره إنسان، هي غالية مهما كانت قوميته أو ديانته أو مذهبه" نابع من القناعة التامة بمركزية الإنسان و علو مقامه ورفيع درجته. فالأطراف الكوردستانية تری في ممارسة سياسة ضبط النفس والتهدئة والعمل علی تعزيز أواصر الصداقة بين الكورد والعرب بشكل عام والكورد والشيعة علی وجه الخصوص و تثبيت أسس الشراكة الوطنية بروح المساواة من أجل إفشال المخططات التي تستهدف الكورد في المناطق المستقطعة من كوردستان وحسم موضوع المناطق المستقطعة من كوردستان وفق المادة 140 من دون مزيد تأخير ضمان للسلم في العراق و من أولويات العمل السياسي في هذه المرحلة.
إن غزو الحقل السياسي و التحكم بالقرارات من قبل رئيس مجلس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي و المواقف السياسية عن طريق زرع النزعات الطائفية والقومية و الترويج لسياسة الإحتراب و الإقتتال و الأنفراد بالسلطة  بعد إحتكار المواقع الرئيسية للدولة، فهو العمل علی تهيئة مخاطر بنيوية لتتغلب لغة التهديد والوعيد علی لغة الحوار.
و التجربة التاريخية في العراق كشفت لنا المآسي النكراء لإستخدام هذا السلاح، الذي لايجلب معه سوی المزيد من الهزائم و الخسائر والكوراث. أما التصرفات الاستفزازاية لمديري قوات عمليات دجلة، التي تشكلت أساساً خارج الأسس الدستورية بعيداً عن مبدأ الشراكة والاتفاقات الرسمية المعقودة، فهي ناتجة عن فقدان البوصلة، لذا نری أصابحها الغارقين في تهويمات السلطة لا يسيرون إلا في الإتجاه المعاكس لسير العالم و مجری الأشياء و منطق العصر، الذي يؤمن بالسلام والديمقراطية والتعايش السلمي و يرفض الاستبداد والتحشدات العسكرية. ممارساتهم الأمنية الشرطوية أو العسكرية المرفوضة في المناطق المستقطعة من كوردستان سوف تلغم المشاريع السلمية بقدر ما تعيد إنتاج الأفخاخ و المآزق و تكون في النهاية ضربة مدمرة للمشروع الفدرالي في العراق، الذي لا يمكن أن يُدار بعد اليوم إلا بالشراكة الحقيقية. 
نقوله بكل صراحة، أنّ من يريد اليوم أن يضرب شريكه السياسي عسكرياً و يسعی الی هضم حقوق شعب كوردستان، الذي هو مكون رئيسي في العراق، فسوف لن يتوقف غداً من إحالة الهويات الی سجون فكرية و لا يقف فقط عند تلغيم العقول المقفلة لإستبداد المكونات الأخری بطوطمات لاهوتية و مواقف قوموية، التي دمرت علی مر العصور صيغ التعايش و حرقت مشاريع الحوار، التي لن تصل اليوم إلا الی الباب المسدود، طالما هناك نفوس تقوم علی بناء سدود منيعة من الحقد والبغض بين المكونات بقدر ما تسهم في صنع ذاكرة عدائية موتورة تحوّل الهويات الی محميات عنصرية بأسمائها و رموزها و طقوسها و أحكامها.   
تداعيات هذه السياسة العوجاء و الغير سليمة للسيد نوري المالكي سوف تخلق حالة عدم الإستقرار في المنطقة و تؤدي الی فقدان الثقة لدی القوی الديمقراطية الكوردستانية بالعملية السياسية في العراق مما يفضي كل ذلك وغيره الى نهايات ليست في صالح الجغرافية السياسية لعموم العراق.
إن إهمال الدستور الذي كان وسيطاً و ضماناً بين الشركاء و العمل بنهج التصعيد العبثي و إطلاق التصريحات النارية من قبل ممثلي رئاسة الحكومة ببغداد ومن قبل أمراء مايسمی بـ"قوات دجلة" لإشعال نيران حرب بين إقليم كوردستان المسالم والحكومة الفدرالية و لدعم مشاريع التمحور الأقليمي لا تقلل من ضبط النفس لدى قوات البيشمركة أو مثابرة الكوردستانيين في سبيل حقوقهم المصيرية.
فشعب كوردستان، الذي ساهم بشكل فاعل في تشكيل و بناء دولة ديمقراطية حديثة، تؤمن بالتمثيل السياسي والمناطقي المتوازن في العراق و تدعم حق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره، يری نفسه اليوم أكثر من ذي قبل على أهبة الاستعداد للدفاع عن مكتسباته‌ التي تحققت بدماء الشهداء.
في عصر الإعتماد المتبادل تكون المسؤولية متبادلة. فالكوردستانيون يشتغلون اليوم علی وقائع حياتهم بإستثمار طاقاتهم الذهنية و إطلاق قواهم الحية علی نحو مبتكر، هادفين بذلك دفع عجلة الديمقراطية في العراق الی الأمام، فهم لا يريدون أن يعيشوا زمن الإستبداد و نصب المتاريس مرة أخری، لأن يعرفون بأن من يقع في أسر الماضي و كهوفه، لا يستعد لمواجهة المستقبل بمفاجآته و تحدّياته الجسيمة.
وختاماً: من يفكر بعقلية التهمة و الإدانة يعطل لغن الفهم الخلاق والحوار و ويشل إرادة المعرفة الحية الثمية و يعرقل الأعمال المفيدة الصالحة، فلا يعترف بالخطأ و الفشل والهزيـمة، ولا يستفيد الدرس و لا يتعلم كيف يخرج من المأزق، فتراه يتهرب من حمل المسؤولية و يرمي التهمة علی إقليم كوردستان، فيشهد بذلك علی مكابرته و معاندته و يرسف في عجزه و يغط في سباته الحضاري بأوهام الهوية الخاوية والسيادة المصطنعة. 
الدكتور سامان سوراني 



68  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الحكومة الاتحادية و ممارسة التهويل الايديولوجي ضد إقليم كوردستان في: 14:29 12/11/2012
الحكومة الاتحادية و ممارسة التهويل الايديولوجي ضد إقليم كوردستان
الدكتور سامان سوراني
من المعلوم بأن ممارسة التهويل الإيديولوجي هي من مفاعيل التعامل الضدي والسلبي مع الآخر المختلف. هذا التعامل هو الوجه الآخر للداء السياسي في العراق، المتجسد في تجنيس الإعلام المدفوع من خلال أجندات خاصة تعمل لصالح أصحاب الدعوات الدينية القوموية، مدّعياً إمتلاك الحقيقة والعدالة والمثابرة في الدفاع عن مصالح "الجماهير" الشعب بالوسيلة و التمثل و العمل من أجل العراق الوحدوي، هذا يجلب معه التمترس وراء الهويات الدينية القوموية وعسكرة المجتمعات العراقية، علی نحو يعزز العداء القومي وصدام الثقافات المختلفة أصلاً بشكل سلبي.
صحيح بأن إستخدام سياسة التقسيم المنهجي يطوّل مدی حكم الذين يمارسون السلطة في العراق، السائر حسب قراءاتنا نحو المركزية، و يمهّد الطريق أمامهم للإستقواء علی الشعب العراقي بكياناته المختلفة بدافع الوصول الی الإستبدادية و إعلان الحرب علی المخالف والمعارض للمذهب الموالي والمطبّل للسلطة. 
إن قاموس الحكومة الحالية في العراق الإتحادي لا يحتوي بعد الآن علی مفردات مثل التنمية والبناء والتطور والبحث عن حلول للمشاكل العالقة وتبادل أفكار و أخذ البنود الدستورية والإتفاقيات السياسية بجدية، واضعاً جلّ إهتماماتها في محاولات یائسة لإيجاد منافذ لتوجيه التهم الباطلة ضد حكومة إقليم كوردستان بكثير من السطحية و الديماغوغية و ملقيةً سبب فشل تجاربها علی عاتق الكوردستانيين، بعد أن حاولت إحراق دفاترها اليومية المليئة بأوصاف كالفساد والسرقة والإختلاس، كي لا يتمكن أية جهة معارضة لا الآن و لا في المستقبل من إستجوابها و معاقبتها و كي لا تُمارس هي التقی والتواضع الوجودي للإبتعاد عن دفة السلطة.   
حكومة السيد نوري المالكي أعلنت نواياها في إحتكار المشروعية لممارسة الوكالة الحصرية علی شؤون الشعب العراقي، لأنها تعتقد بإمتلاك مفاتيح الحلول، التي تكمن في عسكرة المجتمع و رفض الآخر المختلف و إقصاءه و إلغائه بشكل رمزي و إستئصاله إن أمكن بشكل مادي، كي تنتهي دوره الإيجابي، الذي مارسه بشكل فعّال في بناء عراق ما بعد غياب العملة الدكتاتورية عام 2003 و أخيراً في مبادرته التاريخية في تشكيل الحكومة الإتحادية.
إن إستخدام سياسة القواقع الفكرية الخانقة و نشر فيروس المركزية من قبل حكومة السيد نوري المالكي من أجل تغليب الإعتبارات المذهبية أو القوموية علی الصناعة المفهومية والمشاغل المعرفية و سلب الهوية والإرادة بعد تشعب أذرع رأس تيار التفرّد كالأخطبوط لا يبشر للعراق والعراقيين بخير. و ما نلمسه اليوم في العراق هو مراكمة المشكلات المزمنة كالمماطلة في تطبيق بنود المادة 140 من الدستور، بهدف التهوّن لعدم إنجاز شيء إيجابي يذكر والتهوّل بالمشكلات للقعود عن المطالبة و الهروب من حمل المسؤولية. الحكومة الحالية متفق مع الأطراف السياسية الأخری فيما لا يحتاج الی تنفيذ، فكيف بالمطالب الإصلاحية والتحديثية.
إن العمل علی قتل الروحية المتحركة والفكر المتطور في الكيانات العراقية و إحاطة النفس بهالة من الحصانة والعصمة هي من مميزات هذه الحکومة، التي تقف حجر عثرة أمام التوجه نحو الديمقراطية و بناء الدولة وفق مؤسسات مستقلة و تضرب الفدرالية عرض الحائط. وإن الغفاء على أمجاد التاريخ المعتق بالأساطير والمخترق بالخرافات و عدم التجرأ علی كسر هذه النرجسية سوف يعيد العراق الی المركزية وإن التجارب السابقة برهنت بأن القوة العمياء والهيمنة الفئوية وإحتكار السلطة، کل ذلك لم يجلب أمناً أو يصنع تعايشاً سلمياً بين المكونات الأساسية في هذا البلد أو يصون حرية و كرامة الفرد.
فالسعي في تنفيذ الخطة الجهنمية و تحقيق الحلم المجنون مآله كسب حماقات تاريخية ترتد دوماً علی العراق خراباً و دماراً. المجتمعات العراقية اليوم بأشد الحاجة الی ساسة يعملون علی إنتاج ثقافة جديدة، منفتحة، مدنية و سلمية مبنية علی عقلية المداولة والشراكة الحقيقية، لا علی الدعوة و الترويج لعقلية الضد و منطق الإقصاء. 
لقد ولیّ زمن سماح الشعب الكوردستاني  للحكومات في العراق الإتحادي ببسط الهيمنة بعد لبس جلباب ديني كان أم قوموي و التعمد إلی تفتيت ديموغرافيته علی أساس أقوام لإستغلال نزاعاتها و طوائف لتوظيف صراعاتها أو قبائل لإستثمار نعراتها، بهدف إبقاءها خاضعة سياسياً وعليلة إجتماعياً، للترويض بإرادتها و نهب ثرواتها و توزيع أسلابها وتعطيل ديناميات الارتقاء الحضاري عندها، وكبح تطلعات التواصل الإنساني لديها.
ختاماً: من لا يعمل علی تحرير الوعي الثقافي السياسي من كل تصور دوغمائي قوموي، الذي يبقی دوماً حجر عثرة أمام الإنفتاح والتلاقح الخصب والمنتج، بعيداً عن كل وصاية مسبقة تمنع تطوره وارتقاءه نحو فضاءات أغنى وأرحب، لا يستطيع أن يستقبل كل ما هو جديد في مضامير الفكريات والثقافات والحضارات والديانات والهويات، فكيف ننتظر منه أن يقوم بإستدخال كل ما هو مستحدث في حقول المؤسسات والممارسات والعلاقات والتشريعات؟ 

 

69  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الفلسفة السياسية للرئيس باراك أوباما و تحقيق الحلم الأمريكي في: 19:00 10/11/2012
الفلسفة السياسية للرئيس باراك أوباما و تحقيق الحلم الأمريكي

لا جدال أنه مع إنتخاب باراك أوباما للمرة الثانية كرئيس لقيادة أقوى دولة في العالم تحقق ذلك الحلم الذي تحدث عنه الزعيم التاريخي لحركة الحقوق المدنية الأمريكية والحائز على جائزة نوبل للسلام مارتن لوثر كينج (1929-1968).
لقد أثبت بذلك بأن الناخب الأمريكي لا يمكن إخضاعه وكسب صوته إلا بالإقناع الفعلي و تطبيق الوعود الإنتخابية. فالولايات المتحدة الأمريكية، التي يعتبرها البعض "الشيطان الأكبر"، هي بلد التعدد الأول من حيث تنوع الأعراق والألوان والأديان واللغات وهي التي اخترعت أصلاً مفهوم التعددية من أجل تشخيص الظاهرة والسيطرة عليها أو الإفادة منها و حسن توظيفها. فالذي يتعامل مع التعدد بعقل تداولي و فكر تركيبي ومنهج وسطي، يستطيع أن يجعل منه مصدر تنوعٍ وغنی، بعد أفول العصر الايديولوجي بعقائده و مدارسه و خططه‌ و إستراتيجياته و أحزابه‌ و مؤتمراته.
إنتخاب شخصية من أصول أفريقية للبيت الأبيض كرئيس و للمرة الثانية على أساس شخصيته وكفاءته ورسالته يثبت أيضاً إفلاس العدة القديمة والمنظومة الأيديولوجية، التي تبنی علی أساس الفكر الأحادي العنصري والسجن العقلي والتصنيف البربري. 
والذي نعرفه عن السياسة الخارجية بأنها مجموعة من الأهداف السياسية لبلد ما تحدد كيفية تواصل هذا البلد مع البلدان الأخرى في العالم، ساعياً عبر تلك السياسة حماية مصالحه الوطنية وأمنه الداخلي وأهدافه الفكرية الأيديولوجية وإزدهاره الاقتصادي. أما فيما يخص حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية، فإنها تسير في سياستها الخارجية علی خطوط إستراتيجية مدروسة لا تتغير بتغير الرئيس، وهذا ما يعکس قوة أمريكا السياسية في العالم.
هذا الرئيس الناشط و الحاصل علی جائزة نوبل للسلام، العامل بتواضعه الوجودي علی إستلهام و إستثمار مقولات الفلاسفة و أساطين حقوق الإنسان في السلم والحرية والديمقراطية علی نحو جديد، تمكّن من كسب النخبة من الطبقة المتوسطة والبسيطة و إنتشالهم من شبح البطالة والكارثة الإقتصادية التي واجهت الولايات المتحدة الی الفضاء الوظيفي و قيادتهم بعد الإنتعاش الإقتصادي نحو الأحسن. فله‌ يعود الفضل أيضاً في تنفيذ قرارات حاسمة و مصيرية تصب في مصلحة الداخل وذلك بتنفيذ قوانين تحمل بصمته لاصلاح الرعاية الصحية والقطاع المالي وقد يؤدي إصلاحه الی زيادة الضرائب على الأثرياء في إطار الجهود الرامية لتقليص العجز. وكان له‌ الدور الأول في إنجاح العملية الجراحية لتعديل ما قام به الجمهوريون من سياسات خاطئة لسنين عديدة في كل من أفغانستان والعراق، بالطبع من منظور أمريكي. لعل هذا ما جعله يفوز بفارق كبير من الأصوات قبل أن تعلن النتائج النهائية للإنتخابات.
أوباما واصل مكافحة تنظيم القاعدة، دون عنونة تلك الوظيفة بالحرب على الإرهاب و ركز في الوقت نفسه على تحسين علاقة بلده بالعالم الإسلامي، إذ قام بتنشيط الدور الأمريكي في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين والاستجابة للربيع العربي بأشكال متنوعة، منها قيادة الجهد العسكري الدولي ضد الطاغي المقبور "معمر" قذافي وسعی في إقناع كل من سوريا وإيران بتغيير سلوكهما و كان الی حدٍ ما ماهراً في حشد الضغوط الدولية على إيران، متفادياً التورّط في تدخل عسكري في سوريا وفيما يخص اليمن فأكتفی هو بالمساعدة في نقل السلطة فيه.
أما إعادة النشاط لمجموعة الدول العشرين واستخدامها للإفلات من ركود اقتصادي محدق في عام  2009 و إنفتاحه علی آسيا و إجتذابه للصين للتعاون في القضايا الإقليمية والعالمية وضبط علاقاته مع روسيا فتلك الخطوات كانت نقاط إيجابية أخری تمكَّـن هو من خلالها إقناع الرأي العام الأمريكي بأنه قادر على إدارة دفّـة السياسة الخارجية الأمريكية بجدية و معقولية أو أنه‌ مساهم فعّال في تجديد شبكات الفهم و صيغ العقلنة و بفلسفته السياسية يستطيع أن يكون منقذاً لأمريكا من جرثومة التضاد و منطق الصدام و حامياً جيداً للمصالح الأمريكية.
صحيح بأن لفظة التغيير تحمل في طياتها سحر و بديع خادع يخلب و يستأثر و لايدع مجالاً للخيار، لذا ينطلق أكثرية الساسة من هذه اللفظة باعتبارها أفعل الألفاظ توظيفاً في كسب المعارك وبلوغ ذروة السلطة، لكن هل يسعی أوباما الی إعطاء هذه اللفظة معنی عالٍ و هو الذي يتفكر في معطيات الواقع و يقيس إمكانية التغيير بأهلية التغيير؟ 
إن توليه مقاليد السلطة في أمريكا للمرة الثانية يمثل فتح آخر لأولئك الذين يتوسمون بإنتهاج واشنطن نمط سياسات مغايراً لذلك الذي كان، فهم يرغبون في إحتواء كيمياء السياسة الأميركية علی الكثير من عناصر القوة الناعمة، والتي تتجسد في اللعبة الدبلوماسية بدلاً عن القوة الصلبة التي تنبع من الثقل العسكري. فالعسكرية والحروب ماعادت تنتج اليوم سوی الدمار المتبادل وتواطؤ الضد مع الضد.
سياسة أوباما تعمل لمصلحة البُنيات المفتوحة و اللغات المطعّمة والوحدات المركبة والهويات الهجينة والتحوّلات المستمرة والعلاقات الأفقية وسياسة الإعتراف المتبادل، بعيداً عن العدة القديمة و المتقادمة أو الصدئة والمفلسة و بعيداً عن السياسة، التي يتعامل أصحابها مع الحاكم بصفته النبي المخلّص أو البطل المحرر أو الأب القائد أو الزعيم الأوحد.
وختاماً:  علی المكفلين بإدارة دفة الحكم في العراق أن يبتعبدوا عن القوة الغاشمة و الطغيان و التسلط و يحتذوا بسياسة أوباما في الحكم و أن يقفوا موقف الإعتراف و الإحترام والرعاية والحماية إزاء كل مواطن و كل كائن. إذ لكل شيء حقيقته و قسطه و مشروعيته ولكل كائن قوّته و جماله وأثره. من غير ذلك ترد عليهم نرجسيتهم و مرکزيتهم البشرية، لكي تنتقم منهم الأشياء والكائنات و من لا يعترف بنا، الآخر المختلف، فكيف ينتظر منّا، الآخر المختلف، أن نعترف به؟   
الدكتور سامان سوراني 

70  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة المجتمع الكوردستاني في البحث عن جذور العنف من منظور سايكولوجي في: 12:23 02/11/2012
سياسة المجتمع الكوردستاني في البحث عن جذور العنف من منظور سايكولوجي


من المعلوم بأن الوجود الإنساني هو إختيار لماهيته، أي توصله الی إختيار "الشخصية" التي يريد أن يكونها، لذا يمكننا القول بأن الماهية لاحقة للوجود، لأنه لكي نختار لابد أولاً من أن نكون "موجودين".
والوجود يعني حمل المسؤولية والأمانة لإعادة البناء بالتفكير والتصرف كبشر، بإستخدام الطاقة الفكرية والقوة الذهنية للفهم والتشخيص أو للتعقل والتدبير في النطاق الكوردستاني وعلی المستوی العالمي، لأن من ينجح في إصلاح نفسه و يعيد بناء ذاته، إنما ينفع نفسه بقدر ما يفيد غيره.
و من الواضح بأن العنف يبدأ في الرؤوس قبل إستخدام الفؤوس، هذا ما علّمنا المنظّر و عالم النفس السلوكي بوروس فريدريك سْكِنر (1904- 1990). وهناك حقيقة سيكولوجية تقول، بأن ما وراء الإرهاب هو فكر الإرهاب و مايحصل للمجتمع هو من صناعته، لذا علينا أن نكف عن الحديث بعقلية التهمة والمؤامرة والإدانة وأن نعمل بكسر ثنائية الداخل والخارج، لأنه لا إنفصال بين الأنا والآخر، كما لا إنفصال بعد الآن بين المحلي والكوني، بدليل أن ما يعني الغير يقع في صلب إهتمامنا، وأن ما يهمنا يستأثر بأهتمام العالم الأكبر. العنف هو سلوك بعيد عن التحضر والتمدن تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية إستثماراً بدائياً لإكراه الخصم وقهره. وللعنف اتجاهه‌ الإجتماعي و المادي الجدلي و الوظيفي و التفاعلي الرمزي وقد يختلف كل اتجاه في تفسيره للعنف انطلاقاً من الأرضية التي يعتمدها في تفسيره. وهناك إتجاه سوسيولوجي يفسر العنف کحالة اختلال التوازن التي قد تصيب المجتمع أو الجماعة حيث تتحطم المعايير وتسود الفوضى فيندفع الأفراد نحو العنف. و يمكن أن نری في جوهر القيم الروحية والمادية المستخدمة في الحرب مثلاً ، بما فيها الأشعار والقصائد الحربية والتماثيل واللوحات والرقصات كنسيج فكري ومادي متكامل، العنف والتدمير. و لايمكن أن نضع العنف تحت مفهوم و مصطلح الثقافة، لأن الثقافة تبقی دوماً علی خلاف تام مع الغرائز العدوانية التدميرية. لكن هناك من يفسر العنف بنسيج ثقافي سلبي عظيم الحيلة والمهارة والمقدرة على التكييف والابتكار والتجدد بديناميكية مبدعة و عالية في صناعة ذاته وإنتاجه وترقية فاعليته على نحو يجعل اللاعنف عاجزاً و مرتجفاً كطفل خائف. لكننا نحصرالثقافة في الجانب الإيجابي، في الحياة، في اللاعنف، رافضين كل النوازع التدميرية والعدوانية و لاندعم أفكار الفلاسفة المسلمون القدامی، الذين وقفوا أمام هذه المعضلة حائرين و أرجعوا مسألة صدوره‌ الی الخير المطلق و خلقوا ثنائية ماورائية شبيهة بإزدواج الشخصية أو الإزدواج الثقافي، بإعتبار العنف موجود عرضيّ، يؤدّي وظيفة ما في خدمة اللاعنف و هذا ما لا يقبله اللوغوس أو المنطق. 
في مراسلة كتابية بين العالم النفساني الشهير سيغموند فرويد (1856-1939) الی الفيزيائي البارع البرت أينشتاين (1879-1955) نستطيع أن نحصل علی بعض التأملات، التي يمكن وصفها بفرضيات أو مبادیء أولية حول ظاهرة العنف يری فرويد بأن لجوء البعض الی إستخدام العنف يهدف الی حل النزاع بين الأطراف المتنازعة حول مصالح معينة. اليوم و بعد التفوق الفكري علی القوة العضلية البهيمية، نری إستخدام القدرات العسكرية المتطورة لحل النزاعات و سيادة عنف الجماعات علی الأفراد. و بالمقابل بإمكان الأفراد الضعفاء صنع القوة عن طريق الوحدة و بناء وقوة الجماعة للوصول الی الحق، الذي ينظر اليه كعدالة طالما هناك شرط سايكولوجي، ألا وهو ثبات و دوام وحدة الأكثرية. و إن الجدلية القائمة بين التحريض والكبح تثمر العدوان و بالتالي العنف. فالعنف إذن وللأسف هو قدر البشر، يجسد غريزة العدوان و منطق التفاضل أو إرادة التسلط و عقلية الإقصاء والإستئصال والساحة العالمية يشهد بأن العنف يزداد و يتصاعد كمّاً ونوعاً، كما تفاجئنا المنظمات الإرهابية و السلطات القمعية، بأعمالها الهمجية في غير عاصمة و مكان.
فتزايد الأصولية الدينية بمناهجها الايديولوجية السلبية القاطنة بين أنياب الإيمان الأعمی و جحيم الحلول القصوی يزيد من القوقعة العقائدية بتناسب طردي و لا يسمح للفرد الكوردستاني أن يعمل علی تكوين ذاته أو إعادة بناء الثقة واليقين بـمعناه المعرفي مع سواه في عالم دائم التحول.
نحن نعلم بأن الدين هو في أعلی السُلم من منظومات القيم، لكن لا ينبغي أن ننخدع بهذا‌ التزايد. ففي الماضي تم ممارسة الدين كحدٍ أو رادعٍ، أو كتقی أو تحريم أو تسليم، لكننا نری اليوم بأن الأصولية الدينية تمارس عنفاً فاحشاً تنتهك كل الحرمات والحدود والقيم، كما تشهد حروب الآلهة والنصوص بجنونها و فظائعها. يكفي أن يشاهد مؤمن متدين تقي إنساناً يذبح من علی شاشة التلفاز أو علی شريط اليوتيوب بإسم الدين، أو التمييز ضد المرأة وتدمير روحها وجسدها و قتلها وإستباحة الأطفال باسم الدين، حتی تنهار ثقته بالأديان، كمرجع للمعنی. علی المجتمع الكوردستاني العمل علی عدم عودة الأصولية لتمارس بعقول ملغمة و مُسَلمات عمياء و توجهات مقلوبة ذرورة العدمية أو الهمجية، ولا يفسح المجال لدعاته و حماته ليمارسوا التأله أو لكي يصبحو عبيداً لنزواتهم أو أهوائهم و أحلامهم المجنونة أو خططهم الجهنمية.
ومن الواضح بأن تدبر الشأن البشري اليوم بحاجة ماسة الی إستراتيجية فكرية جديدة في إدارة الهويات والقضايا و الدول والعلاقات، بالإستعصاء علی القولبة والمصادرة والتجسد في القدرة الفائقة علی الفهم الخارق والتخيل الخلاق والعمل المثمر، بصورة تؤدي الی تغيير في مرجعيات المعنی و صيغ العقلنة أو في قواعد المعاملة ونماذج التنمية، فلنبدأ في بناء هذه الإستراتيجية العصرية.
وختاماً يقول مارتن لوثر كنج جونيور (1929-1968): "لم يعد الأمر اختياراً بين العنف واللاعنف في هذا العالم؛ بل بين اللاعنف واللاوجود."
الدكتور سامان سوراني 
71  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة دولة المانيا الإتحادية و مستقبل الإتحاد الأوروبي في: 16:25 01/11/2012
سياسة دولة المانيا الإتحادية و مستقبل الإتحاد الأوروبي

من المعلوم بأنه‌ لا وجود لمعايير ثابتة أو لحلول حتمية و نهائية، فكل نموذج يشكل تجربة حية تبقی قيد الدرس والبناء والإستكمال، علی سبيل التعديل والتحسين. فما حصل في السنوات الأخيرة من تقلبات وإنهيارات إقتصادية بل و حتی سياسية شكل مدعاة لإعادة النظر في منظومة التعاريف المتعلقة بالإقتصاد بشكل خاص و الحرية والعدالة و المساواة علی وجه العموم، بعيداً عن لاهوت التحرير الذي يجعلنا نقفز فوق واقع الإجتماع والعالم المعاش و بعيداً عن التعامل مع الديمقراطية كمدافع و مناضل يستخدم المفاهيم التقليدية المستهلكة.
إن ما نطرحه هنا من الأفكار مستقاة من خطاب للمستشار الألماني السابق، هلموت شميت، القاه بتاريخ 2012.09.22 بمناسبة تكريمه لحصوله علی جائزة ويستفاليا الألمانية للسلام، فهو العقل الإقتصادي الأول في بلده و صاحب نظريات مستقبلية في السياسة العالمية و أحد رواد الوحدة الأوروبية المسالمة.   
كما نعلم بأن الأفكار ليست إيقونات للعبادة والتقديس ولا هي قيم مفارقة تعلو علی الظرف والشرط، بل هي عوالم من العلاقات ننشئها علی أرض الصراع وفي بوتقة المواجهة، بعقلية المداولة والمفاوضة، لإنتاج صياغات ومواقف جديدة، عبر المساهمة في إنتاج المعلومة والمعرفة.
لو أخذنا الإتحاد الأوروبي كمثال لما نطرحه، لرأينا بأنه يعمل منذ أكثر من نصف قرن علی تنمية تشكيلته. ففي الثامن عشر من نيسان عام 1951 إجتمعت ست دول أوروبية، هي فرنسا و ألمانيا و بلجيكا و لوكسمبورغ وهولندا و إيطاليا، لتضع حجر الأساس في بناء الاتحاد الأوروبي و بعد أربعين عاماً من تأسيس هذا الإتحاد وصل عدد أعضاءه في إجتماع بهولندا الی أثنتي عشر دولة أوروبية. وفي السابع من من شباط عام 1992 تم التوقيع علی معاهدة ماستريخت والتي تم بمقتضاها تم تجميع مختلف الهيئات الأوروبية ضمن إطار واحد هو الاتحاد الأوروبي، الذي أصبح فيما بعد التسمية الرسمية للمجموعة. واليوم وبعد إنضمام كل من  رومانيا و بلغاريا عام 2007 يبلغ عدد أعضاءه 27 دولة متخذاً العاصمة البلجيكية بروكسل مقراً دائماً لأمانته العامة والمفوضية الأوروبية، ومدينة ستراسبورغ الفرنسية مقراً لبرلمانه الأوروبي.
بالرغم من كل هذا لم يكن بإمكان الإتحاد لا عن طريق معاهدة ماستريخت و لا بالمحاولات الغير ناجحة لوضع دستور أوروبي دائم و لا بواسطة معاهدات لشبونة أن يخطو خطوات مؤسساتية مؤثرة نحو الأمام. نحن نعرف بأن للمفوضية في بروكسل 20000 منتسبين، يعملون بجدية في إدارتها، لكنهم علی ما يبدو منشغلين بوظائف ثانوية.
والجهة الوحيدة التي يمكن أن يقال بأنها تعمل بشكل مُرضٍ هو البنك المركزي الأوروبي، ولكن الی متی يمكن لهذه الجهة أن يرضي الجميع؟
لذا نستطيع أن نتحدث اليوم بشكل واضح و صريح عن إمكانية فشل هذا الإتحاد ويمكن أن يعود سبب هذا الفشل الی الألمان أنفسهم، لأن دولة المانيا الأتحادية برهنت للجميع بأنها أكبر قوة إقتصادية في القارة الأوربية، وهذا موضوع يثير الإستغراب حتی لدی الكثير من الألمان قبل الآخرين. و المانيا الإتحادية تمارس هذا الدور و تعمل علی إيقاظ هذا الشعور لدی البلدان الأخری.
لذا نری بأن المحكمة الإتحادية الألمانية العليا و البنك المركزي الألماني و المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يتعاملون بتعالٍ و حضورٍ و تطابقٍ وقصدٍ و سيادةٍ و كأنهم هم المركز والثقل الأكبر في أوروبا. أما الرأي العام الألماني فهو وللأسف مصبوغ بصبغة قومية- أنانية، يحمل في طياته فلسفة "أنا قبل كل شيء و لا أحد غيري". وإذا أخذنا فترة أطول بعين الإعتبار فإننا نستنتج بأن هناك إمكانية رجوع الدول الأوروبية الی اللعبة القديمة، أي لعبة المركز والأطراف، من غير الوعي بأنهم يتحركون نحو الحافة الخارجية للسياسة العالمية والاقتصاد العالمي. فدولتان من دول الأعضاء، تمتلكان مثل كوريا الشمالية القوة النووية.
والسلاح الذرّي اليوم هو القدرة و الشارة، و هو أيضاً أداة يمكن إستخدامها للتهديد و في الحرب. أما إذا نظرنا اليه من الناحية الإقتصادية والإجتماعية، فأن السلاح الذرّي مضيعة للإنتاجية. ومن الناحية الأخری يمكن إعتبار عدم السماح لدولة المانيا الإتحادية بأن تمتلك أسطول الغواصات المجهزة بالأسلحة النووية إحدی أهم الأسباب التي أدت الی الإزدهار النسبي في هذا البلد. الألمان فهموا أخيراً بأنهم أوروبيين و لا يجوز لهم الرجوع الی اللعبة القديمة، أي لعبة ميزان القوی في أوروبا، بل عليهم أيّاً كانت النوايا والاستراتيجيات العمل بجدية في إستخلاص النتائج الإيجابية اللازمة من تجارب القرون الأربعة الماضية، وهي كما يلي:
أولاً: تجارب التاريخ علّمت الأمم الأوروبية و بالأخص قياداتها، بأن نتائج كل المحاولات السابقة في بناء قوة مركزية أحادي القطب في أوربا كانت فاشلة، لذا لا يمكن أن يكون نصيب المحاولات المستقبلية في هذا الأمر غير الفشل. والمساعي الرامية من قبل الأتحاد الأوروبي لتعزيز قدرته في مجالات السياسة الخارجية، الإقتصادية ، المالية والأمنية عن طريق عقد معاهدات و سن قوانين تبقی دون فرصة كبيرة.
ثانياً: علی الألمان أن يتذكروا في هذه الحالة كل من ونستون تشرشل، شارل ديغول، جورج مارشال، هنري ترومان و جورج بوش الأب لتسديد ما عليهم، لأن هؤلاء كانوا رجال دولة و قاموا بمساعدة الألمان في ظروفهم الصعبة. وهذا يعني أن علی الألمان أن يدعموا الإتحاد الأوروبي بجدية و تكون مبادراتهم في سبيله هي الأولی. فالمادة 23، فقرة1 من الدستور الألماني تبسط الطريق لهذا الأمر، لأنها تسمح بالتعمق و الإعتصام بحبل الإندماج.  بالطبع يحتاج تبنّي هذا المشروع الی أموال طائلة وعلی الألمان البدء به، وإلا كيف تمكنت دولة المانيا الإتحادية بأن تكون المستفيد الرئيسي من قضية الإندماج الأوروبي؟
ثالثاً: بغض النظر عن الدروس المستخلصة من تجارب القرون الماضية، يجب أن لا يكون الألمان سبب ولادة الجمود والتراجع أو إضمحلال مشروع الإتحاد الأوروبي. فالدول في القارات الأخری تنتظر بفارغ الصبر كي يتصرف هذا الإتحاد أخيراً بصوت وحدوي وهذا يحتاج الی الإرادة الكاملة للعمل المشترك مع الفرنسيين و الإرادة في العمل مع البولنديين بجدية أكثر. و الإرادة في التعاون مع دول الأخری الجوار تعتبر من الضروريات. فالألمان تغيّروا من حيث علاقاتهم بالعالم وتعلموا من ماضيهم. فهم يستطيعون إثبات ذلك بعد دراسة العواقب عن كثب و بإمعان بعيداً عن الاطروحات الطوباوية.
ومن البديهي بأن القارة القديمة تعيش اليوم صراع فكري، كما تشهد المناقشات الخصبة والسجالات الصاخبة حول القضايا الأوروبية المطروحة و الأزمات الإقتصادية في بعض بلدانها، لكن كل ذلك لا ينقص من الحقيقة بإن تلك المجتمعات قامت بتغيير عدتها الفكرية و مهماتها الوجودية وعملت بشكل مثابر علی إختلافاتها و حولّت فكرة الإتحاد الأوروبي الی واقع تداولي معاش، أثّر في الحياة اليومية لجميع الناس و تجسّد ذلك بشكل خاص في العملة الموحدة، التي تسمی "اليورو". 
وختاماً نقول: لا مكان من بعد اليوم لعقليات و حكومات تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية، فدكتاتورية المركز تلوث الفضاء الفكري و تبتلع المجتمع المتفتح الساعي الی تثبيت التعددية و توسيع مدارات الفدرالية و تشجيع الاستثمار في العقل البشري و التخلص من الوصاية النبوية عن كل ما يمكن أن يضيف شيئا جديد.
الدكتور سامان سوراني

72  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / متاريس الأصولية الدينية بين التحجر العقائدي والفقر المعرفي في: 14:07 27/10/2012
متاريس الأصولية الدينية بين التحجر العقائدي والفقر المعرفي

من المعلوم بأن عبادة الأصول، أيّ كانت منابعها، مآلها تحويل الأفكار الی أصنام و شعارات خاوية و ثنائيات خانقة و تدمير إرادة الخلق و مصادر القوة، بعد الوقوع في فخ العقل التقليدي بكل رؤاه الرافضة والمتزمتة. وأن إحتكار المعنی و المشروعية والتمثيل و تأليه الذات لا تولد إلّا الإستبداد أو الإقصاء والأرهاب.
قبل فترة وجيزة ظهرت في إقليم كوردستان مرة أخری أصوات متعصبة، تری بأن طريق الحراك قد سدّت أمامها و أن آمالها قد أحبطت في مسعی للعودة الی طريق الحياة الطهرانية المساواتية، لذا بدأت تنادي الی حجب مقدمي البرامج من النساء و المذيعات الجميلات في القنوات التفزيونية، لأن التجمّل حسب تفسيرها محرّم و جمالهن تؤدي الی ثوران شهوات الرجال، أولئك الذين لا يرون في المرأة إلا الجانب الجنسي فقط. هذه الأصوات تواصل دعواتها للتحريض على العنف والتمييز ضد النساء تحت راية الدين والسنة والأخلاق وتحاول تسييد أنماط معينة من الملابس ومنح صاحباتها فرص أكبر للعمل والظهور الإعلامي.
أما في ما يخص الديمقراطية والأنظمة البرلمانية فإنهم ينظرون اليهما كبدعة محرّمة لا تقلص الفجوة الإجتماعية. عقلهم التقليدي هذا هو الذي يمهد الطريق، برأي رائد حركة ما بعد الحداثة الفيلسوف الفرنسي جان بودرّيار (1929-1997)، لنشأة العقل الإرهابي بين الجماعات المتأسلمة، الذي يدفع صاحبه للعنف، فهو يری بأن عنف الخطاب لا يعادله إلا عنف الإرهاب.
الإنسان في عقله و إنسانيته الحرة و كرامته و الأخلاق المتربطة بها و إختيار الغيتو النفسي و الذهني والفكري كبرنامج للتعامل اليومي و قيادة المجتمع ينتج النّظر إلى النّفس و إلى الآخر  المغاير باستعلاء مضمر أو إحتقار.  ولغة التحريض علی العنف ضد كل من لا يريد أن يبقی داخل إطار الثوابت و القوالب و النماذج الدينية الموروثة هي نوع من أسلحة الدمار الشامل، مآلها تلويث فضاءات التعايش السلمي و الأفكار والممارسات الحية، التي تعمل علی كسر الأيقونات المقدسة والأصنام النظرية.
الأصوليون الدينيون يريدون بهرطقتهم و مواقفهم المصبوغة بالتبريرية الذرائعية التلفيقية أن يصبحوا ملوكاً علی حقول من الجثث بعد تحويل الحياة بأساليب غير متوقعة الی جحيم لا يطاق ولنا في الحركات الأصولية الدينية المتطرفة في أكثر من مكان من هذا العالم نماذج بارزة ليصبحوا لنا خير دليل و أعظم برهان. أصوليتهم الدينية يمكن تحليله ثقافياً من خلال تعريف مفهوم رؤيتهم للعالم. ولا يمكن إخترال أسباب ظهورهم فقط في الفقر والقهر السياسي، بل في تحجرهم العقائدي و فقرهم المعرفي وتزّمتهم الفكري، لأن من لا يعمل في تحقيق مصالحة وإنسجام مع مفهوم الحداثة من خلال قيم الحرية و أصالة حقوق الإنسان و قبول الاختلاف و التعددية لا يستطيع أن يساهم في نشر مفاهيم منفتحة عقلانية أو إنسانية. نحن لا نأمل بأن يعود الدين ليمارس ذروة العدمية والهمجية أو ليتأله دعاته و حماته، لكي يصبحوا عبيداً لنزواتهم و أحلامهم المجنونة و خططهم الجهنمية أو لكي ينتهج أصحابه الهيمنة الشمولية على تفكير الرأي العام والسيطرة على ردود افعاله. إن الخروج من القوقعة العقائدية يفتح الإمكان لملاقاة الآخرين و يتيح للإنسان تكوين ذاته و إعادة بناء الثقة مع سواه و هذا بدوره يتيح التعارف الوجودي أو التعايش السلمي أو التبادل المتكافیء من المساحات واللغات و الأدوات أو الصيغ والأطر.
فمن يؤله رموزه‌ فقط و يجحد رموز الآخرين يعيش في تكاذب مشترك و يتحول كلامه الذي يعلنه عن الوحدة الكوردستانية مجرد خداع، يكون مآله الخلاف والإنشقاق. نهجه‌ الآيديولوجي السلبي القاطن بين أنياب الإيمان الأعمی و جحيم الحلول القصوی يسعى لنصرة معتنقيه وحمايتهم على اساس استثارة معاداتهم.
أما حكومة إقليم كوردستان الفعّالة فهي تسعی اليوم الی تنظيم الإقتصاد و الإنفتاح علی الخارج، بقدر ما تنفتح في الداخل علی المجتمع بمختلف قواه و مستوياته و هيئاته و عناصره، بهدف بناء معادلة مركبة تؤلّف، علی نحو خلاق و مثمر، بين الأهلي والمدني أو بين الخصوصي والعمومي، أو بين الوطني والإقليمي، أو بين المحلي و الكوكبي، وهذا هو الرهان، تحويل عدم الثقة والخوف الی مجالات و مساحات و أسواق للتعايش السلمي والتبادل الغني. 
نحن نعرف بأن وراء كل منظومة تقدم قيماً ومبادئ، كالتربية على الحرية والمساواة، وحق الشعب في إختيار حكامه، وحرية التعبير والصحافة، وسيادة القانون والمساواة، وهذا ما نناضل من أجله، فلا مجال بعد اليوم للجُبن الثقافي، الذي كان وللأسف تحت ظل النظام الشمولي الدكتاتوري في العراق التخصص الأساسي.
وختاماً نقول، بأن من يريد بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل علی نحو سلمي تبادلي في إطار إقليم كوردستان هو من يحسن الإشتغال علی خصوصيته و يقوم بتغيير عدّته الفكرية، سواء من حيث التوجه الفكري أو من حيث شبكة المفاهيم وقواعد المداولة، بتركه العقليات السائدة والمقولات المستهلكة ولا يستخدم المنابر والساحات والشاشات لإعادة عباءة الفقيه و الحجاب والبرقع و لنصب جدران الكره و العداء للتمترس في المعقل الأصولي أو لتحويل الدين الی أداة أو محاكم للإدانة و الإقصاء.
الدكتور سامان سوراني
73  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إعلان الدولة الكوردستانية بين طبول حرب المالكي و جغرافية السياسة الكونية في: 10:42 21/10/2012
إعلان الدولة الكوردستانية  بين طبول حرب المالكي و جغرافية السياسة الكونية

من المعلوم بأن حياة البشر و أوضاعهم تتغيّر أو تتبدّل بفعل أحداث و تطورات تنبثق من داخل المجتمعات التي تتجاوز واقعها و تغيير شرطها الوجودي أو الحضاري، قد تكون علی شكل دعوات أو ثورات و لنا في الثورة الفرنسية العظمی خير شاهد وبيان.
في عهد الدكتاتورية كان هناك  وللأسف "مثقفين" يعملون كأبواق تسبّح بحمد المستبدّ والطاغي صدام حسين، وتبرّر استكباره وبشاعاته بمختلف الذرائع القوموية و الدينية، و تنفي وجود حروبه الهمجية ضد شعب كوردستان المسالم، بالرغم من أنها كانت تعلم بيقين بأن أهل كوردستان تتعرض طوال سنين لكل أنواع التنكيل و التعذيب، إذ قام النظام البعثي الهمجي بزجّ مئات الألوف من الكوردستانيين في غياهب السجون والمعتقلات و قتل آلاف منهم و طمر جثثهم في مقابر جماعية بقيت أماكن الکثير منهم مجهولة لأهاليهم.
و بعد بزوغ فجر عصر تعميم المعلومات، الذي صار أكبر زلزال يدّمر أركان سياسات الاستبداد والإقصاء والإلغاء و بعد أن تحرر العراق من قبضة صدام و أبناء القتلة و مليشياته الأمنية المجرمة، كنا نؤمن بأن المؤسسة الجديدة سوف تنظر الی نهاية صدام الدموي كرسالة موجهة الی كل مستبد متمسك بالسلطة و رافض تداولها، الذي يقهر شعبه و يعتقل أحراره و يكبل بهم و يقمع المحتجين المنادين بالحرية والكرامة والتغيير، لذا ساهمنا في تشكيل و بناء دولة ديمقراطية حديثة، علی أمل إنها تؤمن بالتمثيل السياسي والمناطقي المتوازن و تدعم حق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره، لكن للأسف لم يعمل رئيس الوزراء الحالي، الذي كان أحد المعارضين للنظام الدكتاتوري، منذ تسنمه الرئاسة الی يومنا هذا لإزالة التشنجات الطائفية والمذهبية من النفوس قبل النصوص و ذلك لإخراج العراق من هذا النفق المظلم، و ما محاولاته في تشكيل هيئة وطنية شاملة لإلغاء الطائفية السياسية إلا مناورة منه هدفها التغطية عن أهدافه الطائفية، فكيف ننتظر منه أن يساهم في بناء دولة مدنية حرة مستقلة باسطة شرعيتها علی العراق الفدرالي ويكون له‌ مكان في صنع تاريخ هذا البلد، بعد أن أصبح أسلوب الضغط و الترهيب والتهديد جزء من سياسته الفاشلة؟ نسأله متی كانت المطالبة بالحقوق الدستورية والعدالة تنذر بالفتنة و التفرقة؟ لماذا السعي وراء ممارسة الهيمنة والقهر والإستبداد والعنصرية واللاعقلانية و الأحادية و جعل هذه الآفات تصبح خبزاً للمجتمعات العراقية و أبجدية لثقافاتها؟
نحن نعرف بأن مكونات الشعب العراقي ما يزال عازم على بناء دولته على أسس الحداثة ودولة المواطن، لكن نقوله بصراحة بأن قيادات بعض الأحزاب الدينية لا تؤمن بمبدأ الديمقراطية وممارستها و لا تضع مصلحة العراق وسيادته وقراره الوطني المستقل في مقدمة أولويات عملها السياسي و يعطي لورقة الإصلاح أهمية و لا ترغب في الأنفتاح على المكونات الأخرى.
لذا نستنتج اليوم بأنه لم تعد للشراكة الحكومية في العراق الإتحادي معنیً، بعد أن أصبح الدستور الذي كان وسيطاً و ضماناً بين الشركاء، مهملاً و بعد أن أصبح خرق الدستور أمر طبيعي يعيد نفسه بإستمرار و بعد أن دخلت إتفاقية أربيل في زمن النسيان و بعد أن قرر رئيس الوزراء نوري المالكي بتمحوره الإقليمي البدء في تنفيذ مخططاته‌ و هجماته الغير مشروعة ضد إقليم كوردستان و دئبه‌ بعد تفرده بالسلطة و فرض نفسه عنوة في العاصمة العراقية لإحداث الثغرات في صفوف القوى الكردستانية و في النهاية جرّ العراق بإتجاه الدكتاتورية ودفعه نحو الهاوية. من سيدفع الثمن؟
إن تداعيات سياسات المالكي الغير سليمة أوجدت حالة من غير الاستقرار والقلق ومخاوف حقيقية لدی القوی الديمقراطية الكوردستانية بحيث يفضي كل ذلك وغيره الى نهايات ليست في صالح الجغرافية السياسية لعموم العراق.
الحكومة الإتحادية يجب أن تعرف بأن الكوردستانيين اليوم يعيشون ثورات معرفية، ثورات اكتشاف قيمة الحرية والكرامة، يلتزمون بالدستور و بإنسانيتهم، يمتلكون الإنسانية و يدافعون عنها و بقدر إمتلاكهم لإنسانيتهم يمتلكون الحرية في إصدار القرار، يسعون في رسم مسارات حياتهم الشخصية والقومية، مدركين إنتماءهم الی الجنس البشري و قيمة مسؤولياته، لا يتقبّلون بعد اليوم ساسة مستبدين، يخدعونهم بأبواقهم و ترّهاتهم و تهوراتهم المتخلفة.  نقول لا جدوی من إنقضاض خريجي المعاهد الشمولية علی تطلعات و آمال الشعب الكوردستاني و أخيراً لن يصمد أصحاب الفكر الأحادي والنزعة الشمولية أمام إرادة شعب كوردستان.
وختاماً يقول فيلسوف الإرادة الألماني فردريش نيتشه (1844-1900): "لا تمشِ في طريق من طرق الحياة إلا ومعك سوط عزيمتك وإرادتك لتلهب به كل عقبة تعترض طريقك."
الدكتور سامان سوراني

74  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ما هي التداعيات الإيجابية من المؤتمر العلمي الكوردستاني العالمي؟ في: 14:20 18/10/2012
ما هي التداعيات الإيجابية من المؤتمر العلمي الكوردستاني العالمي؟

من المعلوم بأن الحداثة بموروثها الإجتماعي، إبتداءً من العناصر الإيجابية والفاعلة في المجتمع، تعني ديناميكية إجتماعية يمكن توظيفها في حركة مستمرة لتطوير المجتمع بكل فئاته وطبقاته ومناطقه وقواه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والإدارية وغيرها. و من غير الممكن أن تكون الحداثة نوع من التقليد أو الإستعارة أو الإنغلاق علی الذات و رفض الآخر بغرض الحفاظ علی الهوية والأصالة أو عقائد ما ورائية جوهرانية ثابتة أو أوهام التوافق الفكري و جدلية التماثل.
ففي الخامس عشر من هذا الشهر إنتهت أعمال المؤتمر الكوردستاني العلمي العالمي الثاني بعد أن أفتتح بتاريخ 2012.10.12 من قبل رئيس إقليم كوردستان السيد مسعود بارزاني، الذي أكد أمام الباحثين و الاكاديميين الحاضرين مدی حاجة الإقليم الی أعمال و إختصاصات المشاركين لسد الثغرات والنواقص الموجودة و مدی جديّة الحكومة للإستماع اليهم و العمل بنصائحهم، لأن العلم في نظره يلعب اليوم دور الفاعل الأساسي في حياة هذه الحضارة، التي نعيشها على كل المستويات و يفتح آفاقاً لم تكن الإنسانية تحلم بها من قبل. سيادته‌ يؤمن بأن للعلوم أثر إيجابي على الأفكار والتقنيات والأنظمة السياسية والاجتماعية و أن شيوع العلم في إقليم كوردستان ضرورة ملحة لتخطي الحروب و التأخر والجهل.
شارك في هذا المؤتمر العلمي مايقارب 600 أكاديمي و باحث كوردستاني من المقيمين في الخارج وكذلك من الفاعلين في جامعات اقليم كردستان ومؤسساته الحكومي بهدف تطوير كوردستان بالعلم والتراث، وكانت الأكثرية منهم قادمة من الدول الغربية و أمريكا الشمالية و القارة الأسترالية قدموا بحوث ومحاضرات قيمة حول طرق تطوير تطوير البنية التحتية لإقليم كوردستان في المجالات المختلفة منها التربية و التعليم العالي والبحث العلمي والزارعة والصحة.
العلم كما يصفه الشخصية التنورية البارزة والمصلح الإجتماعي فرانسوا ماري أرويه المعروف بإسم فولتير (1694-1778) كالأرض لا يمكننا أن نمتلك منه سوى القليل، لكن المؤتمر كان بداية جيدة لاقامة جسر للتواصل مع الخبرات الكوردستانين و القابليات المبعثرة والمفيدة الموجودة في الخارج و القادرة علی نقل الخبرات والتجارب من الدول المتقدمة الی إقليم كوردستان.
إن تعاطي الكوردستانيين مع التراث والحداثة بطريقة عصرية يفسح لهم الطريق للإنخراط في المشكلات الفكرية والعلمية لهذا العصر و فهم الحياة المعاصرة. فالحداثة هي جهد و إجتهاد، مراكمة و تكديس، عمل و مراس، صناعة و تحويل، بناء و تركيب، علی نحو متواصل، بصورة نتغير بها بتغير صورتنا علی أنفسنا والعالم، عبر المشاركة في ورشة الخلق والإنتاج.
فلكي ننخرط في أعمال التحديث و التطوير و نزداد إنتاجية و إستهلاكا و قدرة و فاعلية، علينا بالإبتعاد عن الحريات الشخصية، التي يمارسها الفرد في المجتمع الكوردستاني، بصورة إستبدادية أو عشوائية أو عقيمة أو كسولة.
أما النماذج الأصولية الدينية، التي كانت تهدف في إقحام الدين بطريقة فجة وملتوية وقسرية في كل مفاصل الحياة العصرية والتي إتجهت في التسعينيات من القرن الماضي بكامل طاقاتها وأدبياتها إلى شرعنة الحياة وأصلنتها في كل مفاصلها، تركت بنفيها الوقائع و قفزها فوق الحقائق أصداء سلبية، ساعدت علی سد الكثير من الخطوط للمساهمة في ورشة الإنتاج و صوغ المصائر.
من جملة البحوث التي قدمت في المؤتمر، كان بحث أكاديمي كوردستاني حول اللغة الكوردية و مسألة توحيد اللهجات المختلفة. معلوم بأن اللغة الكوردية تكون قادرة علی هضم و إمتصاص العلوم الحديثة، إذا تم تبسيطها و تقريبها من الحياة المعاصرة و إذا تمكنت من مسايرة إتجاهات العلوم الحديثة و إتجاهات التطور الحديث. من غير ذلك تصبح اللغة وسيلة متحفية لا تصلح للتفاعل مع الحياة بإنسيابية ومرونة مطلقة. و لكي نحرر اللغة من قيود الماضي، حتی يقوم الأصوب بإحتلال العقل لا الأسبق ولكي تنطلق الإنتاج الثقافي للتفاعل مع الحداثة، عليه أن ينفتح الفرد الكوردستاني و يتحرر من أسر التفاسير الدوغمائية المنغلقة ويتعاطی بعقلية إنفتاحية عصرية مع صيرورة الثقافات وتموجاتها المتحركة، بحيث يكون قادر علی على التجاذب الحي والمرن مع كافة التداخلات الفكرية التي أصبحت اليوم سمة العصر الرقمي، الذي نعيشه.
إن تشكيل قواعد جديدة للعمل العلمي الكوردستاني المشترك تسهل الطريق أمام الإنخراط في المناقشات العالمية و تساهم في بلورة قيم جديدة للشراكة البشرية.
و ما القدرة علی الخلق والإبتكار في مجالات العمل والإنتاج، العلمية و التقنية، أو السياسية والإقتصادية، أو الإعلامية و المجتمعية، أو الأدبية والثقافي، إلا نوع من الإصلاح، الذي يؤدي الی ممارسة سياسة الإعتراف و إتقان لغة التوسط و فن التعايش و ممارسة الهوية علی سبيل التنوع و التفرّد. إذن علينا بشحذ العقول الكوردستانية و إنشاء مراكز البحث والإشتغال علی الذات بالمراجعة والمحاسبة أو بالنقد و الفحص. 
و ختاماً: الحياة ليست نظريات ثابتة وأقاويل مقدسة غير قابلة للتغيير، لكن لا تدع غيرك يلون حياتك فربما لا يملك بيده سوى قلم أسود.
الدكتور سامان سوراني 
75  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / آراء كوردستانية في زمن ثورات القوة الناعمة و سباق العقول في: 16:27 10/10/2012
آراء كوردستانية في زمن ثورات القوة الناعمة و سباق العقول

من المعلوم بأن التفكير هو ميزة الإنسان ورأسماله الأول، الذي يستثمره في مساعيه ومشاريعه و أعماله و سائر أنشطته‌، فما توصل اليه العالمان الفرنسي سارج اروش والأمريكي ديفيد واينلاند هو الوصول الی قياس جسيمات الكم المراوغة دون تدميرها، وهذا يعني التلاعب بالجزيئات الأحادية دون التأثير على الطبيعة الميكانيكية للمادة، مما يسهل الأمر في صنع نوع جديد من أجهزة الحاسوب أقوى بفارق أكبر من كل الأجهزة السابقة و بسبب إكتشافهم النادر هذا فازوا بجائزة نوبل للفيزياء لعام 2012.
نحن نری في أدوات العولمة الفائقة و الشبكات العنكبوتية والوقائع الإفتراضية معطيات لا غنی عنها في فهم الواقع و إدارته و تغييره، فهي، إن شئنا أم أبينا، قد غيّرت نظرتنا الی أنفسنا و بدّلت موقعنا في العالم.
بعد هذه التحولات الجذرية، التي هي بمثابة فرصة وجودية أمامنا، علينا في كوردستان بالتقدم و نخطوا خطوات كبيرة نحو الأمام و نتخلی عن قصورنا الثقافي و ننهض من تخلّفنا الفكري و نكسر عقليات البيروقراطية الفوقية لإدارة شؤوننا بعقل أفقي، تواصلي، تبادلي، ومن لا يشخص الواقع لا يجد مخارج من الأفخاخ والمآزق.
أما في العراق فنحن لا نعرف متی يخرج "شركائنا" في هذه الدولة "الإتحادية الفدرالية" من سجونهم العقائدية القومومية، لينخرطوا في تغيير واقعهم و يشاركوا في التحولات العالمية علی غير مستویً و صعيد.
فبعد سقوط الطاغوت الأكبر في المنطقة عام 2003 كنّا نأمل بأن التحولات في هذا البلد سوف تتجه نحو الدولة الديمقراطية، التي تحافظ علی الإرادة العامة و تنهض بفيدرالية عادلة و حرّة، بعد أن إنتهی من دكتاتورية البعث،. ما لا يفاجئنا بالمرّة هو المحاولة الجديدة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في التقارب العسكري مع موسكو و تعزيز تنسيقه معها لتشكيل محور للتعاون الامني والعسكري الإستراتيجي المستقبلي مع بلدان ديكتاتورية أخری في المنطقة.
رئيس مجلس الوزراء ينظر الی الدستور الإرضائي، الذي يعطي الشيء و نقيضه، من زاوية أفكاره وعقائده ومرجعياته ومصالحه الشخصية، لذا نراه يقوم بالتجهيز و شراء أسلحة ثقيلة، منها طائرات مقاتلة. هدفه هو استعباد العقول والسيطرة علی الأفكار و قمع كل من لا يرقص علی تصنيفاته الموسيقية المزخرفة بتقاسيم الحروب.
السيد نوري المالكي، الذي يريد بنزعته الإنفرادية الإستئثارية أن يتحول من ضحية الی مستبد، يسعی اليوم علی تقوية الحكومة الإتحادية وقراراته على حساب الإقليم الى الدرجة التي تصبح فيها عدد غير قليل من هذه القرارات إستبدادية، يشحن الأجواء و لا يترك مجالاً لتنامي صفاء النيات والتفاهم بما يعزز الشعور لدی الكوردستانيين بأنه‌ عليهم السعي في سبيل إنجاح التجربة الفيدرالية. و في ظل غياب الإرادة الوطنية عنده في حل الأزمات الفيدرالية و المماطلة في تطبيق بنود الدستور يخسر العراق فرص كثيرة للبناء والتقدم، فكيف بتفهّم المشكلات وإجتراح الحلول الجذرية المناسبة لها.
نقول للذين يشهرون سيف الدفاع عن الهويات والمذاهب بعقلية القوقعة والمحافظة، أنتم بزيفكم الوجودي جنود تقاتلون من أجل أسوأ التقاليد و أكثرها عمقاً، لا تستطيعون تحقيق تنمية أو تغير واقع، بل تتجهون نحو التراجع و تنتهكون ما تدعون اليه، مآل عملكم هو تدمير الحاضر وإفتراس المستقبل.
زمننا هو زمن ثورات القوة الناعمة، تتعولم الأفكار و الثقافات و تتغير شيفرات التفكير و برامج العقول و خرائط المعرفة وقواعد المداولة، لذا نراه من الأولی ممارسة التقی والتواضع بالثورة علی الذات للتخفيف من أمراضها النرجسية والمركزية الإصطفائية والإمبريالية والإستبدادية. فالتأله والتقديس ينشر الشعوذة و يزرع الخراب و يولّد البربرية.
فالثورات الحاضرة لا تلغي مكتسبات الثورات التنويرية والسياسية والتحررية، لكنها تتجاوز ما استهلك منها، تختلف عما سبقها في رموزها و لغتها و عناوينها، فهي تحمل في طياتها أدوات تقلل من سلطة الأنظمة الشمولية بقدر ما هي تفضح المحاولات العسكرية الفوقية، التي لا تنتج سوی التخلف و الإستبداد. 
و حكومة إقليم كوردستان و أحزابها الوطنية تعمل بوثوق في سبيل الحصول علی درجات جيدة في إمتحانات الديمقراطية والتنمية والعدالة والكرامة، لكي تصنع مستقبلاً جديداً، بحيث تنكسر الصور النمطية السلبية، التي ترسمه أعداءهم و أعداء الديمقراطية لهم. أما شعب كوردستان فهو يأمل في أن يكون فاعل قوي في بناء الحضارة و صناعة المعرفة والحداثة والتقدم، لكي ينخرط و يشارك مع بقية الجماعات و الأمم في رسم مستقبل أفضل للمنطقة. 
و ختاماً نقول، لا لديكتاتورية السلاح و لا للاستقواء علی الدولة و إذا كان إقليم كوردستان حسب تفسير رئيس مجلس الوزراء العراقي جزء من العراق الفدرالي فإن الدفاع هو أمر مشترك، وما هو مشترك يخضع دوماً للمناقشة المفتوحة، العلنية والعمومية.
الدكتور سامان سوراني
76  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دولة كوردستان المستقلة بين التحدي والإستجابة في: 13:41 08/10/2012
دولة كوردستان المستقلة بين التحدي والإستجابة

المؤرخ و الفيلسوف البريطاني المشهور أرنولد جوزف تُوينبي ( 1889-1975)، الذي إستلهم نظريته في "التحدي والإستجابة" من عِلم النَفس السلوكيّ لمؤسس علم النفس التحليلي السويسري كارل غوستاف يونغ (1875-1961) والذي كان متأثراً في فكرته حول دور الاقلية المبدعة في بناء التقدم الحضاري بمفاهيم الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859-1941) يقول:
"إنَّ الفَرد الذي يتعرَّضُ لصدمةٍ قد يفقدُ توازُنَه لفترةٍ ما، ثمَّ قد يستجيبُ لها بنوعَين من الاستجابة: الأُولى النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسُّك به تعويضًا عن واقعه المُرّ، فيُصبح إنطوائيّاً؛ والثانية، تقبُّل هذه الصدمة والاعتراف بها ثمَّ مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيّاً. فالحالة الأولى تُعتَبرُ استجابةً سلبيَّة، والثانية إيجابيَّة بالنسبة لعلم النفس".
الكوردستانيون، الذين يمثلون كيان تاريخي، له هويته القومية الواضحة، يربو عددهم الآن أكثر من 40 مليوناً، هُم حسب منطوق نظرية تقرير المصير أكبر شعب في العالم ليس لديهم دولة، تعرضوا الی أقسی المجازر وحشية وأعنف قصف بالغازات السامة و مورس ضدهم أساليب لاإنسانية في تهجيرهم بشكل جماعي قسري من مناطقهم الجغرافية و سياسة التمييز اللغوي لكسر شوكتهم وحسهم الوطني، لكنهم و بحكم إمتلاكهم لحركات قومية قوية باتوا في الآونة الأخيرة أحد العوامل الأساسية في السياسة الداخلية والخارجية لتلك الدول التي تحتل الی يومنا هذا أجزاء كبيرة من وطنهم كوردستان.
بناء الدولة الكوردستانية ليست مجرد فكرة تقتبس أو صيغة تطبق، وإنما هو عمل شاق ومتواصل يقوم به كل فرد من أفراد المجتمع الكوردستاني علی نفسه، علی غير مستوی أو صعيد، من أجل تحويل الإختلافات الفطرية أو العصبيات الجمعية أو التكتلات الفئوية الغير مسؤولة الی علاقات وطنية تتيح التعامل مع السلطة الوطنية في جميع دوائرها و مستوياتها.
فالقوَّة الخلاَّقة و الوعي بالذات تصنع الوحدة في كيان المُجتمع، الذي هو بمثابة وسط للتعدد و فضاء للمداولة بقدر ماهو شبكة من التأثيرات المتبادلة والعلائق المتحوّلة. الوعي بالذات يسهم في تكوين طبيعة الدولة المستقلة، و من ثم الانتماء إلى إشارات ثقافية و جغرافية. 
لقد ولّی زمن المثل القائل، بأنه ليس للكورد صديق غير جباله، أو ذكر ححج واهية من قبل المثقف الأبله، الذي يُرجع أسباب عدم بناء الدولة الكوردستانية الی التضاريس الأرضية، كون معظم أراضي كوردستان جبال و سهول أوالموقع الجغرافي والظروف الإقليمية والدولية. فالذي لايعرف الرقص يقول دوماً بأن الارض ليست معتدلة.
نحن كشعب نعرف بأن الماضي هو زمن من أزمنتنا المتداخلة والمتعاصرة، بل هو طبقة من طبقات وعينا المركب الذي يمكن قراءته علی نحو جيولوجي، نمتلك إرادة التضحية والتاريخ شاهد علی مانقول. لكن الذي نحتاجه اليوم في عصر التغيير هو خلق إرادة المجازفة، لمواجهة التحولات والإستحقاقات و الإشتغال علی الهوية والذاكرة والتراث من أجل تحويل ذلك الی عمل منتج أو الی ممارسة إبداعية تتجسد في صناعة الإستقلال و نسج علاقة مع العالم راهة و فاعلة، سيما أن العالم لم يعد كما كان عليه، بل هو يتغير بصورة جذرية و بنيوية متسارعة. علينا بتثوير الإدراك وحرية الإنسان وإمتحان القِيَم قبل تبنِّيها، فثورة الإنسان على داخله، كما يراه الفيلسوف الياباني المعاصر دايساكو إكيدا، هي الشرط الضروري للتقدم والمساهمة الفعالة في سبيل بناء الوطن. فالقضايا الوطنية والمصالح العمومية يجب أن تدار بسياسة جديدة من مفرداتها ومفاهيمها و قواعدها الخلق والتحويل والتجاوز بعد أن سجلت نهاية لنظرية المؤامرة والأجندات الخارجية.
ومن المعلوم بأنه لا ينهض و لا يتقدم من لا تفضي به تجاربه إلی تغيير مفاهيمه عن النهوض والتقدم ولا ممارسة بلا نظرية، و لا فاعلية من دون شكل من أشكال العقلنة، للنشاطات والتصرفات، يتيح الحصر والضبط والتنظيم، نمذجةً أو قولبةً أو برمجةً. وعقلية العصر الرقمي تطلب منّا بناء أفراد لهم الإيمان الكامل بذواتهم، أحرار قادرين علی بناء مجتمع قوي قادر، أفراد لا يؤمنون بالإقصاء الذي يلازم كل فكر ضعيف أو متستر أو مداهن، ليستمد قوته من تهميش الآخرين.
الهدف من بناء الدولة الكوردستانية المستقلة، التي هي حقيقة وسلطة الواحد علی الآخر والتي نبنيه اليوم بجهودنا و عقولنا ليعترف بها الآخرون غداً، هو تحرير الأفراد و الحفاظ على أمنهم و تمكنهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية ممارسة عقلية و حمايتهم من كل أشكال العنف و التسلط و تنمية قدراتهم الجسدية و الذهنية، شريطة عدم إلحاق الضرر بالآخرين. لنصرف الإنتباه إلى عالم ما تحت الوعي الكامن وراء الأعمال والأفكار والرغائب البشرية و لنعشق السلام و نناضل من أجله  ولنجعل القرن الحادي والعشرين فضاء للأمل والسلام والحياة الحرة الكريمة لشعوب كوردستان والمنطقة ولنخرج من قوقعتنا الفكرية و نهتم بكل ما يجري في هذا العالم من تغييرات و أحداث ونصنع حداثتنا و حقيقتنا من خلال خلقنا ما نتفرد به من التجارب التاريخية ونجدد أدواتنا في الفهم و التفكيك و نقتحم العالم بفكرنا الجديد. الفرد الكوردستاني قادر علی هذا، لأنه صاحب إرادة، عليه أن لا يهاب المجازفة، من غير ذلك يسهم الواحد في إنتهاك شعاراته و إعادة إنتاج مأزقه و خسارة قضايا والتواطؤ مع ضده، لإنتاج المساویء والتهم المتبادلة أو الدمار المتبادل. وختاماً: " إن الثورة العظيمة في حياة فرد واحد قادرة على تحويل مصير مجتمع بأسره، لا وبل على تغيير قدر البشرية جمعاء."
الدكتور سامان سوراني
77  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الرئيس مسعود بارزاني والدعوة الصادقة الی إنتهاج سياسة اللاعنف في: 18:15 06/10/2012
الرئيس مسعود بارزاني  والدعوة الصادقة الی إنتهاج سياسة اللاعنف

من المعلوم بأن العنف يرجئ الإيجابية إلى زمن مجهول و يضيف إلى الخسارات خسارات جديدة و يقطع جسور السلام والمحبة و يخلق جدران الحقد والكراهية. الفيلسوف و المؤلف الشهير و مؤسس حركة الإيكولوجيا الأمريكي Henry David Thoreau (1817 - 1862)، الذي إستخدم فلسفة اللاعنف كمنهج لحياته، كونه يبني غايته عبر أنشطته ذاتها، كان أول من حرّض على العمل بأسلوب العصيان المدني، لإنتزاع الحقوق ورفض الظلم. وكان لأعماله و كتبه في اللاعنف أثر بليغ علی شخصيات معروفة أمثال الروائي العالمي الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي (1828-1910) و معجزة السلم الأسطوري موهانداس كرمشاند غاندي (1869-1948) و الخطيب التاريخي، قائد مناهضة التمييز العنصري مارتن لوثر كنج جونيور (1929-1968).
شهدت الآونة الأخيرة زيادة ملحوظة حول العالم في حركات اللاعنف، التي أثبتت بأنها إرادة الشعب وقوته في إستهداف تعزيز حقوق الإنسان و التحرر من أسر التاريخ و حتمياته و تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات و الإطاحة بالأنظمة المستبدة الغاشمة. 
اللاعنف هو قديم قدم البشرية، لكنه السلاح الأقدر على بناء المجتمع المدني المتحضر، الذي تُحترم فيه إنسانية الانسان وتُحفظ كرامته وحقوقه من خلال اعتماد المسؤولين علی سياسة التفاهم والتواؤم والانسجام ومعالجة التناقضات عبر المنافذ التحاورية المتحضرة التي غالباً ما تضع الأمور في نصابها وتتعاطى مع الإشكالات بحكمة وروية وهدوء.
ومن الواضح بأن فتح ممكنات جديدة أمام العمل في سبيل حق شعب كوردستان العابر لحدود الإقليم و المستوعب لحراك المجتمع الكوردستاني و متغييرات العالم يحتاج الی فكر جديد تتغيّر معه المفاهيم والمواقف والممارسات. ففي الخطاب التاريخي الذي القاه الرئيس مسعود بارزاني باللغة الكوردية بتاريخ 2012.09.30 في المؤتمر الرابع لحزب العدالة والتنمية التركي، بحضور جمع غفير من أعضاء هذا الحزب الحاكم في تركيا و وأمام وفود أكثر من 90 دولة مشاركة، تم إستعراض الوضع الراهن في اقليم كوردستان وتأريخ العلاقة بين تركيا والاقليم ومختلف الشؤون المحلية والاقليمية والدولية.
لكن الذي نحن هنا بصدده، هو تأكيد سيادته علی أن اللاعنف هو الطريق الأمثل لإدارة المصالح العمومية بعقلية السياسي المحترف و للوصول الی اﻟﻬدف اﻟﻤﺒﺘﻐﯽ وإستعمال فن الحوار الهادیء كوسيلة للتواصل و منها نستنبط قناعته‌ التامة بسياسة اللاعنف، كأداة للوصول الی حل القضايا الكوردستانية مع الدول التي تحتل اليوم وللأسف أجزاء من أراضي كوردستان و تسلب من هذا الشعب الخالد الحقوق الشرعية في تقرير مصيره و تنكر بسبب التفكير بمنطق الضد و الإقصاء في بعض من مناطقه وجوده. هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات.
بديهي بأن العنف من صنع البشر و الرئيس مسعود بارزاني يؤكد بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء و لنا القدرة علی إعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة. ففلسفة السلم تحمل في طياتها السلام الظاهري وتری في تثبيت الديمقراطية الحقيقية طريق معبّد لضمان النفس والجماعة.
في عصر تشابك المصائر والمصالح وعولمة الحروب والهويات تثبت التجارب بأن من يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق و يتمكن من أن يقرأ و يشخص لكي يركب الإمكانات و يجترح الوسائل لتحسين الأوضاع أو لحل المشكلات. فالأفكار الخصبة والتجارب الفذة والنماذج الناجحة في مكان ما، تغدو ملك البشرية جمعاء، أياً كان مصدرها، كما يشهد التفاعل بين الحضارات منذ أقدم الأزمنة، فلتنسج العلاقات في المنطقة بعقلية السلم والشراكة و لغة التسوية و ثقافة التعدد والتنوع، علی نحو يفتح آفاق الحوار والتعاون والتضامن علی سبيل النفع المتبادل و الإثراء المتبادل.
و السلم مرتبط بسعادة الجماعة الراهنة التي تبحث عن العيش في سلام، أما الحرب والعنف والتطرف فهي سلوك يعكس ضعف الإنسان في ضبط تعامله وانفعالاته و من الممكن أن تكون الحرب ضرورة حتمية لكنها تبقی حتمية محزنة تبرز ضعف ديناميكية الفكر الإنساني و قصور عقله.
علينا إذن بتبني سياسة اللاعنف للإنخراط في المناقشة العالمية، وللمساهمة بشكل بناء و مثمر في تطوير مفهوم الديمقراطية و فتح ممكنات جديدة أمام العمل الديمقراطي.
و ختاماً: فإن الديمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفكر فيه و نصنعه، فهي صيرورة مفهومها علی مستوی الفكر و ثمرة التجارب الفذة والغنية علی أرض الواقع البشري الملغم دوماً بالأهواء والمطامع أو بالجهل و النسيان أو بالخداع والأوهام ومن لا يتقدم يتراجع لا محالة ومن لا يتغير تهمشه المتغيرات أو تنتقم منه الوقائع.
الدكتور سامان سوراني

78  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جرائم النظام البعثي في سوريا و سكوت الآلهة! في: 12:14 02/10/2012
جرائم النظام البعثي في سوريا و سكوت الآلهة!

من المعلوم أن الحرية ليست سوی بحث عن القيم و سعي وراء الممكنات و جهد متواصل من أجل العمل علی تحقيقها. فهي تعبّر عن قدرة المرء علی العودة الی ينبوع نشاطه والرجوع الی مصدر فاعليته، وهذا الينبوع هو مصدر كل شيء، لأنه أصل كل ما في الوجود. الحرية ‌هي الأصل في نشأة المجتمع و لا يمكن أن يقوم المجتمع إلا علی أساس الحرية.
فمع ولادة "البعث" في أربعينيات القرن الماضي بدأ المأزق الحضاري بعناوينه و نسخه في سوريا و بدأت طريقة التعاطي مع الحقوق والحريات تبنی علی شعارات تراجعية مستهلكة كالتحرير والمقاومة و الممانعة و تبطن برفض المفاهيم و النظم، التي كان من السهل إستثمارها في أعمال التحديث و الإنماء أو تجسيدها في إحترام الحقوق وإطلاق حريات التفکير والتعبير و التنظيم.
الدولة الشمولية في سوريا، التي تحولت بساديتها و فاشيتها الی كابوس يجثم علی العقول والأجساد، لم تقم في يوم من الأيام بتسليط الضوء علی الآفات والأخطاء بل إستخدمت فنون التمويه والشعوذة لتحويل الكوارث والهزائم الی نصر و بطولات و قاعدة التستر علی الأخطاء والمساویء، لكي تفعل فعلها بصورة مضاعفة فساداً و إستبداداً.
واليوم يشغل النظام الاستخباري الاستبدادي العنصري الدموي في سوريا بتعتيم شامل و إصرار سلطوي أبشع الآلات الجهنمية التطهيرية ليحصد كل يوم أرواح المئات من المدنيين. نحن لا نری أي تراجع عن الإستمرار في جرائمه و إقترافه المحظور والمجتمع الدولي والشعوب الحية والحرة والضمائر الإنسانية لا تتحرك لإيقاف الهجمات الجوية والميدانية و الممارسات اللاإنسانية من قبل هذا النظام الطاغي، الذي يعيش تداعيات النهاية الحتمية، ضد الشعب الحر المنتفض، الذي يراهن على العالم لنصرته، وتخليصه منه‌.
نحن اليوم إزاء ثورة عابرة في سوريا متحررة الی حدّ ما من القوالب الإيديولوجية التي تختزل الحياة و تستعبد الشعوب لكي تصادر الحريات و تُفقر المجتمعات، فلا مجال بعد للتصورات الفردوسية والطوباوية والخلاصية و لا مكان للنماذج التي تدّعي تقمص دور الزعيم الأوحد والقائد الملهم والبطل المنقذ فيها. 
وهناك دول أقليمية إنتهازية المشرب و شوفينية المطلب تدعم هذا النظام الشمولي و تنسی بأنها سوف تكون في يوم من الأيام مسئولة أمام التاريخ أو تمر بنفس المرحلة، التي يمر به النظام السوري اليوم.
و نظن بأن سرّ سكوت الآلهة الغربية التي تحكم اليوم بمصائر العالم علی كل هذه المجازر الوحشية تكمن في أن لا يقرر الشعب السوري مصيره، ويختار نظاماً يمثله. والدول ذات الفيتو كالصين وروسيا، التي تخادع الشعب السوري بشعارات مستهلكة و تساند النظام، الذي فقد المصداقية والمشروعية بسبب أعماله البربرية، يضعون منافعهم الإقتصادية و أطماعهم الطفيلية فوق أرواح الضحايا والأبرياء. هذه الدول منشغلة اليوم بالتنافس حول الامتيازات الممكنة بعد سقوط النظام الفاسد، الذي كان يرعى مصالحها بشكل أو بآخر.
نحن نعرف بأن للثورات أبعادها الطوباوية أيضاً، لكن أملنا أن تستثمر طاقات هذه الثورة علی نحو إيجابي لصياغة العلاقات بين المكونات في مناخات الإعتراف المتبادل و التلاقح والتعاون، بصورة تتيح للخصوصيات أن تتجلی علی سبيل النفع المتبادل وأن لا تأكل هذه الثورة بالذات أبناءها و لا تسعی في إنتاج أشكال جديدة من العبودية ولا تتحول الی مجرد ثورة دينية إرتدادية تعمل بمنطق الإرهاب و تهتم بقولبة العقول و تعبئة الحشود و تخلق أعداء للمواجهة و المحاربة والإستئصال و تحول العمل الديني من أفيون مخدر الی فيروس قاتل يفتك بالمجتمعات السورية لتجعل من الهوية فخ و عصاب و مأزق.
الرهان، هو أن لا يكون إسقاط النظام مسيرة نحو الأسوء والأخطر لتزداد الإنتهاكات و الإساءات و تقطع جسور التواصل و تسمم نظام التعايش بين الكيانات المختلفة في سوريا وتبرز استراتيجيات الرفض المتبادل و تسود لغة العداء، بل تجاوز التقسيمات الحاسمة والنهائية، لصنع قوی هادئة، مدنية، تواصلية و بناءة.
و ختاماً: إن الدولة الكلانية تسحق الفرد دوماً و تبتلع المجتمع المدني و مؤسساته و واقع التاريخ يقول بأن لكل ظالم و مستبد نهاية و لا شك في أن عصر الدکتاتورية الأسود في سوريا قد ينقضى ولا يكون هناك مجال للعودة الى الوراء مطلقاً.
الدكتور سامان سوراني

79  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فِقه المالكي في التفرّد وثقافة عدم الإعتراف بحكومة إقليم كوردستان في: 18:52 30/09/2012
فِقه المالكي في التفرّد وثقافة عدم الإعتراف بحكومة إقليم كوردستان

ﺒﻌد اﻨﻘﺸﺎع ﺤﻘﺒﺔ اﻟﺤﮐم اﻟﺸﻤوﻟﻲ في العراق و سقوط أحد أصنام الفكر القومي العروبي في المنطقة كنّا نأمل بأن خارطة العلاقات بالمفاهيم والأشياء سوف تتغير والذوات تتأنسن و الهويات العنصرية المصبوغة بالأصولية المقيتة تذهب الی غير رجعة و الأحزاب والتيارات السياسية، التي تريد أن تكون لاعباً أساسياً علی المسرح العراقي و فاعلاً قوياً في المشهد السياسي سوف تجرّد فلسفتها في الحكم و الإجتماع من كافة الأفكار والعقائد و الصفات و الشعائر و الشعارات الميتة أو المستهلكة، التي تبقی دوماً عائقاً أمام بلورة صيغة جديدة للوجود أو مشروع للحياة. وكنّا نظن بأن تلك الأحزاب والتيارات السياسية، التي ذاقت الإضطهاد والممارسات التعسفية اللإنسانية من قبل أيادي الغدر البعثي سوف تدعم التركيبة الجديدة للعراق و تساند القضية العادلة لشعب كوردستان و حقه في تقرير المصير أو بناء دولته الكوردستانية المستقلة أسوة بالشعوب الأخری في العالم وتعمل علی إنماء الشراكة والمبادلة والتعاون والتضامن في مواجهة القوی التي تنوي خلق الإنسان الأمبريالي الساعي الی نشر أسمائه وصوره أو سلطته بهدف فتح الإمكان أمام الحرب الأهلية المذهبية والقومية و بناء حكومة الشراكة الملغومة.
تفائلنا بالخير لم يجلب معه شيء إيجابي لنا، فالواقع اليوم العراق الإتحادي تقودنا نحو حكومة تطبق فقه نوري المالكي و تسعی في  إنهاض المشاريع الإنفرادية لتشكيل النموذج الديكتاتوري الفردوي و قولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع العراقي لتحويل الناس الی شهداء و ضحايا لدعوات مستحيلة أو لاستراتيجيات لا تعود بالنفع علی البلاد و العباد بدافع ردع التجربة الديمقراطية في إقليم كوردستان و إزالة الآخر المخلتف المخالف لهذا النهج و إن أمكن سلب حقوقه.
فقه المالكي أو معتقده الإصطفائي يحمل في طياته نظرية ولاية الفقيه، فهو يری بأن برنامجه الحزبي أو نصه المقدّس، بعد القيام بعسكرة المجتمع وتخصيص ميزانية ضخمة لوزارتي الدفاع والداخلية، إذا طبّق فسوف يأتي بالفرج و السعادة لكافة العراقيين، وهكذا يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي و عقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل و المآل هو فشل صناعة الحضارة و ممارسة القوة الهادئة.
التحركات العسكرية الإستفزازية في المناطق المتاخمة لحدود إقليم كوردستان والهجمات الهمجية المتتالية علی مقرات المجتمع المدني و المكتبات المتواجدة في شارع المتنبي بالعاصمة بغداد و التصريحات السامة لأعضاء في إئتلاف "دولة القانون" كالأسدي و المطلبي ضد رئيس إقليم كوردستان خير دليل علی سعي أجهزة السلطة المالكية في جس نبض الشارع والأحزاب السياسية المتواجدة علی الساحة و معرفة إنعكاساتها. البارز في المشهد العراقي ليس الإختراع والإبداع، بل التجييش والحشد و الخطب النارية و المواقف الإستفزازية و لغة الوعد والوعيد و إن أمكن تصدير ماركة الحجاب والدم والتضحية. هل كان هذا ما يتمناه مؤسس حزب الدعوة، الشهيد المفكر محمد باقر الصدر؟ أين حكومة المالكي في تفعيل دور المواطن، وبث الروح الايجابية فيه؟
المجتمعات العراقية تحتاج الی الفرد القادر والفاعل الذي يمارس حيويته إنتاجاً و إبداعاً أو تميّزاً وتفرداً، وليس الفرد الذي يكون مجرد نسخة عن غيره أو صدی لزعيمه، كما يجري في نظام فقه المالكي. من يشيع العنف و يتبنی ممارسة خياراته، لا يحترم الدستور، بل يخرقه من بابه الواسع و من لا يغير شاشة الرؤية السياسية و يعيد النظر بالمسلمات والبداهات و لا يعود بأسئلته الی البداية ينتج إستراتيجيات الرفض والإستبعاد و إستئصال الشريك في الحكم، التي تترجم عداء و بغضاً أو نزعات و حروب بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم. نسأله، أين أوراقك في إصلاح أنسنة العلاقات بين المكونات في العراق، لتحل محل العصبية الإيمانية المغلقة و علاقات النفي والإستبعاد والإزدراء.
و ختاما نقول : الحدث العراقي عام 2003 كان فرصة وجودية فتحت أمام شعب العراق، الذي يری نفسه الی الآن أمام التحدي الكبير، لكي يثبت جدارته في إعادة بناء بلده بعقل حضاري مدني و منطق تواصلي تداولي، لكن محاولات الديناصورات التي تريد ممارسة وكالتها السياسية و العسكرية و الدينية علی العراق الفدرالي بصورة إمبريالية و تعمل علی طغيان العقل الأمني علی الدولة والمجتمع والناس هي المانع الأكبر أمام بناء عراق فيدرلي إتحادي تعددي، يصان فيه الدستور ويطبق بنوده. أفكارهم و ممارساتهم تتجلّی جهلاً و نفاقاً و تسلطاً و تخريباً.
د. سامان سوراني



80  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دور سياسة التعليم في بناء المجتمع الكوردستاني المعاصر في: 14:22 23/09/2012
دور سياسة التعليم في بناء المجتمع الكوردستاني المعاصر

تعود فكرة التعليم بوصفه إطلاقاً و تنشئة إلی بدايات الفلسفة الإغريقية، التي كانت تهدف إلی تكوين الإنسان عقلاً و شخصاً و ذهناً و نفساً و تمكينه من الدخول الی فضاء العقل العام، أي فضاء البحث الفكري و النقد الإجتماعي. 
فمن المعلوم بأنّ بناء مجتمعات حيّة يبقی ضرب من الخيال إذا ما تُرك العلم والمعرفة جانباً و أنّ المعايير التي تقاس بها عصرية أيّ‌ مجتمع هي تطوره التقني ومستواه العلمي والتربوي. فالبحث العلمي هو نتيجة تعليم مزدهر و هكذا بالنسبة الی عمليات التحديث والنمو الاقتصادي والاجتماعي، إذ لا يمكن وقوع التحديث من دون أن يأخذ العلم والتقنية دورهما في أيّ مجتمع يرنو إلى التقدم والمعاصرة.
ويمكن إعتبار البحث العلمي بآلية ضرورية للوصول الی حلول ناجعة لمشكلات و قضايا حياتية كالإسكان والتربية و الصحة و تأمين المياه والزراعة والنقل والبيئة والتلوث أو أمور أمنية كالحرب والسلام، ناهيك عن قضايا مرتبطة بالتنمية والخطط المستقبلية في دراسة الفضاء و الغور في علوم الحاسوب و البرمجة و علم الهندسة الوراثية. و هو وسيلة مهمة لتنوير المجتمعات البشرية للأخذ بأسباب المعرفة والاستفادة منها. و بإمكان التقنية أن تحوّل التراكم المعرفي للمجتمع، الذي هو عنصر فاعل في الحياة المعاصرة، الی منفعة ملموسة بهدف التحكم في الطبيعة وعناصرها لصالح الإنسان.
إن عدم ممارسة البحث العلمي أو إهماله سوف تنعكس بشكل سلبي علی عملية التعليم الجامعي و في النهاية تجعل من الجامعات مراكز لتفويج خريجين غير قادرين على تلبية متطلبات سوق العمل و هكذا يتحول الخريج، الذي لايستطيع اليوم أن يواكب كل مستجد في علوم تخصصه بعد إنفصاله من الجامعة، الی عاطل عن العمل و الی عالة علی المجتمع الذي يری نفسه في طور النشوء والنمو.
التعليم هو عملية إعادة إنتاج للمجتمع ذاته و لا يمكن لمجتمع أن يعلّم أبناءه سوى ما يعلمه أو يؤمن به. إقليم كوردستان بحاجة الی نهضة علمية مبنية علی الرؤية المستقبلية والعدل، فأساس النهضة، التي نحن بأشد الحاجة اليها، هو إعلاء الثقافة والحفاظ على الهوية الكوردستانية أولاً وأخيراً والاهتمام بالتعليم والبحث العلمي وتهيئة المناخ والحياة الكريمة للباحثين والعلماء وتقدير عملهم والسعي في تعميم العدل و تطبيق القوانين علی الجميع. فالمجتمع الذي لا يدرك بأن العصر الذي نعيشه هو عصر العلم والمعرفة، لا يستطيع أن يبني دولة ثابتة الأقدام.
و من الصعب علی مجتمع إذا كان ممسوس بالتطرف الديني و محاط بالخيوط العنكبوتية الناعمة للتيارات الإخوانية أن  يمنع نفوذ تلك المشاعر الی قلب المؤسسات التعليمية، فعلی المؤسسات التربوية في إقليم كوردستان إذاً إرساء دعائم ومبادئ الفلسفة التربوية بما يتلائم مع النهضة الإنسانية والديمقراطية التي يشهدها العالم والعمل الدؤوب في سبيل تغير المناهج الدراسية في مختلف المراحل الدراسية بشكل تدريجي لكي تترسخ نواة الديمقراطية و مفاهيم المواطنة و حقوق الإنسان والتعايش السلمي و المساواة والحرية والحق في الحياة وحق الحياة الكريمة لدی الجيل الجديد و المجتمع العصري بهدف مسايرة المتغيرات الاجتماعية والفكرية  في العالم المتحضر.
فالتعليم يجب أن يبتعد عن التلقين، الذي يؤدي في النهاية الی تشكيل عقل أصم يعمل كمخزن للمعلومات وليس كطاقة رائعة للتفكير. أما النظام المدرسي الحكومي  فله‌، بالرغم من سعي الحكومة في تطويره، مشكلات شتی، منها بؤس الأبنية وقصر الوقت المتاح وتدنى مستويات المدرسين والحشو المبالغ في المقررات التعليمية وقلة الصلة بين التعليم وحاجات ومهارات العمل المتاح وإنفكاك الصلة بين المعرفة والأخلاق الرفيعة فضلاً عن الشعور بالمسؤولية الاجتماعية.
الأجيال القادمة بحاجة إلى بناء ثقافي صحيح. فلكي لا نظل نفكر بالمقلوب و نعود الی الوراء أو نتأخر عن الإنخراط في العالم الجديد بثوراته و تحولاته و إنعطافاته التقنية أو المعرفية أو الثقافية، نری من الضروري عقد ندوات تربوية و فتح ورشات تدريبية خاصة للمعلمين والمدرسين، كونهم حلقة الوصل بين الفلسفة التربوية والمتلقي، بغية تجهيزهم بمفاهيم جديدة يتناسب مع أهداف خلق ثقافة لمجتمع مدني يؤمن بالمفاهيم الديمقراطية والإنسانية، تلك المفاهيم التي تنبني علی تعزيز فكرة المواطنة الكوردستانية بأساليب تواصلية بعيدة عن المنازع والممارسات و المؤسسات الأصولية والنرجسية النخبوية.
وهكذا سوف يكون الفكر في إقليم كوردستان قادراً علی إجتياز مراحل متعددة الحقول والإتجاهات للمساهمة في إتقان صناعة التنمية و هندسة العلاقات الإجتماعية بفتح خطوط للتعايش والتواصل أو خلق مجالات للتداول والتبادل. ومن لا يحسن فهم حاضره لا يحسن توظيف الماضي من أجل الإعداد للآتي.
وختاماً يقول جبران خليل جبران: "الشعوب العظيمة تبدع أفكاراً عظيمة، لكن الأفكار العظيمة لا تبدع شعوباً عظيمة."
الدكتور سامان سوراني
81  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل أن تنظيم القاعدة أو الوحش الإرهابي ثمرة الجينات الثقافية؟ في: 18:30 19/09/2012
هل أن تنظيم القاعدة أو الوحش الإرهابي ثمرة الجينات الثقافية؟

من المؤكد بأن الذي يدّعي التطابق مع الهوية الثابتة لا يمارس إلا زيف وجودي و تهويم عقائدي، لأنه‌ بات في سلعه و أدواته أو في لغته و مفردات وجوده، بمعنی من المعاني أوروبي، أمريكي أو ياباني أو شرق أوسطي.
ومن المعلوم بأن الهوية الثقافية تتغير و تتحول بفعل صروف الزمن و بحكم التفاعل مع الحضارات السابقة و ديمومتها، منها الحضارة الفارسية، الهندية، الصينية و اليونانية. أما التفاعل مع الديانات التوحيدية كاليهودية والمسيحية، التي إنشق عنها الإسلام و حاول نسخها أو تطويرها، فله تأثير كبير علی تلك الهوية.
فمن لا يحسن أن يتغير بالرغم من الفرص المتاحة له، فسوف تهمشه التحولات، فيغدو هو آلة لها أو يزداد تبعيته للغير، وهكذا يهدر موارده و ينخرط في دعوات مستحيلة مآلها الهلاك والدمار.
تنظيم القاعدة، أو ما يسمی بالوحش الإرهابي، الذي يجد مسوغاته في ثنائية الإيمان والإلحاد أو في عقلية التكفير، التي تقسّم الناس بين مؤمن يراعی حقوقه و يحترم و غير مؤمن يرفض و يقصی لكي يدان و يتهم، يفاجئنا من حيث لا نحتسب، هو نتاج العقول و ثمرات الأفكار.
تربية هذا التنين و رعايته كانت و لا تزال في العقول والنفوس، سوقت من قبل الصحافة والشاشة و الديسكتوب بعقائد و مقدسات و شرائع و فتاوی و بهويات عنصرية و إستراتيجيات أصولية مبنية علی الإستبعاد والإستئصال. 
فقبل أيام سمعنا بأن تنظيم القاعدة يستعد بتوجيه من "أبي بكر البغدادي"، رئيس عصابة الأشرار، لتنفيذ "أكبر" عملية إرهابية له منذ عام 2003 في العراق، بعد طلبه التمويل من جميع مصادره في الخارج وكثف عمليات جمع التمويل بالداخل. وكأن العراق قد عاش طيلة السنوات السابقة بعيداً عن الإرهاب الحروب والدمار.
أبو بكر البغدادي و غيره من المجرمين، الذين أعلنوا حربهم ضد الإنسانية و الحضارة و التعايش السلمي، بعد أن تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء، هم من صنع الدعاة الجدد الذين إحتلوا المنابر والشاشات منذ أكثر من ربع قرن، تحت لافتات الحكومات الشرعية و الصفات اللاهوتية والمهمات الإلهية، وهم ثمار المفسرين المشعوذين، الذين يزعمون دوماً، بأن التجارب والأبحاث العلمية في ميادين العلم من المبادیء والنظريات، لا تعطي بالجديد، لأن كتاب الله ينطوي علی العلم بكل شيء. وهم ثمار الأبله الثقافي، الذي سلّم أوراقه و شهاداته الی مرجعه أو شيخه أو أميره، الذي يختم علی عقله و يعمل علی قولبته، لكي يخلق و يمارس بعملياته الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية و وحشية. وهو من جين ثقافة الأصولي الإرهابي الذي يدعي إنقاذ أمة العراق والعالم الإسلامي بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب و زعزعة الأمن و سفك الدماء و تدمير معالم الحضارة والعمران. 
ما النفع من تشكيل لجنة أمنية لملاحقة مجاميع مسلحة بأمر من القائد العام للقوات المسلحة، إن لم نسعی مخلصين إلی تطبيق بنود الدستور خدمة للعراق الفدرالي و نحل كافة القضايا العالقة بيننا بأسلوب ديمقراطي و حضاري محترمين بعملنا هذا صوت الفرد العراقي الذي إنتخب هذه الحكومة و جعل من أمرها ممكناً. فمكافحة الإرهاب لا تجدي بأن نردد أقوالاً حول العقول المغلقة، أو تقديس التراث، فيما نحن نتمسك بجذر المشكلة و نمانع من كشف الغطاء عن الداء، كما يتجسم في النصوص والأوامر والأحكام والفرائض التي نعتبرها منزلة أو مقدسة أو نهائية. التمسك بنصوص و أحكام من غير معرفة مدی تداعياتها و مفاعيلها السلبية أو المدمرة هو أساس المشكلة لايمكن وصفها بالحل.
تنظيم القاعدة أو الوحش الإرهابي هو إذن ثمرة الأوامر الدينية و الحكومات الدينية و المرجعيات الغيبية و الشعارات الأحادية و الثوابت الأبدية، و سوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية. و هو ثمرة السعي لأسلمة الحياة والثقافة، بذريعة الإدعاء بامتلاك الشرائع الدينية الأجوبة الشافية والنهائية علی كل شؤون الحياة المعاصرة و قضاياها و مشاكلها.
إن بناء العلاقة بالحقيقة علی أساس الحجب والتعتيم تجعل علاقاتنا بالعدالة تبنی علی الفحشاء والمنكر والفساد، و تجعل علاقاتنا بالحرية مبنية علی المفاضلة و الإستبعاد والطعن والإنتهاك.
و سوف تظل محاولات التقريب والحوار غير ناجحة طالما هناك مفردات كالشرك والكفر أوالبدعة والضلالة، التي هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، تشكل صلب العقيدة والعدسة التي من خلالها يری الواحد الی غيره، لكي يدينه و ينزّه نفسه و يؤول العمل بموجب ثنائية الضال والمهتدي أو المحق والمخطیء والتشبث والإحتماء بالهويات المسيجة والسيادات المصطنعة الی خلق الخداع والضلال و تقلص الأمور الجامعة والمساحات المشتركة من القيم والمعايير والقواعد أو من اللغات والتوسطات والأدوات.
الأنظمة المبنية أساساً علی الخطأ والخلل أو إعتقادات و تصورات و قناعات و سياسات قد إستنفدت نفسها، لا تولد سوی المساویء والمخاطر والكوارث، فلنبدأ بنقد ذواتنا و نتحدث عن أخطاءنا بشفافية لكي نستطيع أن نولّد تغييرات إيجابية، ولو محدودة و خجولة، علی صعيد الحقوق والحريات الديمقراطية؟ 
وختاماً: "النسبية والإختلاف، هو الذي يفتح الإمكان أمام محاولات التقريب والإتفاق، بعقلية الشراكة الفعالة والبناءة، بما هي محاورة و محاججة أو مداولة و مواكلة أو مبادلة ومعاونة" 
الدكتور سامان سوراني
   

82  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق الفدرالي و الشك في قدرة الحكومة الإتحادية علی تأمين ورقة الإصلاح في: 14:21 18/09/2012
العراق الفدرالي و الشك في قدرة الحكومة الإتحادية علی تأمين ورقة الإصلاح

ينطلق أهل الجدل من القول بأن الشك الحقيقي لا يعني إلا الحب الخالص العاطفي الكامل للحقيقة، ذلك الشك الذي يبحث دوماً عن الحقيقة و يعترف نادراً بأنه وجدها، وعندما يجدها فإنه لا يستريح مطلقاً بل يبدأ إلی الأمام في مسألة جديدة متابعاً نظره إلی ماهو أبعد و أعلی.
أما الإصلاح الذي هو نقيض الفساد يعني أيضاً إزالة الفساد بين القوم، والتوفيق بينهم.  و الإصلاح هو التغير الى إستقامة الحال على ما تدعو إليه الحكمة. لغوياً تفسر الإصلاح بالانتقال أو التغير من حال إلى حال أحسن، أو بالتحول عن شيئ والانصراف عنه الى سواه. والإصلاح السياسي هو العمل علی تحسين النظام السياسي من أجل إزالة الفساد والاستبداد. فهو ركن أساسي مرسخ للحكم الرشيد أو الصالح و تعتبر الشفافية و المشاركة الشعبية في إتخاذ القرار والعدل وفعالية الإنجاز وكفاءة الإدارة و المحاسبة والمسائلة والرؤية الإستراتيجية مظهر من مظاهر سيادة القانون بما يضمن التوافق العام للدستور. والخطاب الإصلاحي يجب أن يستند إلى عقيدة أيديولوجية يتميز بوضوح الرؤية وقوة الحجة عند المبادرة أو المشاركة أو حتى عند النقاش. ويمكن لقادة الإصلاح الإستناد علی إيديولوجيات مثل العلمانية والديمقراطية والعقلانية والمواطنة في دفاعهم أو تبريرهم لتوجهاتهم الإصلاحية و إقناع المجتمع بأهميتها.
أما في العراق الفدرالي فقد ركز رئيس "دولة القانون" و للأسف علی إغتصاب السلطة بصورة من الصور، إذ نراه يسعی في تبرير هذا الإغتصاب بالمخادعة حيناً و بإعلاء نداء "اللامنتمين" و "العابثين" أحياناً بالقول للمطالبين بالإصلاح و تنفيذ بنود الدستور، كفی معارضتكم و تظاهراتكم، فقد وصلت رسالتكم و تفهمنا مطالبكم و إتركوا الفرصة للحكومة كي تُقَلِّب الأمور، وتُرسي قواعد الإصلاح، ليبدأ بالبطش، إذا كان ذلك ممكناً، لكي تبتعد المسافة بين ما كان واجباً أن تكون عليه الأمور، وما تصل إليه على الحقيقة أو لكي يعود البلاد الى عهود الاستبداد والدكتاتورية والإرهاب والتكفير ومصادرة الاخر.
إن عملية الإصلاح لا تحدث في فراغ ولا تنطلق لمجرد الرغبة في التغيير، إذ لابد من توافر بيئة مناسبة أو ظروف موضوعية تدفع باتجاه الإصلاح. فهو فكرة نشتغل عليها و نصبح ثمرتها، بحيث نتحول معها و نتخلّق بها، بقدر ما نسهم في إغناءها و إعادة إبتكارها.
فإحداث تغييرات رمزية أو صورية أو تجميلية إنتقائية ذات قيمة ومغزى لمن يقف وراءها، مثل الإعلان للنية في إجراء حوار مع الأقليم لحل المشاكل العالقة بينه و بين الإتحاد أو رفع شعارات مثل الشفافية والمساءلة أو التنمية السياسية، ماهي إلا إصلاحات سطحية مبتورة بلا جدوى أو مضمون، وبالتالي لا تندرج تحت مفهوم الإصلاح أو التغيير. فالإصلاح يوازي فكرة التقدم، وينطوي جوهرياً على فكرة التغيير نحو الأفضل لحل المسائل بشكل موضوعي للوصول الی الأهداف الموضوعية.
نحن نعرف بأنه‌ لا وجود لحلول قصوی و أن التغيير، أيّا كان الشعار، لا ينجز علی نحو نهائي، خاصة ونحن في عصر التحولات المتسارعة والطفرات المفاجئة في المعلومات و المعطيات. فمن يخشی الإصلاح و التغيير في مواجهة الضغوط والمتغييرات يلقي سلاحه و يشهد علی قصوره، وسط كل هذه التحولات الكاسحة و المتغيرات العالمية.
وطالما هناك تيارات دينية أو قوموية و أحزاب بأيديولوجيات شمولية لا تريد الخروج من القوقعة للتحدث بلغة العصر، إذن يبقی المشهد السياسي العراقي غير مستقر و الانسجام  و النوايا الصادقة تجاه تنفيذ العهود والمواثيق ضرب من الخيال  و ورقة الاصلاح، التي يظن دعاتها بأن محتواها "كتاب مقدس"، بمثابة طلسم لا يمكن فك تعويذته والمجتمعات الكوردستانية لم تعد على استعداد لأن تُخدع من قبل الحكومة الإتحادية أكثر، فقد لدغت من هذا الجحر آلاف المرات.
و إن رفع الوصاية ليس ممكناً من غير التنوير وشعاره "كن جريئاً في إعمال عقلك"علی حد تعبير الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط ، فالرهان هو إذن أن نتغير لكي نسهم في تغير سوانا و من يريد تقديم ورقة الإصلاح، فعليه أن يصلح أوضاعه أولاً قبل أن يسهم في إصلاح العراق الفدرالي، الذي بات بأشد الحاجة الی الإصلاح و إعادة البناء.
کفی رئيس الحكومة الإتحادية بنفيه للوقائع و قفزه فوق الحقائق و العمل علی مفاقمة الأوضاع و شهادته علی جهله بالواقع. ليترك الفضاء للآخرين الذين هم أجدر منه في توظيف المكتسبات و كشف الإنسدادات و تفكيك الأزمات و إطلاق ديناميكيات جديدة و فتح خطوط للمساهمة في ورشة التعايش السلمي علی أرض العراق الفدرالي و صوغ المصائر علی نحو يكون أقل خوفاً و رعباً و أكثر أمناً، بكل معاني الأمن.
وختاماً نقول: "الإصلاح يعني ممارسة الإعتراف المتبادل، لكي ننمو سوياً و نبتكر أطر و آليات للعمل المشترك و نفكر بعقلية المداولة و الوساطة والشراكة لزحزحة الثوابت المتحجرة والتحرر من المسبقات المعيقة و النماذج الجاهزة و نتعامل مع الواقع كمجاز للعبور أو كحقل مفتوح للتفكير الحر والعمل المثمر، بالتدخل و التدبر علی سبيل الإختراع والإبداع."
الدكتور سامان سوراني
83  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق السياسي بين دعاة القبول بالغرب و مناصري التقليد والأمة والهوية في: 09:47 16/09/2012
العراق السياسي بين دعاة القبول بالغرب و مناصري التقليد والأمة والهوية

لقد تم تعريف مصطلح "الغرب" في العراق من قبل أصحاب التماهي مع الهوية والتقليد والأمة كمرادف للعلم والفردانية  بإعتبار إن أصوله تعود الی المسيحية و أصبحت نظرتهم المليئة بالإنغلاق والعودة الی التقاليد في العقد الأخير من القرن الماضي و بالأخص عندما  بدأ النظام البائد بالترويج لـ"الحملة الإيمانية"، بعد أن أفلس في نشر فلسفته في الإشتراكية القوموية الكاذبة، تأخذ شكل رفض التغريب والتحديث بل و حتی رفض بعض من العلوم الطبيعية الأساسية، ذات الطابع الكوني، لتكتسح حيز جغرافي واسع من الفلسفة اليومية المبنية علی الآلية الفكرية الدفاعية. و هكذا فقَدَ عِلم الإجتماع الخلدوني معياره الذي كان مسيطراً الی أواسط الثمانينات من القرن الماضي ليستعيد معيار إبن تيمية المقام الأول في التفسير والتأويل و العودة الی الموروث بوصفه "العصر الذهبي" و العمل علی تجفيف ينابيع الإنضواء في نظام الفكر الكوني و الإبتعاد عن العقلانية الحقة و عن نقد يطال الذات والآخر بآليات الفحص التاريخي الأصيل.
و بعد سقوط نظام البعث الإستبدادي القمعي عام 2003 أستطاعت أحزاب دينية بتفاسيرها الثيولوجية الماورائية للدولة إعتلاء السلطة و أخذ زمام الحكم في العراق بيدها مشيرة بطريقة حاسمة إلی وجوب الإبقاء علی "الهوية الدينية" لإنهاء البحث المطلق عن الغرب و الفكر الغربي في الديمقراطية و رفض العمل علی تثبيت المؤسسة الفدرالية ناهيك عن التقارب مع الفكر الكوكبي البعيد عن عالم الأصوليات الضيقة والدوغمائيات الإصطفائية المتحجرة القائمة علی تعظيم النرجسية الثقافية و ظاهرة الزعيم الأوحد و الحاكم المطلق أو المرشد الملهم. فانتشرت كتب دينية مصبوغة بالصبغة الإيديولوجية القائمة علی إمتداح الرؤية الإسلامية و التهجم علی الرؤية الغربية لتعزيز النرجسية العقائدية عند الآمنين بها. 
نحن نری بأن العملة الفكرية والرمزية المبنية علی الرهانات الدينية لم تعد تجدي في صناعة الحياة والإقامة في العالم. فهناك أزمات كونية و تحديات و أخطار لا يمكن مواجهتها بزرع جراثيم التضاد و منطق الصدام و عقيدة الإصطفاء و عقدة الضحية و لغة الطوبی و ذهنية المحافظة و خرافة المماهاة أو بـ"البداية والنهاية" لإبن كثير أو "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" لحجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي أو "نفحات الأنس" للجامي أو "عوارف المعارف" للسهروردي و "كشف المحجوب" للهجويري. أحوج ما نحتاج اليه الآن هو إدارة هوياتنا و أفكارنا و ثرواتنا و علاقاتنا بالعالم بإبتكار الجديد من الصيغ والمهام أو الطرق والوسائل والسبل. إذن مالنفع من الإنشغال بأسئلة و مشكلات و قضايا قديمة و ميتة أو زائفة و ترك الغير أن يفكر بصورة خلاقة و مثمرة؟
إن نشر ثقافة التطرف والتعصب و الكره والخوف والعداء والقتل والإنشداد الی الوراء و عبادة الأسماء والأفكار مآلها عراقياً أو إقليمياً تفخيخ العلاقات بين القوميات والمذاهب و الإنتقال من مأزق الی مأزق و من صدمة الی أخری ومن خسارة الی خسارة أكثر فداحة.
لا يمكن مجابهة التحولات بدغدغة العواطف أو إثارة روح الثأر و الإنتقام و العودة الی الأصوليات المقدسة لإنتاج برابرة جدد منذورين لتخريب معالم التمدن والحضارة أو بالعقائد النبوية بحروبها الدينية و سياساتها الإلهية الإنتقامية أو بتشبيحات نضالية و تهويمات تحررية.
الأولی للحكومة العراقية الإتحادية التمرس بقواعد الحوار والتعاون والتداول للتغلب علی عقلية الإحتكار و الإنفراد و الإستقواء عن طريق عقليات تفاوضية تواصلية مشرّعة علی تعدد الخطوط والمدارس، أو علی تنوع الخيارات والمواقف، أو علی غنی الخبرات والتجارب و العمل علی تشكيل المشترك من الأسواق والمساحات و المجالات و اللغات لبناء و ترسيخ الشراكة مع الإقليم الفدرالي والمحافظات العراقية الأخری و الإقرار بكافة الحقوق السياسية أو الثقافية بكسر منطق التمييز و الإقصاء.
وختاماً: "من يعتقد أن بإمكانه كرسول للحقيقة و الهداية أو كمحام عن العدالة والحرية أو كناطق باسم الهوية الثقافية للعراق أن ينوب غيره في التفكير والتعبير والتدبير و يسعی إلی القبض علی واقع المجتمع الكوردستاني و إستئصاله من خلال أطيافه و أحلامه التي من الممكن أن تفرز العنصرية والتطهير العرقي تاركاً سياسة الإعتراف بالآخر المختلف، بعيداً عن إتقان لغة التعدد، هدفه لا يمكن أن يبتعد عن ممارسة العنف والتوحش بوسائل الحجب و آليات التمويه والتلاعب والتمايز والتفاوت."
الدكتور سامان سوراني

 




84  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الصراع الدائر بين الفكر الشمولي و ثقافة الديمقراطية في العراق الفدرالي في: 18:42 13/09/2012
الصراع الدائر بين الفكر الشمولي و ثقافة الديمقراطية في العراق الفدرالي

الفيلسوفة و المنظرة السياسية الألمانية هانا آرندت (1906 - 1975)،  التي ساجلت الثورة والشمولية الكليانية بعمق متفرد في كتابيها "في الثورة" و"أصول التوتاليتارية" تقول بأن "الأفعال السياسية الحق لا تحتاج إلى تبرير، أما العنف فيوجب في أغلب الأحيان التبرير" و تضيف بأنه "لا يمكن للعنف أن ينحدر من نقيضه الذي هو السلطة، وأنه يتعين علينا، لكي نفهم العنف على حقيقته أن نتفحص جذوره وطبيعته."
إذ من المعلوم بأن الحقيقة لا يمكن أن تكون أحادية. فهي الشيء الذي لا يكف عن التعدد والتنوع والإختلاف عن نفسه باختلاف الصور والنماذج والأنماط والمناهج أو اللغات و الإستعارات أو المعالجات و القراءات أو التوظيفات والإستثمارات أو الخطط والإستراتيجيات. فالحقيقة ليست سوی الإعتراف بحق الآخر و إقرار متبادل بالحقوق، مادام ليس ىإمكان الواحد أن يعمم رأيه علی الكل.
فما نلمسه اليوم في العراق هو قوة الدعاية السياسية للدولة الشمولية والتي تكمن في قدرتها الهائلة على قطع الصلة بين الجماهير والعالم الواقعي عبر إقامة عوالم متوهمة متسقة العناصر تنسجم مع عقائد الحزب النابعة من النظرة الأحادية. و هكذا تستمر الإنهيارات والكوارث و الفظائع و الإنتهاكات و تتجلی موجات العنف، التي هي دوماً وليدة التراكمات اللامعقولة التي تخفيها و تتركها تلك النظرة وراءها و تتسر علیها و تنتج الإنسانية بعدها هذه العنصرية التي تكتب و ترفع شعاراً في العقول والخطابات أو في المؤسسات و الأنظمة والتشكيلات، لتنجب كل هذا الحمق والجنون، وكل هذه الأخطاء و الخيبات و كل هذه الهوامش والفواحش.
علی السياسي أي كان مذهبه الفكري و مشربه الإيديولوجي الإعتراف بتساوي البشر رغم اختلافهم و السعي لإيجاد لغة جديدة للسياسة كعلاقة بين نظراء، بدلاً من العلاقة بين فاعل ومفعول به. فكل تغييب للاختلاف والتمايز يقود في النهاية إلى تفقير السياسة وانحدارها. السياسة إذن واحدة من المجالات الهامة للوجود الإنساني، من خلاله وفيه يمكن للواحد أن يعطي معنى لغربته الوجودية وغربة الآخرين الذين يشتركون معه فيها، بما يعني أنها مسؤولية بشكل أساسي.
و الإنسانية عرفت في عصور غابرة و في عصر الثورات الليبرالية أوضاع سليمة و هادئة نسبياً و شاهدت بروز المعنی الحقيقي للسياسة الكامن في التحاور والتواصل والتداول بعيداً عن الجواهر الأثيرية السلبية للحكومات الإستبدادية أو الطغيانية. الذي نراه هو أن الذهنية الشمولية تستخدم الحجج والمبادئ المؤسسة على الأيديولوجيا مكان الوقائع الحقيقية وهنا يسود منطق العبث على منطق العقل السليم و يحل الواقع المزيف الموهوم و المركب صنعياً مكان الواقع الفعلي القائم. وتسعى الشمولية من حيث المبدأ في تجفيف هذا الكم الهائل من الوقائع لكي تقضي على إمكانية الاتفاق بشأنها. كانت أنظمة التسلط والاستبداد تمعن على مر التاريخ في تفكيك البنى والروابط المجتمعية وتسعی في تدمير جميع الفئات الاجتماعية، ولا سيما المنتجة منها، لمصلحة أوليغارشية عسكرية تستأثر بقوة عمل الجميع.
"دولة القانون" برئيسه و هو رئيس مجلس للوزراء و قائد عام للقوات المسلحة و المسؤول الوحيد عن الأمن في العراق، بعد أن أخضع جميع المؤسسات العسكرية والأمينة والاستخباراتية مباشرة لسلطته، تسعی الی الإعتدال السياسي كوسيلة لمسح فروقات المجتمع العراقي وإذابة "الأمة العراقية" في بوتقة فكرية واحدة، أي إذابة الأفراد والمؤسسات والجماعات في كل اجتماعي واحد حيث الشعب والدولة والمجتمع المتجانس و هذا يعني بأن توجهات حزب الدعوة  المقولبة في "دولة القانون" ستكون لها كلمة الفصل في التوجه العام للدولة والمجتمع.
الكوردستانيون قرروا المشاركة الفاعلة في النظام العراقي الجديد كطرف اساسي متساو في العملية السياسية. أما العداء لكوردستان و تجربته و إيجاد العدو الوهمي على حساب اشتراطات التنمية ودفع عجلة الاقتصاد نحو الأمام هو إنتاج لحالة سياسية لها مسبباتها و هو ما يراهن عليه المنطق الشمولي ليفتح جبهات سياسية أخری على طريقة التدخل السيادي للدول إقليمية بهدف تجييش الحالة السياسية، وبالتالي تراجع أي استحقاقات في الداخل.
وللأسف تفسر الديمقراطية من قبل الحزب الشمولي كأداة سحرية للدمج بين إرادة الشعب والحزب، كما أن ماكنة الإعلام واستغلال وسائل الاتصال من شأنهما إحكام القبضة على مصادر التلقي لدى الناس، وبالتالي فإن من السهل تصوير المعارضين لإرادة "الأمة – الحزب الواحد" كعملاء و خونة وأعداء الحرية والديمقراطية وفكرة إنهاض العراق المركزي.
أما الحريات الديمقراطية فهي تقوم على أساس المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون و لا يمكن لها أن تكسب معناها ووظيفتها العضوية إلا عندما ينتمي المواطنون إلى جماعات تمثلهم و ما الثقافة الديمقراطية إلا حق الجميع في النقد.
نحن نری بأن التعددية السياسية ليس بأكثر أهمية من التعددية الثقافية والاجتماعية. و لمنع إعادة "الدكتاتور الفرد" عبر "الدكتاتور الحزب" يجب توسيع مجال المسائلة والنقد و سحب الثقة في إطار القانون والدستور و حفاظ التنوع الثري والهائل الذي تحظی به المجتمع العراقي علی مستوی الثقافة والفنون و رعاية المكونات الاجتماعية والإثنية المختلفة بما تحمله من ثقافات وهويات صغيرة. لا نفع في حكام بـ"الوكالة" يقومون بقراءة المشهد العراقي وفق زاوية دينية لا علاقة لها بالسياسة، الذين يرون في صورة التطورات الجارية علی ساحات المنطقة تهديد للدول إقليمية المتمددة خارج حدودها. فإستبعاد العامل السياسي بعوامل طائفية أو قومية ذات شعارات دينية هي ترجمة خاطئة و ساذجة للأحداث. أن الذين يشتغلون علی تغيير مواد الدستور و الإنقلاب علی النظام الديمقراطي الفدرالي جر العراق نحو "العباءة الخمينية" لكي لا تتأهل المجتمعات العراقية  لممارسة الديمقراطية و لا تنضج بنيتها و ثقافتها.
فبدلاً عن نسج علاقات صداقة ومصالح مشتركة متوازنة تخدم قضية السلم والتعايش القومي والعملية الديموقراطية وحل الخلافات العالقة بين الإقليم الكوردستاني والحكومة الإتحادية بشكل سلمي عن طريق الحوار البناء، تسعی الأخيرة في تقليص موقع الكوردستانيين ككتلة قومية ثانية الى جانب كتلة القومية العربية و تعمل علی إفشال التجربة الديمقراطية اليانعة في الاقليم الكوردستاني الفدرالي الآمن.
لقد دخلنا في عصر كوكبي من الإعتماد المتبادل و التأثير المتبادل، و هذا يعني إن كل من يسدي نفعاً في مكان ما ينفع الناس جميعاً، وبالعكس فكل من يلحق ضررا في مکان ما يضر الناس جميعاً.
و ختاماً نقول بأن إستراتيجية الرفض والإقصاء وعدم الإعتراف بالحق الكامل للآخر المختلف و وصفه بالمبتدع الضال والكافر المرتد و الخائن العميل و النكوص الی الوراء للمماهاة المستحيلة مع أفكار عقيمة و شعارات مستهلكة و تقسيمات فقيرة تولد الحروب و الاستبداد والعماء و تزعزع الإستقرار و تضرب المصالح علی نحو يحول الحياة الی جحيم بعيد عن مفردات الإختلاف والتعارف والوسطية والتداولية.
الدكتور سامان سوراني
 


85  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العودة المرعبة لجمهورية الخوف و النهايات الكارثية لطموحات المالكي في: 16:45 09/09/2012
العودة المرعبة لجمهورية الخوف و النهايات الكارثية لطموحات المالكي

بالرغم من أن العالم يتغير بمحركاته و نوابضه و أدواته و قواه و خريطته و الفاعلين علی مسرحه، هناك من البشر مازالوا يتعاملون بأفكار ثابتة أو جامدة أو متحجرة، بل مدمّرة و مرعبة. ومن جملتهم السيد رئيس مجلس الوزراء العراقي، الذي يعتقد بأن المشروع العراقي هو شأن يخصه هو وحده، في حين أن الأمر في العراق الاتحادي وطبقاً للدستور لم يعد كذلك، حيث تتشابك المصالح والمصائر علی الساحة العراقية، كما تشهد أزمات الحكومة و الخلافات بين الإتحاد والإقليم إلی تدهور الأمن و إنتشار العنف، لذا نری بأن المشاريع المستقبلية في هذا البلد لم تعد شأناً مالكياً صرفاً، وإنما ذا بعد عالمي تساهم في صوغها و ترجمتها بلدان و هيئات إقليمية أو دولية.
أما فيما يرتبط بالحملات الإعلامية الأخيرة التي يقودها السيد رئيس مجلس الوزراء العراقي مع مستشاريه ضد إقليم حكومة كوردستان و بالأخص سعيهم لتعبئة الرأي العام العراقي ضد رئيس الإقليم بغية تحجيم دور الإقليم فهي تحولات سلبية تهدف العودة الی ترويض الأفكار و تهيئة الأذهان نحو السبات القومي و الحصون الدينية. هذه التحولات جرّبت في الماضي و كانت محصلتها قيادة حروب ضد شعب كوردستان المسالم و شعوب دول الجوار و صناعة جمهورية الخوف بنهایاتها الكارثية. 
السيد رئيس مجلس الوزراء قام قبل أعوام بتشكيل قوة شبه عسكرية خاصة به تحت ما يسمی بـ "الصحوات" لتكون مرتبطة به شخصياً وتتلقى الأوامر منه فقط، لا من غيره، بهدف استعراض العضلات. وبعدها بدأ بإعادة رموز النظام السابق الی الجيش و قام بتسليم الملف العسكري في محافظة كركوك المستقطعة من حاضنتها الكوردستانية و مناطق كوردستانية أخری متاخمة لحدود الإقليم الحالية الی قائد بعثي يسمی بالزيدي، الذي أثبت قدرته على تبديل قناع الولاء و صار محط ثقة السيد المالكي وذراعه اليمنى في تنفيذ منهجه القائم على جعل الولاء الشخصي له اساسا في سُلم القيادات العسكرية والامنية، ليدير "قيادة عمليات دجلة". والذي نعرفه بأن للزيدي تجارب كثيرة في مجال التطهير العرقي، كونه كان في زمن الطاغي صدام مشاركاً في عملية الأنفال السيئة الصيت والتي راح ضحيتها أكثر من 182 الف مواطن كوردستاني مسالم.
نحن نری بأن أية مغامرة عسكرية لرئيس مجلس الوزراء في كوردستان سوف تقلب الموازين السياسية نحو العدم و تكون مآلها صناعة الكوارث و المهالك و الويلات و إن أية محاولة لزج الجيش العراقي في حرب طائفية وعنصرية مع الإقليم  و المخالفة للدستور سوف تؤدي في النهاية الی جعل الشارع الكوردستاني يفقد ثقته بالسياسيين العرب في العراق الفدرالي و يجعل من رفع طلب الحق في تقرير مصير فرض عين.
و تداعيات هذه الخطوات الغير إيجابية سوف يقوض فكرة المواطنة و يلغم المؤسسة الديمقراطية و سوف تكون خطيرة الی درجة لا علی الإقليم فقط بل علی العراق والعراقيين، صاحبنا ينسی بأن الزمن القومي الذي شهد قبل فترة ليست ببعيدة آخر حروبه الخاسرة قد ولّی. أما أفواج المتطوعين الی "المعركة الفاصلة" فقد يصلوا دوماً و كالعادة بعد فوات الأوان، لذا نراهم يقومون بعد أن تخيب آمالهم بتيفجير أنفسهم علی ذويهم وأصحابهم في الدين و القومية والوطن.
العيش في ‌هذا الزمن و فهم هذا العالم المعولم بأفكار و أدوات العصر المنصرم دليل علی التخلف عن السير في  ركب الحضارة، لأن الزمن الامبراطوري لن يعود كما يحسب له رئيس "دولة القانون" إلا بصورة هزلية كارتونية أو إرهابية مدمرة لمكتسبات زمن مابعد سقوط النظام البعثي الشوفيني الطائفي.   
من المعلوم بأن الخلافات الجذرية بين الإقليم و الاتحاد الفدرالي لايمكن حصرها في الخلاف حول قانون النفط والغاز، في استخراج الثروات النفطية من باطن ارض كوردستان والاستفادة منها في اعمار وازدهار وتطوير وتقدم الاقليم، والمادة 140 من الدستور و مسألة عدم اعتبار قوات البيشمركة كجزء من القوات العراقية وصرف المخصصات المطلوبة لهم من ميزانية وزارة الدفاع وتسليحهم أسوة ببقية منظومة قوات الجيش العراقي، فهي تكمن في الرؤية  اللامدنية واللا ديمقراطية لرئيس "دولة القانون" نحو أحد أهم حقوق شعب كوردستان المنصوص عليها في العقدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبالحقوق المدنية والسياسية الصادرين عن الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1966 و الذي تنص مادته الأولی بأن لجميع الشعوب حقها في تقرير مصيرها و بناء كيانها السياسي و نموها الإقتصادي والإجتماعي والثقافي بحرية، من دون ذلك سوف يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي و تفوق عقلية الاستبعاد والاقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل. 
وختاماً نقول: "إن قولبة  و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد و لا يمكن أن يكون هاجس الحفاظ علی الولاية و السلطة أولی من الحقيقة والعدالة."
الدكتور سامان سوراني



86  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المخيلة الإستبدادية و مصادرة الحرية الشخصية في العراق في: 20:06 07/09/2012
المخيلة الإستبدادية و مصادرة الحرية الشخصية في العراق

من المعلوم بأن التعامل مع قضية الحرية بعقل فردوسي خلاصي أو لاهوتي نبوي محصلته تكون تراجع مساحات الحرية و مآله المزيد من الإستبداد. فتسلط السلطة و تأليه المقولات، التي تدعي بأنها تمتلك الحقيقة لإحتكار الإيمان، تنتج الأبله الثقافي، الذي يسعی الی التطابق مع القدامی في كل ماقالوه و فعلوه في عصرنا هذا، عصر الثورات الناعمة المنفتحة علی العلم و الآخر والعالم. و هكذا تقفل أبواب خلق مناخ يتيح للواحد أن ينصت للآخر المختلف لكي يتعلم منه أو يغتني به، عبر تشكيل قناعات جديدة أو إبتكار صيغ مركبة.
نحن نعلم بأن نظام البعث الفاشي في العراق قام بعد محاولة زحزته إثر الإنتفاضة الشعبية عام 1991 بالترويچ لظاهرة مقيتة سميت فيما بعد بـ"الحملة الإيمانية" المزعومة بهدف الخلاص من المحنة التي مر بها، و هكذا بدأت صحافة وإعلام النظام بالتركيز علی مصطلحات دينية إنعكست فيما بعد بدعم الحركات والأحزاب الإسلامية المناهضة للغرب والفكر الغربي الحديث و تم بث تلك المفاهيم في‌ المدارس و الجامعات و الدوائر الرسمية و إرغمت النساء علی إرتداء "الحجاب".
وأخيرا برزت ظاهرة تعدد الزوجات بشكل عام و زواج  المتعة عند الشيعة بعد فتح مكاتب رسمية مدعومة من قبل النظام للترويج لهذه الظاهرة السلبية.
و بعد سقوط نظام البعث المستبد كان لنا الأمل بحكومة ديمقراطية فدرالية تؤمن بالحرية الشخصية و تحارب كل مخيلة إستبدادية، ففي النصوص الدستورية فقرات واضحة  تشير الی تكفل الدولة حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني (أنظر الی المادة 35) وحق الفرد في الخصوصية الشخصية (أنظر الی المادة 17) وضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والأزديين والصابئة المندائيين (أنظر الی المادة الثانية).
و اليوم نری دعم كامل من الحكومة الإتحادية لقوانين "الحملة الإيمانية" الزائفة في التطبيق العملي، بعد فرض ما يسمی بالزي الإسلامي علی الطلاب والطالبات في كافة المراحل الدراسية و نشر يافطات تنذر النساء السافرات و الرجال الغير ملتزمين بالمظهر الإسلامي "المحتشم" من دخول مدن كالكاظمية مثلاً بإعتبارها "مقدسة". هذه المعايير الجديدة تعيد قوانين الأنظمة التيوقراطية والتشريعات المستندة الی الحقوق الإلهية كنظام "ولاية الفقيه" الی الأذهان لتنهض وتخلق جماعات مافيوية تسمی "شرطة الآداب" تقوم بالقمع و سلب الحريات تحت شعار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لمحاربة و متابعة المظاهر التي لا تتناسب مع "الضوابط الاسلامية".
فهذه الظاهرة المعيقة لتطور المجتمع والتي تحاول أن تعيد بالعراقيين الى القرون الوسطى هي أشبه بفيروس فتاك يفتك المجتمع العراقي من الداخل و يجره الی حرب أهلية مآلها حصد الهزائم الحضارية و الكوارث البشرية، بقدر ما يجعل هذا المجتمع الذي عانا ما عاناه من الحروب و الكوارث أن يفشل في مواجهة التحديات الخارجية، لكي يزداد هشاشة و هامشية و تبعية.
أسأل حكومتي، حكومة إقليم كوردستان، التي جعلت بالرغم من بعض قصورها من الديمقراطية مذهباً تسير علیه بعد أن تفتح مع ثورة المعلومات إمكانات هائلة أمامها، تتجسد في قدرات خارقة علی الفعل و التأثير، هل حقاً نريد أن نكون في الحكم شريكاُ مع أحزاب يؤمنون بالعودة الی تجربة السلف و نماذجها في الحضارة والعمران أو في القيادة و الإستخلاف، لتحقيق ما لم ينجح المسلمون و الثورة الإسلامية في إيران في تحقيقه طوال التاريخ، أحزاب تزين لهم نرجسيتهم الدينية وهم في إنتظار "المهدي المنتظر"، القول بأنهم يملكون الحلول لمعالجة المشكلات التي يتخبط فيها الإنسان المعاصر؟
إنها الأصولية و النزعة الی التفرد التي لاتريد أن تنزع جلدها و تغيير ذاتها بل تقوم علی إستئصال المختلف والآخر و لا تؤمن أبداً بتشخيص الداء لتقديم الدواء، بل تعمل علی تحول العلاقة بالأفكار والأصول الی معسكرات فكرية و سجون عقائدية و الحصيلة هي المزيد من التبديد و الإستبداد أو الفوضی والعماء.
و ختاماً نقول: "لا حلول ناجعة تقوم علی الإستبعاد و الإلغاء أو علی التبسيط و الإختزال، فالمجتمع الذي يرفض تسليط الضوء علی عيوبه و أعطاله بالمساءلة و النقد والجرح، أو حتی بالتهكم والسخرية، هو مجتمع مريض، مصاب بالعمی و الصمم والخرس."
الدكتور سامان سوراني

87  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان بين شروق مأزق الحوار وغروب الاجتماع الوطني في: 21:38 06/09/2012
إقليم كوردستان بين شروق مأزق الحوار وغروب الاجتماع الوطني

من المعلوم بأن الموقف الخُلقي لا يكفي لكي نمارس التحاور، فما نحتاجه هو الشرط الوجودي، أي القدرة علی الخلق والانتاج بالعمل الخارق والمبادرة الفذة و الإجراء الفعّال.
فالحوار الناجح يُدار دوماً بلغة الخلق، لما تحتاج اليه الشراكة أو صناعة الحياة من المجالات و اللغات والمساحات. والذي لا يتقن لغة الخلق والتحول، فكيف يكون قادراً علی إدارة حوار بشكل متكافیء و فعّال؟
ففي الآونة الأخيڕة نسمع من سياسيين مخضرمين الرأي القائل، بأن تطويق و إحتواء الأزمات المزمنة في العراق تكمن في الإسراع ببدء الحوار لحل الخلافات العالقة بين أربيل عاصمة كوردستان و بغداد عاصمة العراق الفدرالي و عقد "الاجتماع الوطني"، مبرهنين ذلك بأن الطرفين يؤكدان التزامهما الكامل بتطبيق الدستور.
المطالب الكوردستانية هي نفسها كما كانت عام 1970 لم تتغير، أساسها إعادة الحقوق المهضومة للشعب الكوردستاني، تلك الحقوق المدونة في الدستور الجديد. أما الأطراف السياسية العربية التي لا تهمها حل الأزمة الراهنة ولا تعمل علی إخراجها من النفق المعتم تتمسك وتتشبث بأرائها المتشنجة و تتماطل في تطبيق بنود  ومواد الدستور ومنها المادة 140.
فدولة رئيس مجلس الوزراء مثلاً لا ينوي في الحقيقة الاحتكام إلى الدستور الذي اتفق هو قبل تأسيس حكومة الشراكة بفضل إتفاقية أربيل و المبادرة التاريخية لرئيس إقليم كوردستان على احترام بنوده، فكيف إذن الدخول في قضية الإصلاح، بالرغم من عدم وجود ورقة للإصلاح أصلاً. ودليلنا هو أنه لم يتم توزيع أية ورقة أو نسخة أو مسودة معنية بالإصلاح علی الکتل السياسية المتواجدة علی الساحة العراقية، كي يبدون رأيهم فيها و يتحضرون لمناقشة بنودها. 
أما فيما يخص "الاجتماع الوطني" فإن الهدف الأساسي لمشاركة الإقليم فيه يتجسد في ضمان مصالح الشعب الكوردستاني أولاً بعد أن تبيّنت النوايا الخفية و ظهر بأن هناك قوی إقليمية تعمل مع الحكومة الإتحادية لتقليص أداء الإقليم علی المستوی العالمي والنيل من تجربته في الديمقراطية.
وطالما سياسة الإستمرار في عرقلة الخلافات في بغداد تبقی هي العليا و يبقی التنصل من الاتفاقات المبرمة عند دوڵة القانون هو البرنامج و الإقصاء والتهميش عندهم وعند الأحزاب القوموية الضعيفة اليوم دين يتبع، إذن لا يمكن أن يكتب لـ"لإجتماع الوطني" بعد عقده أي نجاح. فمن المعلوم بأن الحلول الهشة تبقی وقتية و البنود الغامضة لا تدعم المضي قُدماً نحو بناء الدولة الديمقراطية الفدرالية بمؤسساتها الفعالة والثابتة.
فعقلية الثأر و منطق التعصب و إرادة الظفر ولغة الوعيد والتهديد و مؤسسات الجيش والتجييش والإستنفار و مصانع التعبئة للقطعان البشرية والحشود العمياء لا تولد إلا المخاوف والفتن بقدر ما تنصب جدران العداء المادي والرمزي و حواجز الكره.
لا يجدي حواراً بالقول نحن مع الدستور و ندافع عن حقوق الشعب الكوردستاني في حين أن أنماط التفكير الأحادي المغلق والقوموي و عقلية الإدانة بتهم الخيانة و الإستقلالية والخطابات الرنانة أمام رؤساء العشائر ومجالس الإسناد بصورها النمطية التي تستعدي الآخر المختلف و تشوه سمعته و تؤدي في النهاية الی إنتهاك كل الخطوط والحدود لا تولد إلا التوترات و لا تخلق إلا الأزمات. 
من يڕيد الإندراج في زمنه للمساهمة في صناعة عراق ديمقراطي فدرالي بصورة بناءة، عليه أن يمارس فلسفة الحوار و أن يتمرس بالمدوالة العقلانية المنتجة للصيغ المبتكرة و يبتعد عن منطق النفي والضد والتفكير بعقلية أصولية إصطفائية، لكي ينخرط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش السلمي و التبادل علی أسس مدنية أو حضارية في أطار دولة دستورية تؤمن بالمنطق العلائقي الوسطي التواصلي السلمي و تعترف بالآخر المختلف حق الإعتراف.
وختاماً نقول: "لا شيء يدمر القضايا والمشاريع أكثر من أحادية المرجع والقطب والرأي والصوت والطاغية دوماً تصنعها الثقافة."
الدكتور سامان سوراني
         

88  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دور المعارضة في تعزيز الخطاب الوحدوي الكوردستاني في: 17:05 05/09/2012
دور المعارضة في تعزيز الخطاب الوحدوي الكوردستاني

أساطين الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة الذين ناولوا شرح الأنظمة الديمقراطية و النظام البرلماني وضعوا قبول فكرة المعارضة، التي تقوّم وتقيّم و تلتزم بقرار الأغلبية مع ضرورة المراقبة والاعتراض، في باب أبجديات العمل السياسي و عرّفوها بمبادئ الاشتغال في فن الممكن.
نحن نعلم بأن الديمقراطية الحقيقية ماهي إلا حراك اجتماعي وسياسي وثقافي مستمر من أجل تحقيق المصلحة العامة وصيانتها والدفاع عنها في مواجهة المصالح الذّاتية الضيقة لمن يريد إستغلال السلطة من أجل المنفعة الشخصية وأن الفرق بين أن تحكم وتتحكم وتصدر الأوامر وبين أن تراقب وتعترض كبير، لكن إذا جاهد كل طرف من أطراف المعارضة في إختزال واجبه في مجال الحصول علی نصيبه من السلطة و ممارسة الضغط السلبي وتثوير الإعلام، التي لا تريد أن تنقل المعلومة بأمانة و أن تصور الواقع بشكل صادق، للتدخل بشكل تخريبي فوضوي في الشأن العام والسعي في تعكير الفضاء التواصلي بفتح المجال للدخلاء و السماسرة والمتاجرين بآلام الشعب الكوردستاني، فمن حقنا أن نری في دور ذلك الطرف استئثار لا المشاركة الفعلية في خلق النموذج الأمثل للحكم الرشيد.
فالحكومة الحالية في كوردستان أثبتت بأنها تراعي قواعد الديمقراطية السليمة، فحاولت إشراك الجهات المعارضة في إدارة الحكم، وهي أمينٌ لفلسفة دمقرطة الفكر الاجتماعي ودؤوب في تحديث مؤسساتها، إذ تفسر الصراع السلمي بين القوى السياسية من أجل الوصول إلى السلطة بأنه‌ آلية مناسبة ومفيدة لدفع العملية السياسية نحو الأفضل وترحب بالنقد الموضوعي والمحاسبة الفعلية للتقليل من قصور المؤسسات التي لا تنسجم والروح الديمقراطية.
المعارضة ثقافة يجب فهمها و ممارستها بعد وضع برامج ومشاريع بناء دولة المؤسسات والقانون، والقضاء المُستقِل، والعقل الحرّ وحرية الرأي والصحافة، والأمن الاقتصادي والاجتماعي، ومستوى التعليم وأساليب التدريس في المدارس والجامعات و بعد نقل الصراعات في تطبيق الرؤی من الشارع الی التشريع في سبيل الوصول الی الأهداف السامية للشعب الكوردستاني و المعارضة هي فن لتهيئة النفس بعد فهم المتغيّرات و إرتقاء الخطاب الإعلامي من أجل إستلام السلطة و أن أداء المعارضة السّياسية الإيجابية ماهو إلا إغناء لتجربة الحكم في كوردستان.
للأسف هناك بعض تيارات كوردستانية معارضة تنسی بأن من أولويات عملها هي الوقوف بوجه الاستبداد المركزي و تفعيل الخطاب الوحدوي الكوردستاني و الإبتعاد عن مغازلة الأحزاب السياسية العراقية التي لا تريد لكوردستان و شعبه التقدم والأمان، بل تعمل ليل نهار كي تسود الرؤية الأحادية والفكر الشمولي وتطبّق تعاليم ولاية الفقيه‌ في العراق، تلك النظرية التي تريد أن تأخذ الحيّز الواسع في الفهم العام، لإجهاض التجربة الديمقراطية الحديثة و إعادة كابوس الديكتاتورية، الذي يأبى مفارقة الأذهان.
هذه الأحزاب الدينية التي ترفع شعار الوحدانية لا تؤمن بالعملية الديمقراطية بل تسعی الی انتهاج فلسفة وإستراتيجية مبنية علی مبدأ "الميكيافلية"، أي البقاء في السلطة والاستمرار فيها إلى أبد الآبدين، دون الاهتمام لنوع الوسائل والأدوات، ما دامت تؤدي الوظيفة وتحفظ النتيجة، حتى ولو كانت على حساب حقوق الشعب الكوردستاني المذكورة في الدستور بصورة خاصة و حقوق الشعب العراقي بصورة عامة.
لقد قامت الحكومات السابقة، التي كانت تؤمن بالزعيم القائد الفرد وسياسة الاستفراد، منذ ولادة الجمهورية في العراق باستخدام القضية الكوردستانية كشمّاعة وفزّاعة لتقوية وجودها و استمرارها و كسب الغنائم السياسية بها.
آن لنا أن نتعلم من التجارب المريرة، لذا نقول لتلك التيارات التي تتشبث بالإنتماءات الغيبية وتريد أن تُرضع من حليب الأحزاب العراقية المناوئة للتجربة الديمقراطية اليانعة و المخالفة للنظرة الكوردستانية في ممارسة حق تقرير المصير بأن العالم الذي نعيش فيه ليس نظرية من النظريات، بل هو شيء كائن و أن الحقائق القديمة، كالأسلحة القديمة تتعرض للصدأ وتغدو عديمة النفع.
علينا أن نفكر بلغة المفهوم و منطق الحدث و نعمل من أجل مضامين تبادلية و أشكال تضامنية و وقيم تواصلية، كي ننشر ونسود ساحة العمل التاريخي المستقبلي و أن لا نعارض من أجل المعارضة بمواقف يتداخل فيها الرفض والالتفاف والنكوص والنرجسية، لتحويل الوجود المعاش الی مقولات مجردة أو أدلوجات مزيفة بأوهام خادعة و مقاصد مفخخة و تهويمات مدمرة، فلا غرابة في أن يكون المآل الإنقسام والشرذمة.
فبالحوار والتعددية و أخلاقية المسؤولية والمشاركة الفعالة و الشفافية والمصارحة و حسن النية والمكاشفة و قبول الآخر والمصالحة والإشتغال علی المعطی الوجودي يمكننا تعزيز وحدتنا الكوردستانية لا بإنكار المشاريع النهضوية و رجم كل عمل نفعي بسياسة الإقصاء و الكذب والتعتيم والتضليل و الاتهام والتخوين والتجريم وعقلية الطوبی و منطق الاستلاب.
وختاماً يقول الماهاتما غاندي في الفجوة بين العلم والأخلاق وبين الرأي الحر والتطبيق الاجتماعي:
"توجد سبع مبادىء تدمر الإنسان: السياسة بلا مبادىء والمتعة بلا ضمير والثروة بلا عمل والمعرفة بلا قيم والتجارة بلا أخلاق والعلم بلا انسانية والعبادة بلا تضحية".
الدكتور سامان سوراني



89  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / تفكيك التماهي مع الذات في عصر انتهاء الحكومات المركزية في: 22:04 13/08/2012
تفكيك التماهي مع الذات في عصر انتهاء الحكومات المركزية


الفيلسوف و عالم الاجتماع المعاصر يورغن هابرماس، المولود عام 1929 في مدينة دسلدورف الألمانية، المنافح والمساجل في ميادين شملت تاريخ الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس واللسانيات والسيمياء والتاريخ والسياسة يقول بأن الحداثة مشروع لم ينته بعد لأنه لم يتجسّد قطّ.
أما فيما يخص العقل فمفهومه عنده يعني تجديد دلالته وذلك بتحويله من عقل أداتي كلياني شمولي إلى عقل حواري تواصلي قائم على "الاتفاق" (consensus) الذي يصوغه المجال العمومي. والتواصل من منظور هابرماس لا يحصل إلا متى ما كان مستقلاً بذاته.
فمن المعلوم بأن غياب احترام حق الاختلاف وحضور رموز سياسية بهدف زرع الألغام علی طريق الآخر المختلف لسد الفرص في وجه العالمين في سبيل بناء المجتمع الديمقراطي التعددي المنفتح و تثبيت قواعد الدولة الفدرالية هو المناضلة في سبيل ولادة الديكتاتورية المتوحشة.
لقد فرحنا بما كسبه العراقيين من مكاسب ايجابية بعد التغيير  و سقوط النظام الفاشي عام 2003 و موت الآلهة الحاكمة و إختفاء أكثرية الرموز المجرمة والمتطفلة التي جعلت من نفسها وصية علی الكيانات المختلفة و قلنا في نفسنا، ها هو الانسان العراقي قد تحرر من الخوف و أن عقدة اللسان عنده قد انحلت بعد أن كانت مستحكمة في النصف الثاني من القرن العشرين، لكن اليوم ترانا نجابه ظاهرة جديدة تثير جملة من التناقضات، بعد أن بدأت تلعب علی المجتمع بإسم الدين والوحدة الوطنية تارة وبإسم القومية تارة أخری و تقوم بالنبش في الطائفية المقيتة مستخدماً هذه اللعبة الخطيرة كوسيلة لمحاربة النزعة الكوردستانية نحو الحرية والاستقلال مما يغيض اصحاب النظرة الديمقراطية و جماعات الفكر الليبرالي التقدمي من مختلف الكيانات و الطوائف علی السواء.
صحيح بأن الحديث عن الديمقراطية يتطلب منّا أن ننظر الیها کمثل أعلی  بالرغم من التمفصل الموجود بين “مفهوم” الديمقراطية وبين “التجربة” الديمقراطية وأن معالجة "تركة الماضي" تكمن في اللامركزية وصناعة ولايات أو أقاليم فدرالية، لكن ما جدوی التفكير والبحث عن أنماط الديمقراطية وسبل تطبيقها علی أرض الواقع، فيما إذا كانت هناك جهات سياسية مدعومة من قبل قوی إقليمية تعمل في العراق علی إلاتيان بالديکتاتورية من جديد علی أكتاف الآلية الديمقراطية.
هؤلاء لم تصلهم بعد رسالة تراجيديا سقوط الآلهة التي كانت تعشّش في المجتمع منذ زمن طويل و نسوا مشاهد النهاية الحقيرة لصدام حسين و زبانيته و دولته القومية بعد جلبوا للمجتمع العراقي أهوالاً وكوارث وعواقب وخيمة و بعد أن قاموا بضرب الإنسجامات والتعايشات عرض الحائط علی امتداد خمسين سنة مضت و غيّروا الواقع بغناه و تعقيداته و التباساته الی بعد واحد وحيد العنصر بهدف تحويل العراقيين وخاصة الشعب الكوردستاني الی جماجم و هياكل عظمية تسير في الشوارع منزوعة الروح، لإستخراج شخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز واللاجدوی.
في هذا العصر الرقمي المعلوماتي بمعطياته الجديدة و بعد كل هذه التغييرات التي طرأت في العالم العربي و نهوض شعوب المنطقة  ضد الحكومات المركزية المستبدة لا يمكن للشعب الكوردستاني أن يقبل بأن يحكمه طغاة كما في السابق يطلون الطغيان برأسهم كلما سنحت لهم الظروف. القيادة الكوردستانية تسعی اليوم في سبيل ترشيد السلطة في العراق وعقلنتها وطرد القوقعة الإصطفائية فيها، تلك القوقعة التي تخفي في أعماقها أسرار إحتكار السلطة وممارسة الوكالة الحصرية، لأنها تدرك كل الإدراك بأن فيها تكمن الضمانة المثلی من الجور والتعسف و التعريب والتهجير و الأنفلة. فالحكومات التي لا تنزع الی السلم مع كوردستان و الی المصلحة العامة في العراق، تبقی حكومات أمر واقع، أي غير شرعية، ظالمة، مغتصبة، هدفها تذويب المواطنين في ما يشبه بالقطيع، بعد ممارسة الرفض والإقصاء ضدهم بهدف إستئصالهم مادياً و إلغاءهم رمزياً. 
نحن نری بأن رئيس الحكومة الحالية في بغداد وقع في أسر التماهي مع الذات ومع النزعة المركزية لا يستطيع تفكيكه، إذ نلمس أعماله التي تأتي بعكس ما أتی من أجله و مساعيه من أجل سلب الهوية والإرادة و محو التحديث والمعاصرة و مواقفه بتفرده و نرجسيته وعُظامه الذاتي ضد الأهداف، التي كان يدعي بأنه يدافع عنها عندما كان معارضاً يعيش علی أرض كوردستان.
من يعمل علی إعادة العراق الی المركزية و تجهيز المجتمع المدني بالعقل العسكري التقليدي لا يفكر في إنتهاج الحوار البناء كطريق للتعامل مع القضايا السياسية الخلافية العالقة بين حكومته و بين حکومة كوردستان، بل هدفه تراكم المشاكل لخلق أزمات مستمرة، ليقوي من خلالها مكانته الضعيفة المتحركة.
التجارب أثبتت بأن الأمن و التعايش  السلمي بين المكونات الأساسية في العراق لا يمكن جلبه بالقوة العمياء والهيمنة الفئوية أو بإحتكار للسلطة، فكيف بالخطط الجهنمية و الأحلام المجنونة، التي تولد الحماقات التاريخية والتي ترتد دوماً علی العراق خراباً و دماراً.
الشعب العراقي بكورده و عربه و تركمانه و الآشوريين والكلدان والأرمن منهم بحاجة ماسة الی إنتاج ثقافة جديدة، منفتحة، مدنية و سلمية مبنية علی عقلية المداولة والشراكة الحقيقية لبناء مشترك فاعل يزيد الرغبة الوطنية في الوحدة الوطنية الحرة والتصميم على المحافظة على استقلال كل كيان وإقليم في الإتحاد و يقلل بالمساءلة والمداولة من ثقل الأضداد والمتعارضات و منطق المماهاة والمطابقة، حيث الحكم يعترف لكل واحد بالمساواة ويبتعد عن مفاهيم الأصل  كالزعامة الفكرية والأحادية والاحتكار. فالديكتاتورية تلوث الفضاء الفكري و تبتلع المجتمع المتفتح الساعي الی تثبيت التعددية و توسيع مدارات الفدرالية و تشجيع الاستثمار في العقل البشري و التخلص من الوصاية النبوية عن كل ما يمكن أن يضيف شيئا جديد.
وختاماً نقول: فليكن الهدف هو المعرفة وصناعة الحياة والعمل من أجل العيش المشترك بتضافر كل الجهود، لا بالهروب من المسؤولية التاريخية وعدم تسلط الضوء علی المشكلات الراكدة منذ سنوات. ففي عصر تدويل الديمقراطية والإعتراف بحق الشعوب المتساوي في تقرير المصير لا مكان لعقليات و حكومات تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية.
د. سامان سوراني 
90  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / عقلية الضدّ و ولادة الدكتاتورية في زمن سقوط الطواغيت في: 22:41 29/07/2012
عقلية الضدّ و ولادة الدكتاتورية في زمن سقوط الطواغيت

عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون (1841-1931) الذي ساهم في إيثار نظرية سلوك القطيع و علم نفس الجموع يقول:"حتى لو كانت الجماهير علمانية تبقى لديها ردود فعل دينية تفضي بها إلى عبادة الزعيم والخوف من بأسه والإذعان الأعمى لمشيئته، فيصبح كلامه (Dogma) لا تناقش وتنشأ الرغبة في تعميم هذه الدوغمائية، أما الذين لا يشاطرون الجماهير إعجابها بكلام الزعيم فيصبحون هم الأعداء  الألداء.
فعندما يكون الحل في دولة ما في أيدي أصحاب الآراء المهجورة من الجهلة الغافلين تنقلب السلطة تسلطاً ويكون الرأي وبالاً والحكم غبناً. إذ من العار علی الإنسانية في العراق أن نكون مرة أخری شاهداً علی تحركات عسكرية في المناطق المستقطعة من إقليم كوردستان، التي تعرّب في القاموس السياسي السلبي بالمناطق المتنازعة عليها. فهذه التحركات المغرضة و المدفوعة من قبل رؤوس يتمنّون ولادة دكتاتورية جديدة في زمن سقوط الطواغيت، تجري تحت يافطة "الحفاظ على سيادة البلاد وحماية الحدود والتصدي للإرهابيين". فبملاحظة إستطرادية يمكن القول بأن تلك  المحاولات اللامنطقية و الخارجة عن الدستور لا تحمل في طياتها سوی الوقوف ضد عملية بناء المسيرة الديمقراطية والسماح لقوی شوفينية بإرجاع العراق ثانية الى ظلمات الدكتاتورية المقيتة.
إن دروس الفلسفة و النظريات العلمية في السياسة فسّرت وبيّنت لنا بأن سياسة الفرض والإملاء وإقصاء الآخر المختلف و مخادعة الشركاء لهدم النظام الديمقراطي يعني ولادة الدكتاتورية، عندئذ يتم رفع الشعار القائل: "أنا الدولة"، "أنا القانون".
والذي يخدش جلد التعجب فينا، هو أن "تسو نامي" الثورات في العالم العربي لم يجرف بعد عقول اصحاب الفكر الدكتاتوري في العراق. فالنوايا الخبيثة و الخطط العمياء لعسكرة المجتمع العراقي من جديد والعمل علی إحياء خيارات العنف کوسيلة لكسب الغايات السياسية و إهمال لغة التحاور ومبدأ الشراكة المبني علی أساس الدستور ترسم مؤشرات متجلّية تعمل كناقوس خطر يدق في آذان المؤمنين بالديمقراطية والعاملين في سبيل التعايش السلمي بين المكونات الأساسية في هذا البلد. 
لقد استبشرنا خيراً كثيراً بسقوط الطاغوت صدام و نظام حكمه الفاشي وإعتقدنا بأن ذلك يخوف كل من يفكر علی نمطه و أن هذا السقوط سوف يجلب معه عودة الحياة للعراقيين من جديد و ينجي البلد من الدمار والخراب المادي والمعنوي، لكن بشرانا هذه لم تدم طويلاً، فالسيد رئيس مجلس الوزراء العراقي، الذي كان في السابق يدعي مناهضة حزب البعث القوموي الفاشي، بدأ بعد تسنمه السلطة للدورة الثانية، بفضل المبادرة التاريخية للسيد رئيس إقليم کوردستان وإتفاقية أربيل، علی اتباع النهج المخالف لمبادیء الشراكة و الفدرالية و الديمقراطية، ساعياً لإخضاع المجتمع العراقي لثقافة العسكرية الخشنة، مهملاً بسياسته التفردية كافة المؤسسات القانونية الأخری، مرّوجاً لفكرة الوصاية الفاشلة علی شؤون الكوردستانيين و حريته، مستخدماً لغة الاتهام والاستعداء علیهم بمنطق الانعزال والانكفاء.
نقول له و للذي يريد تقليد الطغاة المستبدين، بتسلطه على مقومات الدولة تسلطاً شاملاً معتمداً على القوة العسكرية للدولة، بأن التغييرات الجوهرية المستمرة في الخارطة السياسية للمنطقة و التطورات التي تشهده المجتمعات بلورت صيغ أفكارها و تطلعاتها المتقدمة، فهي لا تسمح بمرور الديكتاتورية مرة أخری في صفوف المجتمعات الديمقراطية. والذي لا نستريب فيه هو إن المجتمع الكوردستاني الحي، الذي قاوم النظام البعثي و الحكم المركزي أكثر من نصف قرن، لا يمكن أن يتقبل أية حالة دكتاتورية سواء إذا برزت من قبل أحزاب دينية أو زعامات فردية عريقة في سلوكها الدكتاتوري أو من قبل جهات قررت الابتعاد عن فلسفة الاحتكام للعقل والدستور في حل المشاكل العالقة والأزمات، والتي تعمل اليوم علی تشكيل جبهة سياسية عريضة لمعارضة الخط الديمقراطي الذي ينتهجه القيادة الكوردستانية الحكيمة و تحويل العراق الى حاضنة للفاشية والظلام والفقر والحروب والخراب.
لا يمكن التعامل مع الديمقراطية والفدرالية بعقل أحادي. فالعمل بعقلية التمييز والفرز أو التطهير والتصفية مآله الفوضی والفشل والإفلاس و نتيجته هو سد الطريق علی العيش المشترك. من يمارس سياسة کتلك التي يمارسه السيد المالكي يقفز فوق الاحداث و ينفي المتغيّرات و أخيراً يقبل أن يكون جندياً حجرياً يُحرّك دون إرادة منه على رقعة شطرنج منافع قوی اقليمية.
وختاما نقول: من يحاور الكوردستانيين بلغة الصاروخ والمدفع والحشد المرصوص و يسعی في تشکيل الجمهور الأعمی لا ينوي صناعة الحياة أو جلب الحرية أو تغير الواقع العراقي نحو الأحسن،  هدفه الأول والأخير هو تدمير الحاضر و افتراس المستقبل بدلاً عن المشاركة في ورشة الحضارة القائمة بابتكار شيء خارق.
د. سامان سوراني


91  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان و إرتداد الفكر الديمقراطي في العراق في: 18:23 17/07/2012
إقليم كوردستان و إرتداد الفكر الديمقراطي في العراق

من المعلوم بأن الممارسات الفكرية تتغير مع الوسائط الجديدة، فلكل عصر تقنية و لكل تقنية أثرها علی الفكر. فالتفكير في عصر السلطة الناعمة ببعدها الإفتراضي و مخيالها السِبراني، القائم علی التشكيلات الرقمية والتراكيب العددية اللامتناهية، ليس كالتفكير في عصر الكُتّاب و النَسخ والشفاهة.
فبتغير الثقافة تتغير العلاقة بالمعرفة و الإرتباط بالنصوص القديمة والموروث الجامد. و هذا التغيير يؤثر علی أنماط السياسة والسلطة والديمقراطية و يضع الهويات، التي تدعي براءة الإختراع في مجالات العلوم الغيبية و أفكار ماوراء الطبيعة موضع التساؤل و يفتح في الوقت نفسه فضاءات تبدو أقوی أو أولی من العقائد والإيديولوجيات، التي لا تستطيع أن تفتح علی تعدد الأمكنة والعوالم والإنتماءات. التعامل مع الفكر الديمقراطي و علی كيفية ممارسته هو رهن لقراءته الخصبة والفعالة، بعقل تواصلي تبادلي و بفكر تركيبي و بمنطق تحويلي توليدي يفسح المجال للمساهمة في تكوين المشهد والحضور علی المسرح الإنساني.
ما نلمسه اليوم في العراق من إرتداد في الفكر الديمقراطي و تحسين في تدمير النبتة الديمقراطية اليانعة وتشويه صورة الفدرالية، تارة بإسم القومية و تارة بإسم المذهب أو الدين، شاهد صارخ علی النوايا الخفية عند البعض من الذين يتربعون اليوم علی عرش السلطة في هذا البلد ويريدون أن يكونوا صاحب القرار الأول والأخير في القضايا الجانبية والحساسة لممارسة الغزوات والحروب والإستمرار في أعمال الإرهاب و لإعادة ثقافة المذابح الجماعية، غير مهتمين بالمهالك والأخطار والنتائج المدمرة. هذه النوايا إن تطبق علی أرض الواقع لا تجلب معها سوی ولادة الفقر و التفاوت والإستبداد، بقدر ما تعزز النزاع والعنف والإختلاف الوحشي.
نرجسيتهم تدفعهم إلی ممارسة الأستذة علی إقليم كوردستان لتذكيره و تهديده، بأنه‌ من العسير عليه أن يخطوا خطوات نحو الإنفتاح و الديمقراطية والمجاهدة في سبيل التنمية والرقي علی جغرافيته السياسية و العمل علی توسيع رقعة المواطنة لدی حكومته من غير أن ينال العقاب بضربة عسكرية قاسية و فرض الحصار علی ساكنيه، لإعادة العلاقة السابقة التي كانت تطبق علی أساس الإستبعاد بعقلية الإصطفاء و أحادية القرار ومنطق المدافعة والمحافظة ونظرية التخوين المؤامرة لضرب الفكر الأخر والرأي المخالف، تاركاً إختلاف الألسن والطبائع والأفكار طي النسيان.
إنه التهوين والهويم والتهويل، الذي يجعلهم يعتقدون بأن "إنقاذ العراق" و خلاص العراقيين و نهضة عرب العراق مرهونة بالعودة الی تجربة النظام المقبور في المركزة والقيادة والإستخلاف و "التقدم والرفاه"، لتحقيق ما لم ينجح صدام الطاغي في تحقيقه طوال فترة حكم البعث الفاشي.   
والمهتم بالشأن الكوردستاني يعلم بأن حكومته تعمل بسياسة تركيبية تواصلية تتعاطی مع الأمور بديناميكية خلاقة و منهجية فعالة، لتحليل الواقع من أجل الإنخراط في صناعة الحاضر و المراهنة علی ما يمكن أن يحدث في المستقبل و تسعی في كسر الجمود و فتح المجال للتبديل والتغيير، مهتماً بالتحولات التي يشهدها العالم في الأفكار والوقائع، من نماذج الرؤية الی أنماط العيش، ومن سلم القيم الی منظومات التواصل.
و ما يسعی اليه رئيس إقليم كوردستان بسياسته الحكيمة هو إقتداء العراق بالثورة الفرنسية و مبادئها الإنسانية السامية و تأكيده بأنه في حالة فشل العراق السير نحو هذا الإتجاه للأسباب التي ذكرناها فسوف يستمر كوردستان في تجربته الديمقراطية نحو أهداف الثورة الفرنسية لجعها واقعاً حياً علی أرضه. 
ما نحتاجه هو كشف أوجه العجز والقصور في ما هو مستخدم أو مستهلك لتحديث أفكارنا و مفاهيمنا و ممارسة عقلانيتنا ومواقفنا التنويرية بصورة مثمرة و إيجابية لإقامة علاقات منتجة، فعالة وراهنة مع ذواتنا ومع فلسفة الشراكة الحقيقية والتعايش السلمي والواقع والعالم المعولم ونبذ تلغيم القضايا المنتجة للعجز والتخلف والإستبداد. و ليعلم المستبد رئيساً كان للحكومة أم معارض أنه في عصر الشعوب لا تقرأ لغة الإتهام والإستعداء ولا تنبني الدولة علی أساس التمييز والإصطفاء و لا يحتاج الإصلاح الی عقل أحادي، تحكمي، إنفرادي،وإنما يحتاج الی عقل وسطي، تعددي، تداولي و لامجال لمصطلح الديكتاتور في قاموس هذا العصر. 
وختاماَ: الدفاع عن الهويات والعناوين بالثوابت من القيم والمفاهيم أو الطرق والأساليب المجربة في العراق، كما يمارسه صاحب السلطة في بغداد هو سلاح مفلول، مآله خسارة ما ضحی من أجله العراقيين و ما أرادوا بناءه من دولة ديمقراطية تعددية فدرالية.
د. سامان سوراني
92  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الوصاية الفاشلة و مكامن عجز العقلية السياسية في العراق الفدرالي في: 16:43 13/07/2012
الوصاية الفاشلة و مكامن عجز العقلية السياسية في العراق الفدرالي

من المعلوم بأن الدولة الفعالة تنفتح علی الخارج، بقدر ما تنفتح في الداخل علی المجتمع والكيانات المختلفة فيه بمختلف قواه و مستوياته و هيئاته و عناصره‌، لبناء معادلة مركبة تؤلّف بين الاتحاد والإقليم، بين المحلي والكوكبي، لتحويل الخوف المتبادل والظنون السلبية الی مجالات ومساحات وأسواق للتعايش السلمي والتبادل المثمر.
إن الذين يتصدرون واجهة الدفاع عن طوائفهم ومذاهبهم و معسكراتهم بالأفكار السائدة و الأنظمة المتحكمة والشعارات الخاوية و المقولات المستهلكة لا يستطيعون القيام بمهام قضية العيش المشترك. الطرف الذي ينهض بها هو من يخلع عباءته الأيديولوجية المقدسة بثوراتها و مقاوماتها و إنقلاباتها و أحزابها و هو من يحسن الإشتغال علی خصوصيته و تحويل هويته للإنخراط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل، علی نحو سلمي تبادلي في أطر وطنية أو اقليمية أو عالمية، ولنا في إقليم كوردستان و حكومته اليانعة نموذج إيجابي نشيط في بناء مجتمع ديمقراطي سلمي التوجه مزدهر بإنجازاته العمرانية والحضارية.
ومن أجل التصدي لمظاهر التفرد و البربرية المعاصرة نراه إنضواء الساسة في العراق تحت سقف رمزي خُلُقي ولكن دنيوي، أرضي و كوكبي لزاماً، يستنجدون بقيم التقی والتواضع والإعتراف الحقيقي بالآخر المختلف بعيداً عن النظرة المتعالية والإبداع في الشوفينية بعد أن تعولمت الأفكار والثقافات والهويات.
فبعد سقوط الأقنعة الحديدية المزنجرة في بغداد عام 2003 واجه الشعب العراقي تحديات في الداخل بقدر ما كانت هناك تصارع من أجل إدارة العلاقات والصراعات مع القوی الأقليمية و الخارجية و بدأت فنون صياغة الدستور من أجل السيطرة علی نظام الدولة و منع  تعارض القواعد القانونية الدنيا القواعد القانونية العليا.
 حيث تم الإتفاق علی إجراء انتخابات عامة لقيام نظام سياسي وطني ديمقراطي تعددي غير طائفي أو محاصصي و تكوين حكومة شراكة وطنية بتحالفات سياسية واسعة تبتعد عن السياسات الفردية والاستبداد وتأخذ بجماعية مجلس الوزراء وتحترام إرادة الشعب والبرلمان والقضاء و تلتزم بتفعيل المادة 140 من الدستور لإنهاء المشاكل العالقة بين إقليم كوردستان والإتحاد الفدرالي لغرض تعزيز وحدة العراق و تطوير حقوق القوميات المختلفة فيه و زرع الأمن والإستقرار الإجتماعي والإقتصادي.
لكن عقلية الشراكة والمداولة والإحساس بالمسؤولية المتبادلة عند بعض التيارات التي قادت العملية السياسية و التي أخذت بعدها زمام السلطة في بغداد لم تكن ناضجة بعد، فشاركت تلك العقلية في تضخيم حجم تفاقم عدم الثقة بالحياة الديمقراطية والدستورية. أما المخاتلة والنفاق والتآمر فكانت تلك الأعمال نصيب بعضهم، نذكر منهم التموزيين، الذين أرادو بتاريخ 2008.07.22 الإنقلاب علی الدستور داخل البرلمان ومنهم من حاول بحكم منصبه إصدار أوامر غير دستورية لمعاقبة الشعب الكوردستاني و فرض حصار علی المشتقات النفطية المرسلة إلى كوردستان، ومنهم من أراد الإستنجداد بقوی خارجية و شراء طائرات حربية لمقارعة الفكر التجددي المعاصر في كوردستان. أعمالهم ونياتهم الغير صافية خلقت الأزمة السياسية والإجتماعية الراهنة، فإذا بالأمور تتعقد و إذا بقوی الإرهاب المدعومة من الداخل ومن قبل أطراف تؤمن بالهيمنة الهجمونية والتي ظلت عدواً لفكرة الفدرالية و بناء قبول تعددية الهويات الثقافية و الحضارية المختلفة، تستثمر هذه الحالة المستعصية لتكثير أعمالها الإجرامية قتلاً ودماراً و الترويج للثقافات المحلية أوالجزئية و ثقافة التضحية و الشهادة.
لا تنفع الحكومة العراقية إستخدام النماذج السياسية المستهلكة والبعيدة عن الشعور الإنساني العميق، المدرك لحكم المأساة وطبيعة الحياة و ثقافة الحوار والتعددية و التعايش وقبول الآخر المختلف ولا تنفعها النماذج القائمة علی فلسفة الاقصاء والتهميش وحرب الآخر والداعمة لهواجس و حسابات الربح والخسارة.
الكلام علی الأزمة في العراق أمسی من نافل القول و تكرار الكلام، فالطرف الذي يريد التحاور من أجل البقاء في الحكم يجب أن يبدأ بإتخاذ خطوات عملية تترجم ما اتفق عليه من قبل الأطراف التي تحاورت معه على أرض الواقع، لتنمية الثقة بينه‌ وبين الأطراف. مالنفع في الحوار، إذا لم تستبعد العوائق والموانع و مالنفع بالقول نحن ضد الدكتاتورية، إذا كان الدفاع عن النظير الإيراني والسوري جزء من السياسة، التي تؤدي أخيراًّ الی الإخفاق في ممارسات العقلنة والديمقراطية علی ساحات العمل؟
الأزمات والكوارث ليس مصدرها الأقدار فقط، فهي تتجسد في الأفكار بشكل خاص و العقليات والمرجعيات والنماذج والمقولات أو التصنيفات والطقوس التي تهيمن علی المشاهد الثقافية و تتحكم في الخطابات فتنتج عوائق و مآزق وتلغم المساعي الوجودية والمشاريع المدنية أو الحضارية.
منطق الكشف العلمي يثبت لنا بأن حل المشكلات يخلق مشكلات جديدة ومعالجة الأزمات تولد المزيد من التعقيد والتأزم، لذا نقول للعقول السياسية في العراق، من أراد النجاح للديمقراطية و التجربة الفدرالية، عليه أن لا يتعامل مع الحقائق و الوقائع علی سبيل التبسيط والتهوين أو التهويل والتضليل أو التلفيق والتزييف و علیه نبذ الشعارات الخاوية والدعوات المستحيلة و الاستراتيجيات القاتلة وعليه أيضاً إستخدام أطر و أدوات في النظر والعمل البعيدة عن مذهب القصر والإستهلاك والعقم وهنا يكمن سر النجاح. 
وختاماً يقول الفيلسوف الإنكليزي النمساوي المولد كارل بوبر (1902-1994): "نحن نعرف بأنه لا يمكن أن يكون لحجة منطقية تأثيرٌ منطقيٌّ على من لا يريد أن يتبنى أسلوباّ منطقياً."
د. سامان سوراني
93  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المعقول واللامعقول في السياسة، حكومة العراق الفدرالي نموذجاً في: 11:59 09/07/2012
المعقول واللامعقول في السياسة، حكومة العراق الفدرالي نموذجاً

الفيلسوف الفرنسي دُو لابْرِيد دُو مُونْتسْكُيو (1689-1755) صاحب كتاب روح الشرائع و نظرية فصل السلطات الثلاثة أرشدنا أواسط القرن الثامن عشر بأن حرية المواطن السياسية تقوم علی راحة النفس، التي تنشأ عن رأي كل واحدٍ حول سلامته. و لنيل هذه الحرية يجب أن تكون الحكومة من الوضع ما لا يمكن المواطن معه أن يخشی مواطناً آخر و كشف لنا بأن الحرية تفقد خصوصيتها المطلقة إذا ما اجتمعت السلطة الاشتراعية والسلطة التنفيذية في شخص واحد أو هيئة حاكمة واحدة. ويضيف في الفصل السادس من كتابه المذكور بأن الأمراء الذين أرادوا أن يكونوا مستبدين بدأوا بجمع جميع السلطات في شخصهم دائماً.
فبعد مرور أكثر من قرنين ونيف من الزمان علی أقوال أمير العقل التنويري بدأ في عراق ما بعد الدكتاتورية ظهور تيار فئوي يسعی الی تعزيز سلطته الطائفية لينحو نحو استحداث الدكتاتورية و ينحرف و يتطرف عن مسار و نهج المسيرة الديمقراطية ليتجاوز القوانين و أحكام الدستور المنبثق من العقد الأجتماعي لمكونات العراق الأساسية.
نحن نعلم بأن الدستور الذي استفتی علیه العراقيين عام 2005 والذي وافق عليه أكثر من ثمانين في المائة من العراقيين و الذي كتبه نخبة عراقية من أول جمعية منتخبة بعد ردح من الزمان و سنوات من القمع و القهر و الظلم والحروب، تلك الحروب التي لم تترك للمجتمع العراقي سوی كوارث إنسانية و بيئية تسلط ظلالها السوداء الی يومنا هذا علی عيشهم و نمط  تفكيرهم، يحمل في طياته‌ رسم معالم المستقبل من خلال الاتفاق علی أسس و مبادیء جوهرية لمرحلة ما بعد الدكتاتورية.
واليوم نری البعض يحاولون مسك الحقيقة من ذيلها، إذ يقومون بإخضاع نصوص الدستور للتأويل اللاموضوعي، من أجل التحوير و التحريف، غير مهتمين بالركن الأساسي في حكم عراق ما بعد سقوط تلك الدكتاتورية، ألا وهو التوافق السياسي، إذْ أن فقدان هذا التوافق سوف ينهي في العراق ما نسميه نحن الشراكة الحقيقية في الحكم.  و ما وصف بعض وعاظ السلاطين لرئيس الحكومة بالثالوث السياسي، الذي حسب وصفهم يجمع الأقانيم ( القائد – الدولة – الشعب)، إلا القفز على تلك الحقائق، فعقلية الأنفال و الحب في تكرار جرائم مثل حلبجة ما زالت متحكمة عند بعض أصحاب القرار في بغداد، أولئك الذين لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بالفيدرالية ولا بالتعايش السلمي، ناهيك عن تطبيق الشراكة الحقيقية.
نحن نری بأن الذي يستحوذ مناصب حساسة داخل الدولة لا يهتم بالإلتزام بالدستور و لا بالعهود الموقعة، يخطط نهاراً في إرسال فرق عسكرية لتوجيه مدافعها نحو مدن اقليم كوردستان الفدرالي، فهذا النهج السلطوي و المحاولات المتكررة في إستخدام الجيش لغايات سياسية في البلد والشعب الواحد تخالف بنود الدستور، التي تجرم تلك النوايا النتنة. وليعلم الذي لايعلم بأن الحروب القادمة لا تحسم بنشر القوی علی الأرض، بل باستخدام الشبكات الالكترونية والأنظمة الرقمية، لأن الحقيقة تصنع عبر الوسائط والصور والأرقام، لا عبر مليشيات الإسناد و حشود الصحوة والإجتماع البشري ينبني بالتعايش والتواصل لا بإزدهار أعمال الفساد و الإنتهاك والإستبداد أو بنشر فنون التشبيح والشعوذة والقرصنة. فالتفرد و الاستبداد كارثة علی الشعوب، والاستبداد يضيق بالنقد البناء، والتفرد يغتال المواهب، ويقضي علی الإبداع، ويزرع الرعب فيصبح المواطن خائفاً حتی من أقرب المقربين إليه ولا يأمن من نفسه علی نفسه.
الحكم الفردي هو عار علی صاحبه ووصمة سلبية في جبين الإنسانية. أما العقائد المغلقة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة فهي تكبح إطلاق و تشغيل القوی الحية والخلاقة. فلا أدري أي حياة هذه بدون حرية واعية.
في عالمنا اليوم نری تغيير في مفهوم السلطة و توسع في معانيه. فالسلطة لا تنحصر في أجهزة الدولة و مؤسساته، وإنما هي علاقات تنتج و تمارس وتنتشر في مختلف حقول المجتمع ودوائره و مستوياته. فالدولة يجب أن تدار بعقلية السياسي، الذي يجمع بين التقليد التراثي و التحديث الاقتصادي أو بين الهوية القومية والبعد العالمي، والذي يمتلك عقلية المحترف و يشخص لكي يركب الإمكانات و يجترح الوسائل لتحسين الأوضاع أو لحل الـمشكلات وإنهاء الأزمات.
الأزمة التي يمر بها العراق تحتاج الی فكر مركب لمواجهة الوقائع و إعادة تشكيل المشهد و ترتيب القوی علی المسرح. أما ممارسة التفرد والتألق والنجومية فيولد رويداً رويداً التمييز والاستئثار أو الاقصاء والافتئات أو الاحتكار و الإغتصاب.
و ختاماً نقول: بأن الشراكة بمفهومها المعولم تعني العمل علی خلق مجتمع تداولي، ليحل فيه مفهوم الشبكة محل مفهوم النخبة، والفريق محل الزعيم المنقذ، بحيث يخلق للواحد فرصة التعامل مع الهويات والقضايا والمشكلات بمنهج التوسط و عقلية التسوية و بمبدأ النسبية و منطق التداول و بثقافة التعدد. ولكي نعيش أحسن عليه‌ أن نحسن العيش سوياً. فالمقدس والمطلق والأوحد والمتعالي سواء أكان قوة أم مؤسسة يحول الناس الی قطعان وحشود و يسمم العلاقات بين الكيانات و يدمر أسس العيش المشترك.
د. سامان سوراني
94  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لغة الدكتاتور و القوقعة الإصطفائية في العصر الرقمي في: 13:03 06/07/2012
لغة الدكتاتور و القوقعة الإصطفائية في العصر الرقمي

من المعلوم بأن القوقعة الإصطفائية تخفي في باطنها أسرار إحتكار المشروعية و ممارسة الوكالة الحصرية علی شؤون الشعب، من خلال الإعتقاد بإمتلاك مفاتيح السعادة و النمو التقدم والرقي الحضاري، أصحابها يتوهمون بسبب العُظام الذاتي النابع من طفولتهم النرجسية بأنهم الأحق والأشرف والأفضل بين البشر، مآل عقيدتهم هو الإرهاب بأشكا‌له المختلفة، التي تبدأ بالرفض والإقصاء و تنتهي بالإلغاء الرمزي والإستئصال المادي للمختلف الآخر أو المعارض الضد.
فبعد غياب العملة الدكتاتورية في العراق نهض الشعب العراقي بكياناته المختلفة في جو موسوم بالحماسة نحو الديمقراطية و النظام الفدرالي، كي يبتسم و لو لبرهة من سلطان الإستبداد السياسي والنظام الشمولي أو الفقر المعرفي و الإرهاب الفكري، معتقداً بأن أحادية المبدأ أو القطب أو الزعيم أو الرأي أو الصوت قد ولّت الی غير رجعة. لكن الواقع أثبت عكس ذلك. فبعد مدة قصيرة من الخلاص  من ممارسة التهويل الايديولوجي تشعب أذرع رأس تيار التفرّد كالأخطبوط لتجمع السلطات السيادية الحساسة في شخص واحد، بهدف الثورة علی الكيانات الأخری لإعادة المركزية و مورست بواسطة إعلام تسلك مسلكاً أقرب لرؤية السلطان وتنقل الحقيقة المزيفة، تقوم بإشغال الشعب بعدو وهمي أو أسطوري أو إيهامه بعدو ما وتشجيعه ضد هذا العدو و تعمل علی غرس ثقافة القواقع الفكرية الخانقة و نشر فيروس قاتل تمدد ليصعب السيطرة عليه من أجل سلب الهوية والإرادة.
من يريد أن يبقی علی سدة السلطة و يتعهد بتحقيق كل شيء، وهذا ما نلمسه اليوم في العراق، هدفه تهوّن الأمور لكي لا ينجز شيئاً، مثله‌ كمثل الذي يهوّل بالمشكلات لكي يقعُد عن المطالبة و يهرب من حمل المسؤولية. من الواضح بأن كل مطلب من المطالب الإصلاحية والتحديثية يجسم مشكلة مزمنة تحتاج معالجتها الی عمل دؤوب و متواصل علی الذات، درساً و تحليلاً أو تشخيصاً و تعقلاً وتركيباً وتدبيراً. الحكومة الاتحادية متفق فقط علی ما لا يحتاج الی تنفيذ، تعمل بذلك علی مراكمة المشكلات المزمنة لحصد الإخفاقات المتلاحقة، إن لم نقل الهزائم المتوالية.
إن ظاهرة تسلط الفرد علی مقومات الدولة تسلطاً شاملاً معتمداً على القوة العسكرية والأمنية التي لديه و التأثير في الناس ديماغوجياً للحصول على ثقتهم ثم قتل الروحية المتحركة والفكر المتطور فيهم وإحاطة نفسه بهالة من الحصانة والعصمة، تقف حجر عثرة أمام التوجه بنحو الديمقراطية و بناء الدولة وفق مؤسسات مستقلة، ما يعرف بالخصخصة و تضرب الفدرالية عرض الحائط.
هناك معادلة منطقية مفادها، المزيد من التأله والتوحد يفضي الی المزيد من التعصب والتوحش والمزيد من القبض والتملك يفضي الی المزيد من التبديد والتلوث. فالحكومة الحالية في بغداد لم تعمل وللأسف إلا بعكس ما أتت من أجله أو ضد ما أعلنت الدفاع عنه أو دعت محاربته. فهي لم تفلح لا في حل الأزمات و لا في جلب المصالح و لا حتی في درء المفاسد و المكاره، بل تكاد بتفرد رئيسها تطيح بما حققه الشعب العراقي من المكتسبات بعد سقوط الطاغية عام 2003 في سعيه الی التحديث والمعاصرة.
إن بناء الأمل علی حكومة تريد ممارسة الحكم بدون حدود لتنتهج الحوار البناء طريقاً للتعامل مع القضايا الخلافية العالقة بين المركز والاقليم يغرق نفسه في الأوهام والأحلام، قفزاً فوق الوقائع والحقائق و لا يجلب معه في العاقبة سوی خسارة الإنجازات والمكتسبات وذلك بسبب العجز عن تدّبر الأزمات التي تتراكم مشكلة بعد مشكلة.
من يريد في هذا العصر الرقمي أن يعيد العراق الی المركزية لا يتجرأ عن كسر نرجسيته و لا يتزحزح عن فكرة المركزية و لا يتحرر من تهويماته الإصفائية كي يرتد عن أفكاره العقيمة  ويتمرس نقذ الذات علی سبيل المراجعة العقلانية المعاصرة والبناءة ليجدد رؤاه و تصوراته و يعيد بناء قناعاته بإجتراح لغة الديمقراطية الجذرية في تعامله مع مواد الدستور والمشاكل العالقة مع الغير المختلف.
الشواهد والتجارب المريرة والأزمات المتلاحقة في‌ العراق برهنت بأن القوة العمياء والهيمنة الفئوية وإحتكار السلطة، کل ذلك لم يجلب أمناً أو يصنع تعايشاً سلمياً بين المكونات الأساسية في هذا البلد أو يصون حرية و كرامة الفرد. وكانت أفعال العقول المفخخة و العقليات القاصرة التي خدمت الخطط الجهنمية والأحلام المجنونة كحماقات تاريخية ترتد دوماً علی العراق خراباً و دماراً.
المجتمعات العراقية بحاجة الی إنتاج ثقافة جديدة، منفتحة، مدنية و سلمية مبنية علی عقلية المداولة والشراكة الحقيقية لبناء مشترك فاعل يقلل بالمساءلة والمداولة من ثقل الأضداد والمتعارضات و منطق المماهاة والمطابقة.
وختاماً نقول: بأن نفايات سياسة التفرد بالتوجه نحو الديكتاتورية في العراق تكاد تلوث الأرض الفكري والسماء الروحي للمواطن و تبتلع المجتمع المدني المفتوح علی تعدد الآراء وتعمل علی خلق حالة طواریء دائمة لإستدراج الكيانات الی الإنخراط في حرب أهلية يتحول معها إسماء الفدرالية والتعددية والديمقراطية الی بعبع و جلّاد. التنظير للمركزية وتطبيق النظرة الأحادية والنرجسية السياسية تلغم صيغ التعايش بين الكيانات و تختزل الواقع بغناه و تعقيداته و التباساته الی بعد واحد وحيد العنصر والرأي و تدمر البيئة الديمقراطية، التي نريد صونها والعيش فيها.
د. سامان سوراني   
95  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل لصناعة الموت في زمن بناء أركان الديمقراطية نهاية؟ في: 19:48 02/07/2012
هل لصناعة الموت في زمن بناء أركان الديمقراطية نهاية؟

من المعلوم بأن الموت هو الذي يكرّس الحياة، لأنه هو الذي يثبت لنا أنه ليس ثمة شيء أثمن من الحياة وأن الفرد لا يستطيع أن يضع غاية حياته في مجرد العمل علی الوفاء لذاته، لأن المعنی الحقيقي للحياة لا يمكن أن يكون معنیً فردياً بحتاً. وإن أعلی تجلٍ للحياة في عالمنا هو حياة الناس العاملين بنبل و متابعين المعرفة في دولة منظمة تنظيماً حسناً.
فبعد سقوط الطاغية في بغداد عام 2003 ظهرت تيارات أصولية و قوموية مختلفة أستخدمت في دعواتها و برامجها و حروبها الدين سلاحاً لممارسة جنونها و فضائعها، حيث قامت بإسم الدعوة الخالصة و الدين الحنيف بخطف الأبرياء والذبح من علی الشاشة و تقطيع الجثث، لأناس أبرياء آمنين، لا ذنب لهم و لا جريرة، سوی أنهم ليسوا نسخا طبق الأصل عن جلاده‌هم أو لم يولدوا مسلمين أو عرب و بدأت ببربريتها المعاصرة بصناعة الموت بشكل منتظم، مما قادت بعد فترة وجيزة الی إنهيار ثقة الإنسان بالدعوات والأديان، كمرجع للمعنی. رؤوس هذه التيارت كانت بتألهها تأمر بممارسة ذروة العدمية أو الهمجية، أعمالها أشعلت الفتن الأهلية و مزّقت المجتمعات، التي كانت تعيش قبل ظهورها بوئام وسلام، جلبت تلك الجرائم معها فقدان الثقة واليقين بمعناه المعرفي و فقدان البوصلة مع انهيار مرجعيات المعنی و فقدان الأمن بـمعناه المادي و تم بعدها التلاعب بطبائع الكائنات و فقد الإنسان العراقي من جابنه السيادة علی نفسه و علی الأشياء و تحولت نُظُم الحياة الی حقول من الأفخاخ و الكمائن بعد أن تمكنت الوسائل من تدمير الغايات و بعد أن تحولت الصحوة الی عتمة دامسة و كان الحصاد هو ما يعيشه اليوم الفرد العراقي في الوسط والجنوب من شقاء و جحيم بدلاً عن الفردوس الموعود المفقود.
هؤلاء فقدهوا مصداقيتهم بعد أن قسموا البشر قسمة حاسمة بين إيمان و كفر، بين خير و شر أو بين مدنية و بربرية.
ومن الجليّ بأن الديمقراطية لا تتحقق في بلد ما من دون تثبيت أركانها في سبيل إحترام الحريات و تقديس الحقوق، منها حرية التعبير، الذي يعد الشريان الرئيسي للديموقراطية و الأساس الذي تقوم عليه باقي الحريات الأخری کحرية التفكير والعقيدة والتنظيم و تبادل المعلومات المبنية علی أساس الثقة بين المواطن و الحكومة، بإعتراف الدولة بحق المواطن في معرفة مايجري حوله و ماتفعله الحكومة.
إن منطق الإعتراف يخلق شروطاً لإجراء حوارات خصبة و بناءة، بقدر ما يسهم في تشكيل مساحات أو لغات أو صيغ للتعايش و التفاهم أو التبادل والتفاعل. و الهدف من الحوار الحي هو خلق مناخ يتيح للواحد أن ينصت للآخر لكي يتعلم منه أو يغتني به، عبر تشكيل قناعات جديدة أو إبتكار صيغ مركبة، لا لمعرفة من هو المخطیء ومن هو المصيب.   
فالديمقراطية الحقيقية تخصب أرضية العمل بمنطق الحوار والمداولة والشراكة والتسوية في سبيل الإعتراف المتبادل بعد كسر وحدانية الذات علی نحو يفتح الإمكان لقبول الواحد الآخر، بوصفه مختلفاً عنه بالهوية، لكنه مساوٍ له في الحقوق و الكرامة والحرية. 
ولكي لا تتحول الديمقراطية إلى مطية يرتحلها كل أفاكٍ ذميم علينا العمل علی ترسيخ مفهومها و تعزيزها بدءاً من الأسرة ومروراً بقنوات التربية والتعليم كما جاء في أدبيات حقوق الإنسان، وفصلها عن المؤثرات الأيديولوجية والعقائدية فصلاً لا يبقي أثراً لتلك المؤثرات السلبية. و ينبغي فك الشيفرة الرمزية والعلبة السوداء، التي تدمر صيغ التعايش بين الكيانات وتحيّ الفِتن النائمة و تؤجج الذاكرة الموتورة. ولكي لا تصاب المجتمع العراقي بالعمی والصمم والخرس علیه‌ أن يسلط أفراده اليقظين الضوء علی عيوبه و أعطاله ليری نفسه بعين نقدية أو بمرآة الغير. فالآخر يمكن أن يری ما لا يمكننا أن نراه و قد يمكن أن يوقظنا من سباتنا.
المجتمع الديمقراطي بأشد الحاجة الی قيادين مسؤولين يستمعون الی الآخر لخلق وسط للتفاهم أو خط للتواصل وتشخيص المشكلات بأدوات حقله من اللغات المفهومية و الصيغ العقلانية و إدارة القضايا والمصالح بعقول تداولية، وسطية إجرائية، بعيداً عن الأنا النخبوي و الوحدوي و بعيداً عن ممارسة العماء والإستبداد، لإخراج مجتمعاتهم من المآزق التي تضع الجميع بين فكّي الكماشة، نعني بذلك أنفاق الطوائف و أنظمة الاستبداد، جنون العقائد الإصطفائية و جحيم الآلة العسكرية.
وختاما نقول: من يغفل في هذا الزمن الكوكبي المعولم عملية التفاعل بين الكيانات والهويات الثقافية المختلفة يلغم المشروع الحضاري من حيث لا يدري، فهو إذن يتخلی عن الطاقة الفكرية والقدرة علی الخلق والإبتكار أو علی التجديد والتغيير و يمارس الحجب والتعتيم و يفجّر مشاريع التقريب والحوار والتوحيد، التي يمكن أن تتيح للكيانات المختلفة التعايش والتواصل أو التعارف والتبادل. فالحياة تشمل ثنائية الموت والحياة و لا تحقق هذه الحياة إلاَّ بالوعي والمحبة والحرية التي تعني الانعتاق الدائم.
د. سامان سوراني

96  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فلسفة الحوار بين شرط الإمكان و خرق الشروط في: 18:19 27/06/2012
فلسفة الحوار بين شرط الإمكان و خرق الشروط

في الديمقراطية الغربية يُنظر الی السلطة السياسية، التي هي محصلة قانونية أو إجرائية للحراك الاجتماعي والنشاط الإنتاجي أو الإبداعي لكل الفاعلين الإجتماعيين، في مختلف القطاعات والحقول، كمجال يُخضع للمناقشة العمومية والمداولة العقلانية والمراجعة النقدية. 
لذا يؤسفنا أن لا نری هذا المجال في حالة الأزمة السياسية الحالية في العراق، التي ولدت بسبب تصاعد الخلافات بين الكتل السياسية والكيانات حول أمور دستورية تتعلق بالشراكة الحقيقية في إدارة الدولة، بالإضافة الی ملفات ومواضيع عالقة أخری حساسة. والمطالبة بسحب الثقة عن رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بعد إنعقاد إجتماعات في عاصمة إقليم كوردستان و محافظة النجف و السعي نحو استجواب السيد المالكي في البرلمان إلا إنعكاس واضح لتلك الأزمة وفي نفس الوقت هو سعي لخلع صفات الألوهة والقداسة والعصمة من الحاكم بأمره لكي لا تُحتكر المشروعية ولا تُصادر حرية التفكير والتعبير للإنفراد بالرأي و القرار.
في الماضي القريب، أي خلال عقد التسعينات من القرن العشرين شاهدنا كيف أن اكثر من خمسين دولة في العالم تحولت من النظام العسكري التوتاليتاري الى النظام الديمقراطي وکيف أن الدعوة الى الديمقراطية فرضت من الخارج على النظم الديكتاتورية إستناداً الى معطيات دولية معينة ومبررات أخری منها محاربة الارهاب الدولي وحماية الأقليات القومية أو الدينية. و العراق كان من جملة هذه الدول، ففرض عليه نظام ديمقراطي منسجم مع معطيات العصر، ليكون نموذجاً في المنطقة. لكن هل نجح هذا الفرض؟
نحن نعرف بأن العراق لم يمارس الديمقراطية في تاريخه السياسي، إلا لفترة وجيزة كانت في ظل الحكم الملكي، بالرغم من أن تلك التجربة كانت تفتقد المعنی الحقيقي للديمقراطية. وبعد الإنقلاب علی الحكم الملكي و ولادة الجمهورية العسكرية و تسنم البعث دفة الحكم ظهرت مدرسة خاصة لإعداد وتدريب العقل السياسي في العراق، تميز هذا العقل بعد ذلك بالخضوع لفترة طويلة لتثقيف أحادي الاتجاه وصَلب التحيز، متقوقع في هويته، لم ينتج معارف حول واقعه أو حول عالم المعرفة. وأصبحت العقلية  المتسلطة في العراق مغلقة علی آرائها التي تعتقد بها. أما الشخصية العراقية فقد استلبت وبالأخص في الثمانينيات من القرن الماضي علی أوجه كثيرة، منها النفسي والفكري والثقافي عبر أيديولوجيا دامغة للآخر المختلف، غير معترف به علی الإطلاق، و كانت مآلها ظهور مسالخ الأنفال و الإبادة الجماعية والإعدامات المتواصلة والحروب الداخلية والخارجية المدمرة، وجراثيم هذه الأيديولوجيا المضادة للقانون والدستور والحقوق والقيم الجامعة أمرضت العقل العراقي، بحيث لم يتمكن من ممارسة الديمقراطية، التي تقوم بناءاً علی الاعتراف بحق الإختلاف و شرعية المختلف لغوياً و تاريخياً.
المنطق يرشدنا بأن الذي يقوم بتحويل الهوية الی زنزانة عقائدية أو الی مصنع لإنتاج الفرقة والفتن من أجل نصب جدران الكره والحقد فيما بين الكيانات المختلفة لا يستطيع بعقله الأحادي و الإصطفائي المشاركة في صناعة العالم، عمله لا يمكن أن ينتج سوی الدمار والدماء و لنا في صدام الطاغي المثل الخالد.
نستنتج من هذا بأن الديمقراطية ليست مجرد فكرة تقتبس أو صيغة تطبق، وإنما هي عمل شاق و جهد متواصل يقوم به المجتمع علی نفسه، علی غير مستوی أو صعيد.   
والسياسة لا تخلو من هاجس البرهنة والإقناع، فلكل سياسي مخياله و مثالاته التي بها يتمثل المواضيع والقضايا أو يمثل عليها، لكن المشكلة تكمن في الممارسة السياسية عند من انتدبوا أنفسهم لمهمة التفكير و صياغة القرار عن الكيانات المختلفة بإسم الوحدة و التحرر و التقدم. أولئك الذين يتهربون دوماً من النقد و يقفزون فوق الوقائع لكي تسلم عقائدهم وسياساتهم و تصح مقولاتهم.
الوحدة لا تعني أبداً الجمع علی سبيل القهر والضم، ولا علی سبيل التمييز والإقصاء، أي كل ما يلغم عمل التوحيد، فالوحدة هي القدرة علی خلق فضاء واسع أو وسط جامع.
نحن نری بأن ممارسة الوصاية علی الكيانات الأخری باسم الدولة المركزية و الإدعاء بالعمل من أجل إنصافهم والدفاع عن حقوقهم، هو في الحقيقة العمل علی التميّز عنهم أو التفوق عليهم بالذات وإن مثل هذه الوكالة دفعت الكيانات و ما تزال تدفع أثمانها الباهضة، تفاوتاً و قهراً، أو عجزاً وفقراً، أو خراباً ودماراً.
بعد سقوط الطاغية عام 2003 كُتِبَ الدستور ليصبح وسيلة لتحرير الكيانات الأخری و ظهر فضا‌ء الإنسان العراقي الجديد الذي كان عليه أن يساهم في تشكيل وعي جديد، كي لا ينتظر من سواه أن يقوم بتحريره و إنصافه أو إنقاذه من الذين كانوا يمارسون عن طريق الإستلاب الفكري وصايتهم عليهم عبر التهويمات المثالية والخلقية حول الوحدة والحرية و المساواة في سبيل طمسهم و ذوبانهم في إيديولجيتهم الفاشلة.
نحن نعيش اليوم عصر الشعوب، فلم يعد بوسع السياسي أن يمارس دوره النضالي بالصورة التي أعتاد عليها حتی الآن، كصاحب وكالة فكرية أو خلقية، تجيز له أن يفكر عن الناس و يقول لهم ماالذي ينبغي عليهم ما يفعلوه‌.
ومن المعلوم بأن قولبة الواقع السّيال علی مقاس المقولات الجامدة والنظريات اليابسة، تنتج دوماً عقليات فاشية و تؤدي أخيراً الی قيام أنظمة كُلانية شمولية تبتلع المجتمع المدني ومؤسساته و تسحق الفرد، فممارسة السياسة بمنطق الإستلاب والإدانة لخط أو نهج، مآلها انتهاك القوانين والمعايير، علی ما تشهد التجارب لدی أهل الحقيقة و دعاة الفضيلة.
أما الخروج من المأزق فسيكون بالتعامل مع النتاج السياسي بلغة مفهومية، علی أساس معرفي و بُعد كوني. فقيم الحوار ليست لأجل تطابق الآراء و نزول الآخرعلى رأي صاحبه، بل لإثبات وجود فرص التواصل بعد القطيعة. فالنجاح ليس فقط في التأسيس للمشترك بل في حسن إدارة المختلف.
مهمتنا هو خلق بيئة تثمِّن ثقافة الحوار، من دونها يصعب علينا الاستمرار في تبنِّي الخيارات العاقلة والمحايدة. و مانحتاج اليه هو تغير انماط الرؤية و طريقة التفكير و قواعد العمل والبناء بمنطق علائقي، وسطي، مدني، سلمي تبادلي.
و ختاماً نقول: لقد ولّی عصر الفحولة في السياسة، فنحن لا نشهد اليوم في عالم السياسة التمركز والاستقطاب بقدر ما نشهد التبعثر والتشظيّ، فلماذا إذن كل هذه المحاولات البائسة من أجل التمركز و الإستقطاب في بغداد، مدينة السلام؟
د. سامان سوراني
97  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / بؤس سياسة المالكي و تلغيم المشروع الفدرالي في العراق في: 18:25 23/06/2012
بؤس سياسة المالكي و تلغيم المشروع الفدرالي في العراق

من المفارقات الفاضحة أن نقف اليوم موقف السلب والنفي من ثقافة الفدرالية و التعددية السياسية و فلسفة ممارسة الحق الدستوري و تداول السلطة، علی ما يفعله دولة رئيس الوزراء، "حارس وحدة العراق وهويته" و "حامي العروبة والإسلام" بتهويماته النضالية، لكي يهاجم الجهات التي تعمل علی سحب الثقة منه‌.
من يکون قادراً علی إلقاء خطب مطولة حافلة بالشعارات المستهلكة لكي يشنّ فيها حرباً ضد خصومه المتحالفين معه و لا يقدر علی اجتراح الإمكانات لتأمين فرص العمل و أسواقه و شبكاته، أو لتحسين شروط العيش لأوسع الفئات من الشعب العراقي ومن يأتي بحجج مموهة أو مغلوطة أو واهية ترمي الی التغطية والمساویء، بإتهام الغير و حمل المسؤولية عليه، و ذلك للهروب من استحقاقات الكيانات، بإختراع أعداء، هدفه دفع عجلة تفاقم المشكلات و استعصاء الحلول نحو الأمام و همّهُ إنتاج أناس هم أعداء للفهم، يدرّبهم علی إتقان لغة التصديق و التصفيق والتهليل، كأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر. و هذا هو مصدر التخلف والفقر والتسلط والإستبداد.
الكوردستانيون ما زالوا جزء مهم من العراق ولهم الحق الكامل في التمسك بالوسائل الديمقراطية لمجابهة خصومهم السياسية، إن سعيهم لمصالحهم الذاتية في إطار اللعبة الديمقراطية  بإستعمالهم أساليب ديمقراطية ودستورية لا يقلل من شأن حقهم الديمقراطي.
من يريد أن يستخدم هذا الإختلاف كورقة توظيف للتمحور الخلاف الحالي حول قضية الخلاف الكوردستاني العربي يسعی الی تعميق ثقافة الصِدام مرة أخرى وإلى تضييق فرص الحوار للحيلولة دون تفاقم الاختلافات و لا يريد في النهاية أن يقبل المحاولة الجدية لتقليل فرص تكون الدكتاتورية من جديد.
صحيح بأن كل مجتمع يخلق نماذجه، لكن التجارب المريرة كشفت بأن نموذج كالمالكي الذي يدعي، كونه "قائد ملهم"،  بوصايته السلطوية و أحلامه المستحيلة بإمتلاك مفاتيح الجنان وسلّم النهوض للعراق، لايمكن أن يجلب للعراق سوی الخسائر والكوارث. ما يحتاجه العراق هو نماذج فاعلة، ديمقراطية، مبدعة، خارقة، كوسموبوليتية، كالسياسي نيلسون مانديلا أو كصاحب العقل الإقتصادي كارلوس غصن،  رجل أعمال لبناني-برازيلي، أو كالبنغالي محمد يونس، مؤسس بنك جرامين، الذي حاز علی جائزة نوبل للسلام، أصحاب المبادرات الحية والاستراتيجيات الفعالة في التدخل، التي تسهم في تحسين ظروف الحياة والعمل والخدمات.
نحن نعلم بأن الإصلاح يقتضي إعادة النظر في مسألة المصداقية المعرفية، بعيدة عن التعامل مع المعرفة بصورة أحادية نخبوية و هو يقتضي أيضا تشكل ثقافة مضادة للهدر، تفتح الإمكان لاستغلال الموارد بصورة مثمرة و فعالة، بالإضافة الی خلق الفرص لأفراد المجتمع للمشاركة في إغناء و تطوير صيغ العقلنة وقيم التواصل و قواعد الشراكة الحقيقية.
فبعد ست سنوات من صناعة القرار بعقلية المتفرد کرئيس للوزراء في العراق ، لم نری في عراق المالكي تقدم غير التراجع نحو الخلف، فهو الذي عطّل إرادة الإصلاح والتغيير، و أخفق في بناء مؤسسة حية يؤمِّن حياة المواطن العراقي، ناهيك عن تأمين الظرف المعيشي المقبول، لأنه و للأسف لم يكن علی إستعداد في إمتلاك عدة فكرية سواء من حيث الرؤی والمفاهيم، أو القواعد والآليات أو الطرق والوسائل. ففي النظم الديمقراطية يمكن أن تجمع هذه النقاط و لتمارس حق سحب الشرعية أولاً والثقة أخيراً من حكومة، التي جلبت للعراق أسم الدولة الفاشلة.
إنه هروبه من مجابهة الذات و ممارسته لأقصی درجات المكيافيلية في التهاجم علی خصومه بثنائيات لا يمكن أن تترجم سوی في أعمال القمع والعنف والإرهاب. هدفه هو إقامة نظام شمولي يقوض بحزبه و معسكراته العقائدية حيوية الكيانات العراقية المختلفة، التي يريدها هو أن تدين و تنتسب أو تتبع للزعيم الحاكم بأمره وهنا يتجلى بؤس التزييف في تجريد الذات الإنسانية من كل مقوماتها الفكرية ومن قدرتها على الوعي بحقيقة أوضاعها.
في السابق أعتقد دعاة الوحدة في العالم العربي بأن قضيتهم هذه هي مفتاح حل لجميع مشكلاتهم الموروثة، فكانت النتيجة المزيد من الفرقة والشرذمة. واليوم يريد السيد نوري المالكي لتلغيم المشروع الفدرالي أن يستنسخ هذه الورقة لإدارة فكرة الوحدة العراقية بطريقة غير تداولية، و يتعامل معها بصورة فئوية عنصرية أو أحادية تبسيطية، متجاهلاً بأن عمل التوحيد ماهو إلا بناء متواصل يُصنع و يُشكل بالخلق المستمر لمجالات ووسائط تتيح التداول والتبادل و إنتقال للأفكار والخبرات و الأشخاص والخبراء و لايعلم بأن العولمة بثوراتها الرقمية و إنفجاراتها التقنية تسهام بشكل فعال في توحيد المصائر، بحيث بات من المتعذر علی أي شعب أو رئيس أن ينفرد في معالجة المشكلات و إيجاد الحلول للأزمات الداخلية مها والخارجية، بل بات من المتعذر علی أي مجتمع أن يضمن أمنه العسكري و الغذانءه‌ أو البيئي علی أرضه وحده دون شراكة الآخرين.
وختاماً: لنعترف بالحقائق لكي نحسن صنع حقيقتنا، فلکل شيء زمنه و لكل سياسي موقعه و دوره و إيقاعه، بقدر ما يسهم بتشكيل خريطة الواقع السياسي بعلاقاته و تراكيبه أو تجاوزاته‌ و تراكباته.
د. سامان سوراني
98  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المتراس الميكيافيلي للمالكي والعقل الضدّي وفن صناعة الأزمات في: 14:04 21/06/2012
المتراس الميكيافيلي للمالكي والعقل الضدّي وفن صناعة الأزمات

من المعلوم بأن أصل العملية السياسية في العراق تتعرض يوماً بعد يوم الی مخاطر أكثر بسبب إستغلال أطراف حاكمة الحياة الديمقراطية لتحقيق غاياتهم السياسية الخاصة بطريقة ميكيافيلية متمرسة، تلك الحياة التي وفرّ لها الدستور أرضية إيجابية للإستقرار والإزدهار.
نحن هنا إزاء استراتيجية للرفض مدعومة بنرجسية قاتلة و يقين دغمائي يتبادله السيد نوري المالكي
مع الجهات التي تعارضه و تعمل علی سحب الثقة منه، مما تجعل من الحوار لحل الأزمة الحالية يصل الی الجدار المسدود.
فبعد سقوط الطاغية عام 2003 كنا بتفاؤلنا نعتقد بأن فكرة مركز الدولة العراقية، التي قاومت بشكل مستبد تقاسم السلطة مع محلياتها و التي أنتجت دكتاتورية مؤذية سوف تصبح قريباً جزءاً من الماضي، تزول رويداً رويداً ومعها تتطاير عقلية السياسي العراقي المتأثر بهذا النمط السلوكي المؤمن بديمومة الديكتاتورية، و تولد حكام علی شكل مدراء أو وكلاء يكون مهمتهم الأولی إجتراح الوسائل والإجراءات لتسيير الشؤون وتحسين الأحوال أو لحل الـعضلات و تدارك الكوارث والنكبات، لا كآلهة معصومين أو قادة ملهمين أو أبطالاً أسطوريين، لكن هذا التفاؤل كان في غير مكانه، إذ نحن اليوم إزاء سياسة مطلية بفكر أحادي و مبد‌أ سكوني و منطق تطابقي و عقل إقصائي ضدّي تصنيفي أو تكميمي مميت و مفخخ بالنوايا العدوانية و مدجج بالصور النمطية التي تستعدي المختلف الآخر بوصفه موضع التهمة والإدانة أو النبذ و الأبلسة، غاياتها تبرر الوسيلة. إنها محاولة الانقلاب علی النظام الجديد مؤشر تؤشر لمرحلة مخيفة لم تتضح معالمها بعد، إذ يمكن تسميتها بمرحلة ديمقراطية-ديكتاتورية، تحمل في طياتها نزوات إستبدادية و دعوات مستحيلة أو أساطير تحريرية.
فمحاولات السيد نوري المالكي في صناعة نظام مجهّز برأس حربي مقولب غير قابل للإصلاح مآله ولادة أورام خبيثة في جسد العراق تغيّر بمرور الزمن وبعد تكالب الفساد الخلايا النظيفة المتبقية وفي النهاية يدفع الشعب ثمن بقاءها فيه و لنا في صدام الطاغي وحكمه العراق لأكثر من ثلاثة عقود تجربة سلبية قاسية و مريرة.
و ما مناوراته الميكيافيلية هذه الأيام من أجل البقاء في الحكم بعد أن بسط سلطانه على كافة الأجهزة والوزارات والمؤسسات و بعد أن أبعد خصومه ومنافسيه بالتصفية السياسية والغير سياسية، سوی مؤشرات تشير الی نيته في كتم الأنفاس و تسويد النهار و تنغيص المزاج و إشعال نار الفتنة بين المكونات العراقية، غير مهتم بالمنطق القائل بأن الناس في الديمقراطية سواء، لا آلهة و لا أصفار. إن لهجة التهديد و التنبؤ بالفوضى بعقل استئصالي إستيطاني لا تنفع و إن إرسال كتاب خطي الی الرئيس الأمريكي مطالباً منه التدخل لمنع شركة النفط العملاقة إكسون موبيل من المضي قدماً في صفقتها المشروعة والدستورية مع إقليم كوردستان بغية إيقاف المشاريع التنموية في الإقليم لا يقلل من عزم حكومة الإقليم علی اﻟﻤﻀﻲ ﻗدﻤﺎﹰ ﻓﻲ ﻤﺸاريعها الاقتصادية والتمنوية بهدف الإزدهار والتقدم.
العالم تغير بصورة جذرية و بنيوية ومتسارعة، فلا سبيل الی الإندراج فيه والمشاركة في صناعته من دون تغييڕ يطال المناهج والمبادیء والنظريات. العراق بات أشبه بسبب هذه السياسات العقيمة بالرجل المريض في العالم، فعلی رئيس الحكومة الإتحادية التعامل مع محيطه السياسي والاجتماعي من موقع الحرص على سلامة العملية الديمقراطية في العراق وعدم تعميق الخلافات و تعقيدها و التشكيك بإخلاص الخصم وعدم السعي بشكل لا دستوري من اجل التشبث بالسلطة بهدف خلق صراعات عنصرية ومذهبية وحزبية في كل أنحاء العراق و خلق الأزمات المزمنة حتى يستطيع أن يدير الحكومة ويتكالب علی جمع الثروة و ليعلم بأنه لا تدبير و لا إدارة من دون تغيير يطال أطر النظر أو وسائل العمل بوجه من الواجوه، سواء تعلق الأمر بالإصلاح أو النهوض أو بالتحديث و التطوير.
بعد إستمرار هذه الأزمة صار من الضروري إنشاء مركز لإدارة الأزمات يعمل علی درس و تجزئة و تحليل الأزمات المتوقعة لكي يضع الحلول اللازمة لها و يقوم بترشيد القرار السياسي في الحكومة و القرار الإداري في الأجهزة الحساسة فيها و يعمل بمهنية و بشكل علمي معاصر.
علی الحكومة الإتحادية العمل علی تحسين شروط العيش للمواطن العراقي في أي بقعة جغرافية كان و العمل علی إحراز التقدم والإزدهار  بدل إستعمال لغة الصاروخ والمدفع والحشد المرصوص والجمهور الأعمی و التهديدات و الوعد والوعيد والسعي في تصدير الأزمات، التي لم تعد لغة العصر، لأنها لا تصنع حياة و لن تجلب حرية و لن تغير واقعاً نحو الأحسن.
وعلی رئيس الحكومة ممارسة التقی والتواضع بالثورة علی الذات للتخفيف من الأمراض النرجسية  والمركزية و الإصطفائية، التي تقود بشكل في النهاية الی الإستبدادية.
و ختاماً نقول: المتغيرات فرصة لا كارثة و الجديد غنی لا فزاعة و من يريد أن يعيد زمن المعجزات ينسی بأنه يعيش اليوم عصر الشعوب. 
د. سامان سوراني

99  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الفدرالية هي توحيد للعراق و تقسيم لسلطة المالكي المتفرّد في: 17:22 12/06/2012
الفدرالية هي توحيد للعراق و تقسيم لسلطة المالكي المتفرّد

من المعلوم بأن التغيير هو المطلب عند بلوغ الأزمات و هو المسوغ للأعمال والسياسات و هو أكثر المفردات تداولاً في الخطب والتصريحات. التغيير تجربة تاريخية ينخرط فيها المجتمع بالاشتغال علی نفسه وتحويل بنيته، أساسه علاقة نقدية مع الذات تتيح للفرد عبر درس الظروف و تحليل الشروط و إجتياز الحدود بمنطق السَّبق والتوسع وإتقان لغة الخلق والإبتكار، لكي يتغير عما هو عليه، في الأفكار والأقوال والأعمال. من غير ذلك تتحول إرادة التغيير الی شعار يؤول إلی مضاعفة العجز و مفاقمة المشكلات.   
 فقبل سقوط الدكتاتورية البعثية عام 2003 كان إقليم كوردستان يتمتع بمؤهلات عزّزت لديه إيمانه بالفدرالية کحل للمرحلة السياسية القادمة في العراق وتمكن من إثبات ذلك علی أرض الواقع. فالكوردستانيون لعبوا دوراً فعالاً في بناء جمهورية العراق وأرادوا فيها نظام حكم جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي اتحادي، متكون من عاصمة و أقاليم و محافظات لامركزية و إدارات محلية. وقد تم الإقرار في الدستور بالإعتراف بإقليم كوردستان و سلطاته القائمة بإقليم اتحادي، لكن هناك من يحتل اليوم دور سيادي في السلطة الاتحادية يرفض لأسباب طائفية  أو ديماغوجية و شعاراتية أو دعماً لمصالح إقليمية أو عروبية هذه الفكرة بالمطلق في الوسط والجنوب، راداً ذلك الی أن إقامة الأقاليم الإتحادية لا يعني سوی تجزئة الوحدة العراقية وهذا قصور في الفهم والإستيعاب لمنطق الفدرالية، الذي هو في الأساس مشروع صيانة وحدة العراق و ليس تقسيمه. وجذر هذه الفلسفة يعود الی فكرة النظام اللامركزي الذي لا يسمح بتكرار الإنقلابات العسكرية الدموية و تكرار الديكتاتوريات الظالمة.
لا يختلف إثنان في تشخيص المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق والمخاطر الكبيرة التي تكاد أن تعصف بالبلاد كنتيجة لتبني الاساليب التفردية كمشروع في ادارة السلطة في العراق ولإعادة عقارب الساعة للوراء.
إن عدم الرجوع والإطلاع علی تجارب الفدرالية و فلسفتها التطبيقية في الأنظمة الفدرالية المتواجدة في العالم و التنقيب عن الأصول التي قامت عليها و الوقوف بشكل سلبي أمام العمل من أجل نشر رسالة الفدرالية و ثقافة اللاعنف و التوعية الدستورية و عدم طرح جدوی التفكير الفدرالي هو سعي في الخفاء والعلن لإعادة الصورة المشوهة للعراق تحت ظل الزعيم الأوحد و القائد الأسطوري الحامي للبوابة الشرقية من الوطن الكبير و النية المستقبلية في حرمان الشعب العراقي من حقه في تقرير مصيره بمحض إرادته ووعيه.
و لكسر الدائرة الخانقة التي يحبسنا فيها دعاة الوحدة المزورة و المنظرون لخصوصية العراقية و لإنهاء العقل التسلطي و سياسة التهميش و الإقصاء والتمييز الطائفي و حل الأزمات المستمرة و وقف نزيف الدم و الحد من الهدر الكبير للثروات المالية و تحقيق الأمن والإستقرار في فضاء التعايش السلمي تحت ظل حكومة اتحادية فدرالية لا بد من البدء ببناء فدراليات في القسم العربي من العراق كما يسطّره الدستور. السيد نوري المالكي، الذي يقف ضد هذا المشروع البنيوي والحضاري ليتقدم نحو إجهاض الشروط التوليدية للفلسفة الفدرالية، يرتد بموقفه هذا نحو الماضي و لا يريد أن يتوثب نحو المستقبل، بل يريد ككاهن للفكر الفرداني و حارس لعسكرة المركزية و فقيه للمنطق الأصولي أن يحلّق في دائرة الوهم السلطوي ليحول خطاب الديمقراطية والتعددية الی خطاب العقيدة والسلطة.
 فعدم الإعتراف بمذهب التعددية السياسية و الثقافية  و عدم التهيء لاستقبال ‌‌ألحان غير مسموعة يبرهن مدی إيمانه بالأونولجيا (العلم بالواحد) و منطق الاستلاب، الذي يشد داعية وحدة العراق إلی الوراء، علی ما يفعل أولئك الذين يريدون العودة بالعراق الی ماقبل سقوط الطاغية، غير مهتم بالبديهية التي تقول، بأن العقل كأي شيء آخر يخضع لتحولات الزمن.
من يحسن قراءة الوقائع والتشكيلات الخطابية يعرف بأن ممارسة الجدل المتشنج باسم الماضي الموهوم والمستقبل المزعوم، دفاعاً عن الأصنام الفكرية و بعيداً عن منطق العقل و العلمية و الإستمرار في فرض قيود الإرهاب الفكري لا يمكن أن تؤدي الی خلق فضاء للحريات و أخذ تطلعات الشعب بجدية و إحترام إرادته بل تدفع العراق إلى مسارات أكثر تعقيداً وخطورة. أما النظام في العراق فيقاد إلى مخاطر غير محسوبة. وإن هدر الإنتاج النفطي والثروة الطبيعية علی التسليح العسكري و الاجهزة المخابراتية بدل صرفه في البناء المدني و العلمي ببعد استراتيجي و اجتماعي معاصر، بدليل إن هذه الموارد ملك لجميع أفراد المجتمع و عامل توحيد المكونات المختلفة في العراق، يزيد من شكوكنا في الحل القريب للأزمة الحالية، التي تحمل في جسمها، في حالة نجاح السيد المالكي من إمتحان سحب الثقة منه، جرثومة تبديل الكيانات المعارضة لحكم الفرد والاصولية التراجعية الى عبيد في ديموقراطية شكلية، وهذا ما لايمكن قبوله في عصر العولمة و تحولات الاقتصاد الإلكتروني و الوسائط والمجتمع الإعلامي. فالأيام القادمة تنذر بكثير من المفاجآت، وبينها حرب الملفات. ولكي ننخرط نحن الكوردستانيون في حاضرنا الراهن و نساهم بشكل فاعل في صناعة عراق نموذجي، علينا دراسة ظرفنا الوجودي علی نحو يتيح لنا أن نستبق المستقبل الذي يهجم و يباغت. فنفي الواقع لوحده أو المصادقة عليه‌ لا يكفي، فلنشتغل بعقل تركيبي محتك بالحضارة الحديثة علی معطيات وجودنا، من أجل تحويلها إلی إنجازات علی صعيد العراق والمنطقة أو من أجل التوليف والتركيب و خلق مجالات جديدة للوصل والفصل، أو للإختراق التجاوز.
وختاماً: لا شي أدلّ علی المالكي مما نطق به في خطبه و إجتماعاته السرية أو في مقابلاته التلفزيونية.   وقد قيلَ المرءُ ما يحسنهُ.   
د. سامان سوراني   
100  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / السلطة السياسية في العراق و ضرورة تجديد الفكر السياسي في: 11:07 02/06/2012
السلطة السياسية في العراق و ضرورة تجديد الفكر السياسي

من الواضح بأن المجتمع الإنساني المعاصر و حتی البدائي منه عرف السلطة. والوظيفة الاساسية للسلطة هي الدفاع عن المجتمع ضد ضعفه الخاص والحث علی إحترام القواعد التي يقوم علیها المجتمع والحفاظ علی حالة من الأمن والرخاء الجماعيين. وطالما تتجاوز العلاقات الاجتماعية في الكثير من الأحيان صلات القرابة، تبرز تنافس بين الأفراد والجماعات، بحيث يسعی كل واحد الی توجيه قرارات الجماعة صوب مصالحه الخاصة، لذا تظهر السلطة السياسية كنتاج للمنافسة و كوسيلة لإحتوائها.
و في كل مجتمع تخضع السلطة لحتميات داخلية. و للمجتمع حسب التفسير السوسيولوجي السياسي علاقة مع الخارج، مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالمجتمعات الأخری، التي يعتبرها غريبة أو معادية أو خطرة علی أمنه و سيادته، لذا يتجه المجتمع الی تنظيم دفاعه و تحالفاته و تمجيد وحدته و تماسكه و سماته الخاصة.
الفكر الخلّاق والخارق يخترق حواجز الثقافة والخصوصية، لأنه لا يخص مجتمعاً دون آخر أو قوماً دون آخرين. فهو يخرق موطنه الأصلي لكي يخلق مجاله التداولي في مناطق أخری بعد تصنيعه و تحويله في مختبر البيئات والتجارب الجديدة.
العراق السياسي عاش إنهيارات و إخفاقات و حروب و كوارث و أزمات عظيمة، مجتمعه لا يمكن أن يُبنی مرة أخری بعقليات و نماذج و مفردات سائدة قديمة أو حديثة أو يصنع بسرديات كبری و أساطير مؤسسة و زعامات تاريخية، التي دفع المجتمع العراقي لقاءها أثماناً باهضة، دماءاً و دماراً.
في ضوء الإخفاق الذي لاقته المشاريع السياسية في العراق علی يد أصحاب الفكر الأحادي والعقل النخبوي، الذين لا ينتجون سوی العوائق والموانع بقدر ما يقومون علی تبسيط المشكلات و طمس الحقائق، نراه من الضروري العمل علی تجديد الفكر السياسي بتبني الهدف البنيوي المتجسم في شراكة الإعتراف، لأنه لا أحد أولی من سواه في الشؤون العامة والمشكلات الخطيرة والقضايا الداخلية أو الخارجية. إن مفهوم الشراكة يستبعد مفهوم المطابقة والإنفراد و يستدعي الإعتراف بكون الآخر مختلف و لكنه مساو من حيث الحقوق أو الفرص. و هذا الإعتراف يجب أن يشمل الحقوق السياسية والاجتماعية والمعرفية.
والإعتراف المتبادل يزيل القلق المزمن والمخاوف المستورة لدی الآخر المختلف. وللمساهمة في إدارة التحولات و قيادة المصائر و فهم المستجدات ينبغي التفكير بطريقة حية و راهنة في عصر الحاسوب والإنتاج الناعم و الطوائف السبرانية الإفتراضية. أما التغيير الإيجابي والبناء ضمن إصلاح حقيقي فهو عمل مركب يجري علی المستوی الوطني والإقليمي والعالمي و هذا ما يتطلبه لغة العصر، كما تشهد الوقائع والتحولات المتعلقة بأعمال التنمية أو بمعالجة القضايا الشائكة والأزمات المزمنة.
علی الفكر السياسي إزالة شوائب اللغة المتقنة في الندب والشكوی و العمل علی رفض التفكير بعقلية التهمة والإدانة والمزايدة علی الآخر معرفةً و حضارةً و خلقاً بممارسة التشبيح المعرفي والنفاق الخلقي والتهويل الديني و منع الوقوع تحت تأثير وساوس الهوية و الإشتغال بتجنيس العلوم والأفكار والعقل وفقا للثنائيات الضدية الخانقة، التي تضع العقل بين فكي كماشة: الأنا والآخر، الأسلمة والعلمنة، الوحي والعقلنة...الخ. فلنمارس رياضة نقد الذات و حرية الفكر، من أجل إجتراح الإمكانات و تفتيق القدرات و توسيع المجالات و إحترام الحريات والحق في تقرير المصائر. 
فلنستلهم و نستثمر مقولات الفلاسفة في السلم والحرية والديمقراطية علی نحو جديد، لكي نبتكر عدة جديدة للتفكير والعمل، للفهم والتشخيص أو للتفكير والتدبير، وذلك بكسر منطق الفكر الأحادي والشمولي أو الاصطفائي والاقصائي أو النخبوي والمركزي.
وختاماً يقول فيلسوف الفلاسفة جورج فيلهلم فريدريش هيجل (1770-1831) في كتابه "المدخل الی علم الجمال وفكرة الجمال": "إن الفن ما عاد يوفر لحاجاتنا الروحية تلك التلبية التي بحثت عنها فيه شعوب أخری ووجدتها، لقد إنتقلت حاجاتنا و إهتماماتنا الی دائرة التصور، و لكي نلبيها لا بد لنا من الإستعانة بالتفكير." 
د. سامان سوراني
   
101  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق الفدرالي بعد المالكي نحو المبني للمجهول أم المبني للمعلوم؟ في: 18:56 01/06/2012
العراق الفدرالي بعد المالكي نحو المبني للمجهول أم المبني للمعلوم؟

من المعلوم بأن الشعوب اليوم قادرة علی إحداث تغييرات جوهرية، فهي نهضت في غير مكان و غيرت الحكام و تمكنت من تغيير أنظمة و إسقاط مؤسسات حكم مستبدة بالكامل، لكنها لم تستطع الی الآن أن تغيّر حسب تغيير الزمان والمكان والمصلحة نفوس و سلوكيات و ثقافة و مواقف الكثير من الذين تسنموا زمام الحكم، كي يلتزموا بمبادیء المراجعة والمحاسبة والتصويب.
في غضون الأزمة السياسية الخانقة ومن خلال قراءة مشاهد هذه الأزمة نری هذه الأيام حراك سياسي نحو سحب الثقة من حكومة السيد نوري المالكي في سبيل إصلاح العملية السياسية و إنهاء ظاهرة التفرد في إتخاذ القرارات و تفعيل المشاركة الحقيقية للکتل السياسية الشريكة. موضوع سحب الثقة هو ممارسة ديمقراطية برلمانية تمارس في الكثير من الدول الدستورية لغرض الإبتعاد من الإنزلاق في صراعات خطيرة.
إنها خطوة نحو الأمام في بلد أديرت شؤونه لعقود من الزمن عن طريق أنظمة طائفية شوفينية ملكت معجماً سياسياً وثقافياً لا يحمل في طياته سوی مصطلحات العنف والوحشية والحروب والدمار، و بذلك أضعفت روح المواطنة لدی أبناء هذا البلد. اليوم وبغياب المواطنة و المؤسسات المبنية علی أسس الديمقراطية يكون تحقيق التداولية و تخويل الفرد وأعضاء الجماعة من المشاركة المناصفة، من دون ترك أحد على قارعة الطريق کهدف مطلوب صعب المنال.
نحن نعلم بأن الدستور العراقي يمنح رئيس الجمهورية، السيد جلال طالباني، حق الطلب من البرلمان سحب الثقة من رئيس الحکومة، إذا ما خرق هذا الاخير بنود الدستور، فبعد الاستجواب في مجلس النواب يمكن التصويت على الطلب بتأييده أو بسحب الثقة منه، إذا ما تعدی عدد النواب الذين وقعوا لصالح طلب سحب الثقة النصاب القانوني، أي جمع إمضاء 164 نائباً،  وهذا متعارف عليه في القانون الدولي والمواثيق والأعراف الدولية.
وإذا تم تفيذ هذا الأمر، فأن السيد المالكي سوف يكون أول رئيس وزراء عراقي تتم إقالته بطريقة سلمية و ديمقراطية. وتعتبر هذه‌ الخطوة فرصة جديدة أمام ممثلي الشعب لإتخاذ قرار ديمقراطي حول من يحكم البلاد، أو سلاح لتقليص الازمة السياسية "البنيوية" لنظام ما بعد الدكتاتورية.     
البعض ينادي بأن السيد نوري المالكي لم يقم بتنفيذ النقاط المهمة من بنود اتفاقية أربيل الموقعة نهاية العام 2010، بل إستمر في تصعيد الأزمة بوقوفه ضد إقامة أقاليم و كيانات فدرالية أخری في العراق و استقطاب شخصيات دينية و عشائرية و إجتماعية بعد أن أغرقهم بالمال و الإمتيازات لدعم مشروع بقاءه‌ علی هرم السلطة. و آخرون يقولون بأن الإبقاء على المالكي سيجلب النكوص، لأنه جرّب لأكثر من مرة ولا حاجة لتجريبه مرة أخرى ويقال أيضاً بأنه هناك أعضاء من قائمته سوف يصوتون ضده. مع كل هذا هناك حركات طفيلية تجهل بسبب سياساتها الجهوية الضيقة لحد الآن مصدر الخلاف القائم بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية.
يبدوا أن ظاهرة التفرد عند السيد المالكي حولت الإختلاف بين القائمة العراقية ودولة القانون إلى اختلاف الأخير مع التحالف الكوردستاني والتيار الصدري وغيرها من التيارات والأحزاب.
و من المؤكد بأن التسميات العمومية و الإنشائية لا تكفي لكشف العـُقد والملفات الخطيرة و العلل والثغرات والأخطاء التي مارستها حكومة السيد المالكي و سعيه المستمر لبناء نظام الحزب الواحد أو الكتلة السياسية الواحدة والمنفردة.
إن العمل من أجل بناء النمط الفدرالي الديمقراطي السليم يكون الضمان الوحيد للإستقرار الأمني والاقتصادي. والقلق المتواجد لدی الكيانات الشريكة في الحكم سوف يزول إذا ما قامت الحكومة الاتحادية بكسر منطق الضد وعقلية الإقصاء و لغة التخوين وكل ما من شأنه أن يعمق الشقة و يقود الی النزاع والصدام.
العراق الاتحادي الفدرالي ليس ملكاً للمالكي فقط بل لجميع مكوناته. فأحادية التفكير من طرف أصحاب العقائد الإصطفائية تلغّم المشاريع والسياسات. لتنتهي أساليب الإنتقاص من شأن الآخر المختلف و إنسانيته والإعتداء الرمزي عليه. فلا جدوی من إلغاء الآخر المختلف الذي بات شطرنا الآخر في عصر الإعتماد المتبادل ولا معنی من التشبث والإحتماء بالهويات المسيجة والسيادات المصطنعة، إذا كانت تقضي الی تقويض معاني الآصرة والرابطة بين النظراء والشركاء. 
وختاماً نقول: أن المصالح العمومية والقضايا الوطنية في عراق ما بعد المالكي يجب أن تدار بثقافة سياسية جديدة من مفرداتها الإعتراف الكامل بالآخر المختلف والحوار البناء و الشراكة الحقيقية والتوسط والتداول والتبادل و الإبتعاد عن فكرة التسلح والتجييش و الميل الی السلم، بهدف بناء علاقات التعايش والتواصل.
د. سامان سوراني     
102  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المشهد الكوردستاني الحزين و ثقافة المقابر الجماعية في العراق في: 19:02 31/05/2012
المشهد الكوردستاني الحزين و ثقافة المقابر الجماعية في العراق

من المعلوم بأن ظهور فلسفة المقابر الجماعية في العراق تعود الی التعامل الضدي والسلبي مع الآخر المختلف من قبل الأنظمة الشوفينية التي كانت متمترسة وراء الهويات و عسكرة المجتمعات و التي مارست التهويل الايديولوجي بأعتبار الآخر المختلف "جيب عميل" و مصدر "المصائب والشرور".
هذا المنطق الضدي قام برمي المسؤوليات عن أخطاءه و كوارثه الجسيمة علی الآخر المختلف للتهرب من القيام بأعمال المراجعة النقدية والمحاسبة العقلانية، والحصيلة كانت التستر علی الأخطاء والكوارث لتفعل فعلها بصورة مضاعفة. فتم تحويل الثوابت والشعارات العنصرية بصورة تدريجية الی أصنام تعبد و أقانيم تقدّس.   
بالأمس أصبحنا شاهد عين لمشهد كوردستاني حزين، إذ جرت بحضور الرئيس مسعود بارزاني و جمع غفير من ذوي الآخر المختلف مراسيم لدفن رفات 730 إنساناً تعود لضحايا مسالخ الأنفال والإبادة التي أكتشفت في مقبرة مهاري الجماعية في الديوانية (181 كم جنوب العاصمة العراقية بغداد). الضحايا هم مواطنين كورد مسالمين من ناحيتي قرهنجير و قادر كرم الكوردستانية دفنهم النظام البعثي اللاإنساني أواخر الثمانينيات من القرن الماضي أحياء في صحاري العراق الجنوبية، لكي يرفع من شأن دعواته العنصرية و الفاشية في التطبيع والقولبة أو في التطهير والتصفية و لکي ينفذ برامجه الإمبريالية والشمولية في "عراق البعث العربي".
مسالخ الأنفال والمجازر الجماعية التي نفذها نظام البعث بحق الكوردستانيين خلال الفترة من 23 شباط 1988 الی السادس من أيلول نفس العام يمكن أن تعرّف بواحدة من أكثر صفحات القمع الحكومي وحشيةً و عنفاً في تاريخ العراق الحديث. فسيادة أفكار العنف والقسوة في العراق خلال العقود الثلاثة التي سبقت مسالخ الانفال هيأت الأرضية لسياسة قلع جذور الآخر المختلف و إلغائه و حدوث مثل هذه الجرائم المرعبة.
وما دفعني أن أكون فخوراً بعوائل الضحايا كإنسان هو عدم رفعهم شعار الثأر لضحاياهم بل مطالبتهم بالمحاكمة العادلة لكل من شارك في هذه العملية الإجرامية و كل من مهّد الطريق لتنفيذها من فيالق الجيش النظامي العراقي (الفيلقان الأول والخامس) والقوات الخاصة و القوة الجوية العراقية و صنوف الحرب الكيمياوية والبيولوجية وكذلك الميليشيات الحزبية وقوات المرتزقة و دوائر الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية.
نعم إن زمن العقل الأمبراطوري في هذا العصر، عصر الإنسان الرقمي و الفاعل الميديائي قد ولّی، نحن الآن في مرحلة إصلاح هذا العالم، الذي لا يحتاج بعد الآن الی عقل أحادي، تحكمي، إنفرادي ليحكم بلاده بعقلية ما قبل عصر الزراعة. لنساهم کمؤمنين بأسس الديمقراطية بشكل بناء في بلورة قيم جديدة للشراكة البشرية، لأن المواقف المتطرفة والحلول القصوی و إدعاءات القبض علی الحقيقة و تجسيد القيم و إحتكار التمثيل للوطن، كما يسعی اليوم بعض من الذين يرأسون الحكومة الفدرالية في سبيلها، تعيد إنتاج المآزق أو صناعة الكوراث وتدعم ثقافة المقابر الجماعية. و لکي لا يتكرر الجرائم التي مورست بحق الشعب الكوردستاني في الماضي القريب يجب أن تكون القيادة الكوردستانية حاسمة مع من يريد أن يعيد سيناريوهات الماضي الأليمة ويقوم بالعودة الی الأوراق القديمة.  علی القيادة الكوردستانية رصّ الصّف الكوردستاني والعمل الدؤوب من أجل تقوية سياسة الاحترام المتبادل بين كافة الأطراف والمكونات الكوردستانية والعراقية و الإهتمام بالتعرف على الضحايا والتعامل العلمي مع القبور الجماعية والضغط علی الحكومة العراقية المؤمنة بالدستور لتنفيذ قرارات المحاكم العراقية ومجلس النواب بتعويض ضحايا الانفال والابادة الجماعية.
وعلی الحكومة الاتحادية الإبتعاد من العقليات و المذاهب أو المقولات و التصنيفات أو السياسات والإستراتيجيات التي تصب في مصب الفكر القوموي لكي تولد المآزق وتلغم المشاريع الفدرالية أو لكي تحيل الحياة في العراق الی حقول ألغام. فما عاد يجدي أو يثمر تدبير العراق بعقلية وحدانية يدعي أصحابها إحتكار المشروعية الدستورية، وإنما يجب أن تدار بعقلية الشراكة و لغة التوسط و سياسة الإعتراف بالآخر المختلف و تعدد الأبعاد و منطق التحول، كما هو شأن العقلانية التداولية بطابعها التركيبي، المرن والمفتوح علی تعدد المقاربات والمستويات والمجالات والإختصاصات سواءً علی المستوی الإتحادي أو الاقليمي.
مرة أخری نقول بأن الواقع العراقي لا تجدي إدارته بالمنطق القوموي ولا بالنظام الاستبدادي أو بالعقل الصولي أو النخبوي، بل بالفكر المتمرس بعقلانية جديدة مرنة تصدر عن الإحساس بالمسؤولية تجاه ضحايا العقل الشوفيني و تؤمن بلغة الحوار والتسوية أو بمنطق الشراكة الحقيقية والمداولة. الدستور يجب أن يكون الحاكم والضامن أيضاً لحقوق شعب كوردستان، لكي لا يستطيع رئيس الحكومة الإتحادية أو حزب من الأحزاب خرق أسس الديمقراطية. لماذا عدم الإعتراف بالحقيقة القائلة، بأن الوصاية الحصرية والأحادية أو النبوية الرسولية علی الوطن والقيم قد فشلت، كما يمارسها الذين يدعون إحتكار النطق بأسم العراق أو تمثيل هويته حصراً، لأنهم لا يملكون الجرأة علی كسر نرجسيتهم المذهبية و الزحزحة عن مركزيتهم القومية، للخروج من قوقعتهم و تهويماتهم الإصطفائية.
وختاماً: "إذا ظل ثقافة و سياسة تدمير الحس والوجود الكوردستاني قائمة في العراق الفدرالي، فسيكون التعبير عن الديمقراطية و حقوق الإنسان والشراكة والإعتراف بالآخر المختلف في هذا البلد ضرباً من ملاعبة الأفاعي السامة"
د. سامان سوراني






103  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / اللغة الكوردية الموحدة توحد الكوردستانيين في: 16:39 28/05/2012
اللغة الكوردية الموحدة توحد الكوردستانيين

من المعلوم بأنه لا حياة للأفكار من دون الكلمات وأن علاقة الإنسان بوجوده هي علاقة لغوية. فاللغة لم تعد كما كانت في الماضي مجرد تمثل للأشياء، بل أصبحت إمكاناً للوجود بقدر ما تجسد بيئة للفكر أو وسطاً للفهم.
اللغة ماهي إلا كائن حي قابل للتطور والإستحداث وفق ما يقرره الناطقين بها، كونهم أصحاب مصلحة في هذا التطوير. وهذا التطوير يجب أن يكون إستجابة لتطور المجتمع الكوردستاني و نابعة عن واقعه المعيش. إن المبادرة القيمة للسيد رئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني في ضرورة العمل على طرح لغة كوردية موحدة تأتي من هذا المنطلق و تأكيداً بأن الأمم التي إستطاعت في النهاية من إيجاد لغة موحدة مرّت بتجارب تماثل التجربة الحالية للكوردستانيين.
اللغة هي عنوان الهوية الثقافية ورمز السيادة الحضارية، لذا نراه من الضروري إستلهام تضحيات الخَلَف الذين حافظوا على اللغة الكوردية بعد ما حوربت لأسباب عنصرية و شوفينية من قبل الأنظمة التي سلطت حكمها بسياسة الحديد والدم علی أرض كوردستان لغرض وحدة اللغة.
في هذا العصر، عصر تشابك المصالح والمصائر، بعد أن فتحت العولمة بأدواتها الفائقة و شبكاتها العنكبوتية ووقائعها الإفتراضية إمكانات هائلة أمام الشعوب، نری إنفتاح الكوردستانيين علی المستجدات في العالم، خاصة في مجالات العلوم والتقانة والمعلوماتية وعلوم اللغة بكافة فروعها وحقولها البحثية المرتبطة بها، بعد أن تمكنوا من تحرير أنفسهم من الاستبداد، الذي كان يتجسد في استبعاد العقول والسيطرة علی الأفكار. فهناك سعي الی الإقتباس و الإستفادة من نتائج هذه العلوم بهدف إغناء اللغة الكوردية و ربطها بحركة الفكر الإنساني.
ومن أجل نقل المصطلحات العلمية والتقنية الاجنبية الی اللغة الكوردية علينا باستخدام وسائل كالاشتقاق، بمعنی صياغة لفظة من لفظة أخری شرط وجود تناسب بين اللفظ والمعنی، أو المجاز بطريقة إنتقال الكلمة من معناها القديم الی معنی جديد، أو تكريد اللفظ الدخيل مع تغيرات معينة ينسجم مع النظامين الصوتي والصرفي للغة الكوردية. وفي حالة نقل معنی المصطلح الاجنبي الی اللغة الكوردية، يمكن إستخدام هذا المعنی بشكل مستقل يعيش جنباً الی جنب اللفظ كمرادف و بمرور الزمن سوف يكون أحدهما غالباً علی الآخر، أو يظلان كلفظين مترافين. وفي حالة نحت الكلمات، أي إنتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر، يجب أن يكون هناك تناسب بين اللفظ والمعنی بين المنحوت و المنحوت منه، مثل (نشونما) في الكوردية من نشأ و نما. وهناك وسيلة أخری، هي اختراع كلمة لم توجد من قبل بسبب الحاجة الماسة والملحة لمفردات لغوية جديدة تعبر عما يستجد من أمور ومفاهيم اجتماعية جديدة، هذا الأمر يحتاج الی المبدعين في اللغة.
ليس خافياً علی أصدقاء الكورد و المهتمين بالقضية الكوردية بأن تخلف اللهجات الكوردية وعدم تطورها الى لغة موحدة لايمكن إرجاعه إلا الی أسباب سياسية، ثقافية، اجتماعية تاريخية، جغرافية، عنصرية و إقتصادية. نحن لا نريد أن ندخل هنا في تفاصيل هذه الأسباب، فإنها تحتاج لشرحها و تحليلها الی مجلدات. 
فلو أخذنا بلدان أوربية كالمانيا، أو إنكلترا أو فرنسا كمثال، فإننا نری بأن موضوع تبلور اللغة الموحدة بدأ بعد الثورات المجتمعية و الاقتصادية و القضاء علی الإنظمة الاقطاعية و مخلفاتها، بعد أن ربط ولایات هذه الدول بعضها ببعض عن طريق المواصلات والمدارس والمراكز الإعلامية وبحكم الواقع تمكنت لغة السلطة الجديدة من فرض نفسها كلغة رسمية في كل من هذه الدول.

إن تعدد اللهجات في اللغة الكوردية دليل علی عراقة هذه اللغة و أصالتها، فمن الضروري أن لا نفضل لهجة علی أخری، بل علينا في سبيل خلق لغة كوردية موحدة جامعة الاستفادة من جميعها دون إستثناء. 
صحيح بأن هذا الأمر يحتاج الی التفكير بصورة تخرج عن المألوف و تكسر المسبقات و يحتاج الی خيال خلاق و حدس خارق وكذلك الی حدث يكون بمثابة الشرارة أو الولعة التي تحرك القوی الكامنة و تكسر الثنائية الممسكة لدی الكوردستانيين، بحيث توقظهم من سباتهم الثقافي ليكونوا قادرين علی توحيد صفوفهم لمواجهة الأنظمة التي حاولت أن تجردهم من لغتهم. تلك الأنظمة التي لا تحسن بأساليبها البائدة و سياساتها العنصرية سوی خلق المشكلات و تجديد الأزمات للكوردستانيين والقضية الكوردستانية العادلة.
والعمل لهذه الحملة الوطنية الكبری يجب أن يبدأ بإعداد لجنة علمية دائمية مستقلة مكونة من خبراء اللغة تشرف علی مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة. و إدارة هذه المؤسسة يجب أن تكون بعيدة عن كل هدف أو إتجاه حزبي ضيق و يمكن لإنجاح هذه المهمة القومية الجبارة الإستعانة و الإستفادة من خبراء عالميين مختصين بعلوم اللغة. علی هذه المؤسسة إعداد كوادر لغوية تبعث الی جامعات عالمية لغرض دراسة علم النفس اللساني و علم الاجتماع اللساني و اللسانيات الأنثروبولوجية و الجغرافيا اللسانية و جمع طرق صناعة المعاجم و الموسوعات اللغوية. ومن أجل إثراء كنز مفردات اللغة الکوردية بالاستفادة من اللهجات الكوردية المتعددة علیه بتأسيس البنك الـمعلوماتي للكلمات والمصطلحات. و هناك إجراءات علمية أخری يمكننا إضافتها بعد أن تمكنا من إجتياز المرحلة الأولی وهي تأسيس مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة. ومايفرحنا اليوم هو النية الخالصة لبرلمان وحكومة كوردستان في دعم ومساندة هذا العمل الجبار بصورة كاملة والقيام بتشريع قانون خاص باللغة الكوردية وتفيذه. فللمحافظة علی الثوابت والخصوصيات في واقع كوني سمته الحراك الدائم والتغيير المتسارع، يجب التعاطي مع القضايا الجوهرية بطريقة نموذجية و فهم المجريات و فك الشيفرات علی المستوی الداخلي والخارجي و إدارة التحولات بشكل يتناسب مع لغة العصر و ثوراته.
وختاماً يقول فيلسوف اللغة لودفيغ فيتجنشتاين (1889-1951) في البند السابع من رسالته المنطقية الفلسفية  (tractatus logico-philosophicus): "إن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه."
د. سامان سوراني 

104  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المؤتمر القومي الثاني للمرأة الكوردستانية والشرارة التجديدية المعاصرة في: 13:35 23/05/2012
المؤتمر القومي الثاني للمرأة الكوردستانية والشرارة التجديدية المعاصرة

الذي نعرفه بأن الفيلسوف الألماني فريدريك نیتشه (1844-1900) أطلق بكتابه "ما وراء الخير والشر" نهضة ثورية علی تاريخ الفلسفة الأوروبية والفكر العقيدي المنحاز والمنغلق و قد دشن حملته هذه في المجتمع الغربي وذلك في القرن العشرين أرضاً بكراً للحركة النسوية "الفمنست" بشكل عام والحركة الأكاديمية علی وجه الخصوص.
في هذا الكتاب يبيّن نيتشه من منطلق النقد التاريخي للفلسفة فشل الفلاسفة في فهم طبيعة المرأة، لذا نراه يعلن بالدعوة الی قيام جيل جديد من الفلاسفة سمّاهم بـ "فلاسفة الحاضر" و"فلاسفة المستقبل".
صحيح بأن إنصاف المرأة ظهر مع بروز أنصار الليبرالية علی الساحة الفكرية أمثال جون ستيوارت مل (1806-1873)، الذي حمل علی عاتقه مسؤولية إعادة التوازن و إعادة الإعتبار للمرأة، وهي في نظره لا تقل عن الرجل في شيء. و قد ناقش هذا النجم الليبرالي الساطع قضية المرأة في منتصف القرن التاسع عشر في کتاب تمرّدي تحت عنوان (استعباد النساء)، أدان فيه المبادیء الوضعية الخاصة التي شكلت من أجل تنظيم العلاقات بين الجنسين.
أما الفلاسفة الكبار أمثال أفلاطون (427-347 ق. م) وأرسطوطاليس (384-322 ق. م) فقد كان لهم الأثر الغير إيجابي البليغ علی إنماء النظرة السلبية تجاه المرأة في التراث الغربي بشكل عام. فالأول لخّص وضع المرأة والثاني قونَن هذا الوضع بنظرياته الميتافيزيقية البحتة، كفكرة "استرجال" المرأة للوصول الی التساوي (تجاوزاً) بعد التخلي عن كل ما يمت للأنثى بصلة، واصفاً المرأة بالكائن "المعيوب" والعاطل بفضيلته بسبب العجز البيولوجي في إنتاج الحيامن.
أما صاحب نظرية العقد الإجتماعي، جان جاك روسو (1712-1778)، فلم يری للمرأة غير أن تكون أكثر من ( مرغوبة، عفيفة )، أي أن تقوم بادوار متوائمة مع النظرية الاجتماعية طارحة ذاتها من خلال ذلك، بيسر وإيمان.
والمعلوم بأن المرأة الكوردستانية هي جزء فعال من المجتمع الدولي، لذا فرحنا بإنطلاقة أعمال المؤتمر القومي للمرأة الكوردستانية في عاصمة إقليم كوردستان بمشاركة الكثير من الناشطات في الحركة النسوية في كل من العراق وايران وتركيا وسورية اضافة الى لبنان وروسيا واوربا، التي تعمل من اجل حقوق المرأة واستقلاليتها، بحضور شخصيات بارزة و معروفة نذكر منها ليلی زانا، عضو البرلمان التركي عن حزب الديمقراطية والسلام الكوردستاني و القيادية في الديمقراطي الكوردستاني و سفيرة السلام  شيرين آميدي. و يذكر بأن الهدف من المؤتمر هو تقوية دور المرأة بشرارة تجديدية معاصرة و السعي لتوحيد الرؤی حول القضايا المصيرية و توحيد الخطاب السياسي، لكن الأمر المهم بالنسبة للمرأة كان الإقتراح النهضوي في تأسيس رابطة للمرأة الكوردستانية، تكون لها ممثليات في كافة انحاء العالم و بالأخص في الأجزاء الأربعة من كوردستان.
إن هذا المؤتمر يساهم في انفتاح المرأة الكوردستانية لفهم مطالب مجتمعها وتثبيت الديمقراطية، لكننا نری أنه من النافع طرح بعض الأسئلة الانطولوجية لتنشيط العمل الثقافي للمرأة، منها ماهي طبيعة عالمنا اليوم و ماهي القوی المحركة فيه و ما شكل العلاقة التي نتمنى أن تقوم بين المرأة و الرجل تحت خيمة المجتمع الكوردستاني؟
مبدأ حرية المرأة هو مقياس التطور الحضاري للديمقراطية والحرية في الإقليم و الإنفتاح علی الخارج عبر الندوات والمؤتمرات النسوية، التي تهتم بالدفاع عن حقوق المرأة وتدعم الحريات الديمقراطية يعني فتح آفاق وممكنات جديدة أمام العمل النسوي وتثبيت كیان المرأة في كوردستان، فلا مجال بعد للعزلة في عصر تشابك المصالح والمصائر وعولمة الهويات الجندرية.
نحن نعلم بأن وضع المرأة الكوردستانية وشرطها النسوي كان محكوم بظرفه الزماني والمكاني ودرجة التطور الحضاري والثقافي. ولذلك نشعر إن عملية القفز فوق هذه الظروف، تعد مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهي تشبه السباحة ضد تيار الحياة الكوردستانية العارم، لكن  ما يجب أن نثبته هنا هو بأن للمرأة الكوردستانية كانت دور مهم في النضال من أجل الحرية ومقاومة الاستبداد والدكتاتورية البعثية، إذ شاركت بجانب الرجل و بشكل فعلي في الساحة السياسية، وهي قطعت بعد الانتفاضة شوطاً كبيراً في التقدم. وأن الحكومة في اقليم كردستان وضعت بعض القوانين وعدلت البعض الآخر من أجل حماية حقوق المرأة وتفجير طاقاتهن، والقيادة الكوردستانية تعرّف عدم تطبيق حقوق المرأة والفيدرالية والديمقراطية بالخطوط الحمراء و في 8 مارس عام 2005 تم الإعلان من قبل رئيس الحکومة الكوردستانية عن سياسة المساواة بين الرجل والمرأة ووضع لها آليات التنفيذ من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية، لكننا مع كل هذا نجد الی یومنا هذا القلة القليلة منهن في المناصب القيادية سواء في المجال السياسي أو الحكومي، بالرغم من أننا نؤكد النية السليمة للقيادة الكوردستانية لفسح المجال أمام فتح مجاميع من المنظمات المعنية بحقوق المرأة في کافة مناطق كوردستان.
 ومن المعلوم بأن توجهات المرأة نحو الديمقراطية هي مسألة مهمة في تقدم المجتمع من الناحية الإجتماعية و السياسية، لكن الذي نراه من الضروري هو فتح قنوات الاتصال مع المرأة في جميع محافظات العراق و نقل الخبرات والمعلومات لدى المرأة الكوردستانية إليهن لتوسيع ثقافة الحرية والديمقراطية والمساواة و تحويل الفضاء المجتمعي الی ورشة دائمة و حية من الحوار والمباحثة والمناقشة والمبادلة، علی مختلف المستويات و في مختلف دوائر المجتمع وحقوله و قطاعاته و قنواته، و هذا ما يتيحه عصر الشبكة والقناة. 
المرأة هي قلب الإنسانية و أبهج شيء في الحياة، كما يراه المعلم الكبير "كونفوشيوس". وما علی الرجل المعادي لمساواة المرأة إلا أن يتعجل ويمتلك حريته ويكون شجاعاً ويرفع هذا الوهم الذي فرض سطوته عليه، وإفضل طريق للعلاج هو التدريب الفلسفي الاجتماعي و إنشاء علاقة صحية وحميمة مع علوم السوسيوسايكولوجي ومباحثها، إذ إن هذا سيؤدي بالتأكيد الی خفض درجة التوتر والقلق عنده والتصالح مع نفسه. وعلی الإنسان المتحضر مناهضة الفكر الماسوجيني (ثقافة العداء للمرأة) أينما كان، من أجل إثبات الجدارة و بناء مجتمع حيّ و خلّاق لا تكبحه العقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة.     
وختاماً فقد قيل قديماً: بأن "المرأة الفاضلة أنفع من الرجل الفاضل، لأنها هي الأساس في تربية الناشئة الجديدة."
د. سامان سوراني

105  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ماهو دور المثقف الكوردستاني في زمن الأزمات السياسية و التحديات الجسيمة؟ في: 22:08 21/05/2012
ماهو دور المثقف الكوردستاني في زمن الأزمات السياسية و التحديات الجسيمة؟

عندما نتحدث اليوم عن مساعي الإنسان و مشروعاته الفلسفية والخُلقية أو السياسية في العراق الديمقراطي الإتحادي الفدرالي نصل الی نتيجة مفادها، إن الأزمة السياسية أصبحت الظاهرة وليس الإستثناء. فالعلاقات بين المكونات السياسية سواءً العربية-العربية أم العربية –الكوردية لا تبشر بشكلها الحالي بأمل منشود. هناك من يدافع بعقلية كهنوتية أصولية أو قوموية عن ثوابت ومطلقات، لا يمكن أن تترجم إلا إستبداداً في المقولات أو هشاشة في القيم والمثالات، تتجسد أخيراً في مشاريع فاشلة أو عقيمة أو مدمرة.
رغم هذا الواقع نری من الضروري عرض دور المثقف الكوردستاني في الدفاع عن القيم المتصلة بالحقيقة والحرية والعدالة والكرامة في عصر الأزمات والتحديات و مساهمته بإنتاج المعنی والقيمة أو المعرفة والسلطة و سعيه في تحويل التعامل مع القيم من الحيز التراتبي العامودي نحو الحيز التبادلي الأفقي، كي لا يتمكن القطاع الثقافي الخاص فقط تمثيل قيم عليا والنطق باسمها و مراقبة عملها.
صحيح بأن هناك فئة من المنظّرين يستعملون عبارة نهاية المثقف، لا كمجرد صدی لمقولات مثل نهاية الايديولوجيا أو التاريخ أو السياسة، بل كحقيقة و واقعة بدلالاتها الراهنة. هل يمكننا مع ذلك القول، بأن المثقف الكوردستاني لا يزال يمثل الأمل المرتجى لشعب كوردستان في المستقبل القريب؟
من المعلوم بأن المثقف التحرري والعقلاني هو الذي يبني علاقة نقدية مع ذاته و فكره و من خلاله يتمكن بالتحول عما هو عليه لغرض إغناء مفاهيمه عن الحرية و العقلانية. يجب عليه العمل علی حشد سواه الی داخل ملكوت الحرية والعقلانية وإن لم يعمل ذلك يكون حصاده الخرافة والظلام والإستبداد. و علی المثقف الكوردستاني الابتعاد عن التعامل مع فكرة التنوير علی نحو أصولي أو ايديولوجي و ليعلم بأن النخبوية الثقافية تقود دوماً الی العزلة والهامشية و تنتج التفاوت والاستبداد بقدر ما تجسد الإصطفاء والنرجسية. المثقف يتحمل مسؤولية كبيرة في بناء الذاكرة الوطنية من خلال العمل الإبداعي والنتاج الفكري والثقافي الصادق، البعيد عن تظليل الاجيال و الانحراف عن المسيرة الحضارية. عليه أن يلعب دوراً ريادياً في إصلاح الواقع الذي يعيشه و أن لا ينام في صومعته الفكرية و يقتصر علی الجمع والاستقصاء والارتشاف والاستقاء للمعلومات، بل عليه ببث أفكاره و تبصير شعبه بالحقوق والواجبات وتسليحه بالعلم والمعرفة و القيام بنشر ثقافة التعايش السلمي مع الآخر المختلف و التأكيد علی الحوار البناء و الترويج لفكرة التبادل و تقوية الوعي الكوردستاني و تعزيزه لذوات الناس والمجتمع، وزرع روح التكافل والتضامن الروحي والاجتماعي فيما بينهم من أجل بناء مجتمع و نظام أكثر إنسانية و أكثر عقلانية. 
المثقف الكوردستاني يجب أن يتصرف بوصفه الشاهد علی واقع عصره أو الناطق بهموم مجتمعه. و لغرض مواجهة الأزمات والتحديات الراهنة علیه الإستفادة من جملة التحولات الحضارية والعلمية، التي تسهل إشهار نقده دفاعاً عن حقوق شعبه و حريته و إستقلالیته، عليه أن يشارك في صناعة الرأي العام و صوغ الوعي الجماعي و أن يؤثر في الدينامية الاجتماعية والسيرورة التاريخية وعلیه أن يعرف كيف تُلعب اللعبة و تُبنی القوة و كيف تُنتج الحقيقة و تُقرّ المشروعية.
في هذه المرحلة الحساسة من التطور التاريخي يجب أن يدرك المثقف الكوردستاني بأن هناك تيارات قوموية متسترة تحت غطاء الدين تريد أن تسيطر علی الرأي الحر والعقلاني و تعود من النوافذ بعد أن خرجت من الأبواب. ولكي نستطيع الانفلات من براثين تلك المحاولات وأن لا ننتهي إلى منزلقات إيديولوجية أو أثنية أو دينية، علیه العمل في سبيل وحدة الصف الكوردستاني واللحاق بالنماذج المتحضرة في العالم، التي ينهمك فيه المثقف في الجدل القائم حول مفهوم العولمة و الحداثة  وما بعد الحداثة. يجب أن لا نترواح و نبقی في المجادلة  حول مسائل مثل العلمانية، الديمقراطية، التوريث و قانون الأحزاب وفن المعارضة وحرية التظاهر. علی المثقف الکوردستاني طرح أسئلة الكينونة، ولا نقصد بالكينونة، أن يسأل من نحن، وإنما كيف نتعامل مع الفدرالية في‌ العراق و بأي شروط؟  وهل أن الطفرة النفطية في العراق حققت الرفاه لشعب كوردستان و هل وزعت الثروات خلال العقود التسعة الماضية توزيعاً ساهمت في خدمة التنمية البشرية في کوردستان؟
علی المثقف الكوردستاني العمل علی الكشف عن بؤر القمع وضرب الحريات و سياسة التحايل و المماطلة في تنفيد بنود المادة 140 من الدستور في المناطق المستقطعة من كوردستان والتنديد بها و في نفس الوقت عليه ببناء حقول من التحاور و التثاقف عوض إحياء الصراع بين المكونات و القيام ببناء تراكم فكري بهدف مقاربة الواقع نحو مستقبل أفضل.
ومن الواضع بأن الإنفتاح علی الحضارات المتقدمة والحوار الهادف البناء لا يلغي أبدا هذه الهوية الكوردستانية، ما يشكل خطراً عليها، هو الإرتماء الأعمى للشعارات الأصولية المتحجرة، التي تضعف الوعي الوطني والتي و للأسف تتماشى مع تقاليدنا. نقول مرة أخری بأن الانفتاح على العالم والحوار الهادف البناء لا يلغي الهوية. علينا التخلص من عقدة "الأنا الأصولي" و نتوجه الی الصالح العام، من خلاله فقط نستطيع أن نحقق حواراً متوازناً فاعلاً و نكون أكثر قدرة على التواصل وتبادل الخبرات العلمية والثقافية. علينا البدء في ترتيب بيتنا الكوردستاني الثقافي على أسس وطنية واعية وحكيمة وعقلانية، بحيث تحوز أهلية خدمة ثقافة الإنسان الكوردستاني خاصة، ثم نتهيأ للحوار مع الآخر، سواء في العراق الفدرالي أو في الشرق الأوسط والعالم. وليكن صوتنا أقوى وكلمتنا أرقى، وحجتنا أكثر إقناعاً. أما الإصلاح الذي القيادة الكوردستانية بصدده، فهو مطلب إنساني ‏ وغاية تستدعي من الجميع العمل على تحقيقها، بدءً من السياسي والمثقف ورجل الشارع البسيط، فضلاً عن الحاكم الذي يريد أن يحافظ على رمزيته وسمعته وتاريخه.
و أخيرا علی المثقف الكوردستاني عدم التنازل عن عن قضايا شعبه في مكتسباته الأساسية و عدم الخنوع للظروف الراهنة وأزماتها، بل العمل علی هموم شعب كوردستان وشجونه كالحرية والديمقراطية والاستقلال التام والتنمية الثقافية الحقة وأن لا يصمت و يسكن و یهادن بطريقة لافتة، بل ينزع الی النقد الجدي للأوضاع والسياسات الغير سليمة، التي تمارس من قبل الحکومة الإتحادية للنيل من حقوق شعب كوردستان، حتی لا يتلاشی و يتساقط أحلام شعب كوردستان في  الحرية والديمقراطية والنهوض الاجتماعي والتقدم، التي ناضل من اجلها أسلافه وعلی رأسهم القائد التاريخي الخالد مصطفی البارزاني.
و ختاماً نقول:  "علی المثقف التخلي عن لغته المتحجرة في قراءة الأحداث والتعاطي مع العالم، فالفكر يتغذی من الإنفتاح علی اليومي والمُعاش والمهمَل  ويتجدد بتفكيك الأنساق المحكمة و كسر النماذج المحنّطة والتحرر من أسر العقائد المغلقة والعصبيات الملتحمة."
د. سامان سوراني

106  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حرية شعب كوردستان أهم من الوحدة الوطنية المصطنعة في: 12:12 17/05/2012
حرية شعب كوردستان أهم من الوحدة الوطنية المصطنعة

من المعلوم بأن العالم يتغير بمحركاته و نوابضه و قواه و خريطته والفاعلية حلی مسرحه، لكن الأفكار مازالت ثابتة أو متحجرة، بل مدمرة و مرعبة.
الموقف الميتافيزيقي من الحرية، كشيء مطلق في غياب أي نوع من الإكراه، سواء أكان هذا الإكراه داخلياً أم خارجياً، لا يمكن أن ينطبق علی الحياة الواقعية. أما الحق في الحرية من الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية فهو أمر يمكن إعتباره بسعي الإنسان نحو الإستقلالية الذاتية والإنتصارعلى القيود والقوانين ومسح العبودية.
ففي الفنومنولوجيا هناك محاولة ديالكتيكية بارعة للفيلسوف الألماني الكبير جورج فلهيلم فريدريك هيجل (1770-1831) في سبيل تحقيق التصالح بين "الفرد" والمجتمع" أو بين "الفردي" و "الكلي"، فالوعي يدرك بنفسه من خلال صراعه ضد مجری الأشياء و الفرد لا يبلغ سعادته إلا في كنف الجماعة. و إذا ما تمكن الإنسان من التغلب علی "الفردية"، فأنه سرعان ما يتبين له من أن "الفعل" هو "الوحدة" الحقيقية التي تجمع بين "الذاتية' و "الموضوعية" وهكذا بالنسبة الی الشعوب.
وفيما يخص الدولة العراقية المصطنعة، فهي كقوة خارجية لم تقم منذ نشأتها عام 1921 والی يومنا هذا،  حسب التفسير الهيجلي، في تهيئة الفرد الكوردستاني لتنمية ملكاته و ممارسة ذاته وذلك من أجل تقوية التعايش السلمي والنتيجة كانت دوماً الفشل في المحافظة علی الشرعية.
القانون الدولي يُعرّف حق تقرير المصير بأنهُ:" حق أي شعب في أن يختار شكل الحكم الذي يرغب العيش في ظلهِ والسيادة التي يريد الانتماء إليها". أما السيادة  فهي ركن أساسي من أركان تقرير المصير.
أما الوحدة الوطنية، فهي بقت مجرد شعار يرفع من قبل الحکومات التي تعاقبت الحکم في العراق ولم تكن هناك نية لدی هذه الحكومات في إحياء شعور المواطن الكوردستاني المبني علی مرتكزات عملية مستمرة من شأنها دعم تحقق الوحدة على أرض الواقع وتجسيدها بشكل يناغم بين الفكر والعمل والسلوك. حيث رأت تلك الأنظمة  في التعددية مظهرا من مظاهر الضعف والفقر، لا كواقع معاش يثري و يقوي و يلزم الجميع إحترام الآخر المختلف، بلغته و مبادئه و طقوسه وفلسفته. فقد فرض الرأي الواحد علی الآخر المختلف و طبق قوانين تجرم المختلف و تقلع جذوره. حقوق الآخر كانت بسبب التفريط بحقيقة الهوية الوطنية في العقود الأربعة الأخيرة للقرن العشرين مهضومة والتمييز العنصري كان منهجاً عملياً لإحياء علوم البعث والعروبة، يهدم خلق الشعور بالإنصاف و يسلب فكرة تعميق الانتماء للوطن. إن غرس غائلة التباعد والحواجز لمدة طويلة أسهمت في تراكم المفاهيم والصور السلبية لدى كل فئة عن الأخرى وهكذا خرج مفهوم الوحدة الوطنية عن اطار واقعيته. هناك محاولات من قبل منظري فكرة العراق الثقافي أو الاستعراق، لصهر شعب كوردستان و القوميات الأخری في بوتقة كينونة الثقافة العربية الاسلامية. الأولی بهم الخروج من سباتهم القومي و من حصونهم الدينية، بدل العسكرة وراء هويتهم. إنّ من حق كل سياسي كوردستاني أن يعزف علی وتر الحرية، فالسياسي النزيه يطمح لاستقلال بلاده و يجاهد كي يكون شعبه حراً في اتخاذ القرارات خدمة لمجتمعه وللإنسانية جمعاء. الحرية يعيين شرط الحكم الذاتي في معالجة موضوع ما، فهي إذن إمكانية الفرد دون أي جبر أو ضغط خارجي على إتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة و الحرية للفرد الكوردستاني تعني التحرر من القيود تكبل طاقاته وإنتاجه سواء كانت تلك القيود مادية أو معنوية و تعني التخلص من الإجبار والفرض من قبل الحكومة المركزية، لذا نراه بأن حرية شعب ما أهم من الوحدة الوطنية المصطنعة، فهي تعنی بالنسبة لنا حماية شعب الكوردستاني ضد طغيان الحكام السياسيين الذين يريدون بمحاولاتهم اليائسة وأحلامهم الوهمية إعادة عجلة التاريخ الی الوراء. الشعب الكوردستاني ذاق التهجير والتعريب و الإبادة الجماعية من قبل السلطة المركزية، يريد تجنب تكرار الويلات والحروب والمآسي
والسلطة التقليدية في نظر عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر (1864-1920)، الذي أنشأ منهجه في دراسة الظواهر الاجتماعية علی مبد‌ الفهم، تعتقد بأن نظمها ما هي إلا إمتداد لنظم كانت موجودة في الزمن السابق أو أن رئيسها تقلد منصبه بموجب مؤهلات معينة كانت شرعية في الماضي أو أن الأوامر التي يصدرها مدعومة بأوامر كانت ماثلة في الزمن السابق ومتفق علی التصرف بموجبها وعلی المكونات التي تخضع للسلطة التقليدية إطاعة أوامر سلطتها بسبب شرعيتها التاريخية، فهي الراعي الوحيد و الأب الأمثل و هذا ما تطلبه الحكومة الاتحادية اليوم من شعب إقليم كوردستان. إن هذا التضارب يضعف من صفة الشرعية التي تتمتع بها الحكومة الحاكمة في الإتحاد والتي لا تهتم بالعهود و الاتفاقيات كثيراً. سوف تبقی وحدة الشعب الكوردستاني مع العراق فرضية، إذا ما لم يمر هذا الشعب بمرحلة الإستقلالية الذاتية بعد مسح كافة آثار التهجير والتعريب والاستقطاع الشوفيني. 
وختاماً: إن أساس الموقف التنويري والنقد العقلي هو البدء بالإعتراف بالأزمة و تشخيص العلّة، ثم الإعتذار عمّا جرته الدعوات الدينية والمشاريع القوموية في العراق من الأخطاء والمساویء والكوارث.
د. سامان سوراني
107  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فلسفة القيادة الكوردستانية في السلم و حكمة اللاعنف في: 20:20 15/05/2012
فلسفة القيادة الكوردستانية في السلم و حكمة اللاعنف

في نظريته الإجتماعية يشيرعالم الاجتماع الأمريكي بالكوت بارسونز (1902 ـ 1979) إلى جملة من الآليات التي تسهم في حفظ النظام وتوازنه مع اختلاف الزمن والمراحل التي يمر بها التنظيم الاجتماعي ويؤلف الفعل الاجتماعي بالنسبة اليه الوحدة الأساسية للحياة الاجتماعية، ولأشكال التفاعل الاجتماعي بين الناس. إنه يری بأنه من صلة تقوم بين الأفراد والجماعات، إلا وهي مبنية على الفعل الاجتماعي، وما أوجه التفاعل الاجتماعي عنده إلا أشكال للفعل التي تتباين في اتجاهاتها وأنواعها ومساراتها، من خلالها يمكن رصد الظواهر الاجتماعية وتفسير المشكلات التي يعاني منها الأفراد، وتعاني منها المؤسسات على اختلاف مستويات تطورها. وهو يری أيضاً بأن المرء لا يستطيع أن يمارس الأفعال الاجتماعية إلا في الحدود التي تسمح بها المواقع والمهام التي يشغلها في بنية التنظيم. أما تنوعات المنظومة الاجتماعية فهي تتوحد، حسب نظريته، من خلال الأخلاق والمبادئ العامة، التي تتجلی بوحدة المنظومة الحضارية والثقافية.
لقد عُرف "سقراط" بإتجاهه إلى سبر غور الروح الإنسانية، وهو الذي يقول بأن الحاجة تقتضي بصيرة واضحة لضمان السلم والنظام والنية الطيبة. ولكن إذا كانت الحكومة نفسها حكومة تسودها الفوضى والسخافة، تحكم ولا تساعد، وتأمر ولا تقود، كيف تستطيع إذن أن تقنع الفرد في مثل هذه الدولة على أن يطيع القوانين، ويحصر بحثه الذاتي داخل دائرة الخير العام.
الذي نريد أن نتطرق اليه في مقالنا المختصر هذا هو فلسفة السلم و حکمة اللاعنف، التي تريد القيادة الكوردستانية أن تطبقها علی أرض وواقع كوردستان و إن أمكن تعميمها و ترسيخها في العراق الاتحادي. ففي كثير من الخطب والمناقشات العلنية نسمع من القيادة الكوردستانية التأكيد علی استعمال فن الحوار الهادیء كوسيلة للتواصل و منها نستنبط القناعة التامة بسياسة اللاعنف كأداة للوصول الی حلول حول القضايا العالقة بين الإقليم الكوردستاني والحكومة الفدرالية و هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات. فلسفة السلم تحمل في طياتها السلام الظاهري وتری في الدستور و القانون طريق معبّد لضمان النفس والجماعة. لقد أثبتت القيادة الكوردستانية بمبادراتها الحکيمة بأنها أفضل الوسطاء بين المكونات السياسية في العراق و من خلال تواصلها تحولت لغة العنف السياسي الی لغة إنسانية للحوار. ومن المعلوم بأن اللاَّعنف يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة. و اللاعنف هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف لأنه يتطلب شجاعة كبيرة واحتراماً للخصم. وطالما العنف من صنع البشر، إذن نحن قادرين على تفكيك هذا القضاء و  والقدرة علی إعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة، لأن من يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق. فالأفكار الخصبة والتجارب الفذة والنماذج الناجحة في مكان ما، تغدو ملك البشرية جمعاء، أياً كان مصدرها، كما يشهد التفاعل بين الحضارات منذ أقدم الأزمنة، فلتنسج العلاقات بين المكونات العراقية بعقلية السلم والشراكة و لغة التسوية و ثقافة التعدد والتنوع، علی نحو يفتح آفاق الحوار والتعاون والتضامن علی سبيل النفع المتبادل و الإثراء المتبادل.   
السلم مرتبط بسعادة الجماعة الراهنة التي تبحث عن العيش في سلام، أما الحرب فهي سلوك يعكس ضعف الإنسان في ضبط تعامله وانفعالاته و من الممكن أن تكون الحرب ضرورة حتمية لكنها تبقی حتمية محزنة تبرز ضعف ديناميكية الفكر الإنساني و قصور عقله.
لو تصاعد العنف الأعمی بشكله الإرهابي و بأشكاله الأخری في العراق فسوف يأتي علی العراقيين زمن يحتاج فيه كل واحد الی آخر لحراسته و حفظ أمنه الشخصي، وتلك هي الكارثة. فالتطرف التعصب والكره والخوف والعداء والصدام والإنشداد الی الوراء و عبادة الأسماء والأفكار، مآلها تفخيخ العلاقات بين المكونات الأساسية في العراق والانتقال من مأزق الی سواه، ومن صدمة الی اخری، ومن خسارة الی خسارة أكثر فداحة.
ما نشاهده اليوم هو عمل الكوردستانيين من أجل تشكيل حقل معرفي تتحول معه الازمات والمآزق الی مواضيع للدرس والتحليل أو التشريح والتفكيك و ذلك لتقوية أسس فلسفة السلم ومذهب اللاعنف فنری تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم القديمة والحديثة بعناصر و مقاصد و أبعاد جديدة، علی سبيل التطوير والتجديد أو الإغناء والتوسع، سواء تعلق الأمر بالنظام  والديمقراطية  أو بالحرية والعدالة أو بالتنمية والعولمة. أما من حيث المنهج، فهناك طريقة للتفكير تستخدم بشكل فعال بعيدة عن لغة القطع والجزم والفصل الحاسم، ومن حيث المعاملة، فالحكومة تسعی بمنطق جديد هو منطق تحويلي للتعامل مع الأفكار بوصفها استراتيجيات للمعرفة والعمل، مفتوحة و متحركة وذلك لصناعة واقع كوردستاني جديد يوظف نفسه في خدمة السلم العالمي مناهضاً للعنصرية او طائفية و سياسة و ثقافة الإقصاء والتهميش.
وختاماً يقول السياسي البارز والزعيم الروحي للهند مهاتما غاندي (1869 - 1948): " ليس هنالك طريق للسلام، بل أن السلام هو الطريق."
د. سامان سوراني           
 
108  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان بين قبول الحرية السياسية و رفض الفكر الأصولي في: 15:15 14/05/2012
إقليم كوردستان بين قبول الحرية السياسية و رفض الفكر الأصولي

في الفلسفة الرواقية، التي تأسست على يد العالم الشهير زينون الكيتيومي (335-264 ق م) حوالي 300 ق.م و كانت مدرسة جديدة في الحضارة الهلنستية (من 750 ق.م إلى 146 ق.م) ، يُعرّف الحكيم بالإنسان الذي عرف قوانين الوجود و عمل علی أن تطابق إرادته تلك القوانين، إذ للفرد حرية باطنة هي التي تنقذه من ضربات الحظ و عوارض الصدفة و تقلبات الناس. أما الإرادة عندهم فهي مبدأ هذه الحرية الباطنة، فحاولوا أن يوفقوا بين الحرية والضرورة و إنتهوا الی جعل الضرورة أصلاً للأشياء.، بدلاً من أن يخصعوا الضرورة نفسها للحرية. لكن الحرية الحقيقية تأبی أن تنصاع للقدر و تتقبل المصير.
و كلمة الحُرّ و الحرية تفسّر من قبل ابن منظور الأنصاري (1232 م - 1311 م) في لسانه بـ"نقيض العبد، والجمع أحرار وحرار… والحرة: نقيض الأمة، والجمع حرائر”. والحر من الناس أخيارهم وأفضلهم، والحر يعني أيضا الفعل الحسن، يقال: ما هذا منك بحر، أي بحسن ولا جميل. ويقابل مفهوم الحر العبد، وهو الإنسان المملوك”.. أي الذي لا يملك قرار ذاته، هذا من الجانب اللغوي، أ‌ما من الناحية الفكرية فتعطی للحرية صورتين، الحرية الطبيعية، والحرية الاجتماعية. الحرية الطبيعية حسب تفسير المفكرين هي تلك الحرية الممنوحة من قبل الطبيعة نفسها. والحرية الاجتماعية هي تلك الحرية التي يمنحها النظام السياسي والاجتماعي القائم على منظومة أفكار ومعتقدات محددة، لأفراده أجمعين من حرية الفكر والتعبير والتنظيم، إلى حرية المعتقد والنقد والإعلام الحر.
إن كلمة "لا" التي نرفعها بين تارة و أخری للرد علی أفعال الحكومة الاتحادية لا تعني بأننا نريد فقط الرفض و التعارض، بل المقصود بها العمل علی التميُّز علی الآخرين والسعي الی إكتشاف ذاتيتنا الخاصة و الاجتهاد في تعرّف رسالتنا في النضال السياسي. ومن المعلوم بأن للنفي قيمته، فأنه حافز يجبرنا الی البحث عن شيء إيجابي يعبر عن (إثبات) أكمل.
وأساس الحرية هو الوعي والمسؤولية والالتزام المجتمعي والانضباط والوقوف عند حريات الآخرين. وعندما بدأت الحداثة ترسخ جذورها بعد عصر التنوير و بعد أن تمكنت المجتمعات من أن تتحرر من قيود المطلقات و أنماط التفكير الحتمي المختلفة و مع انطلاقة عصر العقل، الذي أثبت قابليته علی تأسيس الحياة البشرية من منظور التفكير والفعل الإنساني الحر المباشر، دون أن تهتم بالهياكل الأبوية الوصائية، برزت الحرية كمقومة أساسية للحركة التنويرية العقلانية والحداثة العلمية، التي رفضت وجود سلطان علی العقل إلا العقل نفسه و أدغمت العقل في ثالوث مبني علی العقلانية، الحرية، والعدل السياسي الاجتماعي. و في النهاية تم وإعلان حرية وتحرير التاريخ والإنسانية من أسطورة الحتميات المتعددة والمختلفة والمتناقضة و هكذا تصاعد الوعي التدريجي بأسبقية الديمقراطية وحقوق الإنسان.
في إقليم كوردستان تُنظر الی الحرية كقيمة إنسانية تساهم في إغناء مسيرة الفرد الكوردستاني و تطوير مواقعه المختلفة في الحياة، فهي ضرورية للعمل و البناء والتطوير و خدمة الناس والمجتمع و حتمية في المساهـمة التشاركية في تطوير الدولة و الإلتزام بقضايا الناس و الوطن و النقد الحر والبنّاء الهادف الی دفع المجتمع الكوردستاني نحو قافلة الحضارة الإنسانية. المجتمع الكوردستاني عاشت لفترة طويلة تحت نير الاستبداد المركزي، الذي هضم حقوقهم و رفض مطاليبهم في الحرية والاستقلال الذاتي و الذي زعم لنفسه بأنه يحقق سلامة المجتمع، لكنه في الحقيقة سلب المجتمع أسباب بقائه، لذا لم تكن عملية بناء مجتمع و نظام مدني في هذا الجزء من كوردستان بسبب الممارسات القمعية للدولة الشمولية أمراً هيناً. وطالما يبقی المجتمع المدني نتاج للأفعال الإنسانية التلقائية لأشخاص أحرار، إذن يستلزم أن تبتعد الحكومة عن مساعي الأفراد وأن تترك لهم حرية الارتباط بعضهم ببعض، و هذا ما نلمسه اليوم في كوردستان. فالأفراد أحرار في شئونهم الاقتصادية وأنشطتهم الدينية وحياتهم الأسرية. المجتمع المدني القوي يمثل عائقًا في وجه الاستبداد لأنه يتبع نظامًا أخلاقيًّا يحمي قيم الحرية ويصونها، لكن و للأسف هناك تيارات أصولية مرفوضة من قبل الأكثرية الساحقة من المجتمع الكوردستاني تريد أن تقلّص من حجم هذه الحرية و تعمل بأسلوب عدواني قاسٍ و وحشي ضد المجتمع المفتوح و الإصلاح الرشيد الهادئ العقلاني المؤسساتي، لأنها بقت أسيرة ديكتاتورية الشعارات والمقولات و لم تتحرر بعد من عبادة الأشخاص و الأبطال و سواها من العملات الفكرية التي تؤجج الصراعات الرمزية والمادية حول الأسماء والنصوص و تحوّل المقولات الی قوالب متحجرة أو الی أنساق مغلقة تخنق الحيوية الفكرية و تشل الطاقة علی التحول الإيجابي و العمل البناء، وهكذا تولد الجهل والعجز والإقصاء، بقدر ما تخلف المساویء والمخاطر والكوارث.
وختاماً نقول: "من أراد قبول الحرية السياسية فلابد له من إتقان لغة الاعتراف والحوار والتوسط والتعدد والمباحثة والشراكة المبادلة و رفض الإنخراط في منطق الإصطفاء والتمييز والتقوقع والعسكرة والصدام."
د. سامان سوراني





109  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كوردستان والتحرر الفكري في زمن تفكيك الديكتاتوريات و الأصوليات في: 15:30 13/05/2012
كوردستان والتحرر الفكري في زمن تفكيك الديكتاتوريات و الأصوليات


من المعلوم بأن الخروج من السجن الفكري هو دليل ثورة الانسان علی عقله القاصر و لغته الفائتة و معرفته الميّتة. اليوم أصبحنا شاهداً علی ثورات  سياسية، إقتصادية، فكرية، تقنية، ثقافية و خلقية وهي تطفوا علی المسرح الكوني و تعمل علی خلق الانسان الرقمي، الذي لا يتعامل مع معطيات وجوده و الأحداث التي تنبع من بيئته إلا بلغة الإختراع والإبتكار و التحويل والبناء. ولا يمكن التسبيح بحمد الإنسان، الذي لا يحسن سوی إنتهاك الانسانية، تحت شعارات الحقيقة والحرية أو العقلانية و العدالة. الضرورة تدفعنا الی القول، بأن هناك حاجة ماسة الی مساءلة مفهوم الإنسان، لتفكيكه و إعادة بناءه، لغرض فتحه علی ممكناته و احتمالاته و علی الكائن البشري الإعتراف بدونيته علی المستوی الوجودي، حتی يتحرك نحو الاعتراف بالآخر علی الصعد السياسية والمجتمعية والثقافية، بل حتی المعرفية، و هذا التحرك لا ينتج، إذا ما لم يقوم صاحبه بكسر منطق الوحدانية والمركزية و الإصطفائية التفاضلية و إذا ما لم يقاوم إرادات التأله و القبض والتحكم و المطابقة والمصادرة والاحتكار.
التغيير‌ات التي طرأت في العالم العربي أثبتت أيضاً بأن العالم الجديد لا تصنعه الكتب السماوية و لا الفلسفات المادية، بل الكتب الرقمية والانتفاضات السلمية، التي تسجل نهاية زمن البطولات الدموية والبيروقراطيات الثقافية.
علی الفرد الكوردستاني كشف موقعه علی خارطة الحداثة، ليری فيما إذا كان هو فاعل و منتج، أم مازال مستهلك و تابع و غير فاعل. لقد بات من الضروري إستثمار الموراد علی نحو أحسن تنميةً و ثراءً و عليه إستثمار التراث الهائل في ضوء أسئلة العصر، بتحويله الی منتجات ثقافية أو الی عملات حضارية وقابلة للتداول، بمعنی إستخدام العقول بصورة حية و خصبة، أو نامية و متجددة، فعّالة و راهنة. من يتعاطی مع العالم المعولم والرقمي بالعدة الفكرية القديمة، التي فقدت مصداقيتها علی أرضها بالذات، و يدعوا الی الحداثة الخادعة والمضلّلة لا ينتج سوی الأزمات والمآزق و يعود بالمجتمع الی كهوف الماضي و أکفانه.
أما من الطرف الآخر فنری بأن صاحب الفكر الأصولي يسعی الی إستعادة الأصل والتطابق معه محكوم للماضي بنماذجه و صوره و أطيافه. و لهذا فهو ينفي حقيقة الحاضر و مشروعيته و لايری فيه سوی البطلان والفساد، ومن ثم يسعی الی تغييره بأي ثمن کان، فلا يهمه الوسيلة، بل المهم عنده أن يتغير هذا العالم الذي لا ينطوي إلّا علی الشرّ و الإثم و يعتبر وحده دون سواه ينتمي الی الفرقة الناجية. والاصطفائي يعتقد بصفاع عنصره، كونه وكيلاً لله علی الأرض مكلفاً تنفيذ شرعه و أحکامه و هكذا يستعد لممارسة العنف ضد من لا يتماثل معه.   
الديمقراطية معتقد فكري و منهج سلوكي و نظام حياتي، يشمل بنطاقه كل أوجه النشاط الإنساني. وفي حالة عدم وجود المادة البشرية المؤمنة بالديمقراطية والساعية لتطبيقها، لا يمكن الحديث عن إستيلاد أنظمة ديمقراطية تضمن الحد الأدنی من العدالة الاجتماعية والسياسية في مجتمع تدار الشؤون فيه بعقل أفقي، تواصلي، تبادلي، بعد كسر العقليات البيروقراطية المركزية الفوقية. 
إن القول بعدم جواز أعلان الدولة إلا بتوفر شروطها لا يمكن أن يکون سوی إجتهاد بشري مبنيّ علی إعتقاد خاطیء غير منطقي، يملأه الدعاة وديناصورات التراث السياسي بنزعتهم التلفيقية للنظريات و لفبركة الأوهام، للختم علی العقول بالدعوة الی الاقتصار لإنتاج العزلة والهشاشة والهامشية علی مسرح الأحداث. فإرادة الإنسان للحقيقة تعطيه فيضاً من الفراغ ليتمرغ فيه، وهذا الفراغ يجبره علی إدراك ذلك كدافع، لأن الحقيقة دائماً و أبداً أضعف من الجوع و الخوف.
المجتمع الكوردستاني، رغم وجود بعض من أصحاب العقول المفخخة والهويات المغلقة والثقافات العدوانية فيها، تملك غنی في المعطيات، كما تملك فائضاً في الموارد، أما الانجازات فهي موجودة و لكنها ليست بالمستوی المطلوب والسبب يعود الی الضعف في الأفكار الحية والخصبة والخلاقة. فبالخلق يثبت الواحد جدارته و فرادته، وبالتحول يحرف كيف يتدبر التحوّلات.
علينا ببناء القدرة و ممارسة الحضور والفاعلية، وليس التشبث بأوهام السيادة، بل المساهمة في اختراق الحدود و خلق الأمداء والمجالات و مدّ الجسور و فتح الخطوط و إختراع صيغ التعايش و ليس استعداء العالم.
و ختاماً: "إن طغيان البعد الواحد علی الشخصية، أو التفكير بمنطق أحادي الجانب يقوض حرية الفرد و قدرته علی الخلق و الإبتكار و يبلّط الطريق لسيطرة عقلية الدعوة والمناضلة علی لغة الفهم و إرادة المعرفة."
د. سامان سوراني
 
 
 
110  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / شعب إقليم كوردستان و فن صناعة الأصدقاء!!! في: 14:35 12/05/2012
شعب إقليم كوردستان و فن صناعة الأصدقاء!!!

من المعلوم بأن ما هو إنساني أو كوني، حسب قول الفيلسوف الالماني-الامريكي، فرنسيس وولف،  "ليس ما تشترك البشرية جمعاء في انتاجه"، لأن رايته يمکن أن تحمل من قبل هذه الثقافة أو تلك، كما حصل مداورةً مع الثقافات اليونانية والصينية والعربية والغربية و قد ينطق بإسمه فرد من الأفراد، كأرسطوطاليس (384 ق م - 322 ق م) أو رينيه ديكارت ( 1596 – 1650) أو نيلسون روليهلالا مانديلا (ولد عام 1918).
فالصداقة فنّ إنساني يتشكَّل بقدر ما ينال المجتمع المدنيّ من نمو وتغيّر نحو الأفضل أو الأردأ حالاً، وبقدر ما تتعدّد وتتمدّد المصالح والغايات في كلَ الاتجاهات. والصداقة بين البشر متعدد الأوزان، تتحدد هويته و وزنه بين إنسان و آخر، والغايات التي تؤوول اليها. والعلاقات بمفهومها المطلق قد نشأت ووجدت منذ ولادة الانسان علی هذه السكينة، فالانسان كائن اجتماعي بالفطرة، حياته ليست كاملة وشاملة، فمن أجل الوصول الی كمالها وشموليتها وسد النقص فيها عليه التعامل مع الآخرين. و المنطق يقول بأن كلما ازداد عدد البشر وكلما كثرت احتياجاتهم وتعددت تجمعاتهم تطورت و إزدادت علاقاتهم . ومع اتساع المجتمع وتطوره وانتقاله من مجتمع الفرد والأسرة إلى مجتمع القبيلة ثم القرية ثم المدينة ثم "الدولة" اتسعت معه نطاقات "العلاقات" وبدأت تأخذ طابعاً دولياً. و يقال بأن "العلاقات الدولية" حسب المفهوم الذي نعرفه اليوم، کحقل من حقول المعرفة الإنسانية، ظهرت بعد مؤتمر "ويست فاليا" عام 1648.
الكوردستانيون اليوم يمارسون فن الحصول على الممكن بدلاً من انتظار المستحيل، فهم يعرفون حق المعرفة بأنه لا نفع في أن يربحوا العالم و يخسروا أنفسهم و لكنهم في الوقت نفسه لا ينتظرون من أصدقائهم في أن يوافقونهم في كل مفاهيمهم. والهدف من البحث عن الحرية، كما يقول الفيلسوف الدانماركي سورين كير‌کيغارد، هو أن تعيش فيها، لا أن تفكر فيها.
عندما يخاض الكلام حول هوية العراق التاريخية والثقافية خلال خمسين سنة الماضية من عمر هذا البلد لا يمکن أن تتجسد أمام أعين الكوردستانيين سوی الحقيقة المرة، أي سياسة الحكومات التوتاليتارية و الدكتاتورية و سيادة الزمن الراديكالي بطائفيته المبطنة وجهويته‌ السياسية للعرب، التي جعلت من النفسية العرقية العربية القوة الغالبة في تسيير و توجيه الجماهير و الاستحكام بقرارها و خانت فلسفة التعايش السلمي بين المكونات العربية والكوردية والتركمانية و الآشورية والأرمنية و الشراكة الحقيقية و كان الكل من و جهة نظر الحاكم، بعثيين و إن لم ينتموا تحت ظل شعار "أمة عربية واحدة". وبعد سقوط الطاغية عام 2003 لم نری ممارسة الديمقراطية في العراق بشكل فاعل في ظل بنية اجتماعية تقليدية و تقاليد رجعية و تاريخ عقائدي انتقائي لقوی دينية حاکمة تستخدم صيغ الغلو السياسي والايديولوجي و أساليب و لغة العنف، بعيدة عن الجدل العقلاني حول القضايا الاساسية من أجل ترسيخ قيم الحرية و توطيد نظرية نشوء المجتمع المدني و المؤسسات السياسية. والتيارات القومية العربية جعلت في السابق كما تريد أن تجعل اليوم من المستقبل في العراق ذكريات الماضي و أمجاده و المحصلة كانت تحطيم معنی و حقيقة المعاصرة المستقبلية و الاستمرار علی تطبيق نفسية الاستفراد و التعالي الوهمية، تاركة نظرية بناء أسس و قواعد الاجتهاد المنطلق من اشكاليات العصر الواقعية من أجل بناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والنظام الديمقراطي الاجتماعي طيّ النسيان.
ومن الواضح بأن الانسداد يولد الانفجار، إذ لا يمكن بناء صداقة و شراكة حقيقية مع من يريد بناء نظام لا يريد الخروج من سجنه الطائفي و يرفع عناوين فاضحة، كالفساد الاداري و التشبيح الامني و الدجل السياسي والتهويم النضالي بمذهبية فاشية و شعوذة عقائدية.         
ان حق تقرير المصير بما فيه الانفصال وتأسيس الدولة الكوردستانية حق مكفول انسانياً ودستورياً وتنويرياً و ماالسبب للهجوم علی الذين هذا الحق كشعار و هل الكلام عن الحق محرّمُ، أم يجب أن ينام شعب لقرون أخری و لا يستقظُ، لأنه‌ كما يقول شاعرنا معروف الرصافي مافاز إلا النّوَمُ؟  الكوردستانيون في عصرنا هذا يناضلون بطرق سلمية و سليمة من أجل الإعتراف الكامل بتاريخهم و جغرافيتهم و لا يبحثون عند النفاثات في العقد عن حل، بل يستخدمون منطق سقراط حين يقول، تكلم حتی أراك، باتقان لغة الحوار والتوسط والتداول والتبادل.
إن فكرة العراق الموحد، كما يعمل له‌ بعض المنظرين والسياسيين ليل نهار تنطلق من فكرة مسبقة مفادها أن دولة العراق، التي يريدون توحيدها كانت في الأساس كياناً واحداً، أما ما يُری فيها من الاختلاف و الانقسام والتعدد فهو شيء مصطنع زائف ينبغي إزالته بتحقيق الوحدة الضائعة. إن مثل هذا التصور ليس سوی إعتقاد، إنه ضرب من الاعتباط والتحكم و هو قفز فوق الوقائع، لم ينجم عنه سوی مزيد من التنابذ والفرقة.
من الأولی السير من الاختلاف الی الوحدة، لا العکس كما هو حاصل. و لعلنا لا نصل الی الوحدة، إلا إذا ادركنا بأننا ننتمي الی عالم ليس واحداً في حقيقته و أصله، أو علی الاقل في واقعه، بل هو عالم متعدد متنوع منقسم و متعارض. التسليم بهذه الحقيقة يمكن أن يفتح أمام الكيانات التي اتفقت علی الدستور إمكاناً نحو تحقيق الوحدة التي ليست سوی ممارستنا لاختلافاتنا بطريقة تجعلنا نتقارب و نتعاون و نتكامل. 
وختاماً نقول لا يريد الشعب الكوردستاني أن يصب نضاله التاريخي في بحار العدم و يعيد تجربة الثائر الاسطوري كاوه الحداد، كما يصفه الشاعر البصري الكبير، سلام كاظم فرج (ولد عام 1951)، في إحدی تهويماته: .... آه ياكاوة الحداد.. حتام روافدك تصب في بحار فريدون؟؟
د. سامان سوراني

111  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ظاهرة العنف الاصولي في اقليم كوردستان و سياسة الحكومة في: 12:56 09/05/2012
ظاهرة العنف الاصولي في اقليم كوردستان و سياسة الحكومة

يمكن اعتبار الهجوم الذي شن يوم الثامن من أيار علی مبنی المجلس الوطني الكوردستاني من قبل جماعات دينية مغلقة بإعلان حرب ضد مختلف التجليات المدنية و العلمانية و الديمقراطية القائمة، بهدف تحقيق استمرارية الصراع والعداء ضد المجتمع المدني وذلك من أجل بناء وتشكيل الهويات الدينية الأصولية. و يمکن القول بأن الجماعات الاسلامية المتزمتة تتنوع في اتجاهاتها و ايديولوجيتها و غاياتها، لكنها تبقی متفقة في أمر واحد، الا و هو إعلان الحرب ضد النزعة الإنسانية العلمانية بكل ما تنضوي عليه من قيم ديمقراطية وإنسانية. العنف عندها تصبح وسيلة لنشر افكارها بهدف الوصول الی تقديس الفكرة الذاتية وإلغاء الآخر وتوسيع دائرة الاقصاء حتى تشمل كل من يختلف. ومن أجل الانتصار علی الكفر يمكن للجماعات الاسلامية المتزمتة اباحة قتل العزل و تدمير كل شيء يحمل في طياته رموز الديمقراطية و القانون المدني. وما حملاتهم علی مبنی البرلمان و المطاعم الترفيهية و حانات المشروبات الروحية و إذاعات التلفاز و التهجم علی الشرطة تحت يافطة "الامر بالمعروف والنهي عن المنكڕ" إلا دليل علی عدم احترامهم أو قبولهم لقوانين سنت في البرلمان و أوامر أصدرت من قبل وزارة الداخلية ، إنهم يرون أنفسهم فوق القانون و لا يعترفون بالقضاء والجهات التنفيذية. أن التوكيد علی الهوية الدينية بشكل أعمی تؤدي في نهاية الأمر إلى تعزيز وتوسيع دائرة الكراهية والأحقاد العرقية والطائفية في المجتمع الكوردستاني.
من المعلوم بأن الأمية الدينية تشكل عاملاً حيوياً وبنيوياً في عملية تنامي وتصاعد العنف الديني، ولاسيما في وضعيات الضغط والتأزم.أنها نتاج مستمر لانخفاض كبير في مستوى التفكير النقدي وانخفاض مستوى الثقافة الدينية الحقيقية نفسها. و من الأهمية بمكان الإشارة إلى علی الحكومة العمل الجاد في سبيل تأهيل رجال الدين والعاملين في المؤسسات الدينية من علماء وفقهاء تأهيلا فكرياً وثقافياً جديداً للحد من العنف الديني في سياق الحداثة المتقدمة والعولمة الزاحفة.
العنف الذي شاهدناه كان يتشح بالطابع الرمزي، فقد تمّ توظيف الرمز كقوة ما فوق طبيعية للتأثير في عقائد واتجاهات المنتسبين إلى هذه الجماعات الدينية لدفعهم إلى ممارسة العنف ضد الآخر بمختلف الصيغ والأدوات الممكنة. و للأسف يستفيد المتطرفين بشكل جيد من وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلوماتية ويوظفون أدوات العولمة ذاتها في بث العنف ونشر ثقافة الخوف في كوردستان.
إن سياسة حكومة كوردستان واضحة، فهي مبنية علی احترام الدين وحرية المعتقد. والحكومة تسعی في سبيل زرع بذور المواطنة و تكّن باحترام لجميع الاديان والمذاهب داعماً التعايش السلمي بينهم. والبرلمان لا يشرّع أي قانون الا بعد اشراك جميع فئات الشعب في صنعه وهذا هو ركن من أركان الديمقراطية الدستورية. أما الجانب الآخر فتريد تطبيق  الفتوى، الذي يفتی من قبل شخص واحد، كل مؤهلاته انه متخصص في الفقه، وهنا تكمن الخطورة وهو ان يكون مصير شعب وحكومة بيد ذات واحدة، وهي دكتاتورية وشمولية أخطر من توتاليتارية الحزب الواحد التي حكمت العراق نحو اربعة عقود.
القاسم المشترك و الجامع للشعب الكوردستاني يجب أن يكون الوطن والعلم و المنطق و التعامل علی أساس المواطنة بغض النظر عن الخلفية الدينية والمذهبية والقومية، حينها يمكننا أن نسير نحو السلام المجتمعي والتقدم المدني والرخاء الاقتصادي والتطور التكنولوجي.
في إقليم كوردستان هناك حق التظاهر و حرية التعبير عن الرأي وتنظيم المظاهرات والمسيرات السلمية مكفولة لكافة المواطنين وللأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية والنقابات المهنية في إطار النهج الديمقراطي، شريطة أن لا تتعارض مع مسودة الدستور وأحكام قانون تنظيم المظاهرات والمسيرات والقوانين النافذة. ففي كافة الدول المتقدمة هناك قانون يلزم على كل من أراد تنظيم مظاهرة أو مسيرة تشكيل لجنة تقوم بتقديم بلاغ إلى الجهة المختصة قبل وقت لا يقل عن "72" ساعة من تاريخ بدء المظاهرة أو المسيرة، على أن يكون البلاغ مكتوباً ومحدداً فيه تاريخ وتوقيت بدء المظاهرة أو المسيرة ومكان تجمعها وانطلاقها وخط سيرها وإنهائها وذكر أهدافها وأسبابها وإرفاق الشعارات التي سترفع خلالها، على سبيل الإحاطة والعلم وأن يكون البلاغ موقعاً عليه من اللجنة وموضحاً فيها أسماء رئيس وأعضاء اللجنة ومهنهم وعناوينهم، وفي حالة أن تكون الجهة الداعية حزباً سياسياً أو منظمة جماهيرية أو نقابة مهنية فيجب أن يكون البلاغ موقعاً عليه من الممثل القانوني للحزب أو المنظمة أو النقابة وممهوراً بختمها، بالإضافة إلى أسماء وتوقيعات اللجنة، وللجهة المختصة التحقق من صحة ما جاء في البلاغ المقدم إليها. و من غير ذلك سوف تكون أية مظاهرة أو مسيرة يتم تنظيمها أو الدعوة لها دون إتباع الإجراءات القانونية، والحصول على الموافقات اللازمة تعد محظورة بموجب القانون وسيخضع المخالفون لذلك للمساءلة القانونية.
مشاهد العنف أثبتت بأن المخلين بالأمن العام والسكينة العام لم يكن هدفهم التظاهرة ضد مقال منشور في صحيفة محلية يقال بأنه أساء الی الدين الاسلامي الحنيف، بل أرادوا أن يثبتوا بأنهم وحدهم من دون سواهم يملكون الحلول أو قادرين علی تنفيذها، كونهم أصحاب الوصاية الحصرية علی القضايا والقيم والهويات.
وختاماً نقول: "العقائد و الفرائض والأحكام هي لخدمة الحيان والناس والمجتمعات. و أما الذي يتماهی مع فكرة و يتعبّد لها لكي يطد ما عداها، فأنه لا يفعل سوی أن يحفر أسساً للإرهاب في الذهن و العقل."
د. سامان سوراني






112  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سيادة العقل التنويري أم الرضوخ الی سياسة التفرد في إدارة الحكم؟ في: 22:16 08/05/2012
سيادة العقل التنويري أم الرضوخ الی سياسة التفرد في إدارة الحكم؟

ما نعرفه من كتب التاريخ الفلسفي بأن جمهور المفكرين منذ عهد أرسطو كانوا "بنّائي نظام" لم يكفهم شرح إحدی نواحي الحياة أو العقل البشري، بل أرادوا وجوب تطابق الأشياء: الشمس والقمر والنجوم، الله و الشيطان، الأشجار والحيوان والإنسان و هكذا سيطرت أفكار بعضهم، كالقديس توما الاكويني (1226-1274) كـ"برج بابل" علی التفكير لألف و خمسمائة سنة. كان الاكويني رجل منطق بليغاً و عالماً نفسانياً متبحراً و متعمقاً في الثقافة الانسانية. و بعد وفاة هذه الشخصية العالمية بثلاثمائة سنة وبعد أرسطو بألفي سنة بدأت نقطة انطلاق جديدة في الفكر العلمي حيث برزت أسماء لامعة في فضاء العلم أمثال نقولا كوبرني، يوهانز كبلر، جاليليو جاليلي، و إسحاق نيوتن. و الاخير فتح في إكتشافه حساب التفاضل والتكامل و تطبيقه علی العلوم الطبيعية المستندة الی التجارب فتحاً جديداً. وهكذا لعب العقل التنويري فجأة دوره التاريخي و تمكن من السيطرة علی جميع العلوم و بناء فلسفة تنتج السياسة و الاخلاق التي تقود الی الاصلاح الاجتماعي. و يمكن اعتبار هذ‌ه الخطوة بأهم ظاهرة ارتقائية منذ أن انطلق الإنسان الجليدي من العصر الجليدي الثاني قبل ثلاثمائة الف سنة.
من خلال هذه المقدمة القصيرة المبسطة نريد أن نبين دور العقل البشري في تحول الإنسان من مخلوق ضعيف الی كائن جمهوري ليبرالي مؤمن بالفدرالية والتعددية الحزبية والديمقراطية الجذرية ينادي بسيادته علی أرضه و حقه في تقرير مصيره و يرفض الاحتفاظ به كذرة ضئيلة أو كشريك نائم.
لكن هيهات، فما نلمسه من قريب في العراق الجمهوري هو الترويج لفكرة الوصاية الفاشلة علی شؤون الكوردستانيين و حريتهم من قبل سياسيين يريدون أن يكون لهم حكم القائد الفرد الصمد الذي لا يأتيه الباطل و مثقفين جهلة من دعاة الفكر المتطرف والشمولي، عصبويين يرفضون استخدام مصطلح "إقليم كوردستان" لإعادة ما يحفظونه عن ظهر قلب و ما كان يستخدمه الطاغي صدام من تسمية، أي المصطلح المصبوغ بالصبغة البعثية، "شمالنا الحبيب".
ومن المعلوم بأن الحكومة العراقية تشكلت بعد مخاض عسير. و كانت للمبادرة التاريخية للسيد رئيس الاقليم و اتفاقية أربيل دوراً هاماً في تشكيلها و كنا نأمل بأن الحكومة الجديدة سوف تسعی الی الالتزام بالدستور أخيراً في كافة بنوده و خصوصا في ما يتعلق بالمواد التي تحدد صلاحيات السلطات الثالثة و استقلالية كل منها و تأخذ بعين الاعتبار، بأن السلطة الاتحادية تتشكل من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء و تحترم إرداة جميع مكونات الشعوب التي تعيش في إطار هذه الدولة الفدرالية، لإنهاء سياسة التفرد في ادارة الحكم وتسيير شؤون الدولة و تحزيب مرافق الدولة ومؤسساتها والهيمنة علی كافة الوزارات و الاجهزة الحساسة و تفعيل دور البرلمان بصفته السلطة التشريعية من دون التدخل في شؤونه و إيقاف تحويل المؤسسة العسكرية والأمنية إلى طرف في الصراع. ما نريده هو الكف عن لغة الاتهام والاستعداء علی الكوردستانيين و كسر منطق الانعزال والانكفاء، للتعاطي مع الازمات بلغة المبادرة والحوار والاجتراح و بمنطق الخلق والتحول للاندارج في الحاضر و المساهمة في بناء فكر عصري يدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرهم و يحافظ علی أسس الديمقراطية.
نحن لا نريد أن نقع في الفخ نفسه، فمحاولة إبدال المالكي بالجعفري، كما يتنبأ به البعض، ماهي إلا التنقل من دور نبوي الی دور آخر تتغيير معه المضامين مع الاحتفاظ بعقلية النخبة و نظام الولاية و منطق الوصاية. ما النفع من الدفاع عن فكرة التأله والتقديس الذي ينشر الشعوذة و يزرع الخراب و يولد من جديد البربرية في العراق.
إن لغة الصاروخ والـ F16  و المدفع والحشد المرصوص والجمهور الأعمی لن تصنع الحياة و لن تجلب الحرية و لن تغير الواقع العراقي نحو الاحسن، و هذا ما جربه العراق خلال أكثر من ثلاثة عقود حتی نهاية حكم الطاغي صدام.
لذا نقول لا وجود لحلول  ثابتة أو نهائية، فهي تخضع دوماً للمراجعة لإعادة صوغها و تركيبها، فلنفكر بطريقة حية و راهنة، لكي نساهم في فهم المستجدات و إدارة التحولات و قيادة المصائر.
و ختاماً: "من يشهر سيف الدفاع عن الهويات بعقلية القوقعة والمحافظة، يدافع عن تقليد عقيم، ليبرر مساؤه و أخطاءه و في النهاية لا يحقق سوی تدمير الحاضر و افتراس المستقبل."
د. سامان سوراني
113  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كوردستانية كركوك لا تُشَــوّه بزيارة استفزازية للسيد نوري المالكي في: 19:20 08/05/2012
كوردستانية كركوك لا تُشَــوّه بزيارة استفزازية للسيد نوري المالكي

في السابق قامت أنصار الفكر العروبي القوموي بتدليل المدينة الكوردستانية كركوك و تسميتها بالعراق المصغر، وذلك بسبب تواجد قوميات أخری كالأخوة التركمان والعرب الآشوريين و الأرمن فيها واليوم يزور رئيس الحكومة العراقية هذه المدينة ليكشف أوراق لعبة جديدة ويفتح جلسة مجلس الوزراء في مقر المحافظة، محذرا الكوردستانيين بأن المساس بهوية كركوك خطر يجب تفاديه ويعيد الوصف العروبي القديم للمدينة بقوله العراق المصغر و بيت العراقيين.
نقول لسيادته، من قام بنفي الآخر وحاول محو خصوصیته وقفز فوق کل القواعد والمعاییر والحدود، يريد بعمله هذا تدمير العراق وذلك من خلال إعادة نظرية أحادیة المرجع والقطب والرأي والصوت. زيارته هذه لا يفسر إلا كتعزيز للموقف العروبي وإحیاء لفكرة الشوفینیة، التي ما زالت قائمة في اذهان الكثيرين في الاوساط العربية ممن يديرون الان الحكم العراقي في صراعهم مع الفكر الديمقراطي والفيدرالي، تلك الفکرة التي تنص بأن کرکوك مدينة عروبیة عراقية. فهو لم يؤشر الی يومنا هذا في مناسبة ما الی عملیات الزور التي قام به الحكم الشمولي السابق عندما غیر حقائق تلك المدینة وبدّل إسمها الی "التأمیم" و لم یقف النظام السابق عند هذا الحد بل ابتدع أیضا الفكرة الجهنمية وقام بتغيير الهوية القومية للساکنین فیها و أراد حتی تعريب وجدانهم وعقولهم وضمائرهم. لماذا لا يقوم السيد نوري المالكي بإصدار أمر تغير أرقام السيارات، التي تحمل البقعة السوداء "التأميم" علی جبين هذه المدينة.
فالمجاهدة في سبیل إنکار کوردستانية کرکوك والإنشداد الی الوراء، بدلا من التوجه نحو الحاضر والراهن والمستقبل، بالسعي للخروج من المنطق الإختزالي و السجن العقلي و الحتمیة الأيديولوجية لا  تفيد كركوك و أهلها. لقد تعمدت حكومته عن سبق اصرار في تنفيذ الدستور والمادة 140 المتعلقة بالحل السلمي لقضیة کرکوك و أظهرت نياتها السيئة المبيتة الى العلن لتعقيد المسألة وسعت الی ترحيل هذا الموضوع الى اجندات اقليمية تعرف انها تقف في موقف العداء الكامل الصارم لكل أمر مرتبط بتلك القضية. نسألهم الی متی القفز فوق الاحداث و نفي المتغيّرات؟ 
وليعلم السيد المالكي بأن المكابرة و التهرب من المسؤولية و إنكار الحقائق الصارخة والترويج لجحيم الآلة العسكرية لا تورث سوی النزاعات الداخلیة والهزائم والمهالك للشعب العراقي.  و ان جلب وحدات من الجيش العراقي من مناطق خارج كوردستان بحجة حمايته خلال الزيارة وفرزها في مناطق من كركوك لا یزید من نار الأزمة إلّا اشتعالاً. .ولتعلم الأطراف التي تسعی في إحیاء علوم البعث بأن النظرة الشمولية العنصریة والشوفينية، عدوة الدیمقراطیة والفیدرالیة في العراق، ولّت عهدها وأن الإعتراف بحق آلآخر وبالفيدرالية والديمقراطية هي لغة العصر والحلول لا تقوم علی نفي الواقع في کرکوك.
و ختاماً نقول مع الاستاذ الكبيرعلي الوردي، الذي سطّر قبل أکثر من نصف قرن في ختام کتابه "مهزلة العقل البشري" بأن "الأفکار کالأسلحة تتبدل بتبدل الأیام والذي یرید أن یبقی علی آرائه العتیقة هو کمن یرید أن یحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شداد".
د. سامان سوراني


114  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المخيّلة الاستبدادية المتبقية و صناعة فلسفة العنف في العراق الفدرالي الديمقراطي في: 11:18 06/05/2012
المخيّلة الاستبدادية المتبقية و صناعة فلسفة العنف في العراق الفدرالي الديمقراطي

في ضوء المتغيرات الاخيرة بات من التبسيط و الاختزال و الخداع أن نشخص الأزمة السياسية الحالية بوصفها صراعاً شخصياً بين السيد مسعود بارزاني، رئيس اقليم كوردستان،  و رئيس الحكومة الفدرالية. إنها مشكلة المنطق الكوردستاني المعاصر مع محاولات السيد  نوري المالكي بفكره الاحادي المغلق لقيادة العراق نحو نظام شمولي يهيمن علی مختلف مناحي الحياة بفقه دغمائي ثبوتي و بعقلية اصطفائية نرجسية.
إن الذين يمارسون الوكالة علی القيم العامة و علی القضايا والحقوق، هم الذين يعملون علی تلغيمها و تدميرها بعقليتهم النخبوية الفوقية التي تقوم علی احتقار الآخرين بوصفهم قاصرين أو جهلة واعتبار أنفسهم يقومون بدور نبويّ، يتصرفون بوصفهم أولی من الناس بأنفسهم، أي بوصفهم المصطفی، الأحق و الأصدق و الأفضل. هؤلاء لا يريدون تحرير المجتمع وإنما يريدون حشود عمياء و أناساً يصفقون لهم و يقفون منهم موقف الثناء والتبجيل، أي انهم يريدون جماهير أو قطعان بشرية، لكي يمارسون الوصاية عليهم و يفكرون عنهم و يقودونهم و يستبدون بهم. هؤلاء لا يخرجون من عقلية المطابقة والمحافظة، فأفعالهم و خطبهم هي ثمرة ثقافتهم التي تولد الاستبداد بنماذجها و عقائدها و قيمها و رموزها. نقول تلك الثقافة التي لا تصنع سوی الطاغية و التي تسعی الی نقل شعار "الزعيم الأوحد" من مجال السياسة الی مجال الثقافة.
ومن البديهي بأنه‌ لا مجال بعد اليوم لإدارة العراق الفدرالي من دون المشاركة الحقيقية للأطراف المؤتلفة في الحكومة في صناعة القرار وابتكار صيغ الشراكة و التعايش السلمي و من دون نبذ العقلية الاصطفائية والنفسية المعطوبة والموبوءة.
فمن يخطط لمحاربة الکوردستانيين بقوة السلاح و بعقليات تلغمها الامبريالية الدينية و التهويمات اللاهوتية والولاءات العقائدية و الغيتوات الطائفية والمزاعم الطهرانية والمفاضلات العنصرية هدفه الاخير هو محاربة التعايش السلمي و محو أسس  الفدرالية  و رفض مبادیء الديمقراطية و هذا هو مكمن الأزمة، لأن وجود هذه العقلية و استمرارها تؤجج الصراعات و هي في نظرنا أخطر من الغزو والاحتلال وأسلحة الدمار الشامل.
ماهي الديمقراطية التي نأمل تطبيقها في العراق؟
يفسر البعض الديمقراطية بصيغة لإدارة الصراع فى المجتمع بوسائل سلمية، من خلال قواعد وأسس متفق عليها سلفًاً بين جميع أطراف العقد الاجتماعي، للعمل على تحقيق الصالح العام، وتضمن هذه الصيغة حسب التعريف المذكور تداول السلطة في الدولة، من خلال انتخابات حرة ونزيهة.
ومن المعلوم بأن إحدی الشروط اللازمة لبناء الدولة الديمقراطية، هو وجوب كون الشعب مصدر السلطات. و من أجل ولاية الشعب نفسه عليه تفويض سلطاته السيادية الی ممثلين عنه منتخبين عن طريق انتخابات حرة و نزيهة. و هذه‌ العملية بدورها تؤدي الی تداول السلطة. أما المساواة التامّة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس أو أي اعتبار ديني أو سياسي أو اجتماعي آخر فهو خير منهاج للوصول الی المواطنة الكاملة. و بهذه الشاكلة تتحول الدولة إلى مجموعة مؤسسات تحكم وتقف على مسافة واحدة من جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية. و الدستور الديمقراطي، الذي يتساوی أمامه و فيه جميع المواطنين، الحاكم منهم والمحكوم يجب أن يكون منبثقاً عن إرادة الاغلبية من المواطنين بما هي تعبير عن السيادة الشعبية  و تعديله يتم وفقًا لتطور حاجات الأجيال المتعاقبة. وفيما يخص إحترام الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين و احترام التعددية و الفصل التام بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية  فهذا أمر طبيعي، وذلك لبناء التوازن بينها، بأعطاء كل سلطة صلاحية ضبط السلطات الأخری و مراقبتها. ويجب أن تكون برامج الأحزاب السياسية التي تتنافس فيما بينها علی السلطة  واضحة. و لكي تكون مسألة تجذر الممارسة الديمقراطية في المجتمع ممكنا عليه‌ تفعيل و دعم منظمات المجتمع المدني للقيام بنشاطاتها في إطار الدستور.
ما يحتاجه العراق في الوقت الراهن هو العمل الجاد في سبيل خلق عدة فكرية جديدة و مغايرة، من مفرداتها التواضع الوجودي، التقی الفكري، سياسة الاعتراف بالحقوق الكاملة للكوردستانيين بما فيها حقهم في تقرير مصيرهم، البعد المتعدد، عقلية الشراكة الحقيقية و هويات هجينة و مفتوحة، بالاضافة الی فكر تركيبي و منهج وسطي و منطق تحويلي.  
و ختاماً نقول: "من يريد أن يمارس هويته علی نحو أغنی و أقوی و أفعل، فما عليه سوی توظيف تراثه و تراث سواه لتجديد هويته عند كل انعطاف تاريخي، أو تطور حضاري و ذلك لابتكار شيء خارق يساهم به في ورشة الحضارة القائمة."
د. سامان سوراني



115  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / مفهوم الدولة في الفكر الكوردستاني في: 20:00 03/05/2012
مفهوم الدولة في الفكر الكوردستاني

من المعلوم بأنّ مصدر القوة الحقيقية لأية دولة هو التناغم والتكامل والتوازن و ليس الخلط بين سلطة الدولة ومجتمعها المدني. و العلاقة بين السلطة والمجتمع يجب أن تكون قائمة علی القناعة والثقة والتفاعل الإيجابي الحر من أجل توفير الشفافية والمؤسسية والقانون. فالعمل من أجل إبعاد حال اللامبالاة و التهميش من نفوس الناس و زرع الأمل في بصائرهم ينّمي الإدراك بأن التحول و الرُقي ممكن وواقعي.
الدولة المدنية القائمة علی مبادئ القانون وخاصة في مجال السياسة و الاجتماع والاقتصاد تنجح من الناحية الإدارية.  فالتشريعات العصرية تستطيع حماية و تنظيم و تطوير حياة أفراد المجتمع ، ففي ظلها يشعر الفرد بالأمان في تعاملاته اليومية داخل إطار المجتمع. أما ضمان سيادة القانون فهي الأداة الحتمية لحرية الفرد و القاعدة الشرعية لممارسة السلطة و فلسفة المداولة في حياة الدول أمر ضروري فبدونها يغيب معنی الدولة. إذن (المداولة) هي روح الدولة وعمودها الفقري.
في إقليم كوردستان العراق هناك سعي متواصل من أجل الاستفادة من تجارب الأمم لوضع لبنات جديدة لعقد اجتماعي جديد يفسح المجال أمام شعوب كوردستان في بناء دولة المواطنة الحقّة.
فإذا أمعنا النظر في مسودة دستور كوردستان العراق ، التي هي حسب رأي الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عند طرحه فكرة "المواطنة الدستورية" أساس الدولة المدنية و أول مقومة من مقوماتها ، نری بأن مضامينها تؤكد علی عصمة الانتخابات في العملية السياسية و تحدد مهام و مسؤوليات الرئاسات الثلاثة. و هناك عمل دؤوب في سبيل تدرج القواعد القانونية ، بدأً من القاعدة الدستورية و إنتهاءاً الی القرار الفردي الصادر من سلطة ادارية دنيا و هكذا تتقيد القاعدة القانونية الدنيا بالقاعدة العليا من دون تعارض. أما السلطة فهي في طريقها الی الخضوع التام للقانون ، لكي لا تتخذ بدورها إجراءً أو قراراً إداريا أو عملاً مادياً إلا بمقتضى القانون. وهناك اعتراف بالحقوق والحريات الفردية ، فهذا الاعتراف هو ضمان لتمتع الأفراد بحرياتهم العامة وحقوقهم الفردية. إن مبدأ فصل السلطات في الاقليم هو السند المتين لمنع ظهور الاستبداد وضمانة أساسية و فعالة لحماية حقوق الافراد و حرياتهم و خضوع الدولة نفسها للقانون. و بفضل الرقابة القضائية القائمة علی نظم قانونية معاصرة تعطی للأفراد سلاح  يستطيعون بمقتضاه اللجوء الی جهة مستقلة لإلغاء أو تعديل إجراءات متخذة من قبل السلطة العامة المخالفة للقواعد القانونية النافذة. و في الاقليم نری بأن الحکومة قطعت أشواطا نحو تطبيق النظام الديمقراطي ، فللمواطنين الحق في اختيار حاکمهم أو عزله عن طريق عدم انتخابه ، تلك هي مقومات وضمانات الدولة المدنية المعاصرة. أما الاستقرار الأمني فهو السبب الرئيسي في الازدهار الاقتصادي في كوردستان. و ما يفرحنا هو جدية الحکومة الجديدة في أعطاء دور أكبر للنخب المتعلمة في معاهد وجامعات الدول المتقدمة للتأثير في عملية انتقال القيم والمعايير ، وفي تطبيق سياسة قلع جذور البيروقراطية الإدارية والفساد المالي والإداري ، التي إن بقت تبقی عائقا أمام عملية التقدم والازدهار.
فمن الضروري التأكيد علی أن مفهوم الدَّولة في الفكر الكوردستاني تعدّ اليوم تجسيداً لإرادة المواطنين في إطار متساوٍ من الحقوق والواجبات ، أساسه العدالة الاجتماعية والسياسية.
ومن الواضح بأن اقليم كوردستان أمام تحديات آنية و مستقبلية  أکثر تعقيدا من تحديات الماضي ، لأن العصر الذي نلج فيه، کما يراه بعض الفلاسفة لا يُبقي شيئاّ كما هو عليه، لا الدين ولا الحداثة، لا المجتمع و لا الدولة، لا الاصولي و لا العلماني، لا الإسلامي و لا اليساري، لا الداعية و لا المثقف ولا يمکن البقاء بعيدا عن ثورة العلم والتكنولوجيا والاتصال والمعلوماتية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فكل شيء، أكان ذاتاً أم فعلاً، يحتاج في مفهومه و معناه الی أن يوضع علی طاولة الدرس و التشريح، من أجل إعادة التجميع والتركيب أو التوظيف والتشغيل. و بوجود مبعوثين و دبلوماسيين لأکثر من عشرين دولة في الاقليم بالإضافة الی المستثمرين الكبار بجنسيات مختلفة  لا نری الفصل الكبير بين الداخل و الخارج و من البديهي بأن العولمة الزاحفة لن تترك أحدا خارجها إلا للتهميش.
إذن ما نستنتجه هو أنّ مفهوم الدولة قد تبلور في اقليم كوردستان بعد استناده الی تداول السلطة و المساهمة الفعالة في التنمية بفعل ممارسة الحكم الرشيد و الانفتاح على التواصل الإنساني الدولي.
وختاماً نقول: "من يقف ضد مفهوم الدولة في الفكر الكوردستاني يفتقر الی المصداقية والمشروعية والفاعلية في ما يرفعه من الشعارات، إذ هو لا يحسن سوی طعن الديمقراطية ولا ينجح في الاسهام الايجابي في الحداثة، فضلاً عن كونه أبعد ما يكون عن العالمية."
د. سامان سوراني



 
116  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سقوط أوراق المالكي في فصل الربيع السياسي في: 18:46 02/05/2012
سقوط أوراق المالكي في فصل الربيع السياسي

تشكل المواقف الدغمائية المتتالية والمتاريس العقائدية والعقلية الأحادية والنخبوية للسيد نوري المالكي ولادة عهد جديد من الازمات في الحلقة المفرغة من العراق الحديث.
فمحاولات رئيس الحکومة الحالية و القائد العام للقوات المسلحة العراقية و وزير الدفاع والداخلية و رئيس المخابرات ما هي إلا سعيه لاحتكار  السلطة  و الحقيقة والرأي ، بعد أن أنطوی سيادته علی ذاته و أنسب اليها كل الفضائل والقدسية و بعد هجومه علی الآخرين و إنكاره لفضائلهم و في النهاية يلجأ لاستخدام العنف بأشكاله المتعددة لفرض أفكاره و معتقداته على الآخرين لانقياد الاستدلال الی العقم والسقم و قيادة العراق بعد خلاصه قبل مدة وجيزة من نير الاستبداد نحو الهاوية و إدغامه أو تسکينه في الديكتاتوريات الظالمة المتبقية في المنطقة. هذا الاسلوب السياسي الخاطئ و الترف الفكري و التفكير السطحي و الآني بعقله الضرير لا يولّد سوی واقع سيء ومرير.
فهو لا يعترف بما هو عليه أو فيه لكي يتعرف إلی نفسه ويشخص واقع العراق. هل هو قادر حقاً علی إحداث تغيير في مجری العراق الراهن ، حيث الأزمات تصنع أعطالها و كوارثها، وحيث الفكر الطائفي والقوموي لدی "دولة القانون" يولد أمراضه الخطيرة والفتاكة؟
من الواضح بأن الفلسفة السياسية هي إحدى المحاور الأساسية لموضوعات الفكر السياسي ، إذ تقوم بتعريف القانون وتحاول تحديد واجبات المواطن تجاه حكومته الشرعية ، إن كانت تحكمه حكومة شرعية.
نقوله‌ للمرة الالف بأن محاولات المالكي لقمع او الاستيلاء على المؤسسات المفروض ان تكون مستقلة ، كمفوضيتي الانتخابات والنزاهة والمصرف المركزي و نواياه الخفية يمكن تسميتها بسيف بتار لنحر فلسفة العيش المشترك و قلع جذور الدستور اليانع. لماذا الإنهاض بالحكم الشمولي و جعل العراقيين يعيشون مرة أخری في مستنقع التخلف تحت ظلم الذين يريدون تسمية العراق باسمهم لامتلاكه كمالك المُلك؟
إن الطغيان الأمني علی الدولة والمجتمع والناس لإلغاء الحيز العام والمداولة العلنية والمحاججة العقلانية و هدر الأموال ونهب الثروات وضرب مشاريع الإنماء بشراء طائرات الـ F16 وإعلان نوايا غير سليمة ، كالتخطيط خلف أبواب مؤصدة وفي اجتماعات سرية للضباط العسكريين لحرب ضد الكوردستانيين و التيارات العلمانية يجعل من العناوين الكبيرة المتعلقة بالديمقراطية و الفدرالية و حقوق الانسان والمجتمع المدني أسماء خاوية جوفاء.
الجهات الخارجية التي تغذي المشاكل المتواجدة وفقاً لمصالحها الاستراتيجية لا تنجح إن لم تكن هناك أيادي داخلية تساعدهم في توطين الدين في دولة السياسة والقانون لتحقيق مصالح وغايات آنية بعيدة عن الاهداف والمصالح العامة التي تخدم الوطن والشعب.
نقول، من يجعل من قبول الارتباط بالموروث السياسي والثقافي الديني بأي شكل كان حتى ولو كان بالشكل السلبي و تقليد الاصوليات الدينية والسياسية الحاکمة و الإهتمام الكبير بمسألة (الأنا) ورفض (الآخر)، الذي يعيق فتح بوابة العقل على آفاق الفكر الرحيب و يسد الطريق علی العيش المشترك ويقبل أن يكون جندياً حجرياً يحرك دون إرادة منه على رقعة مذهبه الشطرنجية لا يفهم من النهوض سوی السقوط فكيف بالحضارة والتقدم في هذا العالم المعولم. 
ومن يريد أن يجعل من تاريخ النشاطات السياسية لبعض الأحزاب العراقية وبالأخص الكوردستانية منها ، التي لعبت دوراً تاريخاً نضالياً مشهوداً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بمقاومتهم الديکتاتورية و رفضهم الاستبداد في العراق ، رغم ملاحقة منتسبیهم وأعتقالهم أو أعدامهم وتشريدهم ، يرفض إشاعة فلسفة الديمقراطية و يساهم بشكل غير إيجابي في نشر راية امبريالية المعنی وديكتاتورية الحقيقة تحت طائلة عبادة الأصول وأحادية النمط والنماذج.
في هذا الزمن الكوكبي يجب العمل للتغير و إعادة التركيب لفتح آفاق بشرية جديدة ، من سماتها الاختلاط والهجنة والهويات المركبة ، لكن من يهاجم العقلانية في خطاباته التعبوية دفاعا عن مصالحه الفئوية يهدم مساحات و صيغ و قواعد التعايش السلمي ولا يری في التبادل السلمي للسلطة منهجا لعمله السياسي و ذلك من أجل تفعيل العدالة الاجتماعية والعدالة والمساواة.
القادة الكوردستانيون وعلی رأسهم السيد رئيس الاقليم مسعود البارزاني يسعون من خلال مبادراتهم الوطنية و محاولاتهم الجدية في إيقاف عجلة السلطة في بغداد  والتي تحمل في طياتها معالم الدكتاتورية.  وما عملهم نحو صياغة بديل موضوعي للمالكي إلا دليل آخر علی مشاركتهم الفعالة في بناء عراق فدرالي تعددي ملتزم بالدستور و اتفاقية أربيل و جاد في تطبيق المادة 140 ، التي طال انتظار الشعب الكوردستاني لتنفيذها باعتبارها جزءاً من الحقوق الدستورية بفضحهم المنزع العنصري. ذلك المنزع الذي يعمل أصحابه بعقلية التمييز والفرز أو التطهير والتصفية من حيث العلاقة مع المختلف والآخر.
القيادة الكوردستانية تساهم بصورة ايجابية في الحفاظ علی بنود الدستور و تحقيق التلاحم المجتمعي و إنهاء دوامة العنف في المشهد السیاسي العراقي .
إن الاقتصار علی الوصفات الجاهزة المجربة لا يقود العراق نحو بناء الدولة الحديثة و لا الی الازدهار و الفكر الطائفي العروبي لدی المسئول الأول في دولة القانون يولد أمراضه الخطيرة والفتاكة سواء اليوم أو في المستقبل القريب ، لذا نتنبأ سقوط أوراق المالكي وذبولها في فصل الربيع السياسي.
و ختاماً نقول "من يتعامل مع الديمقراطية والفدرالية بعقل أحادي هو كمن يقوم بالجزم بعقل أصولي أقنومي ، مآل عمله هو المزيد من الفوضى والفشل والإفلاس والخراب وتاريخ العراق القريب شاهد علی ما نقوله."
د. سامان سوراني


117  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / قيام دولة كوردستان وسط سخط المعارضين في: 11:04 27/03/2012
قيام دولة كوردستان وسط سخط المعارضين

من المعلوم بأن التواصل في عصر التحولات المتسارعة والطفرات المفاجئة في المعلومات والمعطيات يصنع الحضور، وأن الحداثة هي جهد و اجتهاد، مراكمة و تكديس، عمل و مراس، صناعة وتحويل، بناء و تركيب، علی نحو متواصل و بصورة نتغير بها بتغيير صورتنا عن أنفسنا وعن العالم، عبر المشاركة في ورشة الخلق والإنتاج.
فبعد أن نشر قبل فترة وجيزة مقالات لي حول موضوع "إعلان دولة كوردستان" و "الهوية الكوردستانية"، وصلني مجموعة غير قليلة من رسائل الکترونية تحمل في طياتها هجمات كلامية غير متحضرة علی الشعب الكوردستاني والقيادة الكوردستانية و أفكار عقيمة ذو تفسير أحادي لدعاة و حملة الشعارات وأصحاب المشاريع الإصطفائية، التي يشتغل أصحابها الی اليوم بمنطق التكفير والتخوين و بعقلية النبذ والاستبعاد والإلغاء. أسأل نفسي، ما النفع من نفخ شعارات في الديمقراطية و الفدرالية و الدولة الاتحادية، إذا كانت هناك قوی سياسية تفكر بعقلية النخبة والوصاية وإحتكار القيم و تحلّل في الدستور ما تنفعه و تحرّم فيه ما تنفع الجماهير الكوردستانية، التي هضمت حقوقها الشرعية إبان الحکم الديکتاتوري القسري والتي تسعی اليوم في إسترداد حقوقها الشرعية بأسلوب متحضر بعيد عن طرق تدمير صيغ التعايش بين الناس.
المحاولات الفاشلة في بغداد من قبل دعاة وحماة العراق العروبي، الذين سقطوا في إمتحانات العلوم والمعارف الحديثة، و أسلمة الحياة فيه لإستعادة ما لا يمكن إستعادته لا تجلب معها إلا فقراً و تخلفاً أو هذياناً و شعوذةً و ظلاماً و إرهاباً. الذين تعاملوا في السابق مع هوياتهم کعصاب أو كقوقعة أو كفخ، دمروا صيغ التعايش بين الكوردستانيين و بينهم بقدر ما نصبوا الحواجز الرمزية والمادية بين دوائر المكونات الأساسية في العراق، فوقعوا في النهاية فريسة ثوابتهم البائدة وأوهامهم الخادعة. فبعد سقوط الطاغية عام 2003 کان هناك فرصة ذهبية أمام القوی، التي تتربع اليوم علی عرش رئاسة الحكومة و سيطرتها الشبه مطلقة على المؤسسات الأمنية والعسكرية، لتقوم بمشاريع الإصلاح والتحديث و لتمارس الإعتراف بالآخر دستورياً بمعنی التداول والتبادل مع من كان مستبعد سياسياً أو ثقافياً أو حتی معرفياً و االإهتمام بمفاهيم كونية، أي الحرية والديموقراطية، لكن هذه القوی بنظرتها الطوباوية الفردوسية ولّدت عکس ذلك تماماً، أي المزيد من الاستقصاء و التفاضل والصطفاء والاستبعاد و التحامل علناً علی الكوردستانيين و العجز في تحقيق الحرية والعدالة، و هي اليوم تدعم الأنماط الثورية الإيديولوجية القائمة على نظرية القائد المنقذ.
هؤلاء لا يعترفون بأن ثمة منظومة إيديولوجية قومية إنهارت مع سقوط أوراق التين في بغداد بمسلماتها الثابة و أطرها النظرية وآلياتها العملية- کأنفلة الكوردستانيين و حرق قراهم و قصف مدنهم- بقدر ما فقدت مصداقيتها، بساساتها و أمناءها و قممها، بجنرالاتها و إعلامييها، بمفكريها و نظرياتهم المتهافتة، فضلا عن مثقفيها القاصرين والمذعورين من التحولات الثقافية العالمية، و سائر رموزها، الذين غرقوا في وهم المارد "صدام" بحجة الدفاع عن الحدود الشرقية من "الوطن العربي" أو "رسالة العرب الخالدة" و "كرامة الأمة العربية".
نقول  لا يمكن لهم مواجهة المستجدات، التي هي نتاج العولمة "وليبراليتها الجديدة" بعدة قديمة، لذا نری لزاماً علی الكوردستانيين أن يرسموا مجالهم الجيوسياسي بأنفسهم و لا يخافون في قيام دولتهم كوردستان لومة لائم.
وختاماً نقول: "إن لغة الصاروخ وطائرات F16 و المدفع والحشد المليوني المرصوص والجمهور الأعمی لن تصنع حياة ولن تجلب حرية ولن تغير واقعاً نحو الأحسن ولم تصنع إصلاحاً أو تجديداً أو تقدماً أو إزدهاراً."
د. سامان سوراني
 


118  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / التداعيات السلبية لقمة بغداد العربية علی إقليم كوردستان في: 15:06 14/03/2012
التداعيات السلبية لقمة بغداد العربية علی إقليم كوردستان

من المقرر انعقاد القمة العربية في التاسع والعشرين من مارس الحالي في مدينة بغداد بحضور القادة العرب، يسبق ذلك اجتماع لوزراء الخارجية يوم 28 واجتماع لوزراء الاقتصاد والتجارة يوم 27 من الشهر ذاته، من جهة أخری نری تحركات رئيس الحكومة السيد نوري المالكي من أجل العودة العربية للعراق بإعتبار نجاح القمة يجلب له مكاسب سياسية  و نصراً شخصياً و محاولة بائسة للتزلف للعرب وإثبات عدم صحة شطب عروبة العراق للإستمرار في ممارساته الإقصائية والتهميشية واحتكار السلطة و الإستمرار في سياسة التنصل لحكومته من وعودها فيما يخص اتفاقية أربيل و المماطلة في تنفيذ بنود المادة 140 من الدستور الفدرالي للعراق و إن أمكن إلغاءها و اللعب بقانون النفط والغاز و السعي لإيقاف فكرة بناء أقاليم فدرالية و الإدارة اللامرکزية لتعزيز و تكبير دور نظريته في مركزية الحکم و کذلك العمل من أجل إنقاذ نظام الحكم الدموي الطائفي في سوريا، الذي يدعم بشكل أو بآخر من قبل جمهورية إيران الإسلامية  و حكومته، إضافة الی النظر بعين الريبة والشك الى إقليم كوردستان. لكن السؤال هو، هل تكون هذه المحاولات على حساب الكوردستانيين او ضد مصالحهم؟
أن حکومة اقليم كوردستان ليست ضد الجهود العراقية من أجل الإنفتاح علی العالم العربي و أن إقليم كوردستان حريص على التاكيد على الدستور الاتحادي، الذي يقول بأن العراق بلد متعدد القوميات والاديان، وهو الضامن لحقوقهم ولن يقبل بتراجع حقوقه الدستورية. و لقد أصبح الكوردستانيين بعد سقوط النظام الديکتاتوري المرکزي والقمعي رقماً أساسياً في معادلة توزيع القوة والسلطة في العراق الجديد و هذا ما شاهدناه من خلال مبادرة السيد مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان في إيجاد مخرج لأزمة تعطيل تشكيل الحكومة العراقية التي ارتكزت علی ثلاثة مبادئ أساسية، التوافق والتوازن والشراكة، من خلال الدعوة إلی تشكيل حكومة شراكة وطنية حقيقية و تعزيز التجربة الديمقراطية ومنع التفرد بالسلطة. لكن لو سلطنا الضوء علی مستقبل إقليم كوردستان و المشاكل العالقة و الخلافات المتجذرة بين الإقليم و الحكومة الإتحادية نری لزاماً ذكر الجهود التي تبذل من قبل القيادة الكوردستانية في دهاليز السياسة الرامية الی تحقيق ما يمكن تحقيقه من حقوقهم المشروعة التي طالما حمل القائد التاريخي البارزاني الخالد السلاح من أجله. صحيح بأن السياسة هي فن الممكنات، لكن ماذا لو جاءت نتائج هذه القمة سلبية علی الكوردستانيين و كانت من أولويات عمل القمة هو التعاون مع حکومة المالكي لتقليص دورهم و افشال تجربتهم في الديموقراطية؟
هل أن إستقرار الأوضاع في العراق وإستعادته لقوته سينعكس سلباً على حقوق ومصالح الكورد؟
في السابق کانت حکومة بغداد دوماً تتنكر لوعودها بمجرد إمساكها بمفاتيح ومفاصل السلطة والقوة، بعد إستقرار الأوضاع السياسية والعسكرية والأمنية لصالحها، لتبدأ مرحلة جديدة من إنكار حقوق الشعب الكوردستاني.
ما نراه هو أن  السيد المالكي لا يكفّ عن إدّعاءات التيقّن والقبض والحكم في مسار التاريخ الرجعي في العراق و محاولات لاحتكار المشروعية العليا، إنها ثقافة مضادة للديمقراطية والسياسة. فنراه اليوم يتعامل بنفس المنطق واللامسؤولية مع الجانب الكوردستاني و يلتف على إتفاقية أربيل ويتهرب منها، بعد أن سيطر على مراكز السلطة والقوة المتمثلة بوزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني و يسمی علناً و بلغة تهديد مبطن دستور كوردستان مشروعاً للإنفصال و ينوي إلغاء بعض المواد الدستورية التي سمّاه "ألغاماً بدأت تنفجر".
علينا أن نحسن قراءة المجريات و تشخيص الواقع الراهن في العراق والمنطقة. السؤال هو، هل بإمكان المشارکين في القمة بناء هندسة اجتماعية تحقق قدراً من الآمال بإقامة مجتمع السلام والعدالة والرفاه؟
فالعدالة لا تطبّق والحقوق لا تحترم من غير اعتراف متبادل يتجاوز مفهوم التسامح الخادع الذي يلغّم الوحدات والهويات. 
وما علی الكوردستانيين، الذين هم صاحب قضية عادلة، إلا توحيد كلمتهم وصفهم وتحديد أهدفهم. أما حكومة الاقليم فعلیها طرح موضوع حق الشعب الكوردستاني في تقرير المصير على بالمجلس الوطني في أقليم كوردستان، و ذلك لرسم خارطة طريق واضحة ومتكاملة من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود. وعلیه القيام بإستفتاء جماهيري شامل في كافة مناطق الأقليم، بضمنها المناطق المستقطعة، و إن أمكن بإشراف منظمات دولية من الأمم المتحدة ، وبتغطية حية ومباشرة من قبل وسائل الإعلام المحلية والأقليمية والعربية والعالمية، وإني واثق كل الوثوق بأن قرار الشعب الكوردستاني سوف يكون لصالح إقامة دولة كوردستانية مستقلة. 
وختاماً نقول: " ان الرهان السياسي على حصان خاسر يقود المراهن الى الافلاس السياسي."
د. سامان سوراني
119  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق بين ألحان المالكي و نشيد الوحدة الوطنية المزوّرة في: 15:40 20/02/2012
العراق بين ألحان المالكي و نشيد الوحدة الوطنية المزوّرة

من المعلوم بأن الوحدة، مهما كان نوعها و شكلها، يجب أن تأتي خلال حكومة تؤمن بالديمقراطية الفعلية بحيث يستطيع الشعب في ظلها أن يجتمع. الوحدة هي عقد تاريخي، ثقافي، أخلاقي و قيمي، ترتفع في ظله قيمة المواطن، وتتعزز فيه قيمة الوطن.
وهناك جدلية تقول، لا يـمکن أن يكون المواطن عزيز و كريم في بلد ضعيف و لا يمکن لوطن أن يكون قوي، منيع وسديد و مواطنه مقموع، مضطهد و مستبعد و مهمش.
الخطب المؤدلجة والشعارات المستهلكة، والمفردات التي تستخدم من قبل السياسيين القوميين الإسلاميين، مثل ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية و العمل من أجل وحدة الصف الوطني و كسر يد إرادات خارجية لا تقلل من الأزمة الحقيقية و لا تخفف من حدة المعارك الفاصلة، التي سوف تنجم بسبب الأزمات السياسية، إن لم يكن هناك استعداد داخلي و عميق للتعاون في ارساء دعائم العملية السياسية وترسيخ البناء الديمقراطي في ظل مصالحة وطنية حقيقية والعودة إلى أسس التوازن في المؤسسات الحكومية من خلال الالتزام بالشراكة الحقيقية بشكل يضمن حق كل طرف حسب استحقاقاته  والأخذ ببنود اتفاقية اربيل، التي على أساسها تشكلت الحكومة، و كيفية تحقيق الشراكة الحقيقية في صنع القرار والعمل الجدي لحل المشاكل العالقة بين بغداد واقليم كوردستان و وتفعيل دور السلطات التشريعية والتنفيذية وفق المبادئ الدستورية.
صحيح بأن التحقيق الفعلي والكلي والشامل للعدالة في الحدود الانسانية الممكنة يستلزم وجود المؤسسات القادرة علی رسم تلك السياسات وضمان تنفيذها وإصدار تلك التشريعات و الحرص علی تطبيقها. فالمؤسسات السياسية هي المسؤول الأول والأخير عن واقع العدالة في حيال الأفراد والمجتمعات في حالتي السلب والايجاب، لكن إشهار السيف للدفاع عن الهويات بعقلية القوقعة والمحافظة، هو في الحقيقة الدفاع عن أسوأ التقاليد و أكثرها عمقاً، لتبرير المساویء والأخطاء، وهكذا لا يمكن تحقيق التنمية أو تغير الواقع والمآل هو التراجع و إنتهاك الإدعاءات و تدمير الحاضر و إفتراس المستقبل.
إن قيام الديمقراطية وتطبيقها يعنيان أولاً و قبل كل شيء إعتراف كل قوة من القوی المجتمعية بحقوق القوی الأخری و حرياتها و أدوارها الإجتماعية والسياسية و أن غياب التعددية الفكرية والثقافية والسياسية يعطل أية محاولة أو إمكانية لإنتاج ثقافة عصرية عقلانية حديثة، تختلف في مبادئها وأهدافها ووسائلها، لكنها تتفق علی مصلحة الشعب و إحترام حقوق المكونات المختلفة.
علی رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، والذين يتصدرون المشهد السياسي في العراق الفدرالي أن يعرفوا بأن الوحدة الوطنية طوعية لا تفرض بالقوة وأن عهد تعبئة الحشود الهائجة والجموع الموتورة من قبل قادة ملهمين ونماذج نضالية، التي قضت أعمارها وراء وعود مستحيلة وقضايا خاسرة، و قسمة العالم قسمة مانوية حاسمة الی معسكرين، الخير والشر، الحضارة والبربرية و التصدي لقيادة الدولة بعقل إنفرادي إمبراطوري عسكري، لإنتاج مزيد من الصراعات الطاحنة و الحروب المدمرة، قد ولّی الی غير رجعة.     
ومن المعلوم بأن لا إدارة و لا تدبير من دون تغيير يطال أطر النظر أو وسائل العمل بوجه من الوجوه، سواء تعلق الأمر بالإصلاح و النهوض أو بالتحديث والتطوير.
فما يحتاجه العراق لبناء مجتمع مفتوح و مزدهر، متقدم و صاعد هو تفكيك الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي، أي الطبيعة النوعية للشيء كأمر ثابت يتصف بالكلية والعموم، و العمل علی خلق لغة مشتركة أو وسط للمداولة أو مساحة للمبادلة في هذا المجال أو ذاك و ذلك باحياء النصوص الدستورية المهملة حالياً للخروج من عنق الزجاجة و جعل الحياة في هذه البقعة المليئة بالخلافات المبنية علی أسس الطائفية وامبراطورية المذاهب والعقل القوموي العروبي أقل بؤساً و فقراً و أقل توتراً و عنفاً و التخلي عن ادعاءات التأله والقبض، التي تحيل الشعارات الی تنانين فكرية تولد الاستبداد والفساد و تنتج التوحش والخراب.
لابد للنجاح الی شعب واعي يؤمن بالديمقراطية الأفقية. فالإنتاج المعرفي لم يعد محصورا ببلد أو بهوية ثقافية، ولم يعد حكرا علی الغربيين وما يحتاجه المجتمع العراقي هو علماء و فلاسفة ينتجون معارف حول العالم و أناس ينخرطون في ورشة الانتاج المعرفي و ينتجوا أفكاراً عابرة للقارات والثقافات، ولا مثقفين يلّفقون النظريات المزّيفة أو يفبركون الاحلام المستحيلة، لحصد مزيد من الخسائر والكوارث.
و ختاماً: "من يعمل اليوم، سواء نجح أم أخفق، يصبح تحت نظر العالم، لذا فإن عمله يكون محل التقدير والتقييم، بقدر ما يعني جميع الناس في هذا الزمن المعولم."

د. سامان سوراني
 


   

120  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / میر بصري وکتابه أعلام الکورد في: 09:43 15/02/2012
میر بصري وکتابه أعلام الکورد

صَدَرَ الأديب والشاعر والخبير الاقتصادي میر بصري، الذي ولد عام 1911 لعائلة يهودية عراقية في بغداد عام 1991 کتاباً تحت عنوان أعلام الکُورد، وهي عبارة عن سیرة لمجموعة غیر قلیلة من شخصیات کوردیة ترکت بصماتها في تاریخ الکورد السیاسي والإجتماعي والأدبي وقراءات في التاریخ الکوردي ومعالم کوردستان العراق. وتطرق المؤلف الى مواضيع سياسية شائكة في التاريخ المعاصر وكان اميناً في بحثه وبعيداً عن الاستنقاء.
فعلى سبيل المثال قدم في هذا الكتاب لمحات عن الشعب الکوردي وإمارة آل بابان، ذاکراً فیه أیضاً مؤتمر القاهرة، الذي عُقد في شهر آذار (مارس) عام 1921 برئاسة وزیر المستعمرات البریطاني ونستن تشرسل لتسویة قضایا الشرق الأوسط.
وهنا یذکر المؤرخ میر بصري (أنظر الی الصفحة 37 من الکتاب المذکور) إقتراح المیجر هیوبرت یانغ، الذي کان موظفاً في دائرة الشرق الأوسط بوزارة المستعمرات، إنشاء دولة کوردیة في "المناطق التي یسکنها الكورد، وهي کرکوك والسلیمانیة وبعض أقضیة الموصل الشمالیة" فوراً تحت إشراف المندوب السامي المباشر، دون أن تکون تابعة للحکومة العراقیة. هذه‌ الفکرة لاقت أیضا تأیید المیجر نوئل، الذي خدم في کوردستان وکان هذا الأخیر یعد أکثر الموظفین البریطانیین إطلاعا علی الشؤون الکوردیة.
هذا المؤرخ لم يترك شخصية عراقية إلاّ ودونها في كتبه الكثيرة، فقد أرشف حياة زهاء ألف شخصية عراقية، ما بين فنان وسياسي وأديب ومؤرخ ودبلوماسي ورجل دين وفقيه وصحفي. يمكن اعتبار كتبه الكثيرة القيّمة، التي ما زالت تحظى باهتمام من قبل العديد من القراء العراقيين، كنز من كنوز التراث التاريخي والسياسي في دولة مصنعة كالعراق. كان مير بصري غوًاص طويل النفس يغوص في قعر البحار ويقيم فيها لينتزع منها الدرًر المكنونة واللآليء  الفريدة.   
لقد بقي میر بصري المتخصص في الثقافة والتاريخ والأدب والسياسة العراقية والمعرفة العامة مخلصاً علی وفائه لوطنه وعلى انسانيته وعلى تفانــيه من أجل خدمة الحقيقة والكلمة. وعراق الیوم، بعد كل ما واجهه من حروب ودمار، بحاجة ماسة الی رموز ثقافیة أمثال میر بصري ليحققه ويوثق تراجم شخصياته، إن هذا المثقف المبدع أغنی الثقافة العراقية بعطائه المميز وقام بنشر ثقافة إنسانية حضارية جديدة، ثقافة التآخي والتضامن والتعاون.
وعلی الکورد والعرب وجميع العراقيين تکریم وإستذکار میر بصري إستذکاراً يُليق بما قدمته أنامله الإنسانیة الأصيلة.
د. سامان سوراني

121  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / نشأة الدولة الكوردستانية وفلسفة المواطنة المعاصرة في: 16:54 09/02/2012
نشأة الدولة الكوردستانية وفلسفة المواطنة المعاصرة

إن مفهوم المواطنة يحتلّ مكانة مركزيّة في الفلسفة السياسية وهو يمثّل مدار تحليلات الفكر الفلسفي السياسي قديماً و حديثاً، فهي الحق في اكتساب الحقوق. والمواطنة تعني أيضاً المشاركة في الوطن، على أسس الحرية والمساواة والتكافؤ.  أما المواطن فهو عضو في مجتمع يحمل هويته ويكن له الولاء وله حق المشاركة السياسية في إدارة الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ويتمتع بالحقوق المدنية التي يكفلها له القانون. و من أهم حقوقه هو حق طلب الحماية والدفاع عن حياته وممتلكاته الخاصة. فهل هذا الحق مضمون للمواطن الكوردي في العراق؟
ما نشاهده في إقليم كوردستان هو الجهود التي تبذل من قبل الحکومة الكوردستانية و القيادة الحكيمة الواعية لبناء علاقة إيجابية و متينة بینها و بين المجتمع الكوردستاني، لأنها تعلم بأن الشعب مصدر مهم للسلطة وشريك كامل في تقرير السياسات العامة عبر ممثليه المنتخبين في المجلس الوطني للإقليم. والهدف من هذا هو خدمة المجتمع الكوردستاني وصيانة مصالحه والارتقاء بمستوى معيشته، وضمان كرامة أفراده وعزتهم ومستقبل أبنائهم، الذين نالوا في عهود الجمهوريات العسكرية جور الحکومات المستبدة وإن رضا الشعب الكوردستاني هو الحجر الأساس لشرعية السلطة.
الشعب الكوردستاني إذ يبرهن اليوم علانية، وبصورة عملية، على نطاق واسع تأييده الحاسم لبناء الدولة بالطرق السلمية الأرقى والأنبل والتي تتوافق مع بنود الدستور العراقي، وهو يدعم اليوم حكومته، التي تعمل بشكل مدني ديمقراطي و تسعی من أجل التعددية، لأنه يعلم بأن نشأة الدولة نتيجة لميثاق و تعاقد إداري حر بين الأفراد، تتم بمقتضاه تنازله عن بعض حقوقه الطبيعية و حريته المطلقة مقابل تحقيق الأمن و استقرارهم و ضمان المعيشة له و لأبناءه.
إن شبح التغيير يحوم في أيامنا هذه في سماء الشرق الأوسط و علی الحكومة الاتحادية وأحزابها السياسية الكبيرة، الماسكة بخيوط السلطة الأخذ بالتجربة الكوردستانية و مراجعة نفسها و برامجها و وهوياتها الفكرية والسياسية بشكل جذري، كي تصل الی محصلة تكمن في طياتها الاستعداد الحقيقي لتلبية استحقاقات المرحلة المقبلة و البحث عن آليات جديدة، ذكية ومسؤولة وواسعة الأفق، تتلاءم مع المرحلة التي يعيشه العراق، وتبتعد من المشروع العروبي الشوفيني، الذي بدأه نظام البعث الفاشي في الستينيات من القرن الماضي. ذلك النظام الذي إتقن لغة النضالات الفاشلة والقضايا الخاسرة والشعارات الخاوية بمهارة فائقة، بقدر ما لفق النظريات المزيفة أو فبرك الأوهام الخادعة والأحلام المستحيلة لإنتاج المزيد من الهزائم والخسائر والإفلاس والتردي والانهيار، والتاريخ شاهد علی مانقول.
ومن المعلوم بأن إعادة تعريف ما هو تاريخي وما هو سياسي في اللحظة الراهنة أمر ضروري، لإن الإستمرار في إنكار الحقوق المشروعة للشعب الكوردي "المضمونة" في الدستور الإتحادي دليل علی عدم هضم الكثير من النخب الحاكمة والأطياف السياسية في العراق المتغييرات وعدم استخلاصهم العبر و الإستفادة منها و عدم إدراكهم بعد بأن الدلائل کلها تشير الی ان وجوب الدولة الخاصة بالشعب الكوردستاني هو الحل لليوم و المستقبل. إنهم لم يسألوا أنفسهم، هل يستحق الشعب الكوردي كغيره من شعوب المنطقة و العالم، التمتع بحقوقه الطبيعية و في مقدمتها حق تقرير المصير لابناءه و ماذا نفع أو ضرر المنطقة ان تمتع شعب كوردستان بإستقلاليته و قام ببناء كيانه بشكل سلمي عاش باخوة و سلام مع شعوب المنطقة.   
صحيح بأن الكوردستانيين أعلنوا رغبتهم الحقيقية والطوعية بالبقاء ضمن إطار عراق ديمقراطي فدرالي إتحادي، يقر ويعترف بالحقوق القومية الكاملة للشعب الكوردي، كمكون رئيسي ثان وشريك فاعل في الحكم والعملية السياسية، وفي إطار برلمان ديمقراطي منتخب، يلم تحت خيمته ممثلين عن جميع مكونات وأطياف الشعب العراقي لكننا نری من الطرف الآخر بأن حق تقرير المصير للشعوب جميعاً، بما فيهم الشعب الكوردستاني، هو حق تاريخي لا يمكن نكرانه وإن الذين يعملون ليل نهار من أجل اجهاض قيام الدولة الكوردستانية هم من يفسرون هذا الأمر  بمؤامرة خطيرة لتقطيع أواصر الشعب العراقي وأرضه وثرواته، و يريدون أن يقفوا بعقلية الرعية والمبايعة ضد سعي الكوردستانيين إلى أن يكون مستقبلهم هو ذواتهم و يسهموا في صناعته و يحققوا ذواتهم فيه تحقيقاً حرّاً.
كفی التفکير بالنظرية التي كانت تدعم السلطة القائمة في البلدان العربية كمجرد سلطة لا دولة، سلطة تمارس سلطتها الأمنية من غصب أو غلبة أو قهر أو استتباع أو صهر وتذويب قسريين على الواقع الاجتماعي، ولا تقوم بدور الدولة الحقيقي.
من المعلوم بأن لكل عصر ثوراته، كما أن لكل ثورة مفرداتها فبعد أن أصبحت الآلة، علی ﺤدّ قول الجنرال شارل ديغول (1890 - 1970)، السيد المطلق الذي يدفع المجتمعات إلى التغيير  ويدعم فرص السلام، و بعد أن انتقل الناس من الديمقراطية المرتبطة بالصناديق إلى "الديمقراطية الميديائية" التي تضخها التقنية وبعد أن تمكنت التكاملات الجهوية من خلق جزر سلام في العلاقات الدولية، فصار لزاماً علينا أن نسجل أسماءنا في طبقات طور التكامل و أن ندخل في ورشات اقتصادية وسياسية علی أمل الإنضمام الی النموذج التكاملي الغربي، لأن التكامل يجبرنا على تغيير منظومتنا وقيمنا الداخلية، حينها تتراجع القراءات الكلاسيكية لأدوار ووظائف الدولة و يرتفع مقام الفرد ليحتل المكانة الأولى وبذلك تتراجع فكرة الأمن للدولة إلى فكرة الأمن للإنسان. إذن ما يحتاج إليه القوی السياسية في العراق هو إتقان لغة الشراكة والمداولة والتحول عما هي عليها لكي للتعايش بأقل كلفة ممكنة، تسلطاً وعنفاً وتفاوتاً والعمل علی إعلاء شأن "الهوية المفتوحة والغنية".
وختاماً: "إن الإقامة في الزمن المتسارع، تعني أن التغير بات نظام الأنظمة الذي يوجه كل المدارس والاستراتيجيات، بقدر ما تعني أن ما نحسبه العطب، أي الموقت والعابر، هو الممكن الآن."
د. سامان سوراني
122  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة تفكيك الأصوليات الدينية و استئصال الأفكار الإرهابية السامة في: 17:43 04/02/2012
سياسة تفكيك الأصوليات الدينية و استئصال الأفكار الإرهابية السامة

من المعلوم بأن الثورات العربية، التي بدأت من تونس و مصر و اجتاحت الفضاء السياسي في ليبيا و هي مستمرة في سوريا وفي بعض بلدان أخری في المنطقة، لم تكن نخبوية أو إيديولوجية، بل كانت ثمرة فتوحات العولمة، أخذت طابعاً شعبياً غير مسيّس، دون الركوب علی ظهر زعيم أوحد أو قائد ملهم.  طابعها هوية مركبة ومتعددة، مفتوحة ومتحركة، صنعتها الأجيال الجديدة، العاطلون والعاملون، الذين يتقنون قراءة المعلومات على الشبكات والتواصل عبر الأوتوسترادات الإعلامية والميادين الافتراضية.
يمكننا إعتبار هذه الثورات، بعد تغلبها علی الأنظمة المستبدة والمنظومات الإيديولوجية، بمثابة فرصة وجودية للخروج من التخلف الحضاري العالمي والمشاركة الإيجابية. فهي وليدة العصر الرقمي والکتب الرقمية الناعمة، لم تخرج من رحم العقائد الدينية أو الإيديولوجيات العلمانية، قد تنقلنا  إلى وضع جديد، لا عودة معه إلى الوراء بأيّ حال من الأحوال، لأن كل شيء آخذ في التغيير.
أما الأصوليات الدينية، التي ظهرت بعد إخفاق تجارب القوموية العروبية والإشتراكية، كانت و ماتزال ترفع شعارات التحرير والمقاومة والممانعة ومقولات المركزية والفوقية والخصوصيات الثقافية، فشعاراتها تختلف عن الشعارات التي ترفع اليوم من قبل التحركات الشعبية، التي استخدمت أدوات العولمة وسيلة للتركيز علی قيم الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان و التي خلعت الإيديولوجيات المقدسة و کسرت عقلية النخبة لتنتقل الی مجتمع تداولي فاعل وتخلت الی حد ما عن منطق العنف لصالح وسائل سلمية مدنية. ما يريده الأصولي الديني، إذا أمكنه الحكم، هو إخضاع الآخر، للقيام بإنشاء دولته التيوقراطية بمنطقه الأصولي وفرض سلطته الدينية تحت عمامة المرشد الذي هو خليفة الله ونائبه وظله على الأرض، إذ لا وجود للمواطن الحر العابر لحدود الطوائف والمذاهب والأحزاب، المتساوي أمام القوانين والأنظمة الوضعية.
لا يزال الأصولي الديني، بعد كل هذه التغييرات الكونية، مع الدولة الشمولية التي تهيمن على المقدّرات وتحصي الأنفاس وتخضع البشر بالقوة العارية، من أجل تطويعهم وتسخيرهم لدعوات مستحيلة او عقائد مدمّرة تحوّل الوعود بالفردوس أعراساً للدم. وهو بذلك يريد تشكيل الوجه الآخر للدولة العلمانية الشمولية، كما تم تجربتها في أواسط و نهاية النصف الأول من القرن الماضي بنماذجها الستالينية والفاشية والماوية أو نسخها الكاريكاتورية في دول العالم الثالث.
بمعنی آخر، الأصوليات الدينية هدفها التقويض أو تخريب العمران، لأنها لا تقدر على إصلاح أو تحسين بناء.
أما الإرهاب فأنه يبدأ من الفكر، وعندما يغيب العقل ينمو الإرهاب ويتكاثر و إن الجزء الأكبر من ثقافة الإرهاب تأتي من الكتيبات التي توزعها جهات دينية رسمية أو غير رسمية على التجمعات الدينية، وفي مواسم دينية سنوية كبيرة على المسلمين، محتواها تعتبر التعددية الحزبية كفر وإلحاد‏، وتری في الأحزاب السياسية مجرد مكونات جاهلية‏، ‏باعتبار الانتماء لهذه الأحزاب كفر وردة عن دين الإسلام، وأن هذه الأحزاب تفرَّق المسلمين‏ و تدعم الرأسمالية والبنوك الرّبوية.
إن علّة كل شيء تكمن في مفهومه بالدرجة الأولی، من هنا نری الحاجة الی مساءلة مفهوم‌ الإنسان لتفكيكه و إعادة بناءه. وعلاج الإرهاب يبدأ من معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية تضعها في مكانها الصحيح، بحيث يرى الإنسان نفسه من خلال الآخر و به أيضا لا من خلال نفسه و يخرج على قوقعته التراثية، لكي يفهم المجريات على الساحة الكونية ويسهم في المناقشة العالمية الدائرة حول المعضلات و يفتح أفاق الحوار، ويتجنب سياسة الإقصاء ويجتهد في سبيل القبول بالرأي والرأي الآخر
العالم تغير من قرية كونية إلی مجلس كوني، فبعد الانعطافة اللغوية والطفرات المعرفية والثورات المنهجية في غير فرع، لم يعد مجدياً أن نفكر بنفس الوجهة والطريقة. ما يمکن لنا عمله، هو کشف و تعرية منابع الإرهاب في تعاليمنا و تعليمنا و مشاريعنا و مدارسنا و إذاعاتنا و شاشاتنا التي تحفر أسس الإرهاب في اللاوعي و تشيد صروحه في مباني الفكر والعقيدة، بقدر ما تكمن في کثير من النصوص و النماذج والصور المحرمات والفرائض التي تصنع حياتنا، لإنتاج المآزق والكوارث.
في هذه الأيام التي يشتد فيها الصراع من كل صوب نری أنفسنا أحوج إلى التعقل والرشد و البدء بالحوار مع الآخر المختلف، ولكن كيف ينضج الحوار مع الآخر في حين لم ينضج بعد الحوار مع الذات؟ أم كيف ينضج حوار لم يعرف فيه المتحاورون آداب الاستماع؟ أم كيف ينضج حوار نهتم فيه بإبراز نقاط الاختلاف عن نقاط الاتفاق؟
ما نحتاجه، هو كسر وحدانية الذات علی نحو يفتح الإمكان لقبول الواحد الآخر، بوصفه مختلف عنه بالهوية، ولكنه مساو له في الحقوق والكرامة والهوية ومن الضروري التمرّس بالتقی الفكري، الذي يجعل الواحد يقتنع بأنه أقل معنی وشأناً مما يدعي و في ما يدعو اليه، والتعامل مع المعالجات کتسويات، لا كحلول نهائية أو قصوى والعمل علی تقوية الوعي النقدي في مواجهة الذات قبل الغير، لصوغ أطر  وقواعد جديدة تتيح العيش المشترك علی نحو سوي، سلمي، تبادلي.
وختاماّ: "مآل كلّ حدٍّ أقصى: أن ينتج ضدّه."
د. سامان سوراني

123  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إستراتجية الرفض والإقصاء للمختلف أم التمرس بسياسة الأعتراف المتبادل؟ في: 17:22 01/02/2012
إستراتجية الرفض والإقصاء للمختلف أم التمرس بسياسة الأعتراف المتبادل؟

المتصفح في دائرة المعارف الإيطالية يقرأ تحت الفكرة الفاشية تحديد لموسوليني مضمونه ما يأتي: "الفاشية دين يحدد وضع الإنسان و علاقته الوثيقة بقانون أعلی و إرادة سامية تسمو به الی عضوية واعية في مجتمع روحي- الفاشية نظام فكري الی جانب كونها نظام للحکم – الفاشية تهمل الفرد و تحصر إهتمامها في الدولة، والفرد الصالح هو الذي ينسجم مع الدولة لتحقيق الإرادة العامة الداعية للإنسان في كيانه التاريخي".
لا شك أنه بعد سقوط النظام الفاشي في العراق عام 2003، الذي أتخم نظالات فاشلة و قضايا خاسرة و حاول بشكل بربري العودة من جديد الی سلطة زاقورات بابل أو مواقد أثينا و روما، حصلت تغيّرات إيجابية بإتجاه نقد الذات أو من حيث العلاقة مع الحقوق والحريات، لكنها لم تطل الثوابت والقناعات، لأن النسبية و الذرائعية من حيث العلاقة بالحقوق والحريات لم تجتاز بعد الخطوط الأولی نحو إبتكار الجديد من الرؤی و المفاهيم و القيم والسياسات و الإستراتيجيات التي تتوسل مفردات المفاوضة والتسوية والتعاون والشراكة أو التداول والتبادل.  ما نراه في العراق هو إفتقار الأحزاب الدينية والقوموية الی التمرس بسياسة الإعتراف المتبادل.
للأسف تمر الحياة السياسية في العراق بمرحلة من التوتر والتشتت والفوضى والالتباسات الفكرية والسياسية، لذا بات لزاماً علينا التأكيد على المنطلقات التي تؤدي الی الديمقراطية وإعادة النظر في بعض المفاهيم التي شابها شيء من الغموض أو اللبس، جرَّاء الظروف التي استجدت بعد سقوط الطاغية، وإعادة صياغة بعض التوافقات التي تستدعيها هذه الظروف الصعبة. وفي مقدمة هذه التوافقات إخراج مشروع دمقرطة المجتمع من دائرة التجاذب بين الاطراف المتصارعة وتوكيد استقلاله وانبثاقه من حاجات المجتمع ومن توق جميع القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير الديمقراطي إلى الحرية والحياة الكريمة. ويقتضي ذلك توكيد الروابط الضرورية، المنطقية والتاريخية، بين الوطنية والديمقراطية وأن إلغاء أي منهما هو إلغاء للأخرى، إذ الديمقراطية التي تستمد جميع عناصرها من الشعب، الذي هو مصدر جميع السلطات، هي مضمون الدولة الوطنية، وهذه الأخيرة هي شكلها السياسي وتحديدها الذاتي وتجريد عموميتها.
إن علاقة الوطنية بالديمقراطية هي علاقة جدلية بامتياز، ومن المؤكد ان فك الاشتباك بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وتحرير هذا الاخير من هيمنة الدولة سيساهم في وضع مشروع دمقرطة المجتمع موضع التطبيق، وبالتالي المساهمة في بناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد، تلعب فيه مؤسسات المجتمع المدني، على تنوعها، دوراً مهماً وبناءً.
هناك شعوب نموذجية مرت بالتجارب المُرّة وتمكنت بعدها من نزع عباءتها الأصولية والتحرر من عقائدها الثورية، بعد أن أوصلتها العقائد الثورية إلی الكوارث والمآزق، و قامت علی إطلاق قواها الحية والديناميكية، لكي تمارس حيويتها الفكرية علی سبيل الإنتاج والإبداع و تتقن لغة الخلق والتحول. إن التجارب المريرة و الأزمات المتلاحقة و فتح أبواب جهنم في غير مكان من العراق أثبتت أيضاً بأن القوة واستعمال المنطق العنصري العدواني والهيمنة والاحتكار والصدام والغزو والإرهاب من قبل السلطات المركزية لم يعد يجلب أمناً أو يصنع سلاماً أو يصون هويةً، والشواهد علی ذلك بليغة.
في السابق اعتبرت الدولة العراقية نفسها هي الممثلة الأولی للمجتمع و قامت بإقصاء مختلف مؤسسات المجتمع المدني من الأحزاب السياسية المعارضة، إلى النقابات المهنية والعمالية، مروراً بالمؤسسات الاجتماعية المختلفة، من مجالها السياسي، وبنت النخبة السياسية -الإدارية الحاكمة فيها نموذج الدولة التسلطية، التي تعاظم دورها في مختلف الميادين والنشاطات الاقتصادية تحت شعارات مختلفة. ما نتمناه هو أن يوقف الأحزاب التي تسكن دفة الحكم في العراق الفدرالي عجلة توليد المآزق التي تضع الجميع بين فکّي الكماشة و ما نحتاجه اليوم في العراق الاتحادي هو قياديون يستمعون إلی الآخر لخلق وسط للتفاهم أو خط للتواصل، و يديرون القضايا والمصالح بعقول تداولية، وسطية إجرائية.
إن التماهي مع الذات حتى الذوبان والانتشاء و إقصاء الغير حتى الاستئصال الرمزي أو المادي يعني إبراز التشكيل العنصري أو الحشد الفاشي و النتيجة هو إرسال مصالح العباد والبلاد إلی الجحيم.
ومن المؤکد بأن القوة اليوم لا تصنع من خلال حشد الأسلحة والجيوش والصواريخ والترسانة النووية أو إرادة الغطرسة والهيمنة أو صنع القطعان البشرية والكُتل العمياء التي هي مادة الاستبداد وآلة الإرهاب، بل تصنع بالدرجة الأولی من خلال القادرين علی خلق ما تحتاج إليه مشاريع النهوض والإصلاح والتحديث والتنمية والسلم و من إجتراح المعادلات والصيغ والأطر والشبكات والأسواق والأدوات.  فالفكر ليس "مهنة" لفئة من الناس، بل هو "ميزة" الإنسان عامة. 
و ختاماً: لا يقوم المجتمع العراقي من دون خلق وسط جامع و شراكة حقيقية يتوسط فيه جميع المكونات المختلفة بعضهم البعض، بقدر ما يديرون اختلافاتهم و نزاعاتهم عبر الوسائط التي تمثلها اللغة بقدراتها التواصلية و المحاججة العقلانية بمسوّغاتها المفهومية، وصولاً إلی إجتراح قواعد جامعة للعمل المشترك، تكون مقبولةً لدی الرأي العام أو العقل العمومي أو العقل الكوني.
د. سامان سوراني
124  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان ورسم المصائر في العراق الفدرالي في: 10:41 17/01/2012
إقليم كوردستان ورسم المصائر في العراق الفدرالي

ما يشهده العراق من التحولات و الصيرورات، مع خروج الفاعل العسكري الأمريكي، ينال من مصداقية المشاريع السياسية بقدر ما يطال الدور الذي يضطلع به السياسيون والأحزاب العراقية في صنع المستقبل و رسم المصائر في هذا البلد.
هل يستمر أصحاب الشأن السياسي في العمل بعقلية الطوبی والاستلاب و إتقان لغة الشكوی والإدانة، لكي ينتجوا المآزق ويحصدوا الخيبة و الإخفاق، أم ينخرطون في صنع إمكانات تسفر، بتوجهاتها الموضوعية و سياساتها المعرفية، عن ميلاد خارطة سياسية جديدة أو صوغ قيم مغايرة للتعايش والتواصل بين الكيانات المختلفة في العراق أو افتتاح مجالات مثمرة للعمل في سبيل الاتحاد الطوعي و الديمقراطية الجذرية؟
في أي حال ما نشهده من تغييرات في منظومات الفكر السياسي وأنماط التعامل مع الأحداث و النماذج التي تقدم في سبيل العيش المشترك، يضع موضع السؤال الأنساق السياسية و النماذج السلطوية، بقدر ما يصدع شبكة العلاقات التي ينسجها الأطراف الكوردستانية مع الجهات والمؤسسات السلطوية الفاعلة في العملية السياسية في العراق.
المفردات التي تحفل بها خطابات الذين يتصدرون واجهة السلطة و المشروعيات السياسية تولّد لدی المواطن وعياً حاداً بتفاقم المشكلة و استحكام الأزمة و تحيل العلاقات بالهويات والأفكار الی سجون و معسكرات و تحّول العلاقات بالأحداث والوقائع إلی أفخاخ و مطبات.
إن مآزق السياسة هي الوجه الآخر لمآزق الصيغ الوجودية و المشاريع الحضارية أو لأزمات الهويات الثقافية والمجتمعية. ها هنا مكمن العلة لا في مكان آخر وإن تحليل العوائق السياسية هو تعرية لآليات العجز و إجتراح للإمكان، فالإنشداد الی الوراء لا ينفع الحاضر والراهن أو المستقبل و كذلك القفز فوق الأحداث و نفي المتغييرات. 
ماالنفع من نشر الحلم الوحدوي الكبير و دعم المشاريع الشمولية في العراق و رفع شعار: "أنا قوموي عروبي أو وحدوي إسلامي، إذن أنا موجود"، و حيث المواطنون يتحولون الی قطعان أو إلی مواضيع والآت، إنها أمبريالية المبدأ الواحد و فاشية العقيدة المغلقة وإرهاب القضية المقدسة، و ذلك يترجم خواء في المعنی وفقراً في الوجود. السؤال سوف يكون، أين دور المواطن في المجتمع المدني والدولة الفدرالية الذي نحن ندعي بنيانه؟ 
صحيح بأن مستقبل العراق بيد العراقيين و أن تقسيم العراق صار الهمس الذي بات ضجيجاً و هاجساً يزعج دول الجوار، لكنه خيار دستوري لاعلاقة له بالتدخل الخارجي، فهو، إن أردنا أن نكون موضوعياً في حكمنا، مع هذه التغييرات والصيرورات واقع لا محالة، فهو حصاد لسنوات من التأجيج والتثقيف الطائفي والعرقي.
عليه وسط الإخفاقات المتلاحقة، لدی المهتمين بالأزمة السياسية في العراق کسر الأصنام الفكرية و إخضاع مكونات الهوية السياسية للنقد والتفكيك، لکي يتمكنوا من إيجاد مخارج للمآزق الكيانية الحاضرة.
ليست المسألة مسألة الحفاظ علی وحدة العراق من التقسيم أو مسألة معرفة الثابت من المتحول بعد كل هذا الدمار وكل هذا القتل والتذبيح و الحروب المتكررة، التي لم تقدم حلاً لأية مشكلة في التاريخ، بقدر ما هي مسألة القدرة علی صوغ الحياة في هذه البقعة من الأرض من جديد بتغيير علاقاتنا بمعنی الوطن والحقيقة أو الذات و الغير، عبر إبتكار نماذج للسلطة والتشريعات والمنظومات التي تتيح لنا ممارسة وجودنا كمواطنين إيجابيين علی سبيل الاستحقاق والإزدهار.
أما الكوردستانيون، رغم كل الاعتداءات والقتل الذي قامت به الانظمة المتتابعة من زمن النظام الملكي الى زمن الانقلاب العسكري الذي قام به الزعيم عبد الكريم قاسم وحكم الاخوين عارف الى الحقبة السوداء التي حكمت العراق في زمن احمد حسن البكر التكريتي وصدام حسين التكريتي ضدهم و رغم الهجمات المتتالية على جبالهم ومدنهم وقراهم وحرق الغابات وإهانة المواطن الكوردستاني وتسفيره وترحيله خارج الحدود إضافة الى المقابر الجماعية التي طمرت في طياتها أكثر من 200 الف إنسان مسالم، رغم كل ذلك لم يشن شعب كوردستان اية هجمات انتقامية على المدن العربية او يتهموا العرب العراقيين بما جرى لهم وانما كان الاتهام موجهاً الى الحكومات التي حكمت بالحديد والنار.
شعب كوردستان اليوم لن يكونوا عامل تقسيم للعراق ومصلحتهم تكمن في نهوض هذه الدولة، وهذا ما دفع برئيس الجمهورية أن يبذل جهود كبيرة في سبيل تفعيل آليات التقارب والرؤى "المشتركة" بين الأضداد "دولة القانون" و "القائمة العراقية".
المجتمع الذي يمتلك حريته و استقلاليته تجاه القوی التي يمکن أن تقهره أو تتفوق عليه، هو القادر علی تخيل أهدافه وإبداع ذاته بإنتاج القيم والمفاهيم والقوی والمؤسسات والآليات التي تتيح له ممارسة حيويته السياسية، بقدر ما تتيح له توسيع مساحة الحريات والحقوق المدنية للأفراد والجماعات. هذا هو شأن المجتمع الكوردستاني.
وختاماً: "لا يمكن لمن لا يستطيع التشريع لواقعه أن يصنع حياة أو نمواً أو إزدهاراً."
د. سامان سوراني

 





 
125  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / ماذا ينتظر شعب كوردستان من المؤتمر الوطني العام؟ في: 15:48 12/01/2012
ماذا ينتظر شعب كوردستان من المؤتمر الوطني العام؟

من المعلوم بأن العراق يعيش اليوم مرحلة حساسة تعدّ اختباراً وتحدياً بالغ الصعوبة والتعقيد. فبعد التحرّر من نير تسلط سياسة الحزب الواحد و"القائد الضرورة"، التي مزّقت ورقة الوئام الوطني و الشراكة الحقيقية و بعد أن صار الدستور لعبة في أيدي النظام المستبد وأزلامه المجرمين و بعد أن تحول العراق الی متحف للمقابر الجماعية و حقلٍ للتجارب العسكرية وصار المواطن صفر مابعد الفاصلة لاقيمة له، ولد الدستور العراقي الجديد.
و هذه الولادة کانت بعد معاناة كبيرة و بمساهمة فعالة من قبل بعض الكتل السياسية العراقية والكوردستانية، التي سعت علی دفع العراق نحو مستقبل أفضل و أکثر إزدهاراً و تطوراً مقارنة بما كان عليه في زمن الأنظمة الطاغية.   
فالجهود المكثفة و الجدية من قبل الرئيس العراقي السيد جلال الطالباني من أجل تفكيك الأزمة السياسية الراهنة، وخلق أرضية مناسبة من الحوار والعمل المشترك، الذي يمكن أن يسهم في ايجاد الحلول للأزمة الحالية أو يبلط الطريق من أجل تهدئة الأوضاع في سبيل الوصول الی عقد المؤتمر الوطني الموسع بين الكتل والقوى السياسية العراقية، أمر محمودٌ لا مأخذ عليه، لکن شعب كوردستان، الذي كان سباقاً في إسقاط "الدكتاتورية" في المنطقة و مثالاً نموذجياً في تأسيس نظام حكم ديمقراطي في‌ الإقليم، كان متضرراً لعهود طويلة و جراحاته لم تلتئم لحد الآن. هذا الشعب له أيضاً طموحات سياسية و حقوق دستورية مهضومة تستحق تسليط الضوء علیها و لابد من إدراجها ضمن برامج المؤتمر المذكور أعلاه، مادام الهدف هو تصفير الازمات و بناء الشراكة الوطنية الحقيقية لإدارة البلد، لأنه و كما يقال "مالفائدة من أن تکسب العالم و تخسر نفسك".
ومن الواضح بأن نجاح أي مؤتمر مرتبط بعوامل کثيرة، منها الإدارة القوية والالتزام بجدول أعمال للمؤتمر و تشجيع المشاركين في الاجتماع على الإدلاء بآرائهم وطرح أفكارهم ومناقشاتهم و ضبط الوقت ومطابقته مع المناقشات والآراء المطروحة و تدوين وقائع الاجتماع وتوثيقها، وخصوصاً تدوين ما تمّ الاتفاق عليه من قرارات و إنهاء الاجتماع بخلاصة ملائمة و التوجيه والسيطرة على الاجتماع لضمان فرص التعبير عن الرأي للجميع، حتى لا يخرج البعض بانطباعات سلبية ويتصوّر أن الاجتماع كان ضياعاً للوقت و علیه أيضاً بالتحضير المسبق و التفاعل مع المؤتمر، بمعنی أن يكون المشارك في حالة نفسية وجسدية جيدة، فالموقف النفسي من المؤتمر يؤدّي دوراً كبيراً في تحديد مركزية الاجتماع وأهميته وبالتالي نتائجه. أما عامل المكان فله دوره أيضاً، و عدم اختيار المكان المناسب لانعقاده وضعف الترويج له يقلل من إنجاح المؤتمر.   
و للأسف لم يهضم الكثير من القادة العراقيين، الذين سوف يشاركون في المؤتمر، المعنی الحقيقي للفيدرالية، بإعتباره المشاركة السياسية والاجتماعية في السلطة من خلال رابطة طوعية بين شعوب وأمم وأقوام أو تكوينات بشرية من أصول قومية وعرقية مختلفة أو لغات أو أديان أو ثقافات متباينة وذلك في اتحاد طوعي يوحد بين كيانات في دولة واحدة أو نظام سياسي واحد، مع احتفاظ الكيانات التي توحدت بهويتها الخاصة من حيث التكوين الاجتماعي والحدود الجغرافية وصلاحيتها الإدارية.
ما نحتاجه هو کسر لغة الضرورات القاهرة للتفكير علی نحو مبتكر بالخلق المستمر للواقائع التي تخرق الحدود و تخربط دفتر الشروط لإعادة صياغة الأولويات والمعادلات، لأن عصر الوصاية قد انتهت و أن الصِدام هو خيار العقليات المغلقة والأنظمة الأحادية والأصوليات العنصرية الرامية الی الهيمنة والتسلط.
ما يحتاجه العراق في ضوء هذه الازمات والتشنجات السياسية المستمرة هو نماذج و طرز جديدة ممن ينجحون في عمل تنويري أو يتخلون عن السلطة لمصلحة القانون أو يبدعون في مجال عملهم ويمارسون هويتهم بصورة مفتوحة و مركّبة، عابرة للحدود.
الديمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفكر فيه و نصنعه، فهي ثمرة التجارب الفذة والغنية، علی أرض الواقع البشري الملغم دوماً بالأهواء والمطامع أو بالجهل والنسيان أو بالخدع والأوهام.
وختاماً: "ماالنفع من أن ننصب جدران الكره و الحقد فيما بين الكيانات والمكونات في العراق الاتحادي و نحول هوياتنا الی زنزانات عقائدية أو الی مصانع لإنتاج الفرقة والفتن، فيما تنکسر الحدود بين المجتمعات والقارات والثقافات، بفعل ثورة الإتصالات؟"
د. سامان سوراني





126  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / السياسة و آلية تطور و تحديث الفكر الكوردستاني المعاصر في: 20:02 09/01/2012
السياسة و آلية تطور و تحديث الفكر الكوردستاني المعاصر

من المعلوم بأن السياسة هي ممارسة للأفكار وأن أهمية أي الأفكار هي بمقدار إمكانية ممارستها على أرض الواقع حتى لا تكون الأفكار مجرد أطروحات نظرية ومثالية و أن الثقافة المعاصرة هي ركيزة من ركائز المجتمع لمواكبة الحداثة الفائقة وأن الهدف الرئيسي لكل مفكر حقيقي و فيلسوف وعالم ومصلح و مثقف هو الوقوف في وجه القوی المعادية لطرق تحقيق هوية الإنسان و قيمه و أهدافه النبيلة، فالحضارة الحقيقية تقاس بما تحققه من القيم الإنسانية. و ما تاريخ الفكر إلا عملية بناء مستمر و حلقات متتابعة، إذ لا شيء يأتي من العدم.
اليوم، إذ نستذكر تاريخ الحركة النضالية الكوردستانية، التي هدفت إلى تحرير كوردستان و رفع التمييز العنصري في العراق، الذي مارسه‌ نظام البعث المقبور، أحد ابرز الأنظمة الشوفينية في المنطقة، بعد أن عانى المجتمع الكوردستاني والعراقي من الكثير من الظلم والحرمان، مازال العراق في دوامة الصراع المرير والأزمات في عالم سماته السيولة والتسارع باتت تحصل علی إيقاع سريع وعلی غير صعيد، مما يدفعنا الی ضرورة المساهمة في البحث عن خطاب كوردستاني موحد من أجل صناعة الحياة المشتركة، يمكنه الجدل مع العالمية لأجل البشرية كلها، خطاب يبدأ بالخصوصية الضيقة لينطلق إلى آفاق رؤيوية تنظر لكل إنسان في هذا الوجود، لكل شعوب العالم. وهذا الإنطلاق يتطلب بناء خطاب حداثي كوردستاني خاص يستطيع تحقيق الهوية الكوردستانية والذات الكوردستانية وطموحاتها وآمالها. فالمجتمعات تنخرط اليوم في واقع كوني جديد و مغاير، بمفاهيمه و معاييره و محركاته و قواه و اللاعبين علی مسرحه، بقدر ما تندرج في أفق حضاري معولم و مكوكب.
أما الخطاب الثقافي الفكري الحديث فعليه أن يتجادل مع القضايا الجوهرية في الثقافة الكوردستانية، في الفكر الكوردستاني بكل تنويعاته ولا سيما التراث. ولابد للذي يريد الوصول الی رؤية تنويرية في التحديث والتحرير و بالاخص في شؤون يتعلق بالحرية السياسية والديمقراطية والعلمنة وحقوق المرأة أن يحرر عقله و منهجه و رؤيته من ترسبات الماضي السلبية والبالية وأن يعمل بشكل جاد في سبيل الحوار والتفاهم وخلق قواسم مشتركة و قواعد للمعاملة، تتجاوز مقولات الأصل والصفاء والأحادية والقداسة والتأله والاحتكار والقوقعة والمعسكر ويقف ضد عمل التيارات والاتجاهات التي تنفي المغاير والمناقض لها بتغييبه أو إقصائه أو إضعافه. 
التاريخ العراقي كُتب من وجهة نظر السلطة المركزية والطبقة المهيمنة في المجتمع "الاتجاه العروبي السني"، أي من منظار أحادي کفر فيه جميع معارضيه و شوه ثقافتهم و تاريخهم و جغرافية مناطقهم و حياتهم. ما نحتاجه هو إعادة كتابة هذا التاريخ بمنهجية علمية نقدية بعيدة عن المعايير المزدوجة في إطلاق الأحكام، من أجل إستكشاف الجديد في سياق التطور الخلاق من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل و من أجل الفصل بين التاريخ الديني القومي المحاط بهالة القداسة والتعظيم  والتاريخ العلمي العراض للحقائق والواقع.   
ومن الواضح بأن هناك علاقة جدلية بين التراث والتحديث والحرية والتحرير وأن قراءة تلك الجدلية بموضوعية يمكن أن تصل بنا إلى القواسم المشتركة وبالتالي يمكن صياغة نظرية المعرفة التحديثية للفكر الكوردستاني.
التراث هو التاريخ والحضارة والذاكرة والهوية، وتحديث الفكر لا يستطيع تجاهل تلك الحقيقة وتغييبها. أما الجدال والصراع بين القديم والجديد أو الثابت والمتحول، سيبقى مستمراً إلى ما لا نهاية.
ومن الواضح بأن التراث والتحديث ليسا ضدين ولا خصمين فهما حياديان، والإشكالية المختلقة هي في أنصارهما. فنصير القديم يدافع عنه لأنه مثله الأعلى ويمنحه الاطمئنان والراحة، بينما الجديد يخلق لديه التوتر والخوف من المجهول، كما أن الاختيار يعني القلق‏ والمعاناة، وهذا نتيجة عدم استيعاب معنى الحرية والمسؤولية واستقلالية الذات. أما نحن فنری بأنه من الممكن أن نأخذ من تراث الأقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم تطبيقاً عملياً وما لا ينفع يوضع على الرف لينفع المؤرخين. والتأسيس لأي جديد لا بد من أن يبنى على الماضي (تحليل وتفكيك) ثم التركيب والبناء الجديد.
الكوردستانيون لعبوا دوراً مهماً في التاريخ الإنساني و كانت كوردستان منذ القديم مهداً للحضارة، التي ظهر فيها مبكراً "الانسان العاقل" (Homo Sapiens) ويذكر في الدراسات بأن أول إستعمال معدني لصنع أدوات بسيطة بطرق النحاس البارد كان قد بدأ في كوردستان، وكذا الحال بالنسبة الی الزراعة. أما تأريخ الامة الكوردية فأنه بدأ بـ"الگوتيين"، و" العيلامين" و " اللولو" و" الكاشيين" و "الماديين"، الذين بنوا مدينة اكباتان (مدينة همدان الحالية) أيام حكم الشاه قباد عاصمةً لهم و أنتجوا الفكر والعلوم المتنوعة کالهندسة والزراعة والتجارة واللغة والأديان، و امتدت هذه الحضارة حتی بداية الفتوحات الاسلامية أواسط القرن السابع للميلاد، ثم بدأت بالانحدار. صحيح بأن هدف الفتوحات كان خلق أمة إسلامية في العالم الإسلامي، لكنها فشلت لأنها في النتيجة تمكنت من بناء دول إسلامية تتألف من مسلمين من قوميات متعددة لم تنصهر في قومية واحدة دينية، كما أنه لم يكن هناك مجتمع إسلامي واحد، فهناك عشرات المجتمعات الإسلامية، ولكل مجتمع حياته الخاصة. ووجود رابطة فكرية دينية ما بين الأحزاب والحركات الإسلامية في العالم الإسلامي على الرغم من اختلاف وجهات النظر فيما بينها، لا يحقق مفهوم الأمة الإسلامية لا من قريب ولا من بعيد، ولذلك قد تفشل النظرية أو المحاولات اليائسة للسيد أردوغان لإحياء الخلافة العثمانية.
أما الفكر الكوردستاني بأنه يصنع وحدة المجتمع لأنه يجمع كل أبناء الإقليم الواحد على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وطوائفهم وأطيافهم السياسية على قدم المساواة ضمن إطاره الذي يكفل الحرية والديموقراطية والعدل والمساواة للجميع. والرابطة القائمة على مقومات بديهية مجهزة بالحداثة والمعاصرة العقلية هي نفسها توحد وتجمع بين أبناء الإقليم. صحيح بأن العلم الحديث لم يستوطن بعد في كوردستان كما استوطن في اليابان، وإن حياتنا الفكرية الی يومنا هذا بحاجة الی علم الغرب و علماءه، لذا يجب أن تأخذ السنوات القادمة بجدية للعمل علی الكثير من المعاصرين، الذين لم يتجاوزوا عقلية القرون الوسطى، حيث ما زالت تسود مفاهيم التخلف وقيمه وعقليته البدائية، كما تسود الأفكار الرجعية البالية والخرافات وتفاهات الأمور. فالشكل المتطور لن ينهي إشكالية التخلف، ولن يصنع الفكر الحداثي ولن يصنع التحديث الحقيقي القائم على المنهج العلمي واستيعاب روح التطور التكنولوجي الناتج عن تطور بنية الفكر نفسها. ومع أن الحکومة تدعم العلم والعقل والأفكار النبيلة التي تحقق العدالة والحياة الحرة والكريمة لابن الاقليم أياً كان دينه أو طائفته أو فكره أو إثنيته، لكننا نؤكد بأنه يجب أعطاء العلم والتجربة المكانة الأولى، لا يزعزعهما أي شيء. للأسف نری عدد غير قليل من الأكاديميين العائدين من الغرب ما هم إلا نسخ عن الكتب النظرية في العلوم ينتهي بهم الأمر كمدرسين في الجامعات، أو العمل في غير اختصاصهم وهو نوع من البطالة المقنعة.
إن التغييرات التي تطرأ علی المجتمع الكوردستاني هي إمكانات مفتوحة، تتوقف أهميتها و فوائدها أو أخطارها ومضارها علی طريقة التعامل معها. علی المفكرين النهوض من سباتهم العقلي، كي ينخرطوا في واقع هو علی درجة قصوی من الحراك الهائل والتعقيد البالغ والتسارع الفائق و يتركوا الأفكار الثابتة أو الجامدة أو المتحجرة.
وختاماً: "علينا الإسراع في تشكيل مساحتنا الثقافية علی خارطة المعنی و ملاعب القوة، للمساهمة في صناعة العالم، بابتكار لغات للفهم أو أنظمة للمعرفة أو نماذج للتنمية أو مجالات للعمل، فضلاً عن تقنيات الاتصال و برامج المعلومات وأن نتعامل مع ذاكرتنا وتراثنا و خصوصيتنا کفسحة لممارسة حيوية التفکير و حرية التنقيب و أن نتعامل مع الاحداث والمتغييڕات بوصفها فرصة سانحة لكي نتغير عما نحن عليه، و نشتغل علی معطيات وجودنا والتحول عن أفكارنا، بصورة تتيح لنا طرح السؤال و فتح المجال أو إجتراح المعنی وإشتقاق المكان."
د. سامان سوراني
127  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المجتمع الكوردستاني وبرنامج الإنتقال الی الحداثة الفائقة في: 19:30 06/01/2012
المجتمع الكوردستاني وبرنامج الإنتقال الی الحداثة الفائقة

من الواضح بأن المجتمع الكوردستاني، الذي اختار الوحدة الطوعية مع العرب بعد أن تحول نظام الحكم في العراق الی نظام اتحادي، تملك الموارد الهائلة والتراثات الغنية والموقع الإستراتيجي، بشكل يؤهّله لممارسة حيوته و حضوره علی الساحة العالمية بصورة إيجابية وبنّاءة، من خلال المساهمة في الانتاج الثقافي والحضاري.
ومن المعلوم بأن الحقب الإنتقالية وسط الأحداث العاصفة والأزمات المستحكمة ليست يسيرة، والإنتقال الی الحداثة ليس بالإستثناء وأن العالم يتغير بمشهده و نظامه و أدواته، کما يتغير بأفكاره و قواه و روابطه، و التعولم هي ظاهرة يمكن وصفها بالترابط العضوي و التشابك المصيري، فهي تحمل في طیاتها الإعتماد المتبادل والمسؤولية المتبادلة والشراكة الفعالة وتسهم في توحيد المصائر.
والشرط الأساسي في تقدم المجتمع الكوردستاني هو الابتعاد عن الغرق في المفاضلات  العقيمة بين الحل الديني والحل العلماني، و البدء بالعمل علی إستخدام عدة جديدة في مواجهة المستجدات و من خلال الإنتماء الی الزمن الحالي والإندراج في الحاضر، وکسر منطق الإنعزال والإنكفاء للتعاطي مع الأفكار والهويات بلغة المبادرة والاجتراح أو بمنطق الخلق والتحول، والقيام بأعمال المحاسبة والمراجعة، سعياً الی التجديد و البناء، بعد أن خلع انياب التحريض والفتنة والدكتاتورية و بعد أن ولی زمن العقل الامبراطوري في عصر الإنسان الرقمي والعمل الإفتراضي والفاعل الميديائي ورأس المال المعرفي.
أما الشرط الآخر هو القيام بزحزحة الاشكاليات عن طريق استخدام أدوات مفهومية جديدة تكسر منطق المماهاة والثبات والصيغ المسبقة والقرارات الجاهزة والأطر المغلقة والمناهج الدغمائية والأوامر الفوقية والمعالجات الأحادية والمواقف المتطرفة للتمرس بمنطق التحويل والتوليد. والعلاقة بالثوابت لا يمكن إلا أن تكون متحركة أو متغيرة، سواء علی سبيل الإيجاب والبناء أو السلب والإنكفاء.
التراث ينتظر منا أن نعمل عليه لصرفه و تحويله الی عملة حضارية، أي الی إضافات و إنجازات حديثة نساهم عبرها في تطوير حياتنا و في صناعة العالم، بعيدا عن التهويمات النضالية والتشبيحات الدينية أو الايديولوجية. 
أما الديمقراطية فهي عقد تاريخي و ثقافي و اخلاقي و قيمي، ترتفع في ظله قيمة المواطن، و هي تشكيل علاقات و قوی جديدة يتغير معها مجری الأشياء و نظام العلاقات، فهي ليست بالترياق أو الفردوس المنتظر، کما يتصورها البعض، إذا لم تقوم الجهات المسؤولة بالعمل علی تقليص التفاوت المريع بين جنة الأغنياء و جحيم الفقراء و تحويل المواطن الكوردستاني من مجرد مستهلك أو مستثمر الی کائن سياسي و إذا لم تعالج ظهور طغيان النزعة الفردية.     
وما الحرية إلا مستقبل البشرية جمعاء و أن الإصلاح لا يتم بعقل أحادي، تحکمي، إنفرادي، وإنما يتم بعقل وسطي، تعددي، تداولي. فلا إمكان لعمل أو تنمية أو انجاز، من غير حوْسَبة الانتاج و عقلنة الإدارة أو عولمة الثقافة و كَوْننة الهوية.   
ومن المعلوم بأن الثقافة تشكل سيرورة الإنسان في نموه و تحوله وفي توسعه و إزدهاره عبر الإبتکار والإنتاج في مختلف الحقول والقطاعات وأن الأنظمة السياسية ما هي إلا ثمرة الثقافة بنماذجها و مفاهيمها و معاييرها، وهي ثمرة بداهات العقل و نظام الفكر و قوالب المعرفة. 
أما الإصلاح من أجل التنمية الشاملة و تفكيك العوائق و تذليل العقبات، فهو ليس بعمل فرد أو حقل أو فئة، وإنما هو عمل المجتمع علی نفسه في سائر حقوله و قطاعاته المنتجة، و بتدخل مختلف مشروعياته و هیئاته الفاعلة والمسؤولة، و هو ديناميكية تحويلية من حيث مفاعيلها الإيجابية والبناءة يتغير به المجتمع الكوردستاني عما هو عليه، و يسهم في تغير سواه من المجتمعات في المنطقة. ولا يتم الإصلاح بعقلية مرکزية فوقية أو نخبوية بيروقراطية، بل يتم بعقلية المباحثة والشراكة أو المداولة والتوسط والمبادلة.
عُملة العقلية المرکزية الفوقية جُرّبت في غير مكان، حوّلت المجتمعات الی مسالخ و مقابر وحصد أهلها السراب أو الفساد أو الاستبداد أو الخراب، فلا عدالة تُطّبق ولا حقوق تحترم من غير اعتراف متبادل يتجاوز مفهوم التسامح الخادع الذي يُلغّم الوحدات والهويات.
الرهان هو أن نتغير و نغيّر، و أن نزيل البيروقراطيات السائدة التي تعرقل مهام التنمية، سواء في الاقتصاد والاجتماع أو في المعرفة والثقافة بمراعاة مبدأ الاختصاص والكفاءة و نصنع حياتنا بالتمرس بلعبة التفکير الحيّ والخلاّق لكي نساهم في صناعة العالم المعاصر وإدارة المصلحة العمومية.   
و ختاماً:"كل طغيان لبُعد واحدٍ علی ما عداهُ، يرتدُ سلباً و يولدُ فقراً أو جهلاً، بقدر ما يمارس الحجب والتضليل أو الاستلاب و التنميط." 

د. سامان سوراني

128  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الفكر الشمولي والاحزاب السياسية في العراق و بناء الدولة الحديثة في: 16:57 02/01/2012
الفكر الشمولي والاحزاب السياسية  في العراق و بناء الدولة الحديثة

من المعلوم بأن الحکم الشمولي الذي كان متسلطاً في العراق لم يسمح في اقامة أي حزب أو تجمع أو تنظيم سياسي معتبراً ذلك من الخروقات الامنية الخطيرة و هكذا تمكن من أن يجعل العراقيين يعيشون فترة طويلة في في مستنقع التخلف، تحت ظلمه وإستبداده. فالحُكام كانوا يتصرفون بوصفهم مالك المُلك، تستحوذ علیهم إرادة البقاء في السلطة بإستبعاد أو إستئصال كل معارضة و كانوا لا يثقون بأحد ولو كان من أقرب المقربين اليهم، وهكذا کان هاجس حفظ أمنهم الشخصي بممارسة الرقابة والارهاب علی كل من عداهم. لذا قاموا بإنشاء أمناً مضاعفاً و مركباً تتعدّد أجهزتهم لكي يراقب بعضها البعض أو يرهب بعضها البعض أو يتربّص واحدها بالآخر، الأمر الذي أدی الی طغيان العقل الأمني علی الدولة والمجتمع والناس. والحصيلة كانت إلغاء الحيز العام والمداولة العلنية والمحاججة العقلانية، فضلاً عن هدر الأموال و نهب الثروات وضرب مشاريع الإنماء، وولادة الوحدانية والنرجسية وعبادة الشخصية وإرهاب الحزب الواحد وعسكرة المجتمع كل العناوين المتعلقة بالحرية و الديمقراطية و حقوق الإنسان و المجتمع المدني، لإحالتها الی أسماء خاوية جوفاء و طقوس أمنية بنوايا عفنة.
بالرغم من كل ذلك كانت هناك نشاطات سياسية، حيث لعبت بعض الأحزاب و بالأخص الكوردستانية منها دوراً تاريخاً نضالياً مشهوداً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، رغم ملاحقة منتسبیهم و أعتقالهم أو أعدامهم و تشريدهم.
أما بعد سقوط نظام الطاغية صدام عام 2003 و إنهيار منظومته الإيديولوجية القومية بمسلماتها الثابة وأطرها النظرية و آلياتها العملية و ولادة جديدة لأكثر العراقيين الذين شعروا‌ بعودة الروح بعد خروجهم من مؤسسات الرعب الاقصی والرقابة الشاملة التي كانت تحصي الأنفاس و تصادر العقول والاجساد، ظهرت مجموعة كبيرة من الأحزاب السياسية والدينية و خاض بعضها الانتخابات وحصل على مقاعد في البرلمان الإتحادي، و حصل البعض الاخر على مناصب حكومية، لكن الفرد العراقي يناقش نفسه حول دور هذه الاحزاب في العملية السياسية في العراق وفيما إذا كانت لها توجهات وطنية أم أغراض أخری وأجندات تحملها أو طموحات فردية المادية منها والمعنوية.
صحيح بأن هناك جهات خارجية تغذي المشاكل المتواجدة وفقاً لمصالحها الاستراتيجية و هناك اختلافات حول دور الدين ”الإسلام ” في السياسة و هناك اتجاهات نحو فصل الدين عن الدولة وهناك توجهات إسلامية أصولية، وتيارات وسطية، لكن ما نراه، بعد أن انسحبت قوات الاحتلال وبدأت مرحلة الاعتماد على الذات، أن القسم الكبير من هذه‌ الأحزاب تنظر الی الساحة السياسية كفرصة تاريخية تسنح لها تحقيق مصالح وغايات آنية بعيدة عن الاهداف والمصالح العامة التي تخدم الوطن والشعب.
ومن الواضح بأنه ليس بالامر الهين أن يتحول بلد مثل العراق، الذي حكمه نظام الحزب الواحد لعقود طويلة من الزمن، الى نظام تعدد الاحزاب السياسية، وليس من السهل أن تتحول الممارسة الدكتاتورية في ليلة وضحاها الى ممارسة ديمقراطية. فمن أجل الوصول الى حالة التعددية والديمقراطية لا بد من وجود أدوات للتحول صوب العمل الديمقراطي، ولابد من وجود أحزاب سياسية مهنية وفاعلة تعي دورها وعملها الحزبي كتنظيم سياسي، فلا يصح ان تعود تلك الاحزاب دائماً الى نقطة الانطلاق الاولى عند تشكيلها لمجلس النواب والحكومة وبقية المؤسسات بعد ان تنتهي ولاية الحكومة والبرلمان السابقين، وتشرع بتفسير مواد الدستور الذي كتبته بيدها على وفق مصالحها لتجد لنفسها منافذا تتيح لها الاستئثار بالسلطة والتغاضي عن مبدأ التداول السلمي لها والاقرار بنتائج الانتخابات التي تعد واحدة من ملامح النظم الديمقراطية.
لنكن أقل إدعاء، لكي نصنع عالماً أكثر صلاحاً و نفعاً، ولنخلق مساحات و صيغ و قواعد للتعايش السلمي، فالكل يدعوا الی الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة وعودة العقد الاجتماعي المنفرط والحفاظ على سلطة القانون وحماية حرية المواطن وثروات البلاد، لكن الواقع تصدمنا، فالكثير منها تخرق وتحرق باستمرار إدعاءاتها حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية والمساواة.
أما الزعماء الذين يتولون قيادة الأحزاب، فالکثير منهم لا يتخذون من العقلانية منهجاً لعملهم السياسي، كي يقومون من خلاله طرح أسئلة علی نفسهم، فيما إذا کانت أحزابهم قد حققت غایاتها و فيما إذا هم يحترمون مبادیء أحزابهم و الأفكار و النُظم الداخلية، كي لا يتحولوا الی نتاج لجروح الذاكرة ومآزق الحضارة، بقدر ما لا يصبحوا ثمرة سیئة لثقافة دينية إصطفائية أو لثقافة سياسية مأزومة وكي لا يشكلوا هم أنفسهم مصدر من مصادر الأزمة بعقلية مغلقة و مقولات مفلسة. فالذي يفكر علی نحو تداولي يعمل علی كسر المنطق الكلاني أو الشمولي، الذي يعمل أصحابه تحت أمبريالية المعنی و ديكتاتورية الحقيقة أو تحت عبادة الأصول و أحادية النمط والنماذج.
العالم في هذا الزمن الكوكبي يتغيّر و يعاد تركيبه من جديد لفتح آفاق بشرية جديدة، من سماتها الاختلاط والهجنة والهويات المركبة والمتعددة، وكذلك العبور نحو فضاءات متغايرة نتجاوز فيها ما يعمل علی إنتاج المآزق والكوارث، بقدر ما ننجح في إختراع مفاهيم و معايير وقيم و مؤسسات وأطر و علاقات جديدة بين البشر مفرداتها وعناوينها التوسط والتداول والمشاركة و الإعتماد المتبادل. وعلی الدولة أن تكون أداة توحیدیة منفصلة عن المصالح الفئویة، وأن تصبح السلطة قوة تعمل من أجل المجتمع بکاملها. القادة الكوردستانيون يشاركون اليوم بشكل فاعل في بناء عراق فدرالي متعدد، لكن فاعليتهم يجب أن تكون بضوابط معينة من ضمنها اخذ تعهدات و ضمانات من "التحالف الوطني" بتطبيق المادة الدستورية 140  التي طال انتظار الشعب الكوردستاني لتنفيذها باعتبارها جزءاً من الحقوق الدستورية. فوظیفة الدولة الأساسية هي إذن تحقیق التلاحم المجتمعي و تحمل مسؤولیة حمایة الدستور والحفاظ على بنوده و فضح المنزع العنصري الذي يعمل أصحابه بعقلية التمييز و الفرز أو التطهير والتصفية من حيث العلاقة مع المختلف والآخر. 
النظام السیاسي یبقى مستقراً إذا كان نظاماً دیمقراطیاً تعددیاً، وإذا لم یکن هناك مؤسسة رسمیة أو غیر رسمیة تسعى إلى تغيیره. و السعي في خلق إمتيازات لطائفة مذهبية أو قومية معينة علی حساب الشعب الكوردستاني والطوائف والأقليات الأخری، يؤدي الی نمو الشعور بالتهمیش والاقصاء من قبل الأطراف المذكورة، الأمر الذي یشکل المعادلة الصعبة لتحقیق استقرارالنظام السیاسي في العراق وبالتالي يجعل العراقيين يبقون عاجزين عن تجاوزها والانتقال بذلك إلى المجتمع المدني و إقامة نظام سیاسي دیمقراطي تعددي یقوم على أسس دیمقراطیة صحیحة، متحررا بذلك شیئاً فشیئاً من التجاذبات الإقليمية والدولیة التي تعد السمة الأساسية في خلق الفوضى ودوامة العنف في المشهد السیاسي العراقي.
من يتعامل مع الديمقراطية والفدرالية بعقل أحادي هو كمن يقوم بالجزم بعقل أصولي أقنومي، مآل عمله هو المزيد من الفوضی والفشل والإفلاس والخراب.
إن كل محاولات التقريب والحوار بين الکتل السياسية المتنازعة في العراق محکوم علیها بالفشل ما دامت لغة التسبيح بحمد "رئيس الحکومة" بصورها المختلفة من قداسة و عصمة أو صفوة و بطولة و نجومية في "يوم العراق" تجعل علاقاتنا بالحرية تقوم علی المفاضلة والاستبعاد بقدر ما تجعل علاقاتنا بالعدالة تبنی علی الفساد الإداري و ما دامت لغة الخلق والابتكار و مفردات الشراكة تبقی مهجورة، لكي تشكل المواقف الدغمائية والمتاريس العقائدية والعقلية الأحادية والنخبوية التي تولد الاستبداد والإقصاء صُلب الفكر السياسي و العدسة التي من خلالها يری الواحد الی غيره.
أما مقاومة التمرس بخلقية جديدة يعاد معها بناء الذات علی نمط مغاير، بحيث تتشكل قناعات مغايرة نتحرر بها مما هو مقدس و مطلق و مغلق و ذاتي و نقي و ثابت و كامل و كلي و نهائي، من حيث العلاقة مع الهويات و القضايا أو مع الحقوق والمصالح، تؤدي الی إخفاق مشاريعنا، لأننا بها نموه المشكلات و ننفي الحقائق و نمارس الخداع والزيف.
وختاماً: لنعترف بما نحن عليه أو فيه، لكي نتعرف إلی أنفسنا و نشخص واقعنا. هل نحن قادرون حقاً علی إحداث تغيير في مجری العراق الراهن، حيث الأزمات تصنع أعطالها و كوارثها، و حيث الفكر الطائفي والقوموي لدی "دولة القانون" يولد أمراضه الخطيرة والفتاكة؟
نحن إذن علی المحك، و علينا أن نعرف بأنه من أراد بناء الدولة الحديثة و الإزدهار علیه بالإبتكار، بحيث لايقتصر علی الوصفات الجاهزة، خاصة أذا كانت تلك الوصفات مجرّبة. 
د. سامان سوراني
 

129  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الإلتزام بالدستور وفلسفة الشراكة الحقيقية في العراق الی أين؟ في: 12:51 27/12/2011
الإلتزام بالدستور وفلسفة الشراكة الحقيقية في العراق الی أين؟

الأزمة السياسية الراهنة بين کتلتي "دولة القانون" و "العراقية"، بأسمائها المتعددة و صعدها المختلفة باتت الشغل الشاغل للناس في العراق  من غير إستثناء، إذ هي بانفجاراتها المتلاحقة و تداعياتها المفاجئة تخلط الأوراق و تخربط الحسابات، بقدر ما تمس المصالح و المصائر في الصميم. 
هذه التداعيات الجارية علی الساحة السياسية تتطلب منا تفعيل المبادرة و فرص الحل التي وضعتها في السابق القيادة الكوردستانية في أربيل للوصول الی تنفيذ الالتزامات الدستورية.
الديمقراطية هي فلسفة لنظام حكم، من يتحدث عنها لابد ان يتحدث عن فلسفة تملك شبكة واسعة من العلاقات بين القانون والثقافة، بين الحقوق والحريات والمبادئ الدستورية، بين التعددية والانتقال السلمي للسلطة، بين المساواة وحقوق المواطنة وبين العدالة وتكافؤ الفرص. ومن شاء ممارسة التواضع و إستخلاص الدروس و العبر في تشخيص الواقع وإيجاد مخارج من الأفخاخ والمآزق، بعد إخفاق النظريات أو إستهلاك المدارس والنماذج، عليه أن يعرف بأن المصالح والمصائر باتت متشابكة.
التنوير هو حمل الإنسان المسؤولية عن نفسه‌ وممارسته‌ لإستقلاليته‌ الفكرية، باستخدامه عقله في تدبر وجوده وإدارة شؤونه، من غير مصادرة أو وصاية من جانب مرجعية لاهوتية أو سلطة مقدسة. أما الشراكة فهي لا تعني سوی فك الوصاية علی الهويات والقيم، ما دام تأمين المصالح و صنع المصائر هو صناعة مشتركة يساهم فيه‌ كل واحد من موقعه‌ و حقل عمله، من غير إدعاءات دينية أو قومية  أو طائفية. و هدف ممارسة عقلية الشراكة هو الوصول الی کسر المنطق الأحادي والفوقي. فالذين يشهرون سيف الدفاع عن العراق بعقلية القوقعة والمحافظة، إنما يدافعون في الحقيقة عن أسوأ التقاليد و أكثرها عمقاً، لتبرير المزيد من المساویء والأخطاء، والمآل هو تدمير الحاضر و إفتراس المستقبل.   
ولو تصفحنا أوراق التاريخ الأوروبي قليلاً لرأينا بأن الدولة الفدرالية تنشأ إما عن طريق إتحاد و إنضمام عدة مناطق مختلفة و ولايات أو دول مستقلة لتشكل سوية دولة فدرالية أو بقرار جماعي و حفظاً لمصالح الجميع أو عن طريق تفكيك دولة مرکزية و تحويلها الی دولة فدرالية بخلق ولايات و أقاليم ذات كيانات دستورية مستقلة، لتوحيدها بمقتضی دستور متفق عليه علی أساس اتحاد فدرالي.
و كلمة الفيدرالية، "فيدراليزم"، تأتي من المصطلح اليوناني "فيودوس" الذي يعني العقد الوثيق والتحالف "العصبة" والاتفاق بين مكونات مختلفة، ومن ذلك يكون مفهوماً لنا  بأن ما تضمنه فكرة الفيدرالية ليست انفصالية كما يزعم البعض من أنصار السلطة المركزية ويهاجمونها. 
فالفدرالية إذن تحفّز طاقات ومواهب الدولة على طريق بناء المستقل. و من خصائص الدولة الفيدرالية، أنها تقوم على أساس فكرة الاتحاد وليس الانفصال، وهذا ما نراه جلياً في دساتير الدول الفيدرالية جميعاً، بوجود نظام المجلسين عوضاً عن المجلس المركزي الواحد، فهناك المجلس الأعلى الاتحادي ومجالس الأقاليم. 
وفيما يخص العراق، فأن الواقع التاريخي لهذا البلد أثبت أن المركزية أدت الی إختزال الوطن في جماعة معينة وبالتالي في حزب و فرد معين. صحیح بأن النظام الفدرالي لا يؤدي دائماً الی التعايش السلمي والتآلف و لايعتبر أحسن النُظم في كل الاحوال و في كل البلدان، وإن اعتماده في بعض البلدان يمکن أن يكون له انعكاسات سلبية علی تنمية الولايات والاقاليم تنمية متوازنة وأن يسهم في زيادة التفاوت بين هذه الاقاليم علی الصعيدية الاقتصادي والاجتماعي، لكننا نری بأنه لابديل للفدرالية في العراق في هذه الظرهوف، لعراق لم يكن مهيئاً لاستقبال مثل هذه المصطلحات السياسية الثقيلة، أي دولة اتحادية (فيدرالية)، هكذا نصت المادة الأولى من الدستور العراقي الحالي، الذي جرى الاستفتاء عليه في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، لذا كان من واجب الأحزاب العربية الدينية منها و العلمانية والتي وافقت علی هذه التركيبة الجديدة في العراق العمل الدؤوب من أجل نشر ثقافة الفدرالية والتعايش السلمي و رفع شأن مفهوم المواطنة بين  أعضاءها و مؤيديها، لكننا لم نری ونسمع من الكثير منهم سوی إستعمال لغة الطائفية کوسيلة للتعبئة ودق طبول الحرب و كذلك نداءات التجييش والانتقام.   
و حتى لا يعود العراق للمربع الأول، أي مربع الفتنة الطائفية والاقتتال الأهلي و لتصغير حجم المشهد السياسي المتأزم يستوجب في العراق قيادة سياسية فاعلة تؤمن بما تقول و  تعمل على إزالة كل مخلفات فلسفة الطائفية والاحتراب الذي خلقته انعدام الثقة والحساسيات و تسعی جاهداً في سبيل الشراكة الحقيقية و الالتزام بالدستور، الذي وصفه السيد رئيس الوزراء الحالي عام 2006 بأنه "أرقی دساتیر العالم، لأنه يکرس مفاهيم الحرية والديمقرطية و إحترام حقوق الإنسان و بناء مؤسسات الدولة و سيادة القانون" و عليه أن لا تدعم لغة الاحتراب السياسي التي تقود البلاد الى الخسران المبين.
إن إعلاء مبدأ الدولة المدنية يضمن حل إشكالية التوزيع العادل للسلطة والثروة في إطار مؤسسات وتشريعات تسهرعلي تحقيق مبدأي المواطنة والتلاحم الوطني اللذين يعتبران حجر الزاوية في بناء دولة متعددة الأعراق والأديان والمذاهب.  والحوار وحده هو المدخل الصحيح للحل المفضي لاحترام الدستور وتنفيذ بنوده.
علينا أن نعرف بأي نمط من العقلانية نقارب الواقع و بأي شكل من أشكال الديمقراطية تدار الحکومات و بأي مفهوم تمارس الحريات و بأي نظام للعدالة توزع الثروات؟ وما نحتاجه، هو بلورة عُدّة فكرية جديدة و مختلفة بمفردات مثل البعد المتعدد، المسؤولية المشتركة، الإعتراف المتبادل والفكر المركّب. لنستلهم و نستثمر مقولات فلاسفة الغرب في السلم والحرية والديمقراطية علی نحو جديد و نترك رفع شعارات کهول ثقافات العقائد الإصطفائية والايديولوجيات الحديدية الثورية والتحررية و عجزة الحداثة. 
وختاماً: "من يريد صناعة الحياة المشتركة و صياغة البناء المشترك عليه کسر النرجسية الدينية و الزحزحة عن مرکزیته القومية لکي يخرج من قواقعه الاصولية و يتحرر من تهويماته القوموية الإصطفائية و يجدد الرؤی والتصورات و يعيد بناء القناعات، باجتراح لغة جديدة مع الذات والغير والعالم."
د. سامان سوراني


130  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / التيارات الإسلامية المتطرفة و التعايش السلمي في إقليم كوردستان في: 18:29 10/12/2011
التيارات الإسلامية المتطرفة و التعايش السلمي في إقليم كوردستان

مع ظهور التنين المذهبي برز وعاظ و أنبياء جُدد قاموا باحتلال المنابر و زوايا الجوامع، لكي يقولوا بملء أفواههم ويعلنوا علی الملأ بأنهم انتخبوا کأوصياء علی شؤون الحقيقة والحرية والعدالة، يعلون من شأنهم كمسلمين ليخفضوا من قدر الآخر المسيحي أو اليزيدي أو البوذي تمهيداً لاستبعاده واستئصاله، هدفهم الأول والأخير هو صناعة نماذج أصولية و مخربين سذجة يُستخدمون كمطارق آلية لهدم ثقافة التعايش السلمي. هذه العملة وجدناها في الديانات الحديثة أيضاً كالنازية والستالينية والماوية، ونعني بالعملة إرادة االإستئصال والممارسات الفاشية أو البربرية ضد الآخر بسبب إنتمائه العرقي أو الديني أو القومي أو الطبقي.
إنهم يتعاطون مع الأشياء من منظور أصولي تراجعي و يجعلون من الدين مصدر عداء و بغض و صدام. و بنفيهم الواقع الجديد لا يريدون الخروج من تمترسهم وراء الهويات المغلقة أو الجامدة و لا يتركون قوقعتهم الفكرية ولا يهتمون قيد أنملة بما يجري في هذا العالم من أفكار و أحداث. شعاراتهم فقدت مصداقيتها من فرط خوائها أو من فرط إنتهاكها،     
 فما جری يوم الثاني من كانون الأول عام 2011 لم يكن دسيسة، ولا هو بالطبع، مجرد انحراف عن الخط المستقيم، كما يعلق عليه المعلقين السياسيين، الذين صدمتهم التصرفات الفاشية والأعمال البربرية. فما نستنكره من تصرفات أولئك الشبان، الذين كانت الشرطة تحاول صدّهم عن التخريب يوم قيامهم بالتظاهرة تحت شعار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، هو ما زرعناه منذ عقود في العقول والنفوس من نصوص و تعاليم و معايير و أحکام و فتاوی لا تعترف بالآخرين الذين نطالبهم بأن يعترفوا بنا و بمقدساتنا.
فما ندينه و نتبرأ منه هو من بنات الفكر الأحادي و العقل المغلق والعقيدة الاصطفائية و الهوية النرجسية و ثمرة ثقافتنا و مؤسساتنا التعليمية الدينية، التي تنتج الأرهابي والمخرب، کما تنتج الأبله الثقافي المقلد لشيخه أو إمامه تقليداً أعمی، فضلا ًعن المفسر المشعوذ، الذي يدعي أن كل ما أنتج من المعارف العلمية الحديثة، منصوص عليه في القرآن. الداعمين لسياسة العنف الاجتماعي و الديني يسعون لإيقاظ الفتن و الصراعات القديمة النائمة في أقاصي الذاكرة وفي کهوف التاريخ و يؤججون الذاكرة الموتورة، لكي تبرز علی السطح و تترك مفاعيلها السلبية، ولكي تترجم کفتن مذهبية أو طائفية بهدف تمزيق المجتمع الكوردستاني، الذي هو اليوم بأشد الحاجة الی الوحدة والإتحاد في سبيل الوصول الی حقوقه المشروعة. 
وهذا مآل الفكر الاحادي والاشتغال بمنطق التسامح الذي يقوم علی التساهل مع الآخر، مع الاعتقاد بخطأه والانتقاص من مشروعيته، أنه يلغم المجتمعات والهويات، بقدر ما يطمس أو ينفي ما تنطوي عليه من التنوع والتعدد.
فالهجوم علی محلات لبيع المشروبات الروحية و أماكن مدنية للراحة والاستجمام والنقاهة تابعة لطوائف دينية أو غيرها في بعض المدن والأقضية الكوردستانية، هي حصيلة التمترس وراء الثوابت المقدسة وعبادة الأصول والسلف، فهي محاولات لزرع الفتن أو التوترات، التي تلغم أو تسمّم صيغ التعايش بين الأديان والطوائف، لكي تعيدنا الی الوراء، بعد أن بدأنا بخطوات نحو الأمام للاندراج في عالم الديمقراطية و بعد أن رفعنا شعارات التحديث والتنوير والتقدم وبعد أن أردنا أن نكون نموذجاً مدنياً و حضارياً في المنطقة في عصر عولمة الهويات و بروز المواطن الكوسموبوليتي.
للأسف نقول بأن الحداثيون والنخب المثقفة في كوردستان بمجاملتهم للتيارات الدينية لم يستطيعوا فهْم دفع المجتمع نحو الفضاء العلماني المعاصر والطيف الديمقراطي الحقيقي، كما لم يحسنوا هم أن يتغييروا، لذا نری هبوط شعاراتهم وفشل العديد من مشاريعهم وتحول بعضهم الی ملحق لرجال الدين بشعاراتهم ومشاريعهم، فظاهرة المد الإخواني ومحاولة التيارات الدينية من جديد لإکتساح ساحة الفكر الكوردستاني دليل علی إرتداد الكوادر الحزبية الحديثة الی قواعد الطائفة التقليدية و الانتقال من جلباب الأب الی عباءة الفقيه.
فلسفة التعايش السلمي بين المذاهب و الأديان و الطوائف دليل الحضارة و الرقيّ الاجتماعي ووسيلة للشفاء من الداء المزمن عندنا  والمستحكم في نفوسنا و عقولنا. الداء الذي يصادر حرية التفكير و يشلّ إرادة الخلق والإبداع و يدمّر القوّة الحيّة. فرفع شعار الحاكمية الإلهية والعمل بمنطق الفتوی تنتج الإرهاب وانتهاك الحرمات والحدود والسعي الی أسلمة الحياة تترجم فقراً وجهلاً وسطواً علی منجزات الغير، بقدر ما تدمر صيغ التعايش بين المسلمين و غير المسلمين. أما منطق الفتوی علی هذا المذهب أو ذاك يسمم نظام الحياة ويدمر صيغ التعايش بين المسلمين أنفسهم، كما هي الوقائع الصارخة والمحن المريرة. 
نحن نعرف بأن الدول هي شؤون دنيوية بشرية، مصلحية أو عقلية، تنسب الی بناتها والقائمين بها، كما كان يفعل الأقدمون وأن خلع الطابع الديني أو القدسي عليها من خلال شعارات الحكومة الاسلامية، ينتج المفعول السلبي، دولة لا تحترم فيها القوانين المدنية، جامعة بين مساویء القدامة والحداثة. نهاجم الغرب وثقافته، لكننا نعيش في معظم شؤون دنيانا علی ما ينتج في الغرب واليابان والصين من سلع و أدوات أو علوم ومعارف و خدمات.
لكي لا نسقط في امتحان الفردية والمواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني علينا أن لا ننسی بأن الآخر هو شطرنا الذي لا مفر منه، خاصة في عالمنا اليوم، انه وسيط لا غنی عنه. و من حاول نبذه أو إلغائه أو أبلسته، فانها ترد عليه سوءاً بقدر ما تجعله أسوأ مما كان فيه. وتلك هي المفارقة، مزيد من التأليه والتنزيه، لمزيد من الحرائق والخرائب.
وختاماً: "عقلية التكفير والتأثيم و استخدام مفردات العصور الوسطی ما عادت تصلح للبناء والعمران، بل تخرب العلاقات بين الناس و تسهم في تشويه سمعة إقليم كوردستان في العالم و الإساءة الی ما ندافع عنه."
د. سامان سوراني




131  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / التجربة الفدرالية في العراق الإتحادي و الديمقراطية السياسية في: 15:05 14/11/2011
التجربة الفدرالية في العراق  الإتحادي و الديمقراطية السياسية

يقال بأن لكل مجتمعٍٍ الدولة التي يستحقها والشعب الکوردي في العراق الفدرالي هو جزء من "الأمة الكوردية" المجزأة سياسياً الی أربعة أجزاء بسبب السياسات التي مورست من قبل القوی العظمی بعد الحرب العالمية الأولی والتي تجاهلت الحقوق المشروعة للشعب الكوردستاني ورأت بالدرجة الأولی، بسبب قصر نظرها الأخلاقي، منافعها الإقتصادية وهيمنتها السياسية، ناضل من أجل إثبات هويته و دافع عن وجوده ضد حملات الإبادة بسبب عدم الإعتراف بما يميّزه من خصوصية قومية و ثقافية و تاريخية و المحاولات الفاشلة من أجل صهره بالشعب العربي و إعتباره جزءاً من الأمة العربية، له الحق في بناء دولته التي يستحقها. لكن بدءاً يطمح الشعب الكوردي في بناء مجتمع مدني ينعم بالإستقرار والرخاء و يخدم الإنسان و يضمن حقوقه بدعم مقومات النظام المؤسساتي الدستوري و بناء السلام. لأنه مؤمن بأن نجاح تجربته في الفدرالية سوف يوفر للعراق الفدرالي فضاء الحرية.
وفي نفس الوقت يری المجتمع الكوردستاني بأنه من الضروري إعادة التقسيمات الإدارية وفقاً الی خرائط و إحصاءات ما قبل عام 1968، و ذلك من أجل معالجة التغييرات والتلاعب غير العادلة بالحدود الإدارية للمناطق الكوردستانية التي قام بها النظام السابق. والعمل الجاد من أجل تطبيق المادة 140 من الدستور، بذلك تخطوا الحكومة الفدرالية الخطوة الأولی نحو الإعتراف بالآخر المختلف.
في السابق فشلت الدولة العراقية المرکزية علی مدی ثمانية عقود من السلطة الشبه مطلقة و المطلقة في إزالة المخاوف و خلق فضاء الثقة بين العراقيين بمختلف قومياتهم و طوائفهم. أما اليوم فمن الوظائف الأساسية للدولة العراقية الحديثة بتشكيلتها الفدرالية العمل علی محو آثار ثقافة السياسات الجهوية والطائفية والعنصرية الهوجاء، فالنظام الفدرالي لايمکن أن يتحقق إذا لم يكن هناك نظام ديمقراطي يقطع الطريق علی القوی الشمولية والفاشية وإذا لم يضمن للكوردستانيين خصوصياتهم وحقهم في الإتحاد الإختياري في العراق. 
و من المعلوم بأن نصف الطريق مرهون بما يقوم به أصحاب الفكر في شرح مفاهيم الفدرالية و مفاهيم المجتمع الديمقراطي الذي علينا بناءه والسعي من أجل شيوع التفلسف الصحيح وتحرك الإنسانية فيه، فبالوعي الإنساني ترسخ في نفوس الناس المثل العليا والقيم الروحية والمعاني الجميلة. و لابد من الحوار مع الآخرين والإشتراك معهم في صراع موحد ضد شتی العوائق التي تقف أمام تثبيت بنود الدستور و حمايته من هجمات الإنتهازيين والأيادي الخفية التي تعمل من أجل المصالح الإقليمية و ذلك للنيل من التقدم والرقي المجتمعي في العراق الإتحادي.
في عهد السلطة البعثية الشمولية رأينا بأنه ليس أخطر علی الحياة الفكرية في المجتمع العراقي، من أن تكون "الثقافة" التي يحيا عليها أفراد المجتمع مجرد مجموعة من "الأفكار الجاهزة" أو " الإطارات العقلية الجامدة"، التي يسلم بها الناس تسليما دون أن يحق لهم التساؤل مطلقا عما تنطوي عليه من معان، أو ما تستند إليه من فروض.
الواقع أننا اليوم في العراق الذي يؤمن بالديمقراطية والتعددية أحوج ما نكون اليه إلی "الفكر المفتوح" الذي لا يكف عن الرجوع الی الأصول، والبحث عن الإفتراضات الأولية، دون التمسك بأية آراء مسبقة، أو التشبث بأية أفكار جاهزة، فهو وحده "الفكر الحر" الذي لايكف عن معاودة البحث و مطارحة المسائل، من أجل الإنطلاق في آفاق البحث العقلي، غير متقيد إلا بما يمليه عليه المنطق، و ما يتطلب منه الإستدلال المنهجي السليم.
نحن نعرف بأن الفدرالية هي صيغة تنظيم معقد تسعی للتوفيق بين التعددية والوحدة ضمن مفهوم إحترام الواحد للآخر و الديمقراطية تفترض عقلاً مرناً مفتوحاً يتيح حرية التفكير ويعترف بحق الآخر في أن يكون مختلفاً ويمارس سلطة مفتوحة قابلة للنقاش و إن المعطى الاساسي للحرية السياسية يكمن أولاً واخيراً في الوضعية الاخلاقية للشعب نفسه، ولأجل تفعيل الادوار لا بد من تنظيم مؤسسات مستقلة، وتصبح الدولة بمؤسساتها كافة ضرورة لا مناص منها لإستقرار المجتمع المدني والمحافظة على وحدته وتمتعه بالحرية الكاملة لأداء وظائفه بعيداً عن سلطة الدولة وممارسة دوره الديمقراطي في البناء والتنظيم وكذلك حقه الطبيعي في الحياة الحرة الكريمة.
الحرية الفكرية لا يمکن أن تقوم في فراغ، فنحن اليوم أيضاً أحوج ما نكون الی مفكرين أحرار، أمناء يفهمون أن الشجاعة الفكرية هي الشرط الأول لكل نزاهة عقلية، و أن الصراحة مطلب أساسي من مطالب كل تفكير حر، لذا نراه من الضروري فسح المجال للحوار الفكري و أن ندعو المفكرين إلی مطارحة الآراء الحرة، واثقين من أن كل محاولة للتحکم علی العقول، لابد من أن تكون أسوأ بكثير من أية محاولة للتحکم علی الجسوم، وليس إختلاف الآراء في حد ذاته شراً، بل الشر أن يقوم الرأي علی الجهل والتعصب، وضيق الأفق. ومن المعلوم بأن الحوار الفكري يولد مجتمعا مستنيراً واعياً، شعاره العقل التواصلي، و قوامه الإنفتاح علی شتی التجارب الحية.
علينا ببناء تجربتنا الخاصة بنا في الفدرالية بعيداً عن الوصاية و الإستعلاء و التمييز الذي ظلت تمارسه تاريخياً النخبة المسيطرة على السلطة في العراق. أما المنطق القوموي المعارض للفدرالية و الديمقراطية السياسية فهو يدمّر جسور التواصل والتعايش بين المكونات المختلفة.
و ختاما ً يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926 - 1984): "المقصي سياسياً يظل يمارس ضغوطاته على ما يسمى وحدة الدولة المزعومة".
د. سامان سوراني





 
132  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / أوهام البعثيين الجُدد في زمن إنهيار اليقينيات والمقدسات والمطلقات في: 16:37 10/11/2011
أوهام البعثيين الجُدد في زمن إنهيار اليقينيات والمقدسات والمطلقات 

من المعلوم بأن القراءة الأيديولوجية من قبل البعثيين الجُدد للفدرالية والتعددية هي قراءة وحيدة الجانب تقوم علی التبسيط والإختزال و تتعاطی معها من منطلق الدفاع عن هويتهم القومية وثقافتهم الشوفينية لإنقاذ تصوراتهم الأزلية عن شعاراتهم الزائفة في "الوحدة والحرية والإشتراكية"، بإعتبار الفدرالية وممارسة الكوردستانيين لحقوقهم في الإستقلال ضمن الحكم الفدرالي ظاهرة سلبية ذات نتائج خطيرة علی "الأمة والهوية" أو علی "الوطن والدولة". إنهم يتمسكون بإيديولوجيتهم بوصفها الضامن لمصلحة "العراق الموحد" أو خشبة الإنقاذ من موجة إنشاء الأقاليم. محصلة موقفهم هي التراجع إلی الوراء لإبعاث الفترة المظلمة التي حكموا فيها العراق ببربريتهم و همجيتهم. إن قراءتهم للعراق الإتحادي الفدرالي التعددي قراءة رجعية، لأنهم يطالبون بالعودة الی فترة صدام المقبور لمواجهة الفدرالية، هذا هو مأزق البعثيين الجُدد هذه الأيام، يريدون التقدم ولكنهم لايحسنون سوی التراجع، يقفزون دوماً فوق الأحداث و لايأخذون بعين الإعتبار التطورات والمستجدات علی الساحة السياسية العراقية.
فبعد المآلات البائسة والنهايات المدمرة علی يد دعاة البعث والإنبعاث الصدامي الذين إدعوا في السابق کما الآن بأنهم أتوا للدفاع عن ثوابت الهوية أو "الوحدة العربية من المحيط الی الخليج" أو لمقاومة "الصهيونية والإستعمار"، فإذا بمشاريعهم تترجم بأضدادها: عمليات الأنفال و القتل الجماعي، تفاقم العنف والإرهاب، فتن أهلية و العمل علی تمزيق التعايش السلمي و بربرية تنتهك كل الثوابت والمقدسات. إن حلولهم القصوی لم تنتنج في السابق كما الآن سوی التعثر والفشل و السقوط،  بمصالحهم الضيقة و نزواتهم المستبدة و ذاكرتهم الموتورة و هواجسهم المرعبة و حلولهم المستحيلة و استراتيجيتهم المدّمرة قادوا البلاد الی الحروب و الهزائم والكوارث.
هناك و للأسف في زمن اللغة الرقمية و المعلومة الكونية والحداثة الفائقة، إبتدءاً من التحولات التقنية والحضارية والإجتماعية والثقافية، التي تصوغ الحياة المعاصرة و تشكل المشهد الكوني و إنتهاءاً بإنكسار النماذج وتشظي المراکز و إنهيار اليقينيات المقدسة والمطلقة، إعلام عراقي معاصر تختفي من ورائه قوی سلطوية أو جماعات دينية أو تيارات شوفينية، يحاول أن يشوه القيم الحقيقية و المبادیء الأساسية للحياة الديمقراطي و الفدرالي في العراق الإتحادي التعددي ويريد النَيل من التقدم الثقافي والعمراني في إقليم کوردستان، الذي خرج مثل زهرة النرجس الرقيقة لتخترق صلابة الصخر الأصم لمصافحة وجه الشمس و السعي نحو النور. إنهم يريدون تدمير مستقبل الفدرالية في العراق بواسطة المأجورين من الإعلاميين والكتاب الصحفيين و المثقفين الشوفينيين والساسة البدائيين، أصحاب العقلية المتقوقعة و لغة المناضلة والحراسة، الذين دافعوا في السابق كما الآن بتصنيفاتهم العنصرية و مشاريعهم المستحيلة و بمنطقهم الأحادي والعسكري القائم علی الإنفراد والأقصاء والطغيان عن جرائم الطاغي المقبور ساغوا أعماله و بحثوا عن الأعذار له،  لكي تبقی المنطقة متخلفة و عاجزة و كسيحة و مستهلكة، و غير متحررة تحرراً فعلياً أو منتجة و مبدعة أساساً.
العالم كله تحول لإنتزاع حقوقه بالوسائط السلمية، لكنهم يڕيدون إعادة بناء جمهورية صمت القبور و الزنازين، لمعارضة عودة العراق الفدرالي الی عصبة العالم و إلی الرابطة الإنسانية، كي لا تؤدي دورها المفتقد في صناعة الحضارة.
فبدل تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم، القديمة والحديثة، بعناصر و مقاصد و أبعاد جديدة، علی سبيل الإغناء والتوسيع والتطوير والتجديد و الإبتعاد عن لغة القطع الجازم و الفصل الحاسم و العمل علی إصلاح الفكر والعقل، بصوغ سياسة معرفية يتجاوز الفرد معها عقلية الوصاية والمصادرة نحو عقل الشراكة والمسؤولية و يتجاوز عبادة الأفكار و المثالات نحو لغة المساومة و المداولة،  يحملهم جهلهم و حقدهم الدفين علی تمويه المشكلات و طمس الحقائق، بقدر ما يجعلهم يغفلون عن كونهم يشكلون حجر عثرة أمام التعايش السلمي و تثبيت الأمن أو كونهم مصدراً من مصادر الأزمة في العراق الفدرالي بعقلياتهم المغلقة و مقولاتهم المفلسة في "وحدة العراق". إن التبسيطات النظرية للشوفينيين العرب و دكتاتورية المقولات والقوانين البعثية ولدت إستبداداً في العقيدة والدولة والحزب وعبادة للشخصية والقيادة، و أثمرت العماء الإيديولوجي و الزيف الوجودي و خلقت تراجعاً في القيم الإنسانية والمعارف أو تخلفاً في النمو الإقتصادي والتقدم الحضاري.
من غير الإعتراف المتبادل و نشر مفهوم الشراكة الحقيقية، الذي يستدعي مفهوم التعددية و يستبعد مفهوم المطابقة والإنفراد والأحادية، لا ننمو سوياً و لا يمكن الحديث عن المساواة من حيث الحقوق أو الفرص. الإعتراف يجب أن يشمل الإعتراف بالآخر معرفياً، و خاصة نحن الآن ندخل ولو ببط السلحفاة مجتمع المعرفة.   
وختاماً نقول: "من يڕيد بناء عراق إتحادي فدرالي تعددي، عليه التفكير علی نحو تداولي و السعي نحو كسر المنطق الكلاني والشمولي، الذي يعمل أصحابه تحت إمبريالية المعنی و دكتاتورية الحقيقة أو تحت عبادة الأصل وأحادية النمط والنموذج."
د. سامان سوراني


133  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل الفدرالية واقعة عصر مابعد الدكتاتورية لكسر منطق الأنظمة الشمولية؟ في: 12:34 05/11/2011
هل الفدرالية واقعة عصر مابعد الدكتاتورية لكسر منطق الأنظمة الشمولية؟

من المعلوم بأن أصحاب العقلية الإصطفائية والنفسية المعطوبة والموبوءة ماهرون في إختراع أعداء لهم في الداخل أو في الخارج، هدفهم إختزال الواقع من خلال يقينياتهم الدغمائية و نفي الآخر في غياهب الفكر و العمل علی إستنفار الطوائف والجماعات لصنع أنظمة شمولية أو مجتمعات مغلقة ومعسكرة، يسعون في إطلاق دعوات مستحيلة تترجم دوماً إستراتيجيات قاتلة و مدمرة، لإعادة لغة القرون الوسطی و نصب حواجز البغض والحقد بين الشعوب والطوائف العرقية والدينية و شحن الکتل المرصوصة و الحشود العمياء لکي يكونوا مصنع الکره و العداء ومادة القهر والإستبداد أو أداة الإرهاب و الإستئصال.
هؤلاء يريدون للغير أن يكون نسخة عن الأنا، لكننا اليوم إزاء فضاء حضاري واحد، هو مجمع للثقافات المختلفة من حيث منابعها و جذورها أو من حيث مقوماتها و مضامينها. فحتی الولايات المتحدة، التي نخشی اليوم من هيمنتها، لا تشكل عالماً واحداً متجانساً، بل هي عالم مفتوح علی المختلف و نسق مركب يستوعب المتعدد والمتنوع وهذا هو مصدر نجاحها و قوتها. إذن ما نحتاجه هو تجاوز مفاهيم الثبات والتطابق والتواطؤ والنقاء واليقين الجازم بإبتكار إنسانيتنا من جديد و التمرس بأخلاقية سياسية جديدة.
الفكر الحي هو صلته المنتجة بالحقيقة وقدرته الفعّالة علی قرأة الحدث وصوغه وإعتراف بقوة الحقائق من أجل المساهـة في صناعة الحدث. فمع التغير في المشهد العالمي تغيرت الثقافة من حيث أطرها و مضامينها أو وسائطها و مسالكها وأصبحت أكثر فاعلية. ومن الجليّ أن أداة المعرفة يغير علاقتنا بالمعرفة نفسها في عصر ثقافة الصورة والمعلومة أو الحاسوب و بنوك المعلومات. 
ومع ولادة الفدرالية في عصر الإعتماد المتبادل و المواطن العالمي تفتحت في العراق الإتحادي إمكانات هائلة أمام مجتمعاته، تتجسد في قدرات خارقة علی الفعل والتأثير و لا نبالغ إن قلنا بأن عالماً جديداً تشكل مع ظاهرة الفدرالية، يرافقه فاعل ديمقراطي جديد، يستخدم طرقات سياسية حضارية للتعبير عن آرائه، يتعامل مع الأفكار والمجتمعات والثقافات علی نحو تواصلي و مع الناس کوسيط، لا كوصي أو وكيل، يترك العالم الذي يثير دوماً الفزع والقلق، نقصد هنا بالتحديد عالم غلبة فلسفة الفردية والشخصانية في العمل والقرار والتصرف.
الفدرالية للعراق حدث كبير لا عودة عنه و لاجدوی من القفز فوقه. الممكن هو قرأته و تفسيره بسبر ممكناته وإستثمار طاقاته للمساهمة في صناعة عراق جديد يحترم حقوق الأفراد و المجتمعات والشعوب. و لايمكن التعامل معه و کأن شيئاً لم يحصل، من يفعل ذلك، يقرأ المجريات بلغة ميتة و مقولات متحجرة، علی مايفعل البعض في العراق الإتحادي، الذي يقرأ الفدرالية باللغة الأيديولوجية لحركات التحرر الوطني والإجتماعي.
ومع الحدث العراقي الذي تجسده الفدرالية، تنشأ لدی العراقيين طريقة جديدة في ممارسة وجودهم والتعامل مع واقعهم ويتكون نمط مغاير من العلاقة بالذات و الغير والأشياء و التجربة الكوردستانية شاهد علی مانقول.
لكن ماذا تعني الفدرالية بالنسبة الی وضعية الفرد العراقي والی العلاقات بين الشعوب والطوائف والمذاهب الدينية في العراق الإتحادي؟ هل هي الفردوس الضائع الذي بحث عنه العراقي حتی الآن من غير طائل؟ هل يستعيد العراقيون مع الفدرالية إنسانيتهم الضائعة و حريتهم المستلبة؟ هل الفدرالية حقاً ستوحد العراقيين حيث عجزت من قبل الأفكار الشوفينية والعقائد المستهلكة والإنقلابات العسکرية الدموية؟
الكثير من العراقيين كورداً وعرباً و ترکماناً، کما الآشوريين و الكلدان والأرمن غرقوا في التفاؤل بعد سقوط الطاغية و عند بداية عصر مابعد البعث، أي بعد تأييد الدستور الجديد، ظنوا بأن الحكم في العراق سيصل الی إنسانية أکثر حرية وعدلاً، لكنهم خابوا عندما شاهدوا الذين يتحكّمون في دفتي الحكم والإدارة في بغداد يستخدمون سلطتهم الفردانية في إعطال بنود الدستور و يحاولون، إن أمكن، تغيير نصوصه علی ما يوافق هواهم، ليعيدوا إنتاج الماضي علی نحو أسوأ.
مالنفع من رفع شعارات الجوفاء مثل "دولة القانون والديمقراطية والسيادة والتحرر وطرد الإحتلال والمقاومة والتنمية"، إذا عجز الحکومة عن حفظ الدستور والأمن وضمان السلامة و فقد الإنسان العراقي البوصلة والحصانة والثقة واليقين؟
ففي ظل غياب المنهجية الصحيحة و الإهمال في نشر الوعي الثقافي بين صفوف الناس ومقارعة تأثيرات العسكريتاريا كفكر في الدولة والمجتمع والقوى للانتقال للديمقراطية الحقيقية لا تحل الازمات التي باتت مزمنة ومستعصية بالوعود والشعارات واثارة وإدامة الخلافات.
الذين أتوا بالتغيير والتحول علی الساحات العربية لم يكونوا من الأنبياء الجدد من دعاة العودة لتطبيق الشريعة تحت شعار "الإسلام هو الحل"، بل كانوا ناشطين كشفوا جهل سلاطينهم و فلاسفتهم الخائفين من الديمقراطية الفدرالية و العولمة و رُسُلهم و مُنظّريهم القابعين في سجونهم العقائدية، ابتكروا صيغهم واجترحوا أساليبهم في العمل والتوسط والتدخل، بقدر ما جسدوا نمطًا جديدًا في التفكير والتخيل والاحساس والتعبير والتدبير، فأستطاعوا الإتيان بما عجز نخبهم عنه و کسروا بذلك منطق الأنظمة الشمولية التي كانت تحکمهم طوال عقود من الزمن.
المهمة الآن هي الإنخراط في ممارسة فكرية نقدية تتيح لنا إغناء مفاهيمنا وتوسيعها و العمل علی تفكيك ما هو راسخ و سائد من البنی الفكرية واللغات و المفهومية و النماذج الثقافية والقوالب العقلية والأنساق المعرفية من أجل إعادة التركيب و البناء. حينها يفقد العالم القديم بأصولياته الدينية وتصوراته اللاهوتية الغيبية أو الماورائية رونقه ليفسح المجال لعالم حديث يحمل في طياته فلسفات علمانية و روايات عقلانية و تهويمات إنسانية ليواصل المسير الی عالم العولمة والإبتكارات التقنية للوصول الی مجتمع الوفرة والرفاه والتقدم.
وختاماً: "لا بد من فتح نار الأسئلة علی المقولات المتحجرة والمناهج القاصرة و الثنائيات العقيمة وعلينا فهم الحدث أولاً، لكي نسهم في صناعته."
د. سامان سوراني


134  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الخطاب الوحدوي و العوائق السياسية أمام تثبيت الفدرالية في العراق في: 14:41 01/11/2011
الخطاب الوحدوي و العوائق السياسية أمام تثبيت الفدرالية في العراق

لا شكّ أن للأسطورة سهم كبير في تعبئة الجماهير و تجييش عقولها وذلك من خلال نشر شعارات تعد بتحقيق الوحدة و إستعادة المجد الضائع وتحرير الوطن من "براثن الإستعمار و الإمبريالية" و هي تسهم بقدر كبير أيضاً في تقويض نظام أو إسقاط دولة، لكنها أعجز من أن تسهم في بناء مجتمع ديمقراطي أو صنع نظام فدرالي وعالم مغاير. إنها تستطيع أن تسهم في لأم رؤساء العشائر و التحام العصبيات، ولكنها لا يمكن أن تبني مجتمعاً يقوم علی العقد والدستور والشراكة أو علی العقلانية و الديمقراطية أو تبسط الأرض أمام إنشاء أقاليم فدرالية للوصول الی الوحدة الطوعية المنشودة.
إن داعية الوحدوية القومية ينظر الی الفدرالية بمنظاره الضيق إنطلاقاً من خصوصيته الوطنية أو الطائفية أو الحزبية أو الشخصية، لهذا نراه يستعمل الوحدة ليس فقط لايتسع لکل العراقيين، بل بمعنی يضيق عن وطن أو حزب أو مجموعة لکي لا يتسع إلا لموقعه ووجهة نظره، مستبعداً بذلك الذين ينادون بإنشاء الأقاليم الفدرالية الی دائرة العمالة والتصهين والرجعية، بأعتبارهم أعداء مغرضين، هدفهم تقسيم العراق "لغرض توطين الفلسطينيين المطالبين بحق العودة من خلال مخطط خارجي لجعل العراق المقسم وطناً بديلاً لهم".
هذا شأن العقل الوحدوي الملغوم بمنطقه التبسيطي الإختزالي، لايفهم من الفدرالية إلا إجتهاده الخاص، ينتظر اليوم الذي يأتي ليصحح الدستور و يمحو فيه كلمة الفدرالية، التي هي حسب رأ‌يه "تمزيق لجسد العراق و خيانة لها مرارة العلقم".
المادة 116 من الدستور العراقي الفدرالي تنص على أنه يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه، يقدم أما بطلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو بطلب من عُشر الناخبين في المحافظة. ومن المؤكد بأنه لو قام أعضاء مجلس أي محافظة من محافظات العراق الفدرالي بالتصويت علی على تشكيل الإقليم سوف يرفع هذا الطلب إلى مجلس الوزراء. أما مجلس الوزراء فهو ملزم بحكم القانون أن يحول الطلب خلال 15 يوماً إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والقيام بتوفير القضايا اللوجستية لإجراء الاستفتاء عليه.
لكن أصحاب الفكر الوحدوي يعملون بمطلقات هشة وتهويمات أيديولوجية و مواقف دغمائية و متاريس عقائدية من أجل تحويل فطرة المجتمعات في العراق الفدرالي الی فاشيات حزبية حديثة لإعادة إنتاج العصبيات القبلية والدينية بشكلها الأسوأ و إلغاء التنوع والإختلاف والتعدد. إنهم بمنطقهم الثابت والمتحجر والمنغلق يتهربون من حمل التبعة لألقائها علی الغير و يتحدثون عن المؤامرات التي تدبر  الخارج لتغطية العجز عن التدبير في الداخل و يرفضون العمل علی أنفسهم أو الإنشغال علی ذواتهم لکي يتحولوا عما هم عليه، بنسج علاقة جديدة من العالم ينجحون في تغييره.
الشعوب اليقظة والمجتمعات الحية تتغيّر حتی لاتفوتها الفرص و تهمشها المتغيّرات، و ذلك بحشد العقول وإنشاء مراكز البحث والإشتغال علی الذات بالمراجعة والمحاسبة أو بالنقد والفحص لإنتاج الجديد والفعّال من الأطر والسبل أو السياسات والإستراتيجيات أو الصيغ والمعادلات.
کفی التعامل مع الشعب العراقي بوصفهم رعايا أو قاصرين يحتاجون الی شخص إستثنائي، يلعب دور المنقذ والمخلص، بحيث ينوب عن المجتمعات العراقية في التفكير والتقدير والتدبير، بوصفه أولی من الجميع بأنفسهم. إن عقلية الذوبان في الشعارات أو قضية "العراق الموّحد" و ممارسة طقوس العبادة للزعيم والقائد والمرشد والبطل المنقذ، هي نقيض العقلانية والإستنارة والحرية والديمقراطية، تصنع القطعان البشرية و الكُتل العمياء، التي هي مادة الإستبداد و آلة الإرهاب. والنتيجة كما أثبتتها تجارب حقبة البعث والدكتاتورية هي التأخر و شلّ الطاقات اللانهائية للعراقيين علی الإبتكار للحلول والمخارج.
"العراق الموّحد" مصطلح عروبي مبتذل و معنی بعثي مهجور و سيف يأسر العراقيين و هوام يستبد بهم، لكن "العراق الأتحادي الفدرالي" بأقاليمه وجمهورياته المستقبلية قد يستطيع أن يكون رمزاً للقوة والفاعلية والقدرة علی الخلق والإبتكار و علامة علی الحضور والإزدهار. وليعلم الذي لا يعلم بأن الثورة في تقنيات الإتصال ووسائط الأعلام ذات مفاعيل وحدوية أكثر من أكداس من الشعارات المهجورة و الخطابات النارية في هذا الزمن المعولم. أن كلمة الدولة نابعة من التداول و يعني بأن يواجه الإنسان مصيره بنفسه و يتعرّف إلی حقيقته‌ عبر تاريخه، حينه يکسب التاريخ صفة مشروعة و شرعية و الفيدرالية هي عبارة عن تسوية صعبة تتم بين عدة فئات متصارعة او متنافسة على السلطة والنفوذ والثروة والوظائف داخل نفس البلد الواحد.
و كلمة فيدرالية مأخوذة من الكلمة اللاتينية foedus والتي تعني ميثاق، والغرض منها هو اشتراك عدة قوى في كيان واحد بحيث تكون لكل واحد منها صلاحيات متساوية وتخلق فيما بينها كيانا جديدا مترابطا، كما أن كلمة ميثاق يتضمن معناها أيضا وجود رابط أخلاقي فيما بين المشتركين يتعاملون به مع بعضهم البعض بمقتضى روح القانون وليس حَرْفية القانون.
والنظام الفيدرالي هو آخر ما توصل اليه علماء أوروبا وفلاسفتها بعد طول تفكير في الشؤون السياسية، وكان فيلسوف التنوير الألماني عمانوئيل كانط (1724-1804) من أكبر مؤيدي هذا النظام، الذي طُبّق في أرقی دول العالم من حيث التقدم العلمي والتکنلوجي، كالنمسا المؤلفة من تسع دول فيدرالية، والمانيا المؤلفة من ست عشرة ولاية او اقليماً، وكل اقليم يشكل دولة مستقلة على المستوى الداخلي، وكندا المؤلفة من عشرة اقاليم مستقلة ذاتياً ومتحدة مع بعضها البعض في آن معاً و کذلك أستراليا المؤلفة من ست مقاطعات أو دول و بلجيكا المنقسمة الى ثلاثة اقاليم اساسية على الصعيد اللغوي. من يتهم الفيدرالية بالتقسيم والانفصال والخيانة، لم يفهم من هذا النظام شيء يذكر.
السؤال هو، لماذا كل هذه الإجتماعات المتواصلة مع رؤساء العشائر، التي كما نشاهد ردود أفعالهم ينتظرون أنبياء و زعماء ملهمين لكي يقودونهم؟ هل أن المجتمعات في العراق الإتحادي الفدرالي لم تنضج بعد من حيث بنيتها و ثقافتها، لكي تصبح مؤهلة لممارسة الديمقراطية؟ 
النرجسية السياسية، أياً كان ممارسها، هي مصدر ضعف بقدر ما تجعل الواحد يعتقد أنه يمتلك الحقيقة وحده‌ دون سواه‌، و بقدر ماتحول بينه و بين الإنفتاح علی الواقع والمستجدات أو الإفادة من تجارب الآخرين و إنجازاتهم، هذا النوع من الدور النخبوي فقد مصداقيته و بات من عوائق الفهم لمجريات العالم.
وختاماً: من يريد أن يدمّر صيغ التعايش السلمي بين المجتمعات في العراق الفدرالي فليتوجه بفكره الوحدوي نحو الأصوليات الإصطفائية، المذهبية أو الدينية أو القومية، التي يشتغل أصحابها بمنطق التكفير و التخوين أو بعقلية النبذ والإستبعاد و الإلغاء و لتقرأ علی  عقلية الشراكة والمداولة والإحساس بالمسؤولية المتبادلة عن المصائر والسلام و العدالة والحرية الفاتحة. 
الدكتور سامان سوراني
135  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جمهورية كوردستان العراقية نموذج للجمهوريات المستقبلية في العراق الفدرالي في: 18:17 30/10/2011
جمهورية كوردستان العراقية نموذج للجمهوريات المستقبلية في العراق الفدرالي

من المعلوم بأن أساس الفدرالية هو الديمقراطية و التعددية و أنه لا حياة للفدرالية بدونها، و أن حق تقرير المصير هو في جوهره حق جماعي للشعوب، وقد أصبح  هذا الحق في عرف القانون الدولي الحالي جزءاً لايتجزأ من حقوق الأنسان. و ما المساواة الكاملة بين  الشعبين الكوردي والعربي إلا مفتاح للحلول و الطريق الذي لا بد من سلوكه لبناء عراق ديمقراطي تعددي جديد له الطاقة لمحاورة الدول الإقليمية والغرب كالند للند. الفرصة الآن سانحة أمام هذين الشعبين لكي ينخرطوا في المناقشة العالمية، للمساهمة البناءة والمثمرة في تطوير مفهوم الديمقراطية و فتح ممكنات جديدة أمام العمل الديمقراطي.
الدولة هي حقيقة و سلطة الواحد علی الآخر، فهي واقعة أصلية لاتنكر، وقد بدأت بالأسرة  ثم بالقبيل و انتهت بالدولة. ما نريده ليس إنكار السلطة بل إضفاء المشروعية عليها. وطبعاً، و من نافلة القول بأنه لا ممارسة بلا نظرية، و لا فاعلية من دون شكل من أشكال العقلنة، للنشاطات والتصرفات، يتيح الحصر والضبط والتنظيم، نمذجةً أو قولبةً أو برمجةً. أما السياسة فهي لا تظهر و لا تتم ممارستها إلا بالسلطة. إن إدعاء الحكومة الفدرالية للديمقراطية ثم إلغاءها أو تقييدها لحرية المؤسسات السياسية الفاعلة و تحجرها في تنفيذ مواد الدستور و منها المادة 140 و إغلاقها لأبواب إنشاء أقاليم فدرالية علی غرار إقليم كوردستان بالمسامير لايبقي من الديمقراطية في العراق سوی حفنة من شعارات معلقة علی الجدران ينتهي مفعولها بعد إنقضاء المناسبات.
والدولة الفدرالية هي إتحاد إختياري بين أقاليم و جمهوريات متعددة، إثنتين على الأقل، فيحق لكل من هذه الأخيرة الأنفصال عن الدولة الفدرالية و إعلان إستقلالها و ممارسته بشرط مراعاة قواعد الديمقراطية. والفدرالية تتمثل أيضاً بشعور الأنسان الفرد بالأنتماء الى مجموعات مختلفة لا تتعارض فيما بينها.
في الغرب شاهدنا إنفصال الجمهورية السلوفاكية عن الجمهورية التشيكية بشكل سلمي ناجح بحيث أصبحت دولة مستقلة بذاتها عن طريق إستفتاء إقتصر على السلوفاكيين، أما الجمهورية التشيكية فقد قبلت بهذا الإنفصال. أما في كندا، فقد نظمت حکومة كويبك في أقلیمها إستفتاء لسكانها مرتين تسألهم فيما إذا كانوا يرغبون في الأنفصال عن كندا أم لا. ولم تستطع حكومة كندا الفدرالية منع هذا الأستفتاء بإعتباره حقاً طبيعياً و ديموقراطياً و لكن نتائج الأستفتاء كانت في المرتين بنسبة نحو 49,5 % من السكان لصالح إستقلال كويبك و نسبة 50,5 % لصالح البقاء ضمن الدولة الفدرالية. لقد بدأت كندا حياتها الفدرالية بدستور شديد المركزية ولكنها الآن من أكثر النظم الفدرالية لامركزية في العالم - أو بالأحرى ثاني دولة الأكثر لامركزية بعد سويسرا.
أن النظام الفدرالي يمكن أن تتعمق جذوره في المجتمع ويمكنه أن يقوم بوظائفه الدستورية حتى لو كان تطور هذا المجتمع ونظامه الفدرالي يتبعان مساراً لم يكن متوقعا أو حتى مرغوبا في البداية.
وفي أفريقيا نری بأن نيجيريا بدأت كجمهورية فدرالية متكونة من ثلاثة أقاليم عام 1963 ولكن بسبب ما أوجده ذلك من عدم استقرار، وجدت نيجيريا مضطرة بمضاعفة عدد الوحدات الإقليمية ذات الصلاحيات القانونية، واليوم يتألف النظام الفدرالي النيجيري من 36 ولاية وإقليم للعاصمة الفدرالية.
الإقصاء هو صفة ملازمة لكل فكر ضعيف أو متستر أو مداهن، يستمد قوته من تهميش الآخرين فإن لم يستطع و علت أصواتهم عليه ألصق بهم أشنع الصفات ليظهرهم على أنهم أعداء للحق الذي ينفرد بإمتلاكه. يعيش هذا الفكر بالقوة فقط فمتى ما زالت قوته زال، فهناك حکومات مجاورة للعراق تؤمن بفلسفة إقصاء الآخر و لا تحترم القوميات و الشعوب المختلفة فيها، تقوم على ايديولوجيات أكل عليها الدهر و شرب، فسياساتها لا تتناسب مع عقلية هذا العصر الرقمي و مصيرها  الزوال والإنهيار، لأنه لا تفلح دولة في بناء مجتمع قوي قادر، مهما جمعت من أسلحة، إذا لم تفلح في بناء فرد حر و قادر. أليس من سعادة شعب أن ينهار نظام حكم يقهره و يسحقه، ولو علی أيدي غرباء، إذا كان لايستطيع القيام بذلك بنفسه؟
أما في ما يخص العلم الکوردستاني الذي يرفرف علی أبنية حکومية في مدينة خانقين ومدن كوردستانية أخری و مدی التداعيات ، فأنه توجد في كافة الدول الفدرالية أعلام عديدة كما في  سویسرا و ألمانيا و كندا و أمريكا و بلجيكا مثلاً. ففي سویسرا يوجد العلم السويسري الفدرالي بجانب علم خاص لكل كانتون (دولة إتحادية). ولكل مدينة بل ولكل قرية علم خاص بها. وفي المناسبات الرسمية أو الشعبية يرفع السكان بكامل الحرية و كما يرغبون العلم السويسري، وعلم الكانتون، وعلم المدينة أو القرية ورموزها و شعائرها بدون أي تعارض بينها. هذه هي الحرية و الديموقراطية. فالفدرالية تتمثل أيضا بشعور الأنسان الفرد بالأنتماء الى مجموعات مختلفة لا تتعارض فيما بينها، أشبه بدوائر تتقاطع فيما بينها، و يستطيع المرء تعريف نفسه بعدد منها بدون تعارض. ففي كندا مثلاً يكتب على الأوراق النقدية باللغتين الأنكليزية و الفرنسية. و ما الجمهورية، التي يخاف البعض من إستخدامها سوی دولة أو إقليم يقودها أناس لا يبنون قوتهم السياسية على أي مبدأ أو قوة خارج سيطرة أو إرادة سكان تلك الدولة أو الإقليم.
الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا (1632-1677) يؤکد لنا بأن غاية الدولة القصوى هي تحرير الأفراد و الحفاظ على أمنهم و تمكنهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية و حمايتهم من كل أشكال العنف و التسلط و تنمية قدراتهم الجسدية و الذهنية، شريطة عدم إلحاق الضرر بالآخرين و الإمتثال لسلطة الدولة  و عدم الخروج عن التعاقد و المواثيق  المتفق عليها و يشترط  في هذه الدولة أن تكون ديموقراطية تضمن العدل و المساواة و الحرية للجميع و تحافظ على الأمن و السلم. إدن فإن ضمان الأمن والسلم ما هو إلا وسيلة لممارسة الحرية ممارسة عقلية.
کفی المجتمعات والتيارات السياسية العراقية إستخدام العنف كوسيلة لحل خلافاتها السياسية والإدارية. إنها اليوم بحاجة الی إطلاق و تشغيل قواها الحية والخلاقة التي تكبحها العقائد المغلقة و النخب القوموية الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الکسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة، لتصنع و تبتكر و تغيير و تشارك و تنخرط في  صناعة الحضارة و لإثبات الجدارة و ممارسة الفاعلية و ذلك بإتقان لغة الخلق والتحول والتداول. لتتراجع العلاقات المركزية العامودية لصالح العلاقات الأفقية التبادلية و لتنتشر مفاهيم الوسيط والفاعل والشراكة والمداولة ولتدار الدولة الفدرالية بعقلية السياسي المحترف، الذي يقرأ و يشخص لكي يركب الإمكانات و يجترح الوسائل لتحسين الأوضاع أو لحل المشكلات.
و ختاما يقول فيلسوف العصيان المدني اللاعنفي و السياسي البارز موهنداس كرمشاند غاندي (1869-1948): "العنف هو تعبير عن نشيد الحقد الذي تعبت الإنسانية من عواقبه الوخيمة."
د. سامان سوراني
136  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة حكومة بغداد تجاه المناطق المستقطعة من إقليم كوردستان في: 10:07 09/10/2011
سياسة حكومة بغداد تجاه المناطق المستقطعة من إقليم كوردستان

في 22 من كانون الثاني عام 1922 خاطب رئيس الوزراء العراقي عبدالمحسن السعدون (1889-1929) مجلس النواب قائلاً: "إذا أراد العراق أن يعيش، فعليه تأمين حقوق جميع الكيانات العراقية، لأننا شاهدنا جميعاً تشتت و إنهيار الدولة العثمانية التي قامت بإغتصاب حقوق الكيانات التي كانت تتشكل منها وتمنعهم من التطور". أما ملك العراق، فيصل الأول (1883-1933)، فقد نصح رعاياه عام 1926 بأن "أحد أهم وظائف كل عراقي مخلص هو تشويق أخية الكوردي العراقي أن يحافظ علی عنصره و جنسيته و لايحيد عنها". الملك بدهائه كان يعرف بأن الكوردي لا يصبح عربياً، مثلما الأسكوتلندي لا يصبح إنجليزياً.
هذه الفلسفة كانت بداية ظهور شراكة الإعتراف، بإستدعائها مفهوم التعددية وإستبعاد مفهوم المطابقة والإنفراد أو الأحادية، والتعددية تعني بكون الآخر مختلفاً ولكنه مساوٍ في الحقوق أو الفرص. أما الإعتراف فلا يقوم فقط علی الإقرار بحقوق الآخر السياسية أو الإجتماعية، وإنما يمکن توسيعه ليشمل الإعتراف بالآخر معرفياً. للأسف لم تدم هذه الفلسفة طويلاً کي تنقذ العراق من مخاطر الإستبداد و التخلف والفقر. ففي عهد الملك غازي الأول بدأت حكومة ياسين الهاشمي (1884-1937) أواسط الثلاثينات من القرن الماضي بإتباع سياسة معاكسة لنهج السعدون تجاه الكيانات الأخری. فقد قامت مثلاً بتغيير الواقع الديموغرافي في كركوك و کان "مشروع أراضي الوحدات الإستثمارية" الخطوة الأولی لفرض السيادة  القوموية والفكر الشوفيني علی الآخر المختلف.
سياسة تغيير الواقع الديموغرافي أصبحت إستراتيجية أتبعتها الحکومات العراقية المتعاقبة وظلت مستمرة الی يومنا هذا، بالرغم من أننا نعيش اليوم زمن "الديمقراطية والفدرالية و حکومة الشراكة الوطنية والتعددية". فكيف لا تولد عند الكورد و الإخوة التركمان إذنْ التوجس والريبة من نوايا حكومة دولة رئيس الوزراء المالكي إزاء هذه المدينة والمناطق المستقطعة الأخری وکيف لا تتعقد الأوضاع في تلك المناطق.
في السابق فرضت الدكتاتورية الفاشية بتهويلاتها الإيديولوجية و قيودها الانتروبولوجية ومنطقها القدسي و نزعتها العسکرية و حروبها المدمرة نفسها، حيث نشرت بالعنف  أفكارها المسمومة بين الجماهير و قامت برفع الشعارات والإدعاءات القومية الزائفة في سبيل کبت الحركة الكوردستانية، التي كانت تهدف الی نشر الأفكار التحررية والديمقراطية داخل عموم العراق و كوردستان بشكل خاص.
بعد سقوط الطاغية صدام عام 2003 كان أمل الأکثرية الساحقة في العراق، و التي أيدت الدستور، أن تعمل الحکومة المستقبلية في هذا البلد من أجل صناعة الحياة المشترکة وتخلق مجالات تتوسع معها حريات التفكير والتعبير ولا تتماطل في تنفيذ حقوق الشعب الكوردي الدستورية المعطلة في بعض بنودها، منها المادة 140 لحل الخلافات العالقة بينها و بين إقليم كوردستان، کي تترسخ أخيراً جسور المحبة والتعايش. إن قواعد الديمقراطية تفرض علی الحکومة إحترام الدستور، الذي صوت علیها أكثر من 78 بالمائة من العراقيين و التي تعتبر المرجعية الأساسية لكل عراقي و إن حل قضية كركوك سوف يكون مفتاح لبناء الديمقراطية والسلام في العراق.
السؤال هو، هل يتعظ الساسة العراقيون من أخطاء الماضي و يتجنبون الكوارث بتركهم عقلية نفي الآخر وإزدراء الوقائع و الإنفراد والإستئثار والهيمنة والإحتكار والعقليات الإستبدادية أو الشمولية اللاهوتية منها والناسوتية ويتبعون طريق الحوار في إدارة مشاريعهم السياسية بإستخدام عقلية التضامن والشراكة وإحترام القانون والرجوع الی المرجعية الدستورية والقانونية. وإذا لم ينزع الساسة العراقيون عباءتهم القومية أو الأصولية ولم يتحرروا من تهويماتهم الإصطفائية ولم يحسنوا التداول فيما بينهم لوقف موجات العنف فسوف تتركهم الحظ کي يلعبوا دورهم كوسيط فعّال في إستحداث آفاق جديدة للتعايش السلمي و تعزيز مبادیء الفدرلية و الديمقراطية وقواعد الحياة المدنية في الواقع العراقي المعولم.
وختاماً: لنطلق و نشغّل قوانا الحية والخلّاقة التي تکبحها الإفكار الشوفينية والعقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة، لجعل الممتنع ممكناً والعصيّ قابلاً للتناول و لکي نخلق الأفكار الخصبة والأطر الملائمة أو المعالجات الناجحة والتدابير الفعالة و نبتكر و نغيّر و نشارك في بناء عراق فدرالي ديمقراطي تعددي يشوّق بقية أطياف الشعب العراقي في الوسط والجنوب و حتی في المنطقة الغربية، بأن تقتدي بنموذج إقليم كوردستان الناجح."
د. سامان سوراني

 
   

 

137  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / شروخات الفدرالية العراقية و اختراقات الديمقراطية في: 10:59 04/10/2011
شروخات الفدرالية العراقية و اختراقات الديمقراطية

من المعلوم بأن هناك تحولات وتحديات علی الساحة العراقية، علی الفاعلين في الحکومة الفيدرالية مجابهتها، و أن لايقفوا خائفا مما يجري  و أن لا يندبوا حظهم و يشكو الزمن أو يلوموا الواقع و يهجو التقنيات و وسائل الإعلام. من يتحدث عن مقتل الثقافة و هيمنة الأعلام يشكو من نقص في فاعليته و ينصب الأفخاخ لنفسه، بل يسعی الی رمي سلاحه الفكري و بعمله هذه يقوم بإعادة إنتاج الأزمات لذاته و لمجتمعه.
ومن الواضح بأن الفدرالية ليست جنة إلا في الوهم و لکنها ليست الجحيم إلا عند ذوي العقول القاصرة، الذين ينادون بملیء أفواههم ومن علی منابرهم الدينية و السياسية والثقافية ليل نهار بأنها رجس من عمل المناوئين للوحدة العروبية العقيمة، التي يحلمون بها ما يقارب أكثر من نصف قرن. هؤلاء في أعماقهم ثقافة السلطة المطلقة التى زرعها بداخلهم النظام البائد، لم يهضموا ليومنا هذا فشلهم کحراس للقيم البعثية الوحدوية الباطلة أو کأوصياء علی العالم العربي، بأدوارهم النبوية والرسولية الفاشلة، لذا ينظرون الى الشعب الكوردستاني بنظرتهم القوموية البحتة والتي تعارض المشروع الحضاري بذريعة ان الفيدرالية هي مقدمة للانفصال.
إنهم ينظرون بإزدراء الی إقليـم كوردستان الفيدرالي و ينشرون في كتاباتهم المليئة بالحقد والضغينة بأن هذه التجربة الفذة والناجحة جزء من "المشروع الأمريكي في العراق، وأداة فاعلة في تشتيت الجهد العراقي العر(و)بي"، بل يتجرؤون بالقول "علينا أن نقف صفا واحدا بوجه الأكراد"، فإنهم "ضمن المشروع الصهيوأمريكي". متی يتخلون عن المثل الأعلی الموهوم الذي يتقمصوه تخيلاً، و مكابرةً، وإستعلاءً و إنتفاخاً کانتفاخ الطواويس، لنا الصدر دون العالمين أو الموت.
من الأولی التعامل مع التغييرات التي تصاحب الفدرالية کفرصة وجودية و معرفية، لکي نغير الوضع الراهن في العراق و نتغير عما نحن عليه الآن. فالغرق في التهويمات الإيديولوجية و النرجسية الثقافية لا يقود الملتزم به إلا الی الجمود و التعثر أو الإخفاق والتراجع. أما مخاوف البعض من اقامة اقاليم فدرالية تعد وقوفاً ضد الدستور العراقي، لأن المادة 119 من الفصل الأول من الباب الخامس من الدستور العراقي، تنص على إقامة أقاليم فدرالية. والفدرالية هي الأداة التي تمنع من إنتاج دولة كلّانية تسحق الفرد و تبتلع المجتمع المدني و مؤسساته.
هذه الفرصة الوجودية والمعرفية يمکن إستغلالها بشروط العمل علی تفكيك منظومتنا الأخلاقية وآلتنا المنطقية و تراكيبنا المفهومية، لكي نعيد ترتيب علاقتنا بأفكارنا كي يمكننا إبتكار شبكة جديدة للقراءة، تكون أداة فهم وتشخيص بقدر ما تشكل أداة تحويل و تغيير.  إذ من المستبعد أن نفكر، بعد كل هذه التغييرات والتحولات الجذرية في العراق، في القريب العاجل أيضاً في المنطقة ، كما كنا نفعل في الفترة المظلمة و العصيبة التي مرّ بها هذا البلد. علينا القيام بنقد ذواتنا قبل نقد النظم الجديدة بالنسبة لمنطقتنا، كالفدرالية و الديمقراطية الجذرية، وأن لانخشی علی أنفسنا و حکومتنا من عصر العولمة والمعلومة وأن نعرف بأن الاختلاف هو بداية جيدة للحوار وليس نهاية له. لقد ولّی زمن التحدث بضمير المتکلم و بلغة الجمع، والقول بعراقنا و حضارتنا، فالمعرفة هي خروج من سجن المماهاة بإيجاد نسبة بين شيء وشيء و بخلق وسط مفهومي يتيح التلاقي والتواصل. 
والديمقراطية باتت اليوم مطلب إجتماعي متقدم يعيش عصرا جديدا من الصعود و الإنتعاش في ظل ظروف أصبحت توصف بأنها "الكونية الديمقراطية" وهي أنسب الأطر الفكرية والمؤسسية والإجرائية لتلبية متطلبات معالجة مشکلات العراق العالقة مع إقليم كوردستان، لأنها توفر لها أرضية صحية لمناقشة هذه المشاكل و بلورة الحلول العقلانية وتكوين الإجماع السياسي الذي يحتاجه تطبيق هذه الحلول ومواجهة المشكلات. الديمقراطية بمحدوديتها و قصرها، بسبب محدودية وقصور القدرة الإنسانية التي تنتجها، ليست إكسير الحياة و لا الدواء الشافي من كل داء، لكنها هي الحل الإنساني الوحيد المتاح حتی الآن لمشکلة إغتراب المحکوم عن الحاكم والعيب ليس فيها بل في تطبيقها. 
وأن إغتراب العقل لايحقق غير سيادة الهمجية والمجتمع الدموي وتفاقم الآفات وتزايد المشكلات والحاضر لا يُنتج بتاريخ الماضي وإنما بتاريخ الحاضر والمستقبل.  والإستعانة بالماضي لبناء الحاضر تأتي من قلة المعرفة والعجز العلمي والعقلاني وإن إنعدام الفاعلية وجهه الآخر إنعدام الحرية.
وختاماً: "الذي لا يخرج من قوقعته الفكرية و لا يهتم بكل مايجري في هذا العالم من أفكار ولا يقرأ الأحداث فسوف ترتطم أفكاره المثالية و نظراته التبسيطية علی أرض الواقع العنيد و يتفاجأ بالأحداث يوماً بعد يوم و أطروحاته تتجاوز من حيث لا يفكر و لا يحتسب."
د. سامان سوراني

138  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل الإرهاب مرض من أمراض التواصل البشري؟ في: 13:20 01/10/2011
هل الإرهاب مرض من أمراض التواصل البشري؟

صحيح بأن الأرض هي ضمانة الأمن في الأصل، لكنها بسبب إنهيار الحواجز وسقوط الجدران بين الدول والمجتمعات لم تعد اليوم كذلك. نحن نعيش الآن في "النهاية الرمزية لعصر المكان"، كما يصفه عالم الإجتماع والفيلسوف البولندي-الإنکليزي زيغمونت باومان (مواليد 1925)، وهذا يجعل من المتعذر بعد الآن علی أي مجتمع أن يقوم بأوده بمفرده، أو أن يحفظ أمنه وحده‌ من دون مشاركة سواه.
والعملية الإرهابية الأخيرة بالقرب من بنك حزيران القريب من مجلس محافظة كركوك والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص علی الأقل و إصابة أكثر من سبعين مواطناً مسالماً، تؤكد لنا ذلك. فهي عبارة عن شبحٌ يريد بفلسفته نشر الخوف وصناعة التخويف أن ينتاب الرعب وجودنا و تفكيرنا لسنوات، بل لعقود و يقتل إحساسنا الإيجابي بالمستقبل و يمحوا الضمان والأمل اللذين تعتمد عليهما علاقاتنا الإيجابية مع حاضرنا.
إن الإرهاب هو ثمرة العقول الملغمة و هو عمل سري لثقافة علنية، يتغذی من عقدة المماهاة مع الذات و جرثومة التضاد مع الغير. فهو سرطان ينهش في جسد الإنسان ليقضي علی الآخر.
قد ينتمي صاحب إمتيازه‌ الی قطاع خاص لإنتاج وصناعة الإرهاب أو يعمل کتاجر أمن سرّي لجهة أقليمية لقرصنة المنفذين المرتزقة. وقد يدّعي بمنطقه الدغمائي الثبوتي الإصطفائي النرجسي بأنه يمتلك حق المتاجرة بأرواح الناس والحقيقة ويحاول أن يفرضها علی الآخر. صانعوا الإرهاب يستفيدون من ظاهرات الاختلاط و الإعتماد المتبادل وإنفتاح الحدود، لكي يضربوا في غير مكان، بأساليبهم غير المتوقعة، بصورة يهددون بعملهم مصادر الطاقة ومرافق الحياة.   
من المعلوم بأن الإرهاب يبدأ من الفكر، بعد الإصابة بالعمی الإيديولوجي و ممارسة التعصب الفاشي، الديني أو القومي. وعندما يغيب العقل، ينمو الإرهاب و يتكاثر وإن تكاثره يحدث في الظلام ووجوده مرتبط بالخراب والتدمير. والعودة الی لغة التأليه هي عودة الی الأشياء بعد إنتهاكها وانفضاحها.
وللأسف نلاحظ بأن عدد غير قليل من السياسيين وأعضاء في المجلس المحلي والمثقفين يميلون الی طمس حقيقة الإرهاب و تناسي هذه المشكلة، بذريعة أن الأهم هو العمل الآن علی الإسراع في دفع عجلة إنسحاب القوات العسكرية الأمريكية في العراق نحو الأمام.
نقول لهؤلاء بأنه لا يمكن ممارسة الوطنية أو العقيدة، بل الإنسانية بعقلية صدام و غوبلز وحجاج ونيرون وسواهم من الطغاة، بل من الضروري العمل بموضوعية ودقة و منطق ضد صور هؤلاء وأطيافهم، كي لا تستوطن العقل ولا تتعشعش في الذاكرة ولا تتحکم في التصرف والمسلك و كي لا تکون وجوهنا الاخری أو صنيعتنا.
ما نحتاجه هو الخروج من عقلية القوقعة والمؤامرة للتعامل مع القضايا العالقة بعين واسعة بوصفها المدی الحيوي والأفق المشرق للعمل والتنمية. المجتمع الكركوكي بحاجة الی بناء الثقة في الممارسات اليومية التخاطبية و تغيير في التفكير والعقلية و العمل علی إعادة الإعتبار للعقل و إحترامه و من خلاله السعي لإعادة الإعتبار لإنسانية الإنسان المستلبة. من الضروري العمل علی کسر السجون العقائدية ومنع تحول المقولات والشعارات الی قوالب متحجرة تعمل علی تلغيم القضايا المتعلقة بالمناطق المستقطعة من إقليم كوردستان وتفجيرالمشاريع الديمقراطية.
نحن نعلم بأنه لا وجود لحلول قصوی ولا لنظريات مثلی أو نماذج كاملة. الموجود هو قواعد نسبية ومعالجات ميدانية أو حلول راهنة، وهي تبقی دوماً قيد المراجعة لإعادة الصياغة والبناء، علی سبيل الجمع والترکيب، أو التراكم والتدريج، أو الترقيع والتلقيح.
التغيير يتوقف نجاحه علی كسر أحادية السبب الأول والتحرر من صنمية الأصل الثابت والنموذج الكامل والنظام المقفل والمعنی الإمبريالي وعدم الخصوع لمنطق الفتوی الأعمی وعم السماح  لاجتياح الثقافة الدينية بشاشاتها و معارفها الميتة ونماذجها المتحجرة للمؤسسات التعليمية في المدرسة أو الجامعة.
أصحاب الرؤية التوحيدية للكون والإنسان والعراق في السياسة عاجزون في واقع الأمر عن توحيد مجموعتين أو حزبين في حي صغير أو في مدينة غير كبيرة. وهذه هي واحدة من مفارقاتهم الفاضحة وإدعاءاتهم الواهية. فالأولی بهم مراجعة أفكارهم و نقد ذواتهم و فضح ممارساتهم لنزع الألغام التي تفجر مشاريع التقريب والحوار والإهتمام ببناء المعادلات وخلق الصيغ الحضارية التي تتيح للمكونات الأساسية في العراق التعايش و التواصل والتبادل بعقلية الشراكة.
 ومن الواضح بأن إعادة بناء صلة أساسية من الثقة بين الناس علاج للإضطراب المؤدي للعنف بين الثقافات، التي لا تتم في ظل سيادة اللاقانون والخوف و الإضطهاد. وإن تحسين الظروف المادية والثقافة السياسية يؤدي بالنتيجة الی تفاعل الأفراد و يبسّط الطريق لفهم الآخر و التعرّف عليه.
الديمقراطية هي ثمرة لمجتمع المعرفة والاختصاص وليست ثمرة لمجتمع النخبة اللاهوتية القوموية العروبية الغير فاعلة، الذي يتعامل مع هويته الدينية والقومية بأقصی الغلو والتطرف والإنغلاق، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغير، والذي يمارس زهاء نصف قرن إحتكار المعرفة و إحتقار الكيانات الغير عربية ويفكر بعقلية السحرة والكهنة والنبوة والبطولة أو بعقلية الإنفراد والإستقواء والطغيان.
إنهم بالرغم من سعيهم بشعوذاتهم الثقافية وتصنيفاتهم الإرهابية وقوالبهم المتحجرة نشر رسالة النكوص الی الوراء للمماهات المستحيلة مع فكرة العراق العروبي الموحد وتعاملهم مع المكونات الأساسية الاخری بلغة التهديد والوعيد، لكي ينصاعوا الی أوامرهم و يتخلوا عن حقوقهم المهضومة، فإن مآل أعمالهم سوف تکون حصد المزيد من العجز والتراجع أو المظالم والکوراث و لا يعودوا علی العراق إلّا شراً ووبالاً أو تخلفاً وخراباً.
لنمارس جميعاً حيوتنا بعقلية المشاركة ومنطق المداولة وسياسة الإعتراف، إنطلاقاً من الوعي بالمسؤولية عن الحياة والمستقبل والمصائر ضد عقلية القطيع التي لا تنجب سوی الحکومات الإستبدادية والأنظمة الشمولية أو الفاشية. المشاريع القوموية العروبية لم تنتج في السابق سوی الفرقة والشرذمة والإختلافات الوحشية والحروب الداخلية. 
علی أهالي كركوك بأطيافه المختلفة اليوم التضامن والتعاون لمواجهة غدر الإرهاب و تنظيم تظاهرات جماهيرية واسعة لإستنكار وإدانة التفجيرات الإرهابية و العمل علی قلع كل عمل إرهابي لا إنساني قبل خروج التنين من دهاليز اللاوعي و كواليس الذاکرة وقبل فوات الأوان والعبور نحو فضاءات مغايرة تتجاوز فيها ما يعمل علی إنتاج المآزق والكوارث، حتی تتمكن من خلق مفردات التوسط والتداول والمشاركة والإعتماد المتبادل.     
 وختاماً: "البحث عن الحلول القصوی هو أيسر الطرق لحصد الفشل والإخفاق."
د. سامان سوراني


139  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دستور العراق الفدرالي و غياب فلسفة الدولة في: 14:38 28/09/2011
دستور العراق الفدرالي و غياب فلسفة الدولة

من المعلوم بأن الفدرالية هي واحدة من أهم متطلبات الحياة المعاصرة في العراق والتي بدونها تفقد الحياة السياسية عامل تقدمها وتنظيمها وضبطها و بدونها تنساق السلطة إلى مهاوي الطغيان والدكتاتورية والتفرعن.
لو أخذنا جمهورية ألمانيا الاتحادية علی سبيل المثال، نری بأن هذه الجمهورية ماهي إلا إتحاد لولايات لا تتمتع بصفة الإقليم، بل تعد بمثابة دولاً تتمتع بسلطات مستقلة. فلكل ولاية دستورها الخاص الذي يجب أن يتطابق مع الأسس الجمهورية والديمقراطية والاجتماعية لدولة القانون حسبما يعرفها الدستور الألماني والهدف الأسمی للدستور الألماني هو تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات والظروف المعيشية لجميع الألمان دون إستثناء. الولايات الألمانية تملك مطلق الحرية في صياغة دستورها بالشكل الذي تراه مناسباً.
أما مبدأ الدولة الإتحادية فهو أحد الأسس الدستورية التي لا يجب المساس بها ولكن من الممكن إعادة تقسيم الولايات، بناء على تغييرات جديدة في الحدود بين الولايات، طالما أن المواطنين المعنيين يرغبون في ذلك. من المؤسف اننا لانجد تصورا لفلسفة الدولة في الدستور العراقي الحالي، ففي المجتمعات المتقدمة نری محدودية السلطة کي لا تصبح فوق المجتمع، ولكنها كجماعة لها الصلاحية کي تنفذ الشرعية القانونية بين الافراد. أما إذا فشل السلطة في القيام بدورها، فلا سبيل إلا أن تحل ويتأتى لانتخابات عامة تفرز من خلالها صناديق الاقتراع منظومة سلطة جديدة.
صحيح بأن حقوق الإنسان ما هي إلا وسيلة لإعطاء الفرد الفرصة لكي يقوم بواجبه في المجتمع السياسي، وهي مجموعة من المعايير الأساسية التي لا يمكن للناس، من دونها، أن يعيشوا بكرامة كبشر وهي أساس الحرية والعدالة والسلام، وإن من شأن احترام حقوق الإنسان أن يتيح إمكان تنمية الفرد والمجتمع تنمية كاملة وأن نمو سياسة الدولة يقاس أساساً برشد الأحزاب السياسية فيه، لكن بعض الأحزاب المتفرعنة المتخندقة بكهوف الأيديولوجية الشمولية، الحاضرة بكياناتها غائبة في روحها، وهي ما تزال تعيش حالة اللاحزبية، تخوض سجالات و مناكفات سياسية و لا تعمل إلا في خلق أدوات للانتهاك والفوضى والإرباك والفساد و لا تجاهد في سبيل تهيئة فلسفة للدولة و بناء دولة المؤسسات. فتقوية دوامة الصراعات المزمنة تخلق أزمة الثقة بين مكونات الشعب، التي هي أصلاً تحت التجربة. هؤلاء لا يفقهون من السياسة شيئاً سوى العراك الدائم والمصالح الحزبية والفئوية والاختلاسات والفساد، الذي استشري في أغلب مؤسسات الدولة العراقية، لأنهم لا يملكون أفكار عن كيفية أدارة دولة فيدرالية معاصرة، يتقيدون بسياسة وثقافة التقيد والارتياب من الآخر ويحصرون أنفسهم بجملة كبيرة من العدائيات ضد الآخر، مما يجعل الآخر يعاديها ويرفضها فكراً وسلوكاً وممارسة. لقد قال لورنس العرب قبل خمسة وثمانين عاماً: "إن البداية السيئة يصعب التكفير عنها"
ففي العراق الفدرالي نسمع اليوم بين فينة وأخری إطلاق تصريحات و خُطب نارية ومتشنجة من قبل بعض رموز السلطة السياسية المتمركزة في هرم الحكم الحالي، لا يمکن تحليلها إلا كونها تعبير عن العجز عن التدبير أو هروب في مواجهة المشاكل العالقة بين الإقليم والحكومة الإتحادية بخلق أعداء داخل الفضاء السياسي، في هذه الحالة "الكورد"، بحيث يجري تحميلهم التبعة والمسؤولية عن المشكلات والأزمات التي تواجه الحکومة. هذه التصريحات تبقی في الكثير من الأحيان ولحسن الحظ قاصرة أو مستهلكة أو عقيمة. هناك تعثر أو فشل وإحباط من حيث العلاقة مع مجمل المشاريع والقضايا والبرامج المتعلقة بالتحديث والتنمية أو بالحرية والعدالة أو بإنتاج المعرفة والتقنية. الخصوصية التي تريد هذه الرموز المحافظة علیها تنتهي سلباً بالنسبة لهم، إذ تقودهم الی العزلة الخانقة. أما الثوابت التي يدافعون عنها فهي لا مراء تعيد التجربة السياسية في العراق الی الوراء.
لقد تعرض الشعب الكوردستاني بعد تأسيس دولة العراق لمظالم رهيبة، وبالأخص خلال فترة حكم البعث الفاشستي، الذي حاول إخضاع هذا الشعب لإرادته بشتى وسائل التضليل والقمع والقهر والإذلال، لذلك لا يريد أن يعيد تجربته المرّة مع الحکومة الإتحادية، بعد أن سعی في العراق لبناء دولة عصرية، دولة المواطنة والقانون والديمقراطية، تناسب طموحاته وتطلعاته، انسجاماً مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، ولمواكبة الحضارة الحديثة المعولمة. فهو يريد تعويض عما فاته في الفترات المظلمة التي مرت بها العراق، كي يتمکن أخيراً اللحاق بالشعوب المتقدمة، والتعايش السلمي معها.
والشعب الكوردستاني يتمنی أن تظل الثقة، التي بناه مع الفصائل التي كانت أبان الحكم الصدامي تمارس نشاطاتها لسنوات طويلة من أرض كوردستان کمعارض للنظام الشمولي والقمعي في سبيل إسقاطه و بناء دولة الشراكة والديمقراطية لتحقيق الاستقرار والنمو باقية، إذ  من الجليّ بأنه لا يمکن التعامل مع النفس إلا من خلال التعامل مع الآخر. والشعب الكوردستاني اليوم مع فلسفة إنتهاج لغة الحوار الموضوعي في نقاط الخلاف الفكري والعقائدي والعملي، وليس لغة العنف والفرض والإكراه.
لنتعلم من تجارب الشعوب كيف تبنى الأوطان علی أساس الشراكة الواقعية و الاحترام الطوعي لبنود الدستور والقوانين، دون إلغاء الآخر ولتتجه بوصلة الحكم في العراق الفدرالي نحو تقسيم السلطات وليس تجميعها وتمركزها بيد مسؤول واحد، كي لاتعود الدكتاتورية بثوب جديد. فبدون احترام أسس الديمقراطية، التي تنطلق من فلسفة تجعل العملية السياسية كلها عملية تفاعل لافراد عاقلين ونشر ثقافة الحوار وبناء قيم المواطنة لايمكن بناء الدولة المتحضرة.
وختاماً نقول: "الديمقراطية ليست نزهة أو ترفاً فكرياً، بل هي حاجة و ضرورة."
د. سامان سوراني

140  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الفلسفة السياسية لإقليم كوردستان و كسر لغة الحتميات المقفلة في: 22:26 23/09/2011
الفلسفة السياسية لإقليم كوردستان و كسر لغة الحتميات المقفلة

في الفكر الليبرالي الكوردستاني من المطلوب أن تكون حکومة إقليم كوردستان قوية بما يکفي لجعل إرادتها تطغی علی جميع الإطراف الاجتماعية الأخری. ومن الواضح بأن إدراج الحقوق الأساسية للمواطن في الدستور شرط أساسي لكي تبقی الحرية الفردية غير مهددة من قبل السلطة السياسية، التي تحتكر الحق في إستخدام القوة والقدرة في التصرف علی نحو حاسم. أما منهج الفصل بين السلطات ومتابعة نظام من التدقيقات والموازنات وكذلك القضاء المستقل وحكم القانون و الاستعمال المنظم بإنضباط للاجتهاد التنفيذي و نزع صفة القداسة عن السلطة ومحاولة التصدع لحصرها، فهي من الأمور الجوهرية التي تنعکس في هذا الفكر.
أما رضا الشعب الكوردستاني، فهو الأساس لشرعية السلطة، وهو الضمان الوحيد للوحدة والاستقرار وفاعلية الإدارة الرسمية، وصون البلاد من التدخلات الإقليمية والأجنبية. وهذا يتطلب بناء علاقة إيجابية و متينة بين المجتمع الكوردستاني وحکومة الإقليم، بحيث يشعر الشعب أنه مصدر مهم للسلطة، وشريك كامل في تقرير السياسات العامة عبر ممثليه المنتخبين في برلماني الإقليم والحکومة الإتحادية. وغرض الإقليم من هذا هو خدمة المجتمع الكوردستاني وصيانة مصالحه والارتقاء بمستوى معيشته ، وضمان كرامة أفراده وعزتهم ومستقبل أبنائهم، الذين نالوا في عهود "الطغيان الشرقي" جور الحكومات القسرية المستبدة  . 
ما نلاحظه اليوم في كوردستان العراق، بأن رئيس الإقليم يدعم سياسة اللامرکزية الإدارية بشكل ملحوظ. من جانبنا نعتبرهذه الخطوة إيجابية الی درجة و ضرورية لتفعيل ممارسة الديمقراطية الجذرية في كوردستان، فهي مدرسة حقيقية للديموقراطية، يؤكد المبادئ الديمقراطية في الإدارة، لأنه يهدف إلى اشتراك الشعب في اتخاذ القرارات وإدارة المرافق العامة المحلية و يتيح في الوقت نفسه للإدارة الرئاسية والحکومية التفرغ لأداء المهام الأكثر أهمية في رسم السياسة العامة وإدارة المرافق الوطنية ولها في نفس الوقت الحق في ممارسة الوصاية الإدارية علی الهیئات اللامرکزية.
أبان الحكومات العراقية السابقة كانت الإدارات، التي هي الآن ضمن مشروع اللامرکزية في الإقليم الكوردستاني، تعيش حالة الترهيب و القتل الجماعي والتهجير القسري و الإقصاء والتهميش والحرمان الواسع على الرغم من إحتواءها على الكثير من الثروات التي لم تنتفع بها.
بحسب منطق التوليد والتحويل لايبقی شيء علی ما هو عليه، و شعب كوردستان رهنّ لإمكاناته علی أن يحوّل الواقع، وأن يتغير عما هو عليه، فكراً أو فعلاً وممارسة، من خلال مايخلقه من العوالم المختلفة بقواها وعلاقاتها، أو المتميزة بلغاتها ورموزها، أو الفعالة بأدواتها ووسائطها. وهذه ليست دعوة للطوباوية أوالمثالية كما يعتقد البعض، وإنما هو الممكن لمجابهة تحديات العولمة ومغادرة مواقع الهامشية، فالعولمة هي واقعة العصر، شِئنا أم أبينا، إذ يمكن إعتبار نظام المعلومة بعد هذا الإنقلاب الكوني الخطير بمثابة نظام الأنظمة في التفكير والعمل والبناء، في إدارة الكلمات والأشياء، يغير قواعد اللعبة الوجودية ويبدل وجه الحياة ويخلق أنماطاً جديدة من الروابط بين البشر ويعيد ترتيب الأدوار والأولويات، فالمعلومة هي اليوم ذات طابع كوني ومتاحة أمام الجميع للمساهمة في إنتاجها وإستثمارها، أو نقلها وتداولها.
إن إقليم كوردستان تغيّر عما كان عليه، ولم يعد يشبه نفسه لا في مجال العمارة ولا في مجال الفكر والسياسة، وهذه واقعة يجب أخذها في الحسبان، ومعنی ذلك أنه لم يعد بوسع السياسي التقليدي بعُدة قديمة أو صدئة أن يمارس مهمته كما اعتاد أن يمارسها. ثمة إمكان جديد لابتكار مهمة جديدة، في عصر الحقل الوسائطي والفعل التواصلي، أو في زمن الـمعلومات الكونية والسوق المعولمة، سواء سوق الأفكار أو سوق السلع والأدوات. فالفكر لايجدي من غير مواده و أدواته أو من غير وسائطه وأسواقه.
الفلسفة السياسية في كوردستان تسعی لکسر لغة الحتميات المقفلة و تستمر في مكافحة الكسل الثقافي وعقلية الثبات والمحافظة التي لا تُنتج سوی التراجع والتبعية و هدر الثروات. و تتعمق في إدارة هويتها و أفكارها وثرواتها وعلاقاتها بالعالم الخارجي بإستخدام نهج جديد من أجل بناء عقلية الشراكة والمداولة والإحساس بالمسؤولية المتبادلة عن المصائر. هذا النهج الجديد لايمکن أن يصل الی أهدافه من غير إستعمال عقل تواصلي وفكر ترکيبي ومنهج تعددي ومعيار تبادلي ومنظور مستقبلي وأفق كوکبي و لغة وسيطة وهوية مفتوحة وهجينة.
أما الإصلاح فهو لا يتحقق بعمل نخبة سياسية أو قلة مثقفة، فهو ليس تطبيق للنظريات أو لخطط كلية أو شاملة مفروضة أو مرسومة أو إحتذاء للنماذج، بل هو حصيلة لمجمل جهود المنخرطين فيه دون إستثناء. فكل فاعل يؤثر في مجتمعه علی نحو ما يؤثر سلوك النملة الواحدة مسيرة النمال اباحثة عن الغذاء. علينا أن لا ننظر الی من يسعی الی الإصلاح والتحديث والبناء بوصفه الملاك والقابض أو المحتكر للمعنی والحقيقة والمشروعية أو للمفاتيح والحلول المتعلقة بالقضايا والمشكلات، بل بوصفه خالق رهانات وممكنات ومغيّر معادلات أو مبتكر صيّغ ومرمّم معالجات.
إقليم كوردستان لا تنتظر تغيير الجينات العلمية لتغيير الميمات الثقافية، من النماذج والمبادیء والقواعد التي ننسج بها علاقاتنا ونقود مصائرنا المشتركة. أمامنا أوروبا کمثال حي، فهي في اليوم الكتلة الوحيدة في العالم، الأقل ممارسة للعنف، فهي تعقّلت وتدبّرت، بعد حروبها الطاحنة وعادت الی صوابها، لأنها تعرف حق اليقين بأن الحروب ماعادت تنتج سوی الدمار المتبادل وتواطؤ الضد مع الضد وحررت نفسها من الفكر الأحادي والنظام الشمولي أو الفاشي وخفت فيها المنزع الأصولي والطلب علی المعنی الديني. 
وختاماً: "من يفكر بصورة حديثة ليس هو الذي ينقطع عن تراثه، بل هو الذي يتحرر من أوهامه الحداثية عن التراث، لكي يحسن صرفه وإستثماره."
د. سامان سوراني



141  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / إقليم كوردستان العراق والحق في إقامة دولة مستقلة في: 15:00 21/09/2011
إقليم كوردستان العراق والحق في إقامة دولة مستقلة

من المعلوم بأن حق تقرير المصير يمارس عن طريق الديمقراطية والوسائل المتحضرة، منها الإقتراع. لكن ما العمل، إذا ما أنكرت القوى المهيمنة على السلطة داخل الوحدة السياسية التي يعيش الشعب فيها أو القوى الاستعمارية تطبيق هذا السبيل المتحضر وأنكرت على الشعب الكوردستاني حقه في تقرير مصيره؟
فإذا أقفلت أبواب الديمقراطية ورفضت كافة الوسائل العصرية السلمية لإستراد هذا الحق المشروع فلابد للشعوب من أن تمارس حقوقها بالکفاح المسلح و هو مايسمی سياسيا بالكفاح المسلح أو تقرير المصير الثوري. وهذا النوع من والكفاح الوطني المسلح أقرته الأمم المتحدة بقراراتها وإعلاناتها والمواثيق التي أقرتها ومارستها، لذا لا يعتبر الكفاح من اجل تقرير المصير إرهابا.
وإن مبدأ حق تقرير المصير كان موجودا قبل أن يندرج في دساتير الدول والمواثيق الدولية والإقليمية ، وكان شعارا سياسيا او مبدأ ايديولوجيا تستخدمه الأمم في نضالها او وحدتها القومية او لإستقلالها الوطني. والدستور في العراق الفيدرالي الاتحادي، بعد سقوط الطاغية صدام و نظامه القمعي، أعطی هذا الحق للشعب الكوردستاني و إقليم كوردستان.
المادة الأولى، الفقرة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، تقتضي و تهدف الی " إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها".
ومن الواضح بأن هذا الحق لايمكن ممارسته إعتباطيا، بل بنصوص و مضامين منطوية على تحرير الشعب وأرضه دون قيد أو شرط أو تزييف أولا و إزالة مختلف القيود والضغوط التي تؤثر سلبا في تعبير الشعب عن إرادته ثانيا. والاخيرة تمارس عن طريق إجراء استفتاء حر ونزيه توصل الی نتيجة، عندها فقط يمكن القول أنها تعبر عن إرادة الشعب بشان تقرير مصيره.
وإذا تم تفسير هذا الحق من منظار ضيق، فهو يعني الاستقلال وإقامة دولة لها سيادة، لأن الاستقلال هو الهدف المطلوب الذي ترجو الشعوب تحقيقه وهي تمارس هذا الحق ، الذي يعتبر حقا مشروعا كرسته وأقرته كل أحكام ومبادئ القانون الدولي العام المعاصر.
والجدير بالذكر أن ميثاق الأمم المتحدة قد نص على حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلا أنه لم يحدد الوسائل التي من خلالها يمكن الحصول على هذا الحق، وهو ما تكلفت به الجمعية العامة من خلال ما أصدرته من قرارات أكدت فيها شرعية استخدام القوة للوصول إلى تقرير المصير.
وفي عام 1962 صدر الجمعية العامة  قرار مهم حمل الرقم 2955 حول حق الشعوب في تقرير المصير والحرية والاستقلال وشرعية نضالها بكل الوسائل المتاحة والمنسجمة مع ميثاق الأمم المتحدة، كما طلبت من جميع الدول الأعضاء في قرارها رقم 3070 الصادر عام 1973 الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها واستقلالها وتقديم الدعم المادي والمعنوي وجميع أنواع المساعدات للشعوب التي تناضل من اجل هذا الهدف.
يقود عدم إحتكام الحكومة الفيدرالية الی الدستور في ظل هذا الوضع الراهن المليء بالمحاذير و الباعث للقلق، کإتساع الفجوة بين دولة القانون والتحالف الكوردستاني وترهل الجهاز الحكومي و تدهور كفاءة الإدارة وشيوع الفساد والمحسوبيات وتفاقم الفضاء السياسي بسبب تفعيل القوی الشوفينية، الجامدة عقائدياً والمعادية للديمقراطية الجذرية من قبل رئيس الحکومة، الی نتائج كارثية على العراق.
هذا ما لا يرضاه الشعب الكوردستاني، لذا يری نفسه ملزماً الی تأسيس "الكتلة التاريخية" كما طرحه المنَظّر اليساري أنطونيو غرا مشي (1891-1937) في إيطاليا تضم كافة القوی السياسية ومنظمات المجتمع المدني هدفها القيام بنهضة من أجل الحفاظ علی مكتسبات الشعب الكوردستاني والعمل علی تثبيت "التعايش السلمي" مع القوی الديمقراطية العراقية في سبيل صهر الخلافات التي تصدع الشعبين العربي والكوردي في العراق والسيطرة على النزاعات قبل أن تتفاقم المشكلات وتستفحل.
إن تداعيات الثورتين التونسية والمصرية والثورات المستمرة في كل من ليبيا وسوريا واليمن ضد أنظمة القمع من تفاعلات، وما ظهر بسببهما من تأزمات وحراك سياسي في أقطار عربية أخری، أوجدت ظروفاً تفرض علی الحکومة العراقية مراجعة أوضاعها، وبذل أقصى الجد في العمل مع بنود الدستور وإصلاح أخطائها قبل أن تزداد الوضع تفاقماً، لأن الإتفاقات الغير شفافة مع دول الجوار للهيمنة علی الاقليم و الاستخفاف بالاتفاقات السياسية لفرض صيغة مركزية وتكريس الدكتاتورية و عدم الالتزام بالدستور يؤدي في القريب العاجل الی إتخاذ موقف صريح و حازم من قبل "الكتلة التاريخية" لمصلحة شعب كوردستان.
وختاماً لكم القول المأثور: "لكي يكون الجميع للوطن يجب أن يكون الوطن للجميع."
الدكتور سامان سوراني
142  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حرب ما بعد الحداثة أبيض اللون في: 18:52 20/09/2011
حرب ما بعد الحداثة أبيض اللون

بالأمس حضرت مسرحية "الأم الشجاعة وأولادها" للأديب الألماني العالمي برتولد بريخت (بريشت) Bertolt Brecht (1898 م-1956 م) والتي عرضت علی خشبة مسرح ميديا في أربيل عاصمة إقليم كوردستان وهي جزء من برنامج أعمال المهرجان المسرحي العالمي، التي انطلقت يوم الاحد المصادف 2011.09.18 بمشاركة 11 فرقة اجنبية وعراقية ومحلية والتي تستمر لغاية 2011.09.24.
هذه المسرحية هي من إخراج الشاب الآيسلندي، تورلايفور آورن أرنارسون، المولود عام 1978 في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك، وهو الآن مدير قسم الإخراج في مسرح مدينة کونستانس الألمانية. وقد قدمت فرقته عرض مسرحي ذو قيمة فنية عالية. بالتأكيد سوف يكون لهذا المهرجان تاثير على الحركة المسرحية في اقليم كردستان والعراق، وسوف يكون دافع قوي للفنانين الكوردستانيين و العراقيين للاهتمام باعمالهم المسرحية، لانه كما ذكرنا يشارك فيه فرق عالمية ذات السمعة الجيدة في عالم المسرح.
وتعتبر هذه المسرحية إحدی أهم المسرحيات الكلاسيكية المعاصرة، فقد ترجمت لجميع لغات العالم وتعرض في كافة المهرجانات المسرحية الدولية. تستمد أحداث هذه المسرحية من «حرب الثلاثين عاماً» للكاتب غريملزهاوزن Grimmelshausen. وتحكي معاناة أُم (أنـّا فيرلينغ)، تحاول الهرب بأولادها الثلاثة وبضاعتها من خطوط القتال دون أن تبالي الموت، والتعايش مع الحرب، واستثمار الحرب أيضا في الترويج لبضاعتها في صورة ملحمية، وهي تخشی إعلان السلام بين طرفي الحرب لأنها ستفقد بذلك تجارتها وفي نفس الوقت فهي لا تفضل الحرب لأنها ستقتلع منها ولديه. وعندما اشتعلت الحرب بين الأرثوذكس و البروتستانت في عام 1625 أُخِذَ ولدها الكبير إلى الحرب وقُتِل فيها بعدما فشلت في إنقاذه. هذه الحرب تجعل من إمرأة كـ"الأُم الشجاعة" غير قادرة علی التعامل بشكل عاطفي مع ابنها الأول فهي لا تستغني عن عربتها من أجل تحريره من براثن الموت حيث يموت عندما هرب من المعركة بعد أن وضع كيساً من المؤونة في عربة أمه وعندما كشف أمره تم القبض عليه وراحت الأم الشجاعة تقايض الضابط علی النقود التي يجب دفعها لتحريره. وبعدها يُقتل ابنها الثاني، بينما طفلتها الصغرى فقد فقدت النطق بعدما وضع جندي قطعة من الحديد في فمها في صورة وحشية لينتهي بها المطاف إلى فقد بضاعتها وأيضا أولادها الثلاثة. وتؤكد المسرحية على معنى أن الحرب لا يوجد بها مستفيد فالكل ضحايا، وأنه يجب مواجهة الحروب والاضطهادات الفكرية والعقائدية بكل السبل، والعمل على مصلحة الوطن دون المصالح الشخصية.
لماذا إختار بريخت حرب الثلاثين عاماً كإطار زمني لمسرحيته؟ لأنه كان يريد التنديد بالسياسة والدين عبر تقديم صورة قاتمة للحرب ولرجال الدين والتجار، فالحرب كما يقول بريخت تقتل الفضائل الإنسانية فهو يفضل العيش بسلام علی دوام الحرب التي تعتبر كمصيبة تحل علی رؤوس الشعوب علی حد تعبيره. العراقيين ذاقوا مرارة الحروب والويلات نتاج السياسات الخاطئة التي مورست من قبل الأنظمة الشوفينية المستبدة، لذا علينا أن نقف في وجه الذين يريدون صناعة الخراب بعقولهم الملغمة ومسلماتهم العمياء و توجهاتهم المقلوبة و سيناروياتهم الجهنمية  وتصنيفاتهم العنصرية، وعلينا أيضاً معرفة قيمة السلام الذي يجب أن نسعی الی حفظه.
وختاما تقول "الأم الشجاعة": اللعنة على الحرب، أيجب أن تختطف منا الحرب كل من نحبهم؟
د. سامان سوراني
143  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جدلية التفكيك من أجل بناء عراق فيدرالي إتحادي في: 08:41 20/09/2011
جدلية التفكيك من أجل بناء عراق فيدرالي إتحادي

ليس من الضرورة أن ندرس الانتروبولوجيا السياسية لتعريف الديمقراطية، التي تنطوي في جوهرها علی الحل السلمي للسجالات السياسية الخلافية من خلال الإستعداد لعقد اتفاقات وإيجاد حلول توافقية وسطية، لكن المواقف الرجعية لبعض التيارات والإتجاهات السياسية المعاصرة في العراق، تلغي أثر الزمن والتحولات، بقدر ما تقفز فوق المشكلات الراهنة والمتغييرات الطارئة.
إن بناء ثقافة جديدة، إنما يستهدف مواكبة التحولات الظاهرية والعميقة التي تصيب المجتمع، حتى تتمكن قوى المجتمع وفعالياته المتعددة من الاستفادة من مكاسب العصر والحضارة دون الوقوع في نزعة الانفصام والشيزوفرينيا.
لقد آن الأوان لكسر الدائرة الخانقة التي يحبسنا فيها دعاة وحدة الجغرافية السياسية للعراق وكذلك المنظّرون لخصوصيته، جهات كثيرة في السلطة تتعامل ولحد الآن مع هذه "الخصوصية' بعقليتها النخبوية الشوفينية القوموية التي لم تجلب في السابق لهذا البلد غير الحروب والكوراث و الهلاك.
وإن ثنائيات النخبة والجماهير أو العامة والخاصة أو الطليعة والشعب لم تعد فاعلة في عصر المعلومة واقتصاد المعرفة.
ما النفع من رفع شعارات حول الوحدة الوطنية وعراق الغد، إذا كان الصراع عليها يولد كل هذه المآزق والكمائن أو المآسي والكوارث؟ 
من المعلوم بأن الحَيز السياسي هو مكان إنبثاق الديناميات الإجتماعية المتواجهة والمتجابهة، لكن التفكير بصورة تراجعية لا يجلب معه سوی التراجع تحت شعار التقدم ولا يمكن صاحبه أن يمارس شيء سوی إقصاء المواطن تحت شعار تحريره من القيود.
فليعلم المعارضين لفكرة إنشاء الأقاليم في العراق واستقلالياتها، بأن الإختلاف هو نسيج العالم الذي يقوم علی تعدد العناصر والأنواع أو علی تعارض الأقطاب والأضداد، سواء علی المستوی الطبيعي أو علی المستوی البشري. وكل محاولة لمحو التنوع أو نفي الاختلاف مآلها حجب الكائن واختزاله أو خنق الحيوية و شلّ الطاقة الخلّاقة. من هنا لامجال لتذويب الاختلافات، علی مايتعامل معها أهل الفكر الأحادي والصفاء العقائدي، إذ بذلك تتحول الی مأزق أو لغم ينتظر ساعة الإنفجار. الممكن هو العمل عليها لتحويلها الی وسط مفهومي أو فضاء تداولي أو سوق تبادلي.
من جهة أخری، لو توقف صاحب النظرية التراجعية عن ممارسة منزعه النخبوي وتخلی عن إدعاءاته النبوية والرسولية أو مزاعمهم الخلاصية بإمتلاك مشاريع لإنقاذ العراق من اللاإستقرار واللاأمن، فإن ذلك قد يخفف من الأضرار والمثالب والإنهيارات التي يشكو منها العراق اليوم. وذلك يحتاج الی أن يضع أصحاب الفكر التراجعي موضع النقد والمساألة والتفكيك والتعرية، مفردات معجمهم وآليات منطقهم، نماذجهم في الرؤية ومعاييرهم في العمل، خياراتهم الإيديولوجية ومواقفهم النضالية، أي كل مايفكرون فيه و يطرحونه أو يقولونه أو يعملون به. وحده ذلك يتيح لهم الخروج من مأزقهم وإستعادة فاعليتهم. فقد ولی زمن الوصاية من رئيس للحكومة علی الحقيقة والحرية والعدالة، إذ لا أحد أولی من سواه في الدفاع عنها. 
أين الحکومة العراقية اليوم من إدارة المصلحة العمومية أو من صناعة حياة سوية مشتركة؟ وأين قبول المكونة الأخری كشطر وجودي، والتعامل معه کشريك فاعل في إدارة المصالح وصنع المصائر؟
التحدي الكبير هو، كيف نجعل الحياة علی أرض العراق وبين مكوناته أقل بؤساً وفقراً وأقل توتراً وعنفاً، لتكون أكثر أمناً ويسراً وأكثر تواصلاً وتضامناً، سواء علی مستوی الأقاليم أو الإتحاد؟ 
إن عملية تفكيك العراق من أجل بناء وحدته علی أساس إتحاد ديمقراطي فيدرالي طوعي، بحيث يکون لكل مكوّن حقوق وعليه واجبات تنظمها توافقات وأعراف وقوانين، ضمن الإطار المعرفي الأوروبي لا يعني جعل أوروبا في المبتدأ والأخير، فهو – مثل كل الأفكار الشبيهة – منتج إنساني، يستطيع كلّ مجتمع الاستفادة منه أو من بعض عناصره بحسب حاجاته وظرفه التاريخي. وإن إعادة بناء النظام السياسي على أسس تجعل الحكومة في خدمة المجتمع وليس العكس سوف يحل الإشكالية المزمنة بين شعورنا بالحاجة إلى نظام سياسي يستمد سلطته من رضا الجمهور.
وختاماً: "أن الشراكة الفعّالة ليست قضية أعداد وحصص، بل هي في طرح أفكار ديمقراطية حية ونابضة تستوعب الحراك الاجتماعي، أو في صوغ خطط وبرامج تؤول الی تحسين شروط الوجود علی مستوی العراق الفيدرالي، من غير ذلك تمسي الشراكة شعاراً خاوياً ويكون مصيرها مصير سائر الشعارات المطروحة بعد سقوط النظام البائد، أي تستهلك لتتحول الی غطاء لطمس الوقائع الصارخة أو للتستر علی الإنتهاكات الدستورية غير المشروعة."
الدكتور سامان سوراني

 

 

144  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / حكومة الشراكة الوطنية أم حكومة الشراكة الملغومة؟ في: 11:51 19/09/2011
حكومة الشراكة الوطنية أم حكومة الشراكة الملغومة؟

ما توصل اليه عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو (1908 م- 1970 م) في دراساته حول الحاجات الفسيولوجية والمعنوية لدی الإنسان، هو أن "الأمن" حاجة أساسية، شأنه في ذلك شأن المأكل والملبس، إذ لايمکن للعنصر البشري أن يعيش بدونها.
ومن المعلوم بأن مفهوم الأمن الشامل يتخطی دور جهاز الشرطة من مجرد دور عادي هدفه بسط الأمن في أماكن معينة الی دور أكبر يتناسب مع ما يتطلبه المجتمع من أمن في جميع المجالات. والجهاز الأمني بات بحاجة ماسة لإعادة هيکلة شاملة، لرفع قدرته التنظيمية والتقنية، لمواجهة المخاطر الأمنية المعاصرة، التي تتسم بالعملية والتعقيد وإعتمادها علی التكنلوجيا الحديثة في تعزيز وقاية الشعب من أنماط الجرائم. ويقال بأن الاطار العام لاستراتيجية الامن القومي في بلد ما يحقق نهج الديمقراطية في ذلك البلد وأن رقي الدول والشعوب تستند الى إستراتيجية واضحة قائمة على أسس علمية وتعتمد معايير عملية للنجاح والتقدم.
في السابق كان الحكم في العراق بشكل عام بيد المستبدين من العسكر ونُظمهم الديكتاتورية المُعدية، التي عبثت في شتی مناحي الحياة ولم تنتج سوی المظالم والاحقاد والكراهية، لم يکن هناك وضوحاً في الاهداف والسياسات، ناهيك عن وجود فكرة "الشراكة الوطنية" أو المحاولة لخلقها والإبداع فيها. الأمر الذي فعّل إنعدام الثقة و أحيا نظرية المؤامرة، لذا نری مع كل أزمة جديدة بين الشركاء أزدياد الهوة والفجوة بين المكونات الرئيسية في العراق.
لقد تغيرت أشياء كثيرة خلال السنوات الماضية، في الأسماء والعناوين أو في الوجوه والفصول أو في الفاعلية ومشاريعهم أو في الاحجار التي يجري تحريكها علی الرقعة من قبل المخططين في الكواليس ومن وراء الديكورات، لكن ما لم يتغير هو المشاكل العالقة بين حکومة الإقليم والحکومة الإتحادية، كمشكلة المادة 140 الدستورية، التي لم تنفذ، کي تبقی إجواء الصراعات دوماً مهيئة.
فإذا كان التمثل هو وهم معرفي، فإن التمثيل هو خداع سياسي وتغيير مفهوم الحقيقة يعني في الوقت نفسه تغييراً في مفهوم الحرية والعدالة، نتجاوز به الديمقراطية التمثيلية بقدر ما نتجاوز أخلاقية المِثال والقدوة.
السياسة الكوردستانية بصيغتها الليبرالية لم تبتعد في البداية عن سياسة العراق، بل سعت قبل و بعد سقوط النظام البائد في بغداد ببناء إرتباطات وطيدة مع كافة القوی والأحزاب التي كانت إبان حکم صدام في صفوف المعارضة ولعبت دورها بشكل فعالّ من أجل إعادة تأسيس دولة العراق على أساس فدرالي  و قامت بترسيخ الأطار العام لحکومة الشراكة الوطنية. لكن القوی الليبرالية العربية في العراق كانت في حينه ضعيفة الی حد، مما أدخل الكوردستانيين الی التحالف مع الأحزاب الدينية الدوغمائية، التي هي في الاساس ترفض فكرة الليبرالية و علمانيتها وتمتلك في هذا العصر الرقمي نظرة محدودة لمستقبل العراق وإعادة تركيبته علی نمط عصري مشابه للبلدان الديمقراطية الإتحادية. لذا رأينا إقتصار عمل هذه‌ الشراكة علی محادثات ثنائية لا عمق فيها ولا بُعد لها، ناصباً إهتمامها علی فعل و رد فعل إزاء شؤون اليوم الراهنة.   
الحق في تقرير المصير أو بناء دولة كوردستانية مستقلة مطلب ليبرالي يحتاج دعم شركاء ليبراليين، يؤمنون بخلق تركيبة جديدة للعراق و لايعارضون القضية العادلة لشعب كوردستان.
بعد ولادة العولمة نظل اليوم أمام ظاهرة حضارية وحدث كوني تتغير معه خارطة العلاقات بالمفاهيم والأشياء، لذا علينا أنسنة ذواتنا ومقولاتنا والعمل علی نقد هوياتنا الدينية والفكرية وتفكيك معطياتنا الذاتية للتحول عن إنسانيتنا الحالية، بعد أن أستهلكت أفكارنا و عقائدنا و صفاتنا وأصبحت مجرد شعائر أو شعارات ميتة، تعيق بلورة صيغة جديدة للوجود أو مشروعاً للحياة. الإنسانية الآخذة في التعولم، هي الآن علی المحك، ما نتمناه هو ولادة "الإنسان التواصلي"، الذي يتشكل و ينمو بالشراكة والمبادلة والتعاون والتضامن في مواجهة "الإنسان الأمبريالي" الساعي الی نشر أسمائه وصوره أو سلطته والذي يسعی لبناء حكومة الشراكة الملغومة، لإنتاج الظلم والتسلط حتی يعمر البلاد ويسير أمور الدولة علی هواه. ما النفع من وضع البلد في مهب الريح وفتح الإمكان أمام الحرب الأهلية المذهبية والقومية التي إذا ما بقت الأمور علی هذه الشاكلة فسوف تدق الأبواب. 
إنطلاقاً من هذه الرؤية للعلاقة مع المستقبل، علينا قرأة المشهد السياسي في العراق ومشکلاته، في ضوء ما يستجد و يتغير، حتی لا نغرق في الوهم أو نقع في اليأس والإحباط وحتی نكون قادرين علی صياغة علاقات بيننا وبين إخواننا العرب في العراق علی نحو إيجابي وفي مناخات الإعتراف والتلاقي والتعاون والتلاقح، بصورة تتيح للخصوصيات أن تتجلی علی سبيل النفع المتبادل والإثراء المتبادل. المطلوب إذن قراءة الحدث كي لا يجرفنا الحدث وتهمشنا الوقائع. فبناء الشراكة يحتاج الی ساسة فاعلين يمارسون حيويتهم الفکرية لكي يشغلوا عقلولهم ويستثمروا طاقتهم في صناعة الحضارة وممارسة القوة الهادئة، بالتنسيق مع فريق أو مجموع يتداول معه المعلومات والخبرات، ويشاركهم في تقديم الإقتراحات وطرح  البدائل أو في صوغ المعالجات وتركيب الحلول . 
وختاماً: من دون وجود أرضية الشراكة، التي تحقق للشعوب القدرة على صياغة واقعهم السياسي، الاقتصادي، الأمني، الصحي، والتعليمي وكل ما يرتبط بشؤون حياتهم لايمكن لأحد الحديث عن حكومة الشراكة الوطنية.
الدكتور سامان سوراني
 


145  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الآفات الفكرية والأعطال السياسي في العراق في: 08:32 18/09/2011
الآفات الفكرية والأعطال السياسي في العراق

واقعة التفرد في الحكم تريد اليوم أن تكون لاعباً أساسياً علی المسرح العراقي وفاعلاً قوياً في المشهد السياسي. من هنا فهي مدار لقراءات و تأويلات مختلفة ومتعددة.
من المحتمل أن نكون نحن قد أسهمنا في صنع هذا الحدث الذي يريد أن يصنعنا وذلك بإخفاق مشاريعنا في الديمقراطية والتعددية ومساعينا في نشر الثقافة الليبرالية.
بمَ نفسّر عودة التفرد في الحكم علی المسرح بهذه السرعة؟ والی أين تقودنا المشاريع الإنفرادية؟ وكيف يتشكل النموذج الديكتاتوري الفردوي ويعمل؟ أو كيف يصنع الفكر الأحادي والعقل المنفرد في مجتمع تعددي إتحادي؟
للجواب علی السؤال الأخير يمكننا أن نقول، بأن ما يصنع الفكر الأحادي، خاصة من ينتمي الی واحدة من الأحزاب الدينية، هو جملة من العقائد والثوابت أو العقد والهواجس أو الحساسيات و ردّات الفعل تجاه الذات والغير والعالم. يمكن إيجازها بنقاط بسيطة، منها، المعتقد الإصطفائي، الذي يزرع في ذهن الفرد، منذ النشأة، شعوراً عارماً بالنرجسية التي تجعله يؤمن بأن أهل دعوته أو حزبه ليسوا كبقية الناس، لأن الله اختارهم لكي يکونوا ناطقين بأسمه، لا نقول لكي يجسّدون كلمته أو لكي يختم بهم وحيه ويبلغ الی العالم آخر رسائله. لذا فهُم، في نظره، وحدهم أهل الطريق الصحيح والصراط المستقيم، السائرون علی النهج القويم، وماعداهم في ضلالٍ مبين، أو أصحاب الأفكار المُقرفة والأعمال المزوّرة. والوجه‌ الآخر لأصحاب العقل المتفرد هو يقينه الدغمائي، الذي يوهمه، بأن برنامجه الحزبي نص مقدّس، وحده إذا طبّق يأتي بالفرج و السعادة لكافة العراقيين.
هذا الوهم المزدوج يتجسد في نهاية المطاف في هوية عنصرية تجعل أصحابها يرون الی أنفسهم بأنهم الأحق والأکمل و الأنسب للحکم و السلطة، أما المختلفون معه في الرأي والنهج فهم أحجار عثرة أمام أهدافه، لابد من إزالتهم و سلب حقوقهم.
بهذا ينفي الغارق في أوحال العقل المنفرد أي إمكان وجودي للتعدد و التنوع أو للإلتباس والإشكال أو للتوتر والتعارض أو للحرکة والصيرورة، أي نفي كل ما يشكّل مصدر للحيوية والقوة ومبنع للتعايش السلمي. وهكذا تتشكل عنده ديكتاتورية الحقيقة و إمبريالية المعنی.
الديكتاتورية قد تكون وليدة الأزمات والإخفاقات، لكل ما سبقها من مشاريع، کما يفسر البعض ظهورها علی المسرح، و قد تکون ثمرة کل ما شهده العراق من الهزائم والانهيارات والكوارث، لكنها تبقی وتظل ثمرة سيئة، إنها لم و لن تشكل العلاج و لا تستطيع أن تقدم الحلول الناجعة کما يدّعي متقمصيها.
بالعكس فالأزمات تزداد معها تفاقماً علی ما سوف تشهد وللأسف من المآلات والمصائر. فبسبب التشبيح النضالي والتهويم الإيديولوجي والخواء الفكري يستجمع مشروع التفرد بسلطة الحکم مساویء المشاريع التي طبّقت علی أرض العراق في السابق الغير بعيد، لأنه يكرر أخطاءها و يقع في مطباتها أو يكرر أعطالها.
العراقيون اليوم و ﺒﻌد اﻨﻘﺸﺎع ﺤﻘﺒﺔ اﻟﺤﮐم اﻟﺸﻤوﻟﻲ لا يريدون أن يعودوا الی زمن مضی، فهم الآن بأشد الحاجة الی الإبتعاد من الأنظمة السلطوية الشمولية، التي تريد الاستمرار في سياستها عن طريق القمع والترهيب والترغيب، حينه يفقد الشعب الحرية والمناقشة والمشاركة في تقرير المصير.
و إنطلاقاً من ايديولوجية هرمية علی أساس النظام الأبوي (الأب معيل والنساء والأبناء عيال)، تعمّم دور الأب الی العمل (يتصرف رب العمل مثل رب الأسرة) والتربية والسياسة والعبادة (الاستاذ والحاکم ورجل الدين أباء، والتلامذة والمواطنون والمؤمنون أبناء) يريد المتفرد بسلطة الحکم  أن يجعل مؤسسات الدولة والعائلة والدين والتربية والعمل تتصرف وکأنها خُلقت للخضوع الی أوامره، منتظراً "بزوغ شمسه".
ما يجب العمل عليه، هو إنقلاب هذا النوع من العقل السياسي والتربوي في العراق قلباً جذرياً من عقل إنفعالي توهمي ميثولوجي شعري الی عقل فعلي تحقيقي عقلاني علمي، لأن هذا العقل الأخير سوف يكون مصدر القوة الاقتصادية والقدرة السياسية، في جوهره أسلوب تفكير و نظام وحياة.
الأجدی أن نفكر بمفردات النسبية والتوسّط ونعمل بمنطق الخلق والتحول ولا ننتظر المعجزة مِن أولئك الذين يڕيدون أن نطلق عليهم ألقاب الزعيم الأوحد والقائد الملهم والبطل المنقذ، الذين يدعون بأنهم يملكون مفاتيح الحلول السحرية لكل المشكلات، لأن مآل ذلك هو إنتهاك الشعارات وحصد الإخفاق علی أرض الواقع، فما عاد بوسع أحد أن يحل الأزمات الطاحنة بمفرده، بل عبر التباحث والتشاور والتعاون مع الأطراف المؤتلفة معه.
إن محاولة إدغام العراق بـ"الرابطة الكونفوشية الإسلامية"- كما يسمي هانتنغتون الدول التي تعمل علی تطويڕ قواها الإقتصادية والعسكرية وتتحدی الغرب في مصالحه وهيمنته وقيم‌- يقود هذا البلد بالطبيعة الی العزلة السياسية، وهو عمل غير منطقي، لأنه يعني "نعم، أرغب في إستخدام كافة الوسائل التي يصنعها الغرب و حتی الأدوات الضرورية في غرفة نومي، لكنني أرفض التغرب جملةً وتفصيلا". ‌
إن الرهان، وسط كل هذه المخاوف والمخاطر والكوراث المحدقة بمصير الشعب العراقي بسبب محاولات التفرد في الحکم، هو كيف نصنع حياة سوية ومشترکة؟ كيف ندير مصلحة عمومية ونخلق لغة مشتركة أو وسطاً للمداولة أو مساحة للمبادلة في هذا المجال أو ذاك و کيف نبني عراق فيدرلي إتحادي تعددي ونصون الدستور ونطبق بنوده؟
وختاماً: "النماذج التي تُقحم علی الشعوب من خارجها، أو تُفرض علی الناس بعقلية نخبوية مركزية فوقية لاتنجح"، فالنخبوية اليوم لاتصنع التعايش السلمي أو تنمية، بل أمست ضرباً من البربرية السياسية أو المجتمعية.
الدكتور سامان سوراني 

146  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة الحل العسكري لتركيا وإيران وفلسفة قتل الأبرياء في: 16:31 07/09/2011
سياسة الحل العسكري لتركيا وإيران وفلسفة قتل الأبرياء

عندما زار رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، في العاشر من تموز عام 2008  بغداد رسمياً وقع مع رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، اتفاقية سميت بـ " الإعلان السياسي المشترك". علی المهتمين بالوضع السياسي العراقي معرفة بنود وتفاصيل هذه الاتفاقية.  وقد عدّ المراقبون السياسيون في حينه هذا الإعلان تدشيناً لعهد جديد من العلاقات العراقية- التركية المبنية علی الاحترام المتبادل ومنها احترام الحدود واحترام رعايا البلدين، وبموجب هذه الاتفاقية تأسس ما يسمی بـ"المجلس الأعلی للتعاون الاستراتيجي بين العراق وترکيا".
لکن الذي شاهدناه في الأيام الماضية من الاعتداءات المتكررة والاستهدافات والهجمات المتتالية بالطائرات الحربية وقصف مناطق وقری مدنية حدودية آمنة في إقليم كوردستان العراق فهو عکس ما جاء في بنود هذه‌ الإتفاقية، حيث قامت حکومة أردوغان بإسقاط مصطلح "احترام الحدود والرعايا" من قاموسها السياسي وأدخلت مصطلح "الحل العسکري" بديلاً له ووسيلة غير منطقية لحل مسألة الکورد في ترکيا.
إن قتل سبعة من المدنيين العزل  يوم الأحد 22 من آب 2011 نتيجة هذا القصف اللاإنساني والغير مبرر وإصابة مدنيين آخرين و نزوح مواطنين أبرياء من تلك المناطق الحدودية أمر يدينه کل إنسان متحضر وموجود يؤمن بحقوق الإنسان علی هذه السكينة. فلا يمكن لأي شخص سليم العقل أن يناصر الحرب على حساب السلام، و إلا فما فائدة عقله ما لم يعقل كل اختياراته.
نسأل رئيس الوزراء الترکي، الذي يدافع عن حقوق الشعوب في ليبيا وسوريا ومنظمات كالحماس وحزب الله، إذا لم يلتزم هو ببنود "الإعلان السياسي المشترك" الذي وقع عليه، فأين التزامه بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة في احترام الحدود الدولية المعترف بها، وأ‌ين تعهده بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المجاورة لتركيا؟ علی تركيا احترام المواثيق الدولية الضامنة للسلم و حقــوق الإنسان والالتزام  بها  إلتزاماً أخلاقياً.
أما سکوت حکومة المالکي علی هذه الفعلة الشنيعة لترکيا فأنه يثير الكثير من التساؤلات والشكوك لدی المواطن في إقليم كوردستان العراق.
إن حل مسألة الکورد في ترکيا وإيران لا تتم بالقوة ولا بالعنف العسكري وإنما بالحوار والتفاوض والاحترام المتبادل، وهذا ما يؤ‌كده رئیس إقليم كوردستان في كل مناسبة وكل مكان بما لا يدع مجالاً للتشكيك أو التأويل، لأن التجارب والمعارك في السابق أثبتت فشل طريقة الحرب العوجاء، ومن المعلوم بأنه کلما إزدات العنف و الهمجية والعدوانية تجاه الشعب الکوردستاني كلما تقوی إرادتهم للنضال والکفاح من أجل حقوقهم المشروعة.
ومن المعلوم أيضاً بأن الحرب لا تعلمنا غير العنف وهي تشجع على التطرف في رد الفعل والتعصب في الموقف وتضع أهواء الطبيعة البشرية الهشة متفقة مع وحشية الأحداث عندما تجعل سهولة الحياة اليومية تختفي لتبرز للعيان حياة معقدة صعبة تغيب عنها الملامح الأساسية البسيطة لحياة كريمة کي تبدأ صراع على المياه  والمعادن ومصادر الطاقة. الحرب لا يعني سوی الموت والقسوة ومعاداة الحياة، لأن رحى المعارك لا يترك وراءه إلا الجثث المشوهة والأرواح المزهقة.
إن صرف کل من حکومة تركيا و إيران عشرات المليارات من الدولارات علی التسلح  و ازدواجية سياستهما والعمليات العدوانية علی كوردستان لا يعني أبدا ان للحکومتين اليوم نية في السلام، بل يعني واقعة واحدة فـقط، الموافقة على الحرب و الإعداد لها. ولو أردنا الرقي والأمن في المنطقة فمن الأولى أن تكون حروبنا ضد الفقر والتخلف والأمية وسائر الأمراض التي تهدد أنفسنا، لا أن يكون صراعنا مع بعضنا البعض.
لقد ذاق كوردستان وتذوق لحد يومنا هذا مرارة الكولونيالية الترکية والعربية والفارسية و تقاسي آلامها ونتائجها اللاإنسانية، فالاستعمار و سياساتها هي واحدة من أبشع الظواهر التي عرفها الإنسانية.
لتكن تعددية المركز ورفض المركزية "التركية-الإيرانية" فلسفة جديدة تمارسها حکومات المنطقة و فكرة التعددية وقبول الآخر منطق يطبق من قبل تلك الدول. نحن نتمنی أن تمارس هذه الحكومات الثورة علی ذواتها لتخفف من أمراضها النرجسية والمركزية والاصطفائية والإمبريالية والاستبدادية. فمن المعلوم بأن التأله والتقديس ينشر الشعوذة، ويزرع الخراب، ويولد البربرية في المنطقة. ماذا تنفعنا شعاراتهم البراقة من أجل الدفاع عن حقوق الشعوب المهضومة في البلدان الإسلامية، إذا ما قاموا من الطرف الآخر بتحويل قرانا و مدننا الحدودية معهم إلى خراب أو مايشبه الثكنات العسكرية. کفاهم تصنيع العقول المفخخة، والهويات المغلقة، والثقافات العدوانية، والعصبيات الطائفية أو الحزبية أو المسعورة والمستنفرة.
إن هذا الزمن هو زمن التخلي عن مزاعم القبض والسيطرة أو عقلية الاحتكار والمصادرة، فمن الأولی الاشتغال بعقلية التوسّط والتسوية والمصالحة والشراكة. نقول بأن تركيا وإيران سوف تنجحان إذا تبنّت حكوماتها المؤسساتية زخماً لها وضمان حقوق القوميات والأديان سنداً في تطورها ودوامها.
وختاماً يقول سيغموند فرويد: "إن كل ما يدعم نمو الثقافة يفعل في الوقت نفسه ضد الحرب".
د. سامان سوراني

147  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / فلسفة القمع وهذيان أقطاب النظام السوري في: 11:24 21/08/2011
فلسفة القمع وهذيان أقطاب النظام السوري

الذي نعرفه هو أن الثقافة بمعناها الإثنوغرافي الواسع، کما يعرفها الأنتربولوجي الإنجليزي، إدوارد بِرنت تايلور (1832-1917)، هي فضاء کلي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف، وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع. فهي عملية اكتساب عبر وسائط التربية والتعليم والتنشئة، وعبر جميع طرائق التفاعل الاجتماعي، وليست عملية انتقال فطري أو غريزي تكتسب عبر طرائق المورثات (الجينات) البيولوجية. أما الثقافة السياسية فهي جزء من الثقافة بمفهومها العام، وهي تختلف من بلد لأخر ومن مجتمع لأخر، وهي ثقافة فرعية تتأثر بالثقافة الأشمل، وتؤثر بشكل كبير على ثقافة المجتمع السياسية. ويقصد بها مجموعة المعارف والآراء والمشاعر والمعتقدات والاتجاهات السائدة نحو شؤون السياسة والحكم، الولاء والانتماء، الشرعية والمشاركة، إنها طريقة التفكير والشعور والسلوك السياسي الخاص بجماعة ما.
ففي سوريا شاهدنا کيف أن الثقافة السياسية التي کانت موجهة من قبل النظام التسلطي، عملت لعقود من الزمن علی إقصاء الفكر المعارض وتمحورت حول الخوف من السلطة والإذعان لها، لكنها تغيرت بعد أن بدأ الشعب بالنهوض والانتفاضة علی هذا النظام البعثي الشوفيني.
أقطاب النظام السوري کانوا بعيدين کلّ البعد في تحويل القوة إلى حق والطاعة إلى واجب. فإنهم کما کانوا في السابق متعصبون لکل ما نشأوا عليه مهما کان سيئاً، نراهم يعلنون سخطهم علی کل من لا يؤيدهم في تعصبهم، إنهم أصحاب الأفكار الشوفينية النازية، شهروا سلاحهم في وجه کل من يخالفهم في الآراء والمفاهيم التي أنشأوا عليها أو إعتادوا عليها، فهم حصيلة المناخ العروبي القوموي الذي کان سائدا في النصف الثاني من القرن الماضي.
وما استمرار القوات الموالية للنظام ولرئيسه "بشار الأسد" في قتل وترويع المتظاهرين المدنيين العزل بالدبابات والقناصة إلّا شهادة لوفاة وسقوط هذا النظام قبل الأوان، بعد أن ازدادت العزلة الدولية له وأصبحت نقطة اللاعودة من البديهيات.
كما ذکرنا سالفاً، هذا النظام لم ولا يعترف في يوم من الأيام بسيادة ثقافة سياسية تؤمن بحق الاختلاف والتناوب على السلطة والاعتقاد بحرية وحقوق الإنسان ووجود الأحزاب السياسية تتعايش فيما بينها وتخضع لقواعد عقلانية عن طريق انتخابات نزيهة، قائمة على مفهوم المشاركة، حيث يؤمن المواطنين بأنهم قادرون على المساهمة في النظام والتأثير فيه. هذا النظام لديه غريزة الذئب في الافتراس، الذئب يقتل دون حاجة، لا يقتل ليأكل فقط، بل يقتل ليقتل، وسلطات الأمن والعسكر في سوريا تقمع لا لتوقف متظاهرا أو ثائراً، بل تقمع فقط لأنها أصبحت مدمنة على القمع. هكذا هي غريزة القمع للأسف، تُخضع كل شيء لغريزتها البدائية.
لقد عمل النظام السياسي في سوريا جاهداً علی خلق وإيجاد نوع من المشروعية المبنية علی القسر والاستبداد لشرعنة حکمه وقام بخلق عمق تاريخي مزوّر له‌ يرمز لعراقته وتأصله، لکن دون جدوی، لأن المجتمع السوري كان أدری بنوایا نظامه المسلط علیه.
ومن الواضح بأنه‌ لا يمکن تفسير تشکيل و عمل المؤسسات السياسية من دون معرفة المركب العقلي والقيمي للسلطة السياسية. أما المشروعية التي نتحدث عنها فإن ماهيتها تثبت بحسب درجة سريان العقلانية في ضبط العلاقات بين الأفراد والجماعات والسلطة السياسية. النظام السوري قام خلال العقود الماضية من حکمه بتسييد ثقافة البعث وإيديولوجية الزعيم الأوحد في المجتمع وساهمت هذه الثقافة الی حد کبير في تحديد شکل نظام الحکم في هذا البلد، بل ساهمت أيضا في تحديد عناصر القيادة السياسية بعد أن قامت أجهزة السلطة بقلع جذور الفكر الحر والعقل المعارض.
في الديمقراطية الغربية المعاصرة تهدف الثقافة السياسية الی تحفيز الفرد على المشاركة في العملية السياسية داخل النظام السياسي، لتعزيز وتقوية فكرة الإحساس بالمسؤولية، ومطالبة المساهمة في العملية السياسية على اعتبار أن الظاهرة السياسية تخضع للمساومة والتأثير على صانعي القرار، وتتبع مجريات الحياة السياسية. فالثقافة السياسية في الغرب تساهم في استقرار وفعالية الديمقراطية وتدعم التعلم للعيش المشترك وقبول الإختلاف وجعل العالم مكاناً آمناً له. لأنه عندما تكون العلاقات بين أفراد المجتمع الإنساني إيجابية وعلى قدم المساواة، فإن ذلك سوف يعزز الكرامة والحرية والاستقلال، وعندما تكون العلاقات سلبية ومدمرة فإن ذلك سيقوّض الكرامة الإنسانية وقيمتنا الذاتية. إذن العيش المشترك هو أحد أهم التحديات الكبرى للقرن الواحد والعشرين.
ويری الفيلسوف الفلورنتيني، أستاذ العلوم السياسية، جيوفاني سارتوري، بأنه لا يمكن أن يحدث الإنتقال من حكم الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية من دون قطيعة (ثورة شعبية)، من دون انفجار، ما يضع حداً للسياق الأحادي ويفتتح الطريق نحو السياق التعددي، لأن النظام الشمولي، حسب رأي سارتوري، يستند إلى إطار أيديولوجي، صاغه مثقفون أو أشباه مثقفين، ويتسم بتماسك فرضياته ووضوح غاياته التي يستهدفها، لذا يتصور النظام الشمولي بأنه يستوعب الکل الاجتماعي فيريد إعادة صياغته من جديد. 
فبعد سقوط هذا النظام الشمولي سوف يحتاج المجتمع السوري الی بناء نظام ديمقراطي يدعم التنمية الثقافية ويخلق ثقافة سياسية جديدة لتعزيز المواطنة الحقة وترسيخ مؤسسات الدولة الديمقراطية ومعالجة أزمة البنيوية و الموروث الشمولي للسلطة ورفع العقبات أمام التنوير، کي لا تعتبر الحديث عن أمور السياسة من قبل القوميات تهديدا للأمن والنظام. إن من أهم الرهانات في الوقت الحاضر هو العمل علی نشر ثقافة سياسية جديدة و بناء وعي مجتمعي جديد مبني علی مفاهيم وقيم المواطنة الحقة وأسس الديمقراطية والمساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص واحترام الرأي الأخر والمشاركة السياسية، فالتنمية الثقافية مدخل ضروري للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية ليست شيئا يقلد بل واقع معاش، ولا يمكن نقله وغير قابل للتوريد والتقليد، بناؤها يجب أن ينطلق من الواقع وخصوصياته.
علی التيارات المعارضة للنظام الأسدي العمل علی تسطير دستور جديد لدولة ديمقراطية فدرالية إتحادية يصون حقوق کافة القوميات والأديان والطوائف في سوريا والمجاهدة في سبيل تثبيت ثقافة واعية لممارسة الديمقراطية وترسيخ القيم المبنية على الحوار والتسامح والعدالة واحترام قواعد اللعبة السياسية. لتكن ثقافة تؤمن بحق الاختلاف والتناوب على السلطة وقبول الرأي المضاد وتكرس الثقة في المؤسسات والشعور بالقدرة والكفاءة السياسية، وإقرار قيم المحاسبة وترسيخ ثقافة المشاركة الديمقراطية لما يتوافق مع قيم وتحديات العولمة الثقافية. بدلا من الثقافة الرعوية، الذاتية، وثقافة الرداءة والانهزامية والإقصاء، والتراتبية السلطوية القهرية والموروث السلطوي القائم التي ظلت العمود الفقري لشل كل محاولة للتحديث في هذا الزمن التسارعي الرقمي.
وختاماً لكم قطعة من قصيدة "الديك" للشاعر الخالد نزار قباني في وصف "القائد أو الزعيم المستبد":
"في حارتنا
ثمة ديك عدواني، فاشستي،
نازي الأفكار
سرق السلطة بالدبابة
ألقى القبض على الحرية والأحرار
ألغى وطناً
ألغى شعباً
ألغى لغةً
ألغى أحداث التاريخ
وألغى ميلاد الأطفال
و ألغى أسماء الأزهاء"
د. سامان سوراني
148  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جدلية التنوير والمصائرالبائسة للأنظمة التوتاليتارية في: 21:51 28/07/2011
جدلية التنوير والمصائرالبائسة للأنظمة التوتاليتارية

التنوير هو شعار ومصطلح أساسي في قاموس الحداثة الغربية. ففي عصر التنوير تم  تهيئة وخلق شروط الديمقراطية والسوق وسيادة القانون. صحيح أن التنوير تعود إلى مراحل تاريخية ترتبط في الحقيقة بكل ما يشير أو يؤكد على دور عقل الإنسان وإرادته والتجربة الحسية الممارسة عبر تسيير أمور حياة الإنسان والمجتمع عموما، لكننا نستطيع أن نطلق علی قرن الثامن عشر بعصر التنوير بإمتياز، لأن التيارات الفكرية الجديدة في مضمار هذا القرن قامت بالعمل على إضعاف المؤسسات التقليدية ومهّدت السبيل لكسر جدار المطلق حاملا في طياتها معالم ثورات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية عظمى أرغمت المهتمين بها تسميتها بقضايا التنوير.   
لكن للتنوير جوانبه المظلمة، تم إظهارها من قبل مُنظرَين من مدرسة فرانكفورت الألمانية في الفلسفة، هما ماكس هوركهايمر (1895-1973) و تيودور أدورنو (1903-1969) في كتاب أصدروه عام 1947 تحت عنوان "جدلية التنوير". هذه المدرسة قامت بالجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع في آن واحد، وهذه الفلسفة نشأت في ألمانيا منذ العشرينات من القرن الماضي وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا تُقاد من قبل رائد تيار الحداثة وصاحب نظرية الفعل التواصلي الفيلسوف يورغن هابرماس.
كتاب "جدلية التنوير"، يحتوي علی شذرات فلسفية، أما رسالته الأساسية فهي إمكانية خلق عقل جديد يواكب روح الحضارة الحديثة والعصور الحديثة، ولكن هذه المواكبة لا يمكن أن تجري دون نقد لما مضى ولذلك ينصب النقد في معظمه على العقل القديم، الذي کان يدور في فلك هيغلي (نسبة الی غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل "1770-1831")، كانطي (عمانوئيل کانط "1724-1804") أو مارکسي (كارل مارکس "1818-1883"). 
ينصرف مفهوم التنوير من حيث المبدأ إلى اعتبار أن عقل الإنسان وإرادته هما المعياران الحقيقيان لكل نشاط فكري وعملي إنساني, وأن الظواهر في جوهرها لا تقوم على الثبات والإطلاق, بل تقوم على الحركة والنسبية والمتنور يرفض فرض العقائد المطلقة عليه و يطرح الأسئلة النقدية الكبيرة، أسئلة تتضمن بين طياتها بذور التفكير الحر للإنسان والرغبة في الاختيار. کالأسئلة التي طرحها الفيلسوف الفرنسي ورائد المقالة الحديثة في أوروبا ميشيل دي مونتي (1533-1592)، "ماذا أعرف و ماذا عليّ أن أعمل؟".
إن خروج الإنسان من قصوره و عدم إستخدام عقله و تكاسله عن الاعتماد على نفسه في التفكير أدى من جهة إلى تخلفه، ومن جهة أخرى هيأ الفرصة لأصحاب الحق الإلهي و مؤسساتها السلطوية الممثلة بالملك والکنيسة لاستغلاله، وذلك بسبب عامل الخوف فيه. وهذا ما حفز المفكر رينيه ديكارت (1596-1650) الی ترويج الأفكار الداعية إلى الشك والعقلانية والعلم وحرية الإرادة و نشر ومقولته الذائعة الصيت ( أنا أفكر إذن أنا موجود ) کتحدي حقيقي لكل ما يمثل عقلية الامتثال والإطلاق. 
يمکن القول بأن الفلاسفة المتنورين أمثال ديكارت – بليز باسكال (1623 - 1662)– مونتسكيو (1659-1755)– فرانسوا ماري أرويه المعروف بـ فولتير (1694-1778)– دنيس ديدرو (1713-1784)–جان جاك روسو (1712-1778)– ديفيد هيوم الاسكتلندي (1711-1776) وجان لوك (1632-1704) بذلوا جهداً عظيماً من أجل الرقي بالفرد والإنسان عموماً، لكن الكثير من الادعاءات الفكرية التي قدمها هؤلاء كانت متطرفة في حينها، ولم تكن بالنسبة للكثير منهم سوی معارضة لما هو قائم، أو مواقف فكرية تطهريه تدعوا إلى تطهير الواقع المعاش آنذاك من أدرانه، هذا بالإضافة إلى كونها كانت تشكل الحركة الفكرية للطبقات الوسطى، وهي الطبقة الأكثر اهتماماً بالثقافة كما هو معروف.
ومن المعلوم بأن "التنوير" مصطلح مرن،  يمکن استخدامه لأغراض تتعارض مع نوايا المتنورين الأوروبيين. فعلی صعيد العالم العربي حاول النظام المصري في زمن مبارك خطف وإدماج هذا المصطلح لتثبيت حکمه وجعله مستقراً، ولكن في النهاية لم يتمکن من إخفاء التناقضات والصراعات، الی أن أدت تلك التناقضات والصراعات الی سقوط مبارك أولاً ونظامه أخيراً. لقد إستخدم نظام مبارك مصطلح "التنوير" في وقت مبكر بهدف البدء بحملة "تنويرية"  لمقارعة "التيار السلفي" أو مايسمی بـ"التيار الظلامي" و جماعة إخوان المسلمين. أما المثقفين العلمانيين، الذين كانوا يتملقون لهذا النظام، فقد أعلنوا بأن"جحيم الحكومات العسكرية المستبدة لهم أسهل تحملاً من جنات دعاة الاصولية". وکانت لديهم حتى محطاتهم التلفزيونية الخاصة باسم "قناة التنوير"، مهمتها کانت تتمثل في نشر رسالة التنوير في جميع قطاعات المجتمع وشن "حرب" ضد دعاة الجهل الحقيقي والعفن الفكري والتسطيح الثقافي. وکان الخوف من ولادة أصولية مماثلة لأصولية الخميني قد ساعد علی قبول الغرب لنظام مصر‌.
والذي فاجأ المراقبين الغربيين بعد هذه الحملة من قبل النظام هو رد فعل الاسلاميين وعلماء الأزهر. فإنهم لم يقوموا بحملة "تنوير مضادة"، بل قاموا بأقتباس الفكرة نفسها وتبنّي مصطلح "التنوير"، حيث سخروا من "التنوير الحکومي"، مدّعين، بأن الاسلام في توافق تام مع  التفكير العقلاني والتنوير. و بهذا تمكنوا من إسقاط الحکومة في فخ. وماكان علی الأقوياء إلا أن يظهروا بأن التنوير من الفوق لا يتعارض مع القواعد الاساسية للإسلام. وعندما صرح فاروق حسني رائد دعاة "التنوير"  ووزير الثقافة آنذاك، بوصف الحجاب بـ"التخلف والعودة الی الوراء"، إئتلف الحزب الوطني الديمقراطي لحسني مبارك في البرلمان مع أعضاء من جماعة إخوان المسلمين  و طالبوا سوية مثول الوزير أمام اللجنتين الدينية والثقافية في البرلمان. 
إن محاولات حزب النظام البائد في مصر للقيام بالوعظ علی هذه الشآکلة لم تكن تكفي لإقناع الرأي العام في هذا البلد، لأن العديد من المسؤولين الحكوميين وخصوصاً عائلة الرئيس نفسه لم تكن تطبق وتتبع في يوم من الأيام مبادئ الشريعة الإسلامية. وفي النهاية أدت دعاية "التنوير" الی كشف الاغراض الحقيقية التي کانت تكمن وراء الخطاب السياسي للنظام.
أما بعد 25 يناير 2011 في مصر فنشاهد بأن إمرأة تقوم بتأسيس حزب يسمی بـ" حزب التنوير المصري"، الذي ينادي في برنامجه بالمدنية والمساواة والحرية والعدالة والنزاهة والمسئولية الاجتماعية واللاعنف عبر التنشئة السياسية و يؤمن بأن إصلاح مصر يبدأ من الفرد بإعتباره الطريق المؤدى إلى إصلاح المجتمع إصلاحاً كاملاً و ينظر إلى قضية الحريات باعتبارها قضية مركزية في التحرر الوطني سواء كانت هذه الحرية فيما يتعلق بحرية الاعتقاد أو حرية التعبير وحرية ممارسة السياسة باعتبارها حقا دستوريا، منطلقا من مبدأ المواطنة والمشاركة في الحقوق والواجبات وفقاً للدستور، ساعياً الی العدالة من خلال تعزيز الشفافية والمساءلة والمحاسبة في المجتمع للحد من الفساد ومن ثم القضاء عليه. والجديد في هذا الحزب علی المستوی العربي، أنه يحدد نشاط رئيس الدولة ويلزم علیه بأن لا يترأس أي حزب سياسي ويمنع ويحذر على جميع أقارب الرئيس من الدرجة الأولى من ممارسه أي نشاط سياسي أو حزبي أو اجتماعي، وذلك من أجل بناء نظام حكم مدني تكنوقراطي.
من هنا يمکن أن يُنظر الی التنوير كقاعدة أساسية للحقوق والمفاهيم، کالتوجه نحو النظرية العلمية في المعرفة، والتسامح الديني، وتنظيم الدول في حكومات جمهورية عبر وسائل ديمقراطية وغير ذلك.
وختاما نقول: "من حاول أن يجسّد دينامية مجتمعية و مارس نمطاُ جديداً، منتجاً وفعالاً، في الحكم والإدارة والتسيير أو في العمل والاستعمال، سوف ينجح، لأنه يتعامل مع هويته القومية و ثقافته الدينية  بصورة حديثة وراهنة، يتعاطی مع العالم والواقع بفكر مركب و عقل تداولي، عكس الأنظمة التي تعاملت مع الهويات والقضايا بلغة مستهلكة وبائدة أو بعقل شمولي واستبدادي وفكر أحادي اصطفائي مغلق قائم علی نفي الآخر والعالم والمكان والزمان، فإرتدت عليها أعمالها وانتقمت الوقائع من أفكارها، کما تشهد المصائرالبائسة لتلك الأنظمة التوتاليتارية."
د. سامان سوراني 
149  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الأنبياء الجدد والمجازر الوحشية في النرويج في: 20:26 27/07/2011
الأنبياء الجدد والمجازر الوحشية في النرويج

الذي نعرفه هو أن النرويج دولة تحکمها نظام ملكي دستوري وحدوي بنظام برلماني وأن النرويجيون يتمتعون بثاني أعلى ناتج محلي إجمالي للفرد الواحد (بعد لوكسمبورغ) وثالث أعلى ناتج محلي إجمالي (تعادل القوة الشرائية) للفرد الواحد في العالم. و أن هذا البلد ذو المساحة الواسعة هو من بين البلدان الأقل تأثراً بالتباطؤ الاقتصادي الدولي. وأن حزب العمال النرويجي الذي يزعمه رئيس الوزراء الحالي ينس ستولتنبرغ کان خلال الفترة الممتدة بين عاميّ 1945 و 1961 مسيطراً على البرلمان بعد حصوله على الأغلبية المطلقة من الأصوات بعد أن أطلق برنامج مستوحي من علم الاقتصاد الكينزي  و شدد علی تمويل الدولة للتصنيع والتعاون بين النقابات العمالية ومنظمات أرباب العمل. هذه الدولة أنجبت في أواخر القرن التاسع عشر، أي العصر الذهبي للأدب النرويجي، عمالقة الأدب أمثال هنريك إبسن وبيورنستيرن بيورنسن وألكسندر كيلاند ويوناس لي وحصل في الربع الأول من القرن العشرين ثلاثة روائيين نرويجيين بسبب مساهماتهم الهامة في الأدب على جائزة نوبل: بيورنستيرن بيورنسن في عام 1903 وكنوت همسون في عام 1920 وسيغريد أوندست في عام 1928.
النرويج، هي البلاد التي شرفها صاحب جائزة نوبل للسلام السويدي إلفرد نوبل بتكليفها بترشيح من يحمل جائزة السلام الدولية المقترنة بإسمه وهي بلد ليبرالي فتحت ذراعيها على مصراعيهما لضم الآلاف من اللاجئين الكورد والعراقيين الی صدرها لإيوائهم و أعطائهم حق المواطنة، بعد أن تمکنوا من إنقاذ أنفسهم من قبضة جلادي النظام السابق في العراق و حملاته الهمجية البشعة و غاراته البربرية عليهم.
يوم 22 يوليو 2011 شهدت النرويج، الهادئة بطبيعتها، بعد تفجير المجمع الحکومي في قلب أوسلو و الهجوم علی معسکر صيفي لمنظمة الشباب الاشتراكية الديمقراطية في جزيرة أوتويا الغير بعيدة من  العاصمة أكبر مذبحة في تاريخها الحديث وقت السلم راحت ضحيتها مايقارب 100 مواطن نرويجي بهدف إيقاف الهجرة اليها و إنهاء التعددية الثقافية فيها. في الماضي قدمت النرويج خدمات ثمينة من أجل السلام في بعض أشد بقاع العالم توترا والشعب النرويجي لا تستحق هذا الهجوم الإرهابي الغير مبرر أبداً، نشعر بالصدمة و نراه من الواجب علينا ككوردستانيين وعراقيين إدانة هذه العملية الجبانة بأشد العبارات.
أندرياس بريفيك (32 عاماً)، بإدعائه الألوهية والنبوة الجديدة، أراد بسيناريوهاته‌ الجهنمية وعقله الملغم و مسلماته العمياء و توجهاته المقلوبة إنقاذ النرويج من المد المارکسي‌ و الإسلامي، هذا ما إدّعی هو به لدى مثوله أمام قاضي التحقيق.
لقد كان إرهابه عنف فاحش، لأنه کان يرمي الی إحداث أكبر قدر من الخسائر في الأرواح والممتلكات و بأفظع الوسائل، لكي يترك الأثر الأقوی والأبشع في النفوس و قد استخدم قبله الإعلام الالكتروني للترويج و لتغطية عمله، لم يقده وازع أو رادع في ممارسته لعنفه الجهنمي. بعمله هذا أراد أن يدمر كل قيم السلام والحضارة في النرويج، بلد السلام بإمتياز. في قاموس الإرهابي بريفيك لم يکن هناك وجود لأبرياء، لأنه إعتبر کل شخص منتمي أم غير منتمي الی حزب العمال مسؤول عن مأزقه أو بؤسه أو فشله. الأمر الذي سوّغ له الإنتقام منهم. إرهابه كان نابع من أزمة الهوية والمعنی في هذا العصر الكوكبي المعولم، حيث التعاظم في حرکة الثروات والثقافات والمعلومات العابرة لحدود الدول والقارات، حيث التضاعف في إمكانات الاتصال والإنتقال و الإختلاط والتبادل بين المجموعات البشرية. إن الثقافة المنغلقة يغلب عليها الطابع العقائدي الدوغمائي، وتتصف بالمحافظة والإنشداد الی الماضي والتشديد علی الهوية والتراث. وهذه هي ثقافة المغلوب والضعيف. الضعيف يتمسك بما عنده‌ والقوي يطلب ماعند غيره.
الذي يدخل التاريخ من بابه الحضاري بعد هذه العملية الوحشية هو موقف حکومة النرويج برؤيتها الموضوعية وتعاملها الديمقراطي والشفاف للفاجعة وحِکمة و نزاهة قضائها المستقل وشجاعة القيادة النرويجة بالقول، أن بلادهم يرد علی تلك الهجمات بـ"المزيد من الديمقراطية والانفتاح" مطالبين مواطنيهم بالتضامن ودعم بعضهم البعض في "أسوأ أزمة تمر بها (بلادهم) منذ الحرب العالمية الثانية".
وختاماً: "الشأن البشري والكوكبي يحتاج الی استراتيجية فكرية جديدة في إدارة الهويات والقضايا والدول والعلاقات بين البشر تتشكل معها فضاءات ومساحات عقلية ومفهومية جديدة ومغايرة بتوجّهاتها وأولوياته ومفرداتها وتراكيبها، كي يعيش بني البشر على وجه الارض بسلام."
د. سامان سوراني 

 




150  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المزاعم النخبوية حول الادارة اللامركزية والأقاليم الفدرالية في: 11:03 25/07/2011
المزاعم النخبوية حول الادارة اللامركزية والأقاليم الفدرالية

عندما نشرنا قبل أيام مقالنا حول "دولة الأقاليم كبديل حقيقي لشعب العراق" وردنا ممن يدّعون إنتماءهم الی النخبة المثقفة العديد من الرسائل بسبب طرحنا لهذه الفكرة، بعضها كانت تهجمية الی درجة، زاعمين أننا نقوم بـ"دعوات خطرة تهدد وحدة دولة وشعب وأعراف وتقاليد وأن أقليم كوردستان سوف يكون بسسب دعواتنا أول المتضررين". 
لا مراء أن هذه االردود تعكس أفكار أصحابها، توصلنا الی بعض حقائق، منها أن الأفكار المغلقة للمثقف النخبوي في العراق تبقی دوماً عائقاً أمام إنفتاح المجتمع لتجديد المفاهيم والمعايير وصوغ الجديد. إنهم يفتقرون فهم الفدرالية بشکلها العلمي والعملي ولا يريدون رؤية ضرورة تطبيقها علی أرض الواقع لإنقاذ هذا البلد من الصراعات السياسية المستمرة. 
إن هذه الشريحة من المجتمع العراقي لم تنضج بعد من حيث بنيتها وثقافتها، لكي تصبح مؤهلة لممارسة الديمقراطية، فهي ماتزال تنتظر أنبياء و زعماء ملهمين لکي يقودوها، أكثر مما تحتاج الی رؤساء ديمقراطيين. هذه الطائفة النخبوية، صاحبة المشاريع العريضة والاحلام الخلاصية، ليست أجدر من سواها بالديمقراطية بالرغم من رفعها للشعار منذ عقود، بل هي جزء من المشكلة أو مصدر للأزمة، تطرح مقولات لا تفقه مدلولاتها و ترفع شعارات لا تعرف متطلباتها.
شاهدنا في السابق تجاربها مع الوحدة والحرية والإشتراكية وبقية السلالة من الشعارات التي جلبت للشعب العراقي الحروب والويلات والكوارث. إن زرع النزعة الوحدوية الزائفة تسبب الکوارث في طبيعة المجتمع العراقي وتنتج المظالم والفظائع علی مستوی العلاقات بين القوميات والطوائف وتجعل من أصحابها أقل الناس فاعلية، سواء في بيئاتهم ومجتمعاتهم أو علی الساحة الكونية. 
النخبويون يريدون من الأقليم الكوردستاني في هذا الزمن المتسارع التفكير والعمل علی إيقاع السلحفاة ويجزمون بأننا في العراق لن نستطيع العيش في أقاليم إتحادية، رافضين بشدة النظام الفيدرالي، الذي تقسم فيه السلطة النهائية بين المركز والأطراف وتنقسم السيادة فيه دستوريا بين منطقتين أو أكثر بحيث يستطيع أي من هذه المناطق أن يمارس السلطة لوحده دون تدخل الولايات الأخرى، ولايحتکمون الی الدستور الذي صوت له الشعب العراقي بنسبة أکثر من 80 في المئة.
نسأل هنا المجلس النواب الإتحادي عن سبب مماطلته في تشريع القوانين التي کان كان يفترض تشريعها لتنظيم الادارة اللامركزية في العراق؟
هذه النخب المثقفة عاشت علی فلسفات ونظريات وأدلوجات مبتكرة، لم يستطيعوا تطويرها أو تجديدها، بل هي استحالت في عقولهم وممارساتهم الی سجون فكرية أو الی شعارات خاوية تنتج أضدادها، فهي لاترغب في إنتشار ثقافة الفيدرالية والحکم اللامكزي بل تريد إن تمارس الوصاية علی مستقبل العراق و تدعي امتلاك مفاتيح الخلاص والسعادة والحلول المناسبة من خلال مشاريعها العروبية بآفاتها الوحدوية لتُسَطِّر علينا أسمی آيات المركزية والانفراد بالسلطة من قبل الحزب الواحد، اوهذه ما تتمناها اليوم دولة القانون أيضاً. وهذا يعني تسنم الحزبي والسياسي الموالي لفكرة المركزية المناصب بدلاً عن الاداري والتكنوقراط، وذلك لإنهاض الفساد الإداري وإفشال نجاح التنمية والرخاء الإجتماعي.
و ختاماً يبقی: "مفهوم الإنسان يترنح تحت الوقائع التي ينتجها المجتمع البشري، وهي وقائع تكتب نهاية الإنسان النخبوي أو الإصطفائي، الذي يزعم أنه يمثل عصراً بكامله أو يدعي بأنه يجسد عقل الأمة وضميرها (الحيّ) ويتوهم بأنه منقذها أو مخلصها أو بطلها."
د. سامان سوراني

     


151  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المواطنة أم تهويمات المواطنة في العراق الفيدرالي؟ في: 20:20 24/07/2011
المواطنة أم تهويمات المواطنة في العراق الفيدرالي؟


قال الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859-1941)، أحد أكبر الفلاسفة في القرن الماضي والحاصل على جائزة نوبل للآداب عام1927، ذات مرة: "إذا کان انتصار الحياة- في سائر المجالات- هو الخلق أو الإبداع، أفلا يحق لنا أن نقول إن المبرر الأوحد للحياة البشرية هو فعل الإبداع، الذي يستطيع الإنسان العادي - بمقتضاه- أن يخلق ذاته بذات‌؟"
الکائن الحي هو في جوهره کائن قادر علی بناء ذاته، فهو ليس مجموعة من العناصر تتجاوز وتتلاصق، بل هو مجموعة من الوظائف التي تنتظم وتتسق فيما بينها بفعل عمليات عضوية منتظمة، حاله حال المواطن في المجتمع أو الدولة. وليس في وسع الإنسان أن يتنفس أو يتحرك أو يفكر أو يحيا دون أن يسجل طابعه الشخصي في العالم الخارجي. نحن نشعر بأن جو الفردية - بطبيعته- جو محدود خانق، ضيق الرقعة، فليس في استطاعة واحد منا أن يکتفي بنفسه، وإنما لابد من أن يعمل للآخرين ومع الآخرين وبالآخرين. العمل هو الألف والياء في دراما الوجود البشري، فلا بد لنا من أن نعمل حتی نفصل في مصيرنا لأنفسنا وبأنفسنا. 
والمواطنة (Citizenship) هي تفاعل ارتباطي بين الإنسان وثقافته و هي أيضا التعبير الاجتماعي لعملية انتماء وعطاء الإنسان للواقع الذي يعيش فيه. والانتماء حاجة متأصلة في طبيعة النفس البشرية. أما الإنسان فلاقيمة له‌ دون وطن أو عنوان.
وفلسفة المواطنة تأخذ بمبدأ حقوق الفرد وحرياته مبدأ أساسيا، وترفض سيطرة الجماعة عليه بإسم الأيدلوجيات والعقائد من قومية واشتراكية أو عروبية أو دينية لمصادرة حقوق المواطن وحرياته وفرض المثالات الطوباوية والتهويمات الايديولوجية والتصنيفات الحصرية عليه.
المواطنة يجب أن تبنی علی أساس العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات ذات قيم محورية کالمساواة ونعني بها الحق في التعليم والعمل والجنسية والمعاملة المتساوية أمام القانون والقضاء والمعرفة والحصول علی معلومات، والحرية ونقص بها حرية الرأي والإعتقاد والتنقل والاحتجاج، والمشاركة التي تتضمن العديد من الحقوق مثل الحق في تنظيم حملات الضغط السلمي على الحكومة أو بعض المسؤولين لتغير سياستها أو برامجها أو بعض قراراتها، وممارسة كل أشكال الاحتجاج السلمي المنظم مثل التظاهر والإضراب كما ينظمها القانون، والتصويت في الانتخابات العامة بكافة أشكالها، وتأسيس أو الاشتراك في الأحزاب السياسية أو الجمعيات أو أي تنظيمات أخرى تعمل لخدمة المجتمع أو لخدمة بعض أفراده، والترشيح في الانتخابات العامة بكافة أشكالها وکذلك المسؤولية الإجتماعية، التي بدورها تتضمن العديد من الواجبات مثل احترام القانون، واحترام حرية وخصوصية الآخرين و...
أما إذا غابت هذه القيم المحورية وإذا لم تقم الحكومة بتأمين الحماية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأفراد ولم تساو بينهم عملياً أمام القانون، فأنه من الطبيعي أن يخف إحساس الأفراد بشعور المواطنة والولاء لقانون المجتمع - الدولة التي يعيشون في ظهرانيها. فلا نتعجب فيما إذا بحث الأفراد عن مرجعية أخرى تحميهم، أو تقدم لهم شعوراً ولو كان وهمياً بهذه الحماية، كالعودة إلى الارتباط بالجذور الدينية أو الطائفية والعائلية والقبلية. و يمکن القول بأن المواطنة هي قضية اعتبارية مشتقة من أمور سابقة عليها فهي غير منزلة من السماء ولا نابعة من الأرض مثل الشجر، وهي خاضعة للتطور أو للارتفاع والهبوط من خلال نوعية العلاقة بين الإنسان ومجتمعه وأرضه. فلو افترضنا أن هذا الوطن بدساتيره ومواقفه السياسية أساء للإنسان الذي يعيش على أرضه، نجد أن علاقة المواطنة تضعف بطبيعة الحال، فالوطن بهذا المعنى ليس هو الأرض وإنما هو النظام السياسي الذي يعطي لصفة مواطنيه الثبات والاستقرار.
أما لفظ "مواطن"، فإنه تعبير لم يظهر إلا بعد الثورة الفرنسية (1789 م) أما قبلها فالناس ملل وشعوب وقبائل لا يعتبر التراب - إلا تبعاً لشيء من ذلك- وسيلة من وسائل الارتباط وقد دخل هذا المصطلح العالم العربي مع موجات التحديث، شأنه في ذلك شأن مصطلحات كالجمهورية أو الديمقراطية أو المجتمع المدني. 
فالمواطن حسب تفسير دعاة الثورة الفرنسية هو من لا يستعبده شخص ميت أو حي، وإنما هو مسؤول عن نفسه، بقدر ما يشتغل بصنع نفسه والمشارکة في إدارة مصيره.
وفي الحکم الديمقراطي يملك المواطن قدراً من استقلالية الذات و حرية الاختيار، بمعنی أنه يشارك في الانتخاب و النقاش أو في صنع القرار وفي سياسة الدولة.
ولكي يحجز المواطن موقع معين علی خارطة الحداثة ولا يبقی مستهلكاً فقط ، تابعاً، غير فاعل أو غير منتج ولكي يحقق السبق والتقدم عبر الإتيان بما هو جديد أو مستحدث، علیه المشاركة الواعية والفاعلة دون وصاية من أي نوع في بناء الإطار الاجتماعي والسياسي والثقافي للدولة.
إن عدم وجود المواطنة الفاعلة في أي مجتمع سبب حقيقي في انتشار انتهاكات حقوق الإنسان وانعدام حق القانون كما أنها سبب واضح لانتشار اللامبالاة وانعدام المسئولية.
نحن نعيش الآن في العراق حکومة تقول أمام الاعلام والملأ بأنها تؤمن بالفيدرالية والحرية والعدالة والديمقراطية،  لکنها لم تعمل بعد انتخابها للمرة الثانية بجدية من أجل تطبيق بنود الدستور الفيدرالي (لو أخذنا المادة 140 من الدستور کمثال) ولا قامت في ترسيخ قيم المواطنة و إنها لم تحسن لحد الآن استثمار موارد التنمية والثراء و لا هي راغبة في استثمار التراث الهائل للعراق في ضوء اسئلة العصر ومشکلاته. فلا تتفق المواطنة مع الانغلاق على الفئة أو العشيرة أو الحزب أو الطائفة، بل تعني الانفتاح على كل الأطياف في العراق.
نتمنی أن تغيّر الحکومة العراقية الاتحادية منطقها الضيق وتترك مدرستها الجامدة ومنازعها النرجسية وتسعی في العمل علی خلق "مواطن ديناميکي" يشارك في بناء العالم وفي إنتاج المعارف والثروات، لا مواطن يتمرس وراء الذاكرة المعمارية المزعومة، ليصبح مصدر العلل والآفات أو العوائق ومبنع يلغم المشاريع الحضارية بقدر ما يعيد إنتاج الافخاخ والمآزق الوجودية، بها يستعدي العالم بقدر ما يتعامی هو عن التحولات والمستجدات.
"المواطن الصالح" هو من يساهم في اختراق الحدود وخلق الأمداد والمجالات و مد الجسور وفتح الخطوط و المشاركة في اختراع صيغ التعايش، بلغة التواصل والتعارف المتبادل لممارسة حضوره‌ و فاعليته،  لا بالتشبث بأوهام السيادة أو بالاستقلال عن الغير أو التقوقع علی الذات. إن فلسفة المواطنة تكمن في تشكيلنا للسلطة أولاً وتکوين مدی لوجودنا، حتی لانمارس استبدانا أو نبقی فريسة لتسلط الغير علينا.
وختاماً يقول أبراهام لنكولن (1809-1865): "لا يجوز لأي شخص أن يطمح في أن يكون أكثر من مواطن، وألاّ يرضى على أي شخص أن يكون أقل من ذلك". 
د. سامان سوراني

152  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دولة الأقاليم هي البديل الحقيقي لشعب العراق في: 22:07 22/07/2011
دولة الأقاليم هي البديل الحقيقي لشعب العراق

من المعلوم بأنه حتی بعد التغلب علی الديکتاتورية سوف يظل أفكارها وآثار جرائمها باق الی فترة طويلة. فالدول التي تعيش مرحلة مابعد الديکتاتورية تواجه علی نحو کاف مشاکل عديدة في التعامل السياسي مع إرث الحکم الديکتاتوري الثقيل  والعقد التي تطفو للسطح.
إن مصطلح "التغلب علی الماضي" يعني الواجب الضروري و الخطير في العمل الدؤوب علی العواقب الضارة  للأحداث السياسية السابقة من أجل التخلص منها ولا يعني بشکل من الأشکال "تصحيح أو تجميل التاريخ" لاحقاً. والتغلب علی الماضي ليست ظاهرة عراقية حصراً، بالرغم من أن مواجهة البعثيين يبقی موضوع مرکزي دائم ومهم.
فتاريخ العراق الحديث اتسم بإستعمال طرق ديکتاتورية متنوعة في سبيل بناء مجتمع عراقي جديد كي يكون مطابقا مع تصورات مُنَظّري الحركات العروبية الشوفينية. صحيح أن إسقاط نظام البعث المستبد عام 2003  کانت نقطة تحول تاريخي وبداية النهاية لعصر الديكتاتوريات في المنطقة وهذا التحول التاريخي يعود بعد سنوات حقيقة شرق أوسطية مهمة، لکن أسئلة التعامل السياسي والقانوني والأخلاقي مع الماضي الديكتاتوري بعد عقود من الكبت والقمع تبقی مفتوحة. فالعمل علی هذه الأسئلة لإتمامها شرط أساسي لشرعية الدولة الدستورية الليبرالية. إن الآليات المرکزية التي تستخدم من قبل الديکتاتوريات الحديثة هي من أجل السيادة الکاملة علی المجتمع وتسيسه، لذا تقوم الديکتاتورية باستفزاز مقاومة الجماعة أو الفرد لمکافحة أعداءها و محوها من علی خارطة الواقع السياسي.
نظام الحكم الدكتاتوري الاستبدادي المقبور في العراق إعتمد على المواطن والمجتمع الذي کان يحكمه في تغذيته واستمراره وعليه کان هذا النظام بحاجة إلى عادات إذعان وإرغام للمواطنين بقبوله بشكل واسع، وكان ذلك من خلال الاعتماد على فئة من الشعب تسمى "المتعاونون أو المنتميون".
ومن المعلوم بأن خوف الديکتاتور يؤدي بالنتيجة الی ملاحقة المنشقين و أصحاب الرأي الآخر، لکن النظم الديکتاتورية ليست متجانسة وهذه‌ ما تمنعها من الحد من المتناقضات وإيقاف المقاومة المدنية.
الديكتاتورية للدول الديمقراطية الوريثة شرعيا "حدث تأسيسي" ضروري، لأن الديکتاتورية بصفاتها المتميزة هي نموذج معاکس للدولة الديمقراطية الدستورية.
هناك فوضى في الكثير من الجوانب الاقتصادية والميديائية بل وحتی في الدستور الذي وضع بعد انهيار النظام الديکتاتوري. لو أخذنا العلم العراقي کمثال، نری إن هذا العلم تعليه کلمتين وضعهما الديکتاتور المقبور نفسه‌ علی العلم ولايزال هذا العلم يرفرف فوق كل مؤسسة ووزارة، هذا أثر من آثار الماضي المرير.
إن التفكير والعمل الديمقراطي لايکسبه الشعب من المهد، بل بالتعلم والتمرس والعمل الجاد في تربية الأطفال والشباب بنهج ديمقراطي عصري.
ومن المؤکد بأن أسس الديمقراطية لم تدرج في حد ذاته في جميع التدابير التربوية والاجتماعية والتعليمية. فالکتب المدرسية هي مسألة سياسية مهمة، فهي تزودنا بمعلومات حول تعريف المجتمع لمواد التدريس والتعليم، وإنها کوسيلة رئيسية للتعليم تعکس الأهداف السياسية المشروعة ومحتوی التربية. 
اننا نعيش اليوم زمن الحكومات المحلية أو الإقليمية وعلی الحکومة العراقية دعم هذا المشروع، لأن التجارب الوحدوية في العالم العربي تشهد بأن العرب کانوا ولحد يومنا هذا عاجزين عن توحيد حي في مدينة وانهم کلما أدعوا في السابق بأنهم متماثلون وان الامبریالية و الصهيونية فرّقهم، ازدادوا فرقةً وتنازعاً، فکيف إذن توحيد العراق بالقوة؟ الوحدة ليست واقعا طيعيا بل هي عمل ثقافي مؤسسي يقتضي الخروج من الدائرة الضيقة أو القوقعة الخانقة وذلك بالعمل الجاد علی الذات بهدف تحويلها. الاتحاد يعني خلق ما هو مشترك أو جامع من فضاءات ومساحات وأسواق لتوسيع امكانات الحوار والمفاوضة والشراكة والمداولة والتفاعل علی نحو بناء ومثمر. فالجمع علی سبيل القهر والضم أو التمييز أو الاقصاء لايمکن أن يولد عراق فيدرالي اتحادي.
 لذا نراه لزاما علی الحكومة العراقية تجاوز الآثار المتخلفة عن نظام الحكم السابق وأن تمارس ديمقراطية حقيقية و فعالة في أدائها وتقوم بتفعيل مواد الدستور ومنها المادة 140 لمنع قيام دكتاتورية جديدة وإرساء نموذج منشود وجديد لإدارة دولة حديثة قادرة على النهوض. ما النفع من الفساد والنهب أو الاقصاء والتهميش أو أحادية القرار  وطغيان النزعة الحزبية. النموذج الذي تُقحم علی‌ المجتمع أو تفرض علی الناس بعقلية نخبوية مرکزية فوقية لاتنجح أبداً. الانفتاح علی فكرة الأقاليم يعني کسر عقلية النموذج والقالب، فلا وجود لنموذج واحد أو وحيد للعمل الديمقراطي. الديمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفكر فيه‌ ونصنعه. فهي ثمرة التجارب الفذة والغنية علی أرض الواقع.
وختاماً: الديمقراطية الجذرية هي البديل الحقيقي لشعوب العالم كافة، والوصول إليها لا بدّ أن يكون من خلال وسائل لاعنفية عادلة ومتحضرة.
د. سامان سوراني





153  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الإرهاب البعثي و التظاهرات السلمية في سوريا في: 14:13 19/07/2011
الإرهاب البعثي و التظاهرات السلمية في سوريا

بعد مرور أکثر من أربعة أشهر علی التظاهرات السلمية في الکثير من المدن السورية تبين للعالم بأن حکومة البعث، التي أمسكت من خلال إنقلاب عسکري مايقارب نصف قرن بزمام الحکم ليست بمرکز للعالم و لا أنها تمثل المطلق ولکنها بفکرها الوحداني تبقی أشد إيماناً بدكتاتورية الحقيقة، تواجه التظاهرات الجماهيرية بقبضتها الحديدية الدموية وأساليبها الهمجية المرعبة وسلاحها الإيديولوجي التعسفي الفتاك، جماهير مسالمة تنادي بإنهاء الحکم المستبد لنظام البعث من أجل الحرية (آزادي) والديمقراطية.
فالحکومة الأسدية البعثية ذي الأدلوجة العروبية إذ تتهم بسلاحها العقائدي المستهلك ومشاريعها القاتلة والمزورة تحت يافطة "الوحدة والحرية والاشتراكية" هذه الجماهير الغاضبة بالتمرد والمؤامرة علیها وترفض بعقلها الأحادي التبسيطي واقعة العصر ولاتريد أن تری سوريا علی عتبة عصر جديد، عصر تبدّل فيه وجوه الحياة وأساليب العيش أو تغيّر فيه أدوات الفعل والتأثير، تبقی هي فريسة دائها السبعي. ماشاهدناه هو أن ثقافة البعث في سوريا، کما کان الحال في العراق قبل سقوط الطاغية صدام، ولدت الحروب والتمزق و أنتجت الاستبداد والتسلط بقدر ما أنتجت العجز والتخبط، بأدلوجتها الطوباوية و عقائدها الخلاصية الأسطورية ونماذجها الشخصانية ومنازعها الفاشية وهي لاتريد أن تقتنع بأن زمننا کتب نهاية الهويات المغلقة و ديکتاتورية الحقيقة و العقل الخلاصي والفردوسي القديم والحديث، الأصولي منه والتقدمي. فالعالم الآن إزاء وسط حضاري لممارسة فن التواصل بين الهويات والذوات. علی الحکومة التي تأتي بعد زوال النظام الأسدي وإزالة ترسباته السعي لبناء مجتمع سوري متفتح يفرض التفکير علی نحو كوکبي ويخلق لغة مفهومية وصيغ عقلانية تتيح لملمة المختلف وجمع المتفرق وترکيب المتعدد. فلا وجود لهوية ثقافية من غير تلاقحها مع سواها من الهويات والثقافات. فمن أجل تغيير الصورة وإعادة رسم الخارطة السورية للمساهمة في‌ صناعة السلم و احترام حقوق القوميات علی السوريين بعد القضاء علی النظام الديکتاتوري وتأسيس حکومة ديمقراطية فيدرالية إتحادية تكوين نظرة جديدة الی الفضاء الاجتماعي والمجال العمومي وابتكار المعادلات الوجودية و الصيغ الحضارية لإدارة واقعهم وإعادة کتابة تاريخ بلدهم لکشف الحقائق التي جری طمسها، منها سلب حقوق أکثر من مليون مواطن كوردي في سوريا و رفضهم كمواطنين. فلم يعد بأمکان أقلية طائفية أو فئة أن تحتکر المشروعية العليا بأسم نموذج أوحد أو مثال أعلی وتجعل الناس رهناً لفکرة مجردة أو لاستراتيجيةٍ شاملةٍ واستبدادية. فالنظام السوري کان وجه العطب ومصدر من مصادر الخلل في الحياة السورية، فقد أثبت فشل هذا النظام في مجال العمل العربي المشترك أو في مجال معالجة القضايا المتعلقة بالحريات و التنمية، حيث اصبح مصنع لإنتاج الفرقة والفساد و الإستبداد، وعداءاً جيداً في حقل إنتهاك الحقوق والحريات.
الجماهير المتظاهرة في المدن السورية والأطراف المعارضة للنظام ملّت من طقوس الولاء والبیعة، کالولاء الأعمی لأعضاء "مجلس الشعب" في سوريا اليوم، حیث سياسة التأله و التجبر والانتقام والطغيان و القيام والقعود والسجود لجمهورية الحاکم والزعيم الأوحد، الذي لاشريك له‌ إلا هو في حکمه‌، و حيث الشعب أو الوطن يدين له‌ وينتسب اليه ويخضع له‌ بوصفه‌ منقذه و صانعه، وهو الحر في التعامل والتصرف مع بلده وشعبه کما يشاء، شأنه في ذلك أن يسأل ولا يُسأل  أو يحاسب ولايُحاسب بإلغاء کل مشورة أو معارضة، حتی و إن کانت هذه المعارضة متكونة من تسعين في المئة من نفوس الشعب السوري. نحن لا نری أي أمل في أن يقوم هذا النظام بأي إصلاح، لأنه يعيش خارج نطاق الأحداث والزمان، فالأوصياء علی الهوية والأمة و الأمناء علی الحرية والحقيقة و الوكلاء علی مستقبل الشعب السوري ختمت علی أذهانهم وأبصارهم و أصنامهم العقائدية، لذلك لايعيدون النظر في الدور الذي مارسوه‌ خلال العقود الخمس الماضية من حکمهم.
وختاماً: الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرّاً أو لا يكون حرّاً.
د. سامان سوراني

 


154  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الإنفتاح علی الآخر وفلسفة التعايش السلمي في: 18:42 11/07/2011
الإنفتاح علی الآخر وفلسفة التعايش السلمي

من المعلوم بأن فلسفة التعايش السلمي صناعة مفهومية ويبقی مهمة المواطن العصري الذي يريد تبني هذه‌ الفلسفة مواجهة المشكلات وتحليل القضايا بعد الدرس والتقصي في سبيل خلق وقائع معرفية جديدة وحقائق بعيدة عن الايديولوجيات التي تهدف الی نفي العالم والواقع، والتي مآلها إفشال المشاريع الفکرية. والحقيقة هي ما نقدر على خلقه بواسطة قدرتنا علی خلق أدوات للفهم، فانه من السَّذاجة بمكان أن نعتقد بأنَّ التَّاريخ يكرِّر نفسه تكراراً آليًّا، ذلك لأن التَّاريخ ليس كائناً إلا من حيث هو مفهوم يطوي تحت جناحيه جملة وقائع البشر المنصرمة، نقول وقائع البشر لأنَّ الإنسان وحده موضوع التَّاريخ ومحموله. نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة، ولا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة، وعلينا الحفاظ على ذواتنا بمعرفتها وفهمها من أجل احترامها وإنصافها وتقديرها کي لا ننغلق علی الغير وکي نجمع طاقتنا لنبذلها من أجل مجاراة الأمم المتقدمة في تقدمها وتطورها. لذا نراه لزاما علينا السَّعي الدؤوب للحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة في المناطق المستقطعة من كوردستان دون تسويف أو تأجيل وكذلك التَّفاعل وإحتواء طاقات المبدعين في هذا المجال من أجل الارتقاء بالواقع المتخلِّف والنُّهوض به من ركام تخلُّفه.
صحيح بأن البحث عن معنی للإنتماء بل للحياة غريزة فطرية يحتاجها کل إنسان، لكن انفتاح الثقافات الكوردية والعربية والتركمانية والكلدانية والآشورية والأرمنية بعضها على الأخرى، وانفتاحها على سائر البنى الثقافية التي لا تزال تعرف نفسها بأنها ثقافات خاصة، هو أمر ضروري لنشوء ثقافة التعايش السلمي. وعلينا أن لانبدي رأيا سلبيا في أمر العولمة، فهي سيرورة طبيعية للتطور التاريخي العلمي والثقافي والاقتصادي، وهي ليست سيادة دولة أو شركة أو حزب أو جماعة حتَّى نقف معها أو ضدَّها، أمامها أو وراءها، وهي ليست قراراً أو موقفاً يتيح لنا أن نعلن منه موقفاً أو نتَّخذ ضدَّه قراراً. نحن الآن في زمن الكتروني لا يمهل كثيراً بل هو يهمل اذا لم نحسن التعاطي مع ادواته، فعلی المواطن العصري الذي يرفع راية التعايش السلمي أن يسعی الی ثقافة حديثة منفتحة على منجزات الفكر البشري ومعطيات الخبرة العملية، وعلى تقدم العلم والتقانة واستيعاب أثرهما في صيرورة العالم أو مايسمی بـ"القرية الكونية".
في السابق فرضت الحکومات العراقية الحظر علی نشر مبادیء الحرية والمساواة والعدالة بين الكيانات العراقية وقامت بتعطيل التاريخ الداخلي للبلاد وأدخلته‌ في نفق الشمولية والاستبداد وسعت على سياسة الدمج القسري والقهر والتنكيل وتغيير الهوية والتهميش. فهذه الحکومات قامت ب"مشروعياتها الثورية" بتأميم حرية المواطن وتعطيل فاعلية المجتمع وتاريخه الداخلي. نحن اليوم وفي سبيل تمكين التعايش السلمي بأمس الحاجة الى معالجة الجرائم التاريخية التي مارستها الحكومات منذ تأسيس دولة العراق.
التعايش هو التشارك في العيش والقبول المتبادل بحق العيش، واليوم بات التعايش السلمي بين الطوائف الدينية المختلفة منها والاثنية سمة من سمات المجتمع الکوردستاني. صحيح أن هذا المجتمع يمر حالياً بتغير اجتماعي حرج يحتاج منا إلى التعامل مع إفرازاته بكل حكمة، كما يحتاج منا إلى المزيد من الحملات التوعوية، التي تبشر بمفهوم جديد للمواطنة الكوردستانية قادر علی أن يحتوي كل الاختلافات الإثنية والعرقية الموجودة داخل المناطق المستقطعة من الإقليم. وعلينا حفظ الصورة الايجابية التي رسمتها لنا ريشة الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل إنصهار الخلافات ووضع النزاعات والشقاقات في بوتقة الحوار الهادف إلى تشييد المجتمع وأفراده لتعميم الأمن والسلام ونشر الاخاء بينهم. وليس للحرية من وجود فعلي سوى في رحاب الدولة الوطنية الحديثة المنفتحة على المجتمع السياسي العالمي وعلى المجتمع الإنساني وعلى القيم الإنسانية، أعني الدولة الديمقراطية مبدأً ومآلاً. فما قيمة وحدة العراق إذا كانت ستنهض، كما رأيناه من نظام البعث المقبور، على أشلاء الإنسان؟ وأي رسالة خالدة حملتها حکومة البعث الفاشي للإنسانية سوى العنف والإرهاب والقتل والدمار والحروب؟ 
وختاما: "بات من الضروري البحث عن وسائل التعايش السلمي بين الشعوب، وإستبعاد الحروب لكونها أصبحت من الأساليب الهمجية القديمة التي لايرتضيها أي شعب يريد الحياة."
د. سامان سوراني

155  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / جنوب السودان وإقليم کوردستان - العراق في: 21:40 10/07/2011
جنوب السودان وإقليم کوردستان - العراق

بعد نضال متواصل لشعب جنوب السودان وصراع مع الدولة المركزية المستبدة وعقليتها المفرطة دام خمسة عقود للوقوف ضد القمع والاضطهاد والابادة الجماعية في سبيل الحرية و الحق في تقرير المصير حصل تقسيم اكبر بلد في افريقيا من حيث المساحة. إثر هذا التقسيم وبعد إعلان رئيس البرلمان السوداني الجنوبي، وسط حشود جماهيرية تهتف «لن نستسلم ابدا! ابدا!»، استقلال بلاده رسمياً، رأت الدولة رقم الـ 193 النور في الأمم المتحدة و أصبحت لها مقام في المجتمع الدولي. ومن دواعي السرور بأن الدولة الجديدة أکدت الطبيعة الديموقراطية والتعددية العرقية والدينية لها. وهکذا أصبحت جمهورية جنوب السودان بدأ من يوم 9 يوليو 2011 دولة تتمتع بالسيادة والإستقلال بالرغم من بقاء بعض المسائل الأساسية العالقة، منها مشکلة المناطق المتنازع عليها، التي نتمنی أن تحل عبر الحوار لا العنف والحرب، فإن حکومة الخرطوم إعترفت بهذه الجمهورية الجديدة وهذا موقف يحمد له.
أما الکوردستانيون في العراق، إذ يهنئون شعب جنوب سودان بمناسبة استقلالهم و لکنهم يبقون حائرين من مواقف وتصريحات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، مؤسس فكرة مجالس الاسناد العروبية، وتفسيراته المتناقضة مع النصوص الدستورية، منها تحذيره خلال لقائه مع رؤساء عشائر بغداد الخميس الماضي، الأطراف السياسية العراقية التي تحاول تشكيل أقاليم أخرى، موضحا بأن تلك المحاولات سوف تسبب الإنقسامات و إندلاع حروب داخلية.
والعجيب من الأمر، أنه هناك القانون رقم 13 الذي شرعه مجلس النواب سنة 2008، ففيه تم تحديد الآليات والإجراءات التنفيذية التي يجب إتباعها عند محاولة تشكيل أي إقليم. أما المادة 119 من الفصل الأول من الباب الخامس من الدستور العراقي، فإنها تنص على أنه "يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه، يقدم بأحدى طريقيتين، الأولى بطلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، والثاني بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم."
العراقيون صوتوا بالأغلبية لنظام الحکم الفيدرالي، الذي فيه يتم تقسيم السلطات دستورياً بين  الحكومة الاتحادية و الأقاليم، التي تتمتع من طرفها بنظام أساسي يحدد أوجه سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، كما بإمكانها تشكيل قوات أمنية خاصة بها. نسأل المالکي ماسر تقدم دول کالإمارات العربية المتحدة أو الولايات المتحدة الأميركية وهما تطبقان هذا النظام ولماذا لم تندلع فيهما حروب داخلية؟
فلو أخذنا نظام الحكم في الإمارات العربية المتحدة کمثال لشاهدنا بأنه نظام اتحادي فيدرالي. فهناك الحكومة الاتحادية ولها دور محدد وهناك الحكومات المحلية ولها دور ضمن حدود إمارتها. والدستور هو الذي يبين العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الإمارات. والدستور يعطي الحكومة المركزية سلطات محددة ويترك مساحة غير محددة من السلطات المفهومة ضمنيا للإمارات كل على حدة. وتحتفظ كل إمارة بالسيطرة على نفطها وعلى ثروتها المعدنية وعلى بعض مظاهر أمنها الداخلي.
وليعلم دولة رئیس الوزراء بأن مفاتيح استقلال كوردستان العراق من عدمها يعتمد على تعامل الحکومة الاتحادية مع مواد الدستور وخاصة جديتها في تطبيق المادة 140.
المركزية في السابق فرضتها سلطة الاستبداد وقوة السلاح والقمع أسقطت بالنتائج، قبل أن يسقطها الدستور. فاللامركزية والأقاليم هي النظام الذي أسسه التاريخ الحديث وواقع الجغرافية السياسية و الاثنية و به توحد العراق وانضم الی المجتمع الدولي مرة اخری بعد عزلة طويلة.
على دولة القانون والتيارات العربية المنخرطة في العملية الديمقراطية في العراق أن تطبق الديمقراطية داخل أجنحتها ولوائحها التنظيمية، لأن ذلك مفتاح نبذ التعصب والتطرف في الأفراد ووقف للحروب الفكرية الأهلية وكل سبل الهجوم والاستعداء في أسلوب الخطاب والتعامل مع الآخر المنافس والمختلف. وستبقی الحوار ركيزة أساسية في تكريس اللاعنف والنظم الديمقراطية من خلال الإيمان به والاعتراف بحق الآخر في الوجود. فالديمقراطية تفترض عقلا مرنا مفتوحا يتيح حرية التفكير ويعترف بحق الآخر في أن يكون مختلفا ويمارس سلطة مفتوحة قابلة للنقاش وإن إحتکار الحقيقة والدعوة لثقافة الدكتاتورية السابقة والحزب الواحد ومحاولة منع الآخرين من انتخاب سبل حياتهم يعني إلغاءهم والسعي لإقصائهم.
وتعتبر إنشاء الأقاليم جوهر الديمقراطية وباتت مطلبا شعبياً في العراق، فهي تهدف الی زيادة الکفاءة وتساهم في  تکثيف دور المواطن في تحقيق دولة الرفاه. لذا نری من واجب الحکومة في العراق أن لاتقف ضد هذا المطلب ولتسعی لبناء هوية وطنية مشتركة و هجينة من أجل تشجيع الرغبة في الوحدة الوطنية والتصميم على المحافظة على استقلال كل إقليم في الإتحاد.
وختاماً نقول: اللامرکزية والحل الاتحادي قد يفرضه الواقع وأن الثقافة مسؤولة في بناء الثقة بين الشعوب والحضارات من أجل تعايش سليم.
د. سامان سوراني





 



156  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لحظات مع الفيلسوف والمصلح الإجتماعي جميل صدقي الزهاوي في: 12:00 07/07/2011
لحظات مع الفيلسوف والمصلح الإجتماعي جميل صدقي الزهاوي

في عام 1999 التقيت في المدينة الجامعية هايدلبيرغ الألمانية بالبروفسور "ويبکه فالتر" أستاذة الأدب العربي بجامعة توبينغن. فبعد تقديمها محاضرة قيّمة حول "حقوق المرأة في الشرق الأوسط والدفاع عنها" دخلت معها في محاورة طويلة حول الشاعر الکوردي جميل صدقي الزهاوي (1863-1936)، الذي کتب عام 1910 مقالاً رائعاً تحت عنوان "المرأة والدفاع عنها"، ذاکرا فيه حقوقها المهضومة من جهات عديدة، ناقدا الرجل لعدم إحترامه للمرأة، داعيا تعميم المساواة بينهما للوصول الی العدالة الاجتماعية. ففي سياق كلامها حول هذا المصلح الكبير قالت، بأن الحکومات العراقية في العهدين الجمهوري والملکي لم تقدرا مقام هذه الشخصية الكوردية وحتی حكومة البعث العربي، التي کانت تدعي الاشتراکية،  أهملت أشعار و كتابات الزهاوي. لماذا؟ قلت لها: کان للزهاوي شهرة و سمعة عندما كان حي يرزق، فقد کان هو رسولا من رسل الفکرة الإنسانية والشاعر الكبير، وشاعر الفلاسفة أو فيلسوف الشعراء وقد تناقلت کبريات الصحف شعره، وکان الشاعر الذي عرفت شعره البلاد العربية عامة، وردد شعره تلاميذ المدارس، وأنا عندما کنت في الإبتدائية، کان عليّ الحضور في صباح کل يوم خميس في إصطفاف المدرسة لإنشاد قوله في تحية العلم:

عش هكذا في علوٍ أيها العلم      فإننا بك بعد الله نعتصم

لکن هناك أسباب کثيرة لماذا نسي أو تنوسي، فقد اُريد لمجده بالأمس أن يزول بنيانه من القواعد، کأن لم يکن له في الماضي تلك الشهرة الطائرة. ومن جملة هذه الأسباب، أن شاعرنا المولود من أبوين کورديين کان الی الإصلاح والتجديد أميل وإن عاش کل حياته شاعراً رقيق الحس مرهف الشعور يقظ النفس حيّ الضمير، متخذا من الشعر وسيلة لبسط آرائه الإجتماعية، وقد کان ثائرا متمردا يقف کالصنديد ضد کل عقيدة سوداء رجعية، يحارب بأفکاره الجريئة وأشعاره التحررية ظلم كل مستبد أو طاغ وهو القائل:

سيروا الی غاياتكم في جرأة      كالسيل هدّاراً وكالأعصار
ثوروا علی العادات ثورة حانق      وتمرّدوا حتی علی الأقدار
وتحرروا من قيد کل عقيدة      سوداء ما فيها هدی للساري

وهو الذي هجا السلطان الطاغي عبدالحميد الثاني (1842-1918) بشعر أزلي يمکن استخدامه اليوم ضد من بيده زمام الحکم في العراق، قائلا:
لقد عبثت بالشعب اطماع ظالم      يحمله من جوره مايحمل
فيا ويح قوم فوضوا أمر نفسهم      الی (المالکي) عن فعله ليس يسأل
الی ذي اختيار في الحکومة مطلق   إذا شاء لم يفعل وإن شاء يفعل
وذي سلطة لا ترتضي ڕأي غيره   إذا قال قولاً فهو لايتبدل
......
وأيديك ان طالت فلا تغترر بها      فإن يد الأيام منهن أطول
فقد كان شعره مرآة واضحة لنزعات عصره، فکان هو ضد الجمود، رافعا علم الثورة الهادئة في العراق، جاهداً التزمت الديني ومنادياً بالتجديد، داعياً الی حرية الفکر والی الأخذ بکل جديد:
سئمت كل قديم          عرفته في حياتي
إن کان عندك شيءٌ      من الجديد فهاتِ
 
وهو القائل للملك فيصل:

لايرأس الناس في عصر نعيش به      إلا الذي لقلوب الناس يمتلك

هذا وقد كان فيلسوفنا مهتما بمبتكرات علم الطبيعيات الحديثة الغربية وعلوم االظواهرالطبيعية والفلكية. فقد کتب رسائل عديدة حول المادة وتعلیل الجاذبية بقانون الدفع العام وتولد الشمس و حرارتها و تفاوت الكثافة في السيارات و بقاء القوة و الراديوم. إن للزهاوي آراء في الفلسلفة انفرد بها عن فلاسفة العصر واستباطات تدل علی بعد غوره في الفکر فقد شبهه مجلة المقتطف بالفيلسوف الانكليزي سبنسر. أما محاضراته الفلسفية التي القاها علی طلبة دار الفنون في الاستانة، فهي منشورة في مجموعة دار الفنون-استانبول. بالاضافة الی ذلك الف كتاب الكائنات في الفلسفة وقد تم نشره‌ سنة 1896. الزهاوي بتشککه ويقينه قام بفتل الحاد عمر الخيام بشکوك أبي علاء المعري ليصنع منها سوطا لشيطانه و مطية لبيانه تاركا لنا ملحمة شعرية قيّمة تحت عنوان (ثورة في الجحيم)، فاتهم بسبب أفكاره بالالحاد والتزندق وقيل بأنه ينکر البعث بعد الموت ويجحد ما في القبر من نعيم و عذاب وينفي الروح. فنزعاته کانت من أجل أن تنزع الشعب العراقي نزعة حرة لتجاري الشعوب الحية في وثباتها والعصر الحديث في اندفاعاته الخطيرة وتطوره السريع، لکنها وللأسف أورثته نقمة الغيبيين وسخطهم المزري. کان يؤلمه أن يسعد الغرب بالعلم الحديث وأن يظل بلده- وهو مهد الحضارات- في ضلالات الجهل وعمايتها.
أما آن الأوان وبعد مرور 8 سنوات من سقوط الطاغية والحکم الفاشي في العراق لإحياء وتخليد هذه‌ الشخصية الفکرية والأدبية العظيمة في الذاکرة العراقية والأدوار التي جسدها في ساحة وتاريخ الأدب، بتسمية مدارس ومراکز ثقافية وساحات عامة بأسمه، و إدخال أشعاره و کتاباته ضمن برامج النصوص والآداب المدرسية؟ 
فالزهاوي ساعد علی انهاض شعبه بوثوب فکره وعلی احياء الأدب بوميض روحه وعلی انعاش الصحف الکبيرة أکثر من ربع قرن بعيون شعره.
وختاما نقول مع الكبير محمد مهدي الجواهري لجميل صدقي الزهاوي‌:

علی رغم انف الدهر ذكرك خالد         ترن بسمع الدهر منك القصائد

د. سامان سوراني




157  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة الثقافة في إقليم كوردستان في: 14:12 04/07/2011
سياسة الثقافة في إقليم كوردستان

من المعلوم بأن ذهن الفرد ليس ملك صاحبه وإنما هو ملك الثقافة التي صاغته، فالإنسان ككائن ثقافي بامتياز هو صانع الثقافة بقدر ما هو مصنوع بها. والعقل لا يزدهر إلا بمقدار ازدهار الثقافة التي ينشأ عليها فهي رحم العقل وهي قالب العواطف وموجه السلوك.
وقبل الحديث عن سياسة الثقافة لابد من ذکر بديهية: أن لشعب كوردستان الحق في أن تكون له السيادة على نفسه و بناء دولته المبنية علی المساواة بسيادة نظام الحكم الديمقراطي الضامن لحقوق الإنسان واستقلاليته في الشؤون العالمية. ومن المعلوم بأن أنظمة الحكم الديمقراطي، التي تحتفظ في وعيها بأنها منبثقة من الشعب، الذي هو دائما مصدر مشروعيتها، تعمل دائما على احترام شعبها وعلى عدم حرمانه من حقوقه التي هو أهل لها.
الديمقراطية لا تعني الفوضى والاستهتار بأمن المجتمع وبدور الدولة ومؤسساتها وبحكم القانون، بل هي تعني توفير المساواة والحقوق والحريات وحفظ الاستقرار والنظام وسيادة القانون و تعزيز استخدام التكنلوجيا وإجراءات التنمية. ففي حالة تمكين الدولة الديمقراطية ودعم مؤسساتها العمومية تستطيع الدولة الديمقراطية تحصين المجتمع من مظاهر التفكك والتنافر والصراعات التي قد ترافق انبعاث الحريات والتعددية والخصوصيات و تکون مؤسساتها قادرة علی إدارة الخلافات سلمياً لحفز روح التفاهم والتوافق والتعاضد بين مختلف الأطراف. لأن ما بني على افتراض صحيح سيؤدي الی نتيجة صحيحة. يجب على الحكومة القائمة أن تضمن بشكل فعّال المحافظة على النّظام الديمقراطي يدعمها في ذلك المجتمع المدنيّ والفاعلون السّياسيون الآخرون وقوات الأمن في الآن نفسه.
سابقاً وفي ظل الأنظمة القمعية، التي کانت تحکم العراق وبالأخص في مرحلة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، لم تكن الثقافة قادرة على أن تنتعش في مناخه الموبوء. حيث کانت السياسةُ دائماً في مُواجهة السياسي، وعملت على امتصاص مبادرة المثقف، وتَرْوِيضِها وفق برامج وأولويات النظام الإستبدادي و أجَنْدَتَها، وکان المثقف منخرطا بالسياسة و يعيش في غيبوبتها وکان الاهتمام بالشأن الثقافيِّ أضعف حلقة، حيث تم توظيف الثقافي لخدمة السياسة وكمحصلة لذلك كان المثقف ضعيف في أدائه الثقافي، لا يُفَكِّر بآلياتِه، وينظر الی المسؤولية دون أفق أو برنامج، بالرغم من أنَّ لكل مثقف مُنْشَغِل بالشأن الثقافي تصوُّرات أو مُقترَحات حول الشأن العام.
أما اليوم وبعد القيام بترسيخ جذور الديمقراطية في كوردستان صارت الأمور تعود بخطوات ولو بطيئة إلى مجراها الطبيعي وأصبح المثقف يَسْتَعِيد لِسِانُه الذي كان سُرِقَ منه، وأصبح أکثر إنتقادا لرجال السياسة في بلده و تجاه ما يعتبره فيهم تعطشا للسلطة وتجاه عدم کفاءتهم وذلك بإستخدامه‌ منهجية الشك العقلي من اجل بلوغ اليقين التجريبي. وهكذا ظهر فئة من المثقفين يَتَكَلَّمون بنفسهم و بإسمهم دون وساطة أحدٍ و لا یتحدثون بلغة إيديولوجية نضالية هي لغة الدعاة من لاهوتيين و کهنة و مثقفين، الذين يشتغلون بحراسة الأصول والعقائد أو الدفاع عن الهويات والثوابت. لکن علينا أن لا ننسی دور السياسة و هيمنتها في تاريخنا الحاضر، إذ ان الثقافة تأتي وللأسف لحد الآن بعد السياسة و تبقى خطاباً في طَيَّات غَيره، لا يد لَهُ ولا وجه. هذا ما يجعل من الثقافة أن تتلاشى في مقابل السياسة.
إذن علی الثقافة بعلاقتها النقدية بذاتها ممارسة حيويتها و تفوقها عبر قدرتها الخارقة علی نزع جلدها وتغيير ذاتها بإستمرار، فبها تتمکن من توليد الجديد والمبتكر والأصيل والخصب من الصيغ والنماذج والقوانين والتشريعات. ففي ضَوْءِ ما تجري من انقلابات في الأفكار، وفي المفاهيـم المُوَجِّهَة لها، عليه أن يكـون المثقف شَريكاً فـي إنتـاج المفاهيـم و التَّصَوُّرات و لتدبير، و في تسيير الشأن العام.
الثقافة هي نمط وجود تتجذر في اللاوعي و تستقر في قعر الذاکرة و تغدو هوية يأتلف المرء معها و يعتاد عليها و يشعر بالنقص والفراغ والوحشة والخواء إذا ما إفتقدها. والثقافة تتجلی في النصوص والخطابات أو في المؤسسات والمشروعات أو في التصرفات والممارسات والمثقف في عصر الوسائط وسيط بين الناس يسهم في خلق وسط فكري أو عالم مفهومي أو مناخ تواصلي، وليس من مهامه أن يقوم باللعن والترجيم أو التسبيح والتعظيم، بل إعادة التفکير في نظام الفكر وقيمه و نتاجاته، بغية تركيب ثقافة المجتمع الکوردستاني من جديد، فبعد ظاهرة العولمة لن تعود الأشياء کما کانت عليه. يقول إدوارد إيريو (رجل دولة فرنسي بارز ، 1872 – 1957) أن "الثقافة هي الشيء الذي يبقى في الإنسان عندما ينسى كل ما هو سواه."
وختاما: علينا قراءة الحدث للمساهمة في عملية الخلق من أجل توسيع آفاق الوجود و إثراء إمكانات الحياة. 
د. سامان سوراني

158  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل ينتصر الإرهاب علی الحضارة والعلم؟ في: 10:02 03/07/2011
هل ينتصر الإرهاب علی الحضارة والعلم؟

الإنسان، هذا الكائن الزمني الذي يجر وراءه تواريخه وأطواره يعيش اليوم في قرية كونية وزمن عابر للحدود بين القارات والمجتمعات واللغات عبر وسائل الإعلام المتعددة و شبكات الاتصال الفوري. فمع نمو المعرفة والتقنية والسلطة تنمو وللأسف الحوادث العنيفة وتزداد مفاجئاتها، لا الثقافات تبقی منعزلة ولا العقائد محصنة ضد تدفق المعلومات و سيل الصور وحتی الأماكن لا تبقی آمنة من عنف الإرهاب ومآلاته البربرية. صحيح أن التنازع والتعاون متلازمتان في الإنسان لاينفك أحدهما عن الآخر وهما دعامتا الاجتماع البشري وأن الحياة البشرية، کما وصفه الكاتب البريطاني صموئيل بتلر (1835– 1902) عبارة عن خيط وسكين، فالخيط يربط الناس بعضهم ببعض والسكين تقطع الرباط بينهم. هذه هي الحياة البشرية،  فالشيء لايعرف إلا بنقيضه وأنه لايوجد إلا إذا وجد نقيضه معه.
الإرهاب متراس عقائدي أو إيديولوجي لشن الحرب علی الغير، فهو ظلام يندفع للف العالم بعتمته. فلو أخذنا نظام البعث المقبور بمشروعيته الثورية وبطانته الفاسدة كمثال للإرهاب والترهيب نری بأن هذا النظام قام طوال حکمه بتحقير الدولة العصرية وبإغتيال الوطنية عند المواطن وبانتهاك حقوقه. المواطنين الذي لم يحوله الاستبداد البعثي إلى رعايا فحسب، بل إلى كائنات توتاليتارية مسلوبة الإرادة. النظام المقبور قام بنشر الوثنية في الفکر العراقي والإستبداد في السياسة العراقية، فقد صنع التماثيل للدكتاتور الطاغي و تم الصاق صوره‌ الكبيرة علی الجدران الخارجية والحيطان الداخلية للمؤسسات الحکومية والمدنية والصغيرة منها علی صدور مريديه وجلاوزته‌ بهدف التأليه والتقديس والعبادة. إن إستراتيجية الرفض والإقصاء وإرادة التأله والتفرد هي التي تثمر البربرية والهمجية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم القتل وتمزيق الأجساد وتدمير الممتلكات بأعصاب باردة وضمير جامد و بعقلية أخروي أو عسكري إرهابي  بصفة المناضل والمجاهد والمدافع عن الهوية والثوابت.
الإرهاب هو وليد الخطب الرنانة "للقائد التاريخي والبطل الملهم" والفتاوى النارية لبعض "الأئمة والمشايخ والمرشدين" لانبعاث القوى الظلامية من جوف التاريخ وتعبئة المد البشري لترهيب المجتمعات بتفجير الأجساد ليطغی المد السلفي الارتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي وعقلية الاستبعاد والإقصاء علی لغة الاعتراف والشراكة والتبادل. إذ لا يمكن الحصول علی حرية أو استقلالية أو قيمة للفرد في مجتمع يستمد مشروعيته من النصوص المقدسة والکتب الخضراء والتقارير اللاسياسية السوداء، لأن الشعارات الزائفة والفتاوى النارية والنظام المستبد والحروب المدمرة والتضحيات الرخيصة والانتصارات المزورة تبقی أولی من الناس والمجتمع والحياة. الأفكار الأصولية والسلفية بتصديرها مارکة الحجاب والدم والتضحية عملت وتعمل ليل نهار ضد صناعة التنمية والمدنية والحضارة، بقمعها الحريات الفردية و إرجاع أسباب المصائب والکوارث والجهل والفقر في مجتمعاتها إلی الغزو الثقافي الغربي أو إلی العولمة والأمرکة. فبدل السعي والعمل بمفردات نسبية علی نظريات ثورة الاتصالات والمعلومات قام أصحاب الفکر السلفي الأصولي والقومي الشوفيني بتهافته في مواجهة کتاب "نهاية التاريخ" لفکوياما بتأليف مجلدات مبنية علی لغة الغلو والتهويم اللاهوتي والتشبيح النضالي والعقائدي لتحقيق إستراتيجيتهم التدميرية. والدليل علی ما نقوله الوضع الأمني الراهن في کل من العراق وأفغانستان، حیث الجهاد الديني ترجم حروبا أهلية في الداخل دفاعا عن هوية مأزومة أو عاجزة. إنهم بقصورهم فسروا مغزى عبارة "النهاية" والتي تعني مرحلة العبور والانتقال من عالم إلی آخر أو من مرحلة إلی مرحلة بنهاية تاريخهم  بالرغم من أنهم يرفعون منذ قرون راية الثورة الکبری والتحول التاريخي والحل الأخير.
هل ان المجتمعات البشرية تبقی عاجزة عن مواجهة الکوارث و التدميرات التي تواجهها والتي تتحول الی آفات قاتلة تهدد المصائر والمصالح؟
مجتمعاتنا تحتاج الی الإنفتاح علی العلوم العصرية لإطلاق وتشغيل قواها الحية والخلاقة التي باتت مکبوحة من قبل العقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإرادات الفاسدة والعقليات الکسولة والنماذج الإرهابية القاتلة لصنع الإبتکار والتغيير والمشارکة في بناء المجتمع والحضارة. النهوض والإصلاح والتحديث یتم بواسطة الفرد المستقل فکريا بوصفه منتجا وفاعلا ومشارکا ومسؤولا في التشخيص والمعالجة ببلوغ رشده الفکري ولو علی مستوی الحقل والقطاع الذي يعمل فيه. مانحتاج اليه هو مجتمع ديناميکي يشتغل بمفردات الإعتراف والتعدد والتوسط و بلغة الخلق والتحول وبعقلية الترکيب والتجاوز کورشة دائمة من التفکير الخصب والعمل المثمر في مختلف المجالات. فبالإعتراف المتبادل علی المستوی الوجودي بين الأنا والآخر نتجاوز مفهوم التسامح الخادع الذي يلغم الوحدات والهويات و نتحرر من المفهوم الطوباوي والفردوسي للحرية. فالحرية مسار أداته ابداع لايتوقف.
والعولمة ظاهرة کونية وصيرورة تاريخية وعلی المجتمع المبدع أن ينطلق من حقيقة واقعية وعلميَّة وهي عدم وجود امتيازات عقليَّة لمجتمع من دون أخر. ففي كل طور حضاري نری أن الظروف تُهيَّأ لمجتمع دون سواه. فعليه بذل الجهود في سبيل الحوار الحضاري والتَّفاعل من أجل الارتقاء بالواقع المتخلِّف والنُّهوض به. لو أخذنا اليابان كمثال للنهوض نری أن الإقرار بالواقع المتخلِّف والاعتراف للآخر بتفوِّقه، وعدمُ اليأسٍ أو الاستسلام وعدم التسليمٍ بكماليَّة مطلقة للمتفوق، والقبول بالتَّعلم من المتفوِّق والأخذ عنه أعمدة لايمکن التخلي عنها من أجل رصد العلوم وبناء الحضارة وليس المستقبل سوى ممكنات الواقع.
وختاما: المجتمع الذي يربي الفرد کي يزجه في قطيع متكاتف کالبنيان المرصوص، يتحول هو الی قطيع بشري يتخذ آلة لصنع حکومات عسكرية وإستبدادية أو لنشوء أنظمة شمولية وعنصرية.
د. سامان سوراني

159  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / سياسة الثقافة في إقليم كوردستان في: 21:00 29/06/2011
سياسة الثقافة في إقليم كوردستان

من المعلوم بأن ذهن الفرد ليس ملك صاحبه وإنما هو ملك الثقافة التي صاغته، فالإنسان ككائن ثقافي بامتياز هو صانع الثقافة بقدر ما هو مصنوع بها. والعقل لا يزدهر إلا بمقدار ازدهار الثقافة التي ينشأ عليها فهي رحم العقل وهي قالب العواطف وموجه السلوك.
وقبل الحديث عن سياسة الثقافة لابد من ذکر بديهية: أن لشعب كوردستان الحق في أن تكون له السيادة على نفسه و بناء دولته المبنية علی المساواة بسيادة نظام الحكم الديمقراطي الضامن لحقوق الإنسان واستقلاليته في الشؤون العالمية. ومن المعلوم بأن أنظمة الحكم الديمقراطي، التي تحتفظ في وعيها بأنها منبثقة من الشعب، الذي هو دائما مصدر مشروعيتها، تعمل دائما على احترام شعبها وعلى عدم حرمانه من حقوقه التي هو أهل لها.
الديمقراطية لا تعني الفوضى والاستهتار بأمن المجتمع وبدور الدولة ومؤسساتها وبحكم القانون، بل هي تعني توفير المساواة والحقوق والحريات وحفظ الاستقرار والنظام وسيادة القانون و تعزيز استخدام التكنلوجيا وإجراءات التنمية. ففي حالة تمكين الدولة الديمقراطية ودعم مؤسساتها العمومية تستطيع الدولة الديمقراطية تحصين المجتمع من مظاهر التفكك والتنافر والصراعات التي قد ترافق انبعاث الحريات والتعددية والخصوصيات و تکون مؤسساتها قادرة علی إدارة الخلافات سلمياً لحفز روح التفاهم والتوافق والتعاضد بين مختلف الأطراف. لأن ما بني على افتراض صحيح سيؤدي الی نتيجة صحيحة. يجب على الحكومة القائمة أن تضمن بشكل فعّال المحافظة على النّظام الديمقراطي يدعمها في ذلك المجتمع المدنيّ والفاعلون السّياسيون الآخرون وقوات الأمن في الآن نفسه.
سابقاً وفي ظل الأنظمة القمعية، التي کانت تحکم العراق وبالأخص في مرحلة التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية، لم تكن الثقافة قادرة على أن تنتعش في مناخه الموبوء. حيث کانت السياسةُ دائماً في مُواجهة السياسي، وعملت على امتصاص مبادرة المثقف، وتَرْوِيضِها وفق برامج وأولويات النظام الإستبدادي و أجَنْدَتَها، وکان المثقف منخرطا بالسياسة و يعيش في غيبوبتها وکان الاهتمام بالشأن الثقافيِّ أضعف حلقة، حيث تم توظيف الثقافي لخدمة السياسة وكمحصلة لذلك كان المثقف ضعيف في أدائه الثقافي، لا يُفَكِّر بآلياتِه، وينظر الی المسؤولية دون أفق أو برنامج، بالرغم من أنَّ لكل مثقف مُنْشَغِل بالشأن الثقافي تصوُّرات أو مُقترَحات حول الشأن العام.
أما اليوم وبعد القيام بترسيخ جذور الديمقراطية في كوردستان صارت الأمور تعود بخطوات ولو بطيئة إلى مجراها الطبيعي وأصبح المثقف يَسْتَعِيد لِسِانُه الذي كان سُرِقَ منه، وأصبح أکثر إنتقادا لرجال السياسة في بلده و تجاه ما يعتبره فيهم تعطشا للسلطة وتجاه عدم کفاءتهم وذلك بإستخدامه‌ منهجية الشك العقلي من اجل بلوغ اليقين التجريبي. وهكذا ظهر فئة من المثقفين يَتَكَلَّمون بنفسهم و بإسمهم دون وساطة أحدٍ و لا یتحدثون بلغة إيديولوجية نضالية هي لغة الدعاة من لاهوتيين و کهنة و مثقفين، الذين يشتغلون بحراسة الأصول والعقائد أو الدفاع عن الهويات والثوابت. لکن علينا أن لا ننسی دور السياسة و هيمنتها في تاريخنا الحاضر، إذ ان الثقافة تأتي وللأسف لحد الآن بعد السياسة و تبقى خطاباً في طَيَّات غَيره، لا يد لَهُ ولا وجه. هذا ما يجعل من الثقافة أن تتلاشى في مقابل السياسة.
إذن علی الثقافة بعلاقتها النقدية بذاتها ممارسة حيويتها و تفوقها عبر قدرتها الخارقة علی نزع جلدها وتغيير ذاتها بإستمرار، فبها تتمکن من توليد الجديد والمبتكر والأصيل والخصب من الصيغ والنماذج والقوانين والتشريعات. ففي ضَوْءِ ما تجري من انقلابات في الأفكار، وفي المفاهيـم المُوَجِّهَة لها، عليه أن يكـون المثقف شَريكاً فـي إنتـاج المفاهيـم و التَّصَوُّرات و لتدبير، و في تسيير الشأن العام.
الثقافة هي نمط وجود تتجذر في اللاوعي و تستقر في قعر الذاکرة و تغدو هوية يأتلف المرء معها و يعتاد عليها و يشعر بالنقص والفراغ والوحشة والخواء إذا ما إفتقدها. والثقافة تتجلی في النصوص والخطابات أو في المؤسسات والمشروعات أو في التصرفات والممارسات والمثقف في عصر الوسائط وسيط بين الناس يسهم في خلق وسط فكري أو عالم مفهومي أو مناخ تواصلي، وليس من مهامه أن يقوم باللعن والترجيم أو التسبيح والتعظيم، بل إعادة التفکير في نظام الفكر وقيمه و نتاجاته، بغية تركيب ثقافة المجتمع الکوردستاني من جديد، فبعد ظاهرة العولمة لن تعود الأشياء کما کانت عليه. يقول إدوارد إيريو (رجل دولة فرنسي بارز ، 1872 – 1957) أن "الثقافة هي الشيء الذي يبقى في الإنسان عندما ينسى كل ما هو سواه."
وختاما: علينا قراءة الحدث للمساهمة في عملية الخلق من أجل توسيع آفاق الوجود و إثراء إمكانات الحياة. 
د. سامان سوراني

160  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / دور الفلسفة في بناء المجتمع الكوردستاني! في: 13:04 26/06/2011
دور الفلسفة في بناء المجتمع الكوردستاني!

من المعلوم بأن لكل مجتمع فلسفته والمجتمع الکوردستاني المعاصر بفلسفته السياسية المستقلة التي ينتهجه في طریقه لبناء مؤسسة تؤمن بخلق فضاء دیمقراطي عام وثقافة ليبرالية جماعية، تولّدُ استقلالية الإرادة وتُعَزَّز حرية، تنهل من معارف الديمقراطية الجذرية من أجل بناء مجتمع مدني حر تتوحد فيه الحرية والتعددية وخلق یقظة فكرية و ثقافية مستقبلية تحتكم الی العقل والتجربة و تواكب بمشروعها الحضاري الركب الساعي لتلبية مصالح المجتمع الكوردستاني و حاجاته، غير مهتم بإدعاءات تيارات الجمود التقليدي، التي تنحاز للسلطة الدينية والتي تتهمه بأنه یلوذ فقط بحمی الحضارة الوافدة تاركا الحضارة التقليدية التالدة مهمشة، تلك الحضارة التي تريد التقدم الی الخلف و تنظر الی النزعة الجديدة بمنظار إختزالي تبخيسي.
في ‌هذا الزمن الآني، زمن البث والعمل بسرعة الضوء والفكر، زمن يهمل و لا يمهل لا يريد المجتمع الكوردستاني أن يحرم ترسانة نضاله المعاصر من الأسلحة الفكرية التي استعانت بها الإنسانية كلها في صنع الحضارات و عصور التنوير عبر التاريخ وعلی امتداد رقعة الكوكب الذي نعیش علیه. فالحضارات تنمو عادة بالإستعارات و النقل الناتجة عن الإحتكاك فیما بينها. فالفلسفة کفَن إجادة التعبير و إصابة التفکير هي اليوم رغم التعصبات والعواطف واحدة وعالمية، تخدم الإنسان لا إنساناً ولاتؤمن بالتقسيم الشاقولي للأمم والحضارات. فالتفكير الفلسلفي حق إنساني لاشأن له بخطوط الطول والعرض، ولا علاقة له بمسائل الجنس والدين واللون. 
لقد أصبحنا اليوم شاهد علی مجتمع الإعلام والمشهد، حيث لايمکن مجابهة الإنفجار الإعلامي بالتحجر الإيديولوجي. والفلسفة رافد من الروافد الأساسية التي تغذي المجری الأصلي لنهر الحضارة، لذا نراه لزاماً علینا المشاركة في النهوض بمهمة بث الروح الفلسفية في المناخ الفكري الکوردستاني ووضع نماذج فلسفية سليمة للأجيال و إدخالها في مناهج التعليم الثانوي. في مجتمعات الشرق الأوسط وللأسف الشديد تستخدم مصطلح الفلسفة من جانب السواد الأعظم من الناس للإشارة الی لغو الحديث وهذره، بإعتبارها کلمة مشبوهة ممجوجة. الإیمان الفلسفي هو إيمان بالعقل وثقة في قدرته علی المعرفة وإعتراف ضمني بإمكان الوصول الی الحقيقة. وإعادة الثقة الضمنية الی أهل هذا العصر الحاضر بجدية البحث عن الحقيقة أمر لابد منه. ومن خلال إسترجاع الايمان الفلسفي الحقيقي بمنهاج توعوي یتمکن المجتمع الكوردستاني تحقيق وحدة عقلية شاملة، بعيدة عن النزعات العاطفية المتطرفة وإتجاهات وجدانية هوجاء. والنزعة العقلانية ليست هبة فطرية قد إختص بها شعب دون آخر، بل هي عادة مكتسبة يمكن أن تصبح لدی أي شعب من الشعوب، تحت تأثير التربية والممارسة و التفكير الفلسفي هو أحد العوامل الأساسية التي تساعد الأفراد علی إکتساب هذه العادة العقلية، لأنه تدريب ذهني يُنمي لدی الفرد وظیفة الحكم و يعينه علی الإستجابة للمواقف بروح موضوعية. والثقافة المبنية علی الأفكار الجاهزة والإطارات العقلية الجامدة خطر جسيم علی المجتمع الكوردستاني، فهي تجرنا الی التسليم دون التساؤل عما تنطوي علیه من معان و ماتستند اليه من فروض، وأحوج مانكون اليه اليوم هو التفكير المنهجي والإلتزام في البحوث والدراسات الی قواعد المنهج الرياضي التقني والنقد اللامشروط. فبنشر الثقافة الفلسفية و تزويد الناس بروح الدقة والتحديد والصرامة والتحرر من أسر ضغوط الماضي يمكن الوصول الی توعية عقلية صحيحة لمواصلة الحوار الفكري المثمر وجمع المعلومات الدقيقة عن المذاهب الإجتماعية و الأنظمة السياسية. إن الأنظمة التربوية تسير بمقتضى الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يجب أن يتعلمه الأطفال، ولأي غرض يتعلمون. وتؤكد الأنظمة الديمقراطية على ضرورة تعليم الإنسان كيف يفكر، وكيف يختار بنفسه ما ينفعه. ولا يتسنى تعليم فلسفي صحيح إلا إذا كان قائماً على مبدأ التفاؤل بالإنسان وعلى إحترام حريته والوثوق في قدراته وطاقاته الكامنة، وهذا الأمل لا يتحقق إلا في صلب نظام تربوي مقام على أساس من الديمقراطية والحرية والمسؤولية. والحرية الفكرية لايمکن أن تقوم في فراغ، بل لابد من أن تستند الی توعية عقلية صحيحة يستطيع معها المواطن الحر أن يكون علی دراية واعية بالأطراف التي يحقق اختياره فيما بينها. فلکي نساهم بمؤسساتنا السياسية والمجتمعية في تكوين المشهد الكوني عبر خلق واقع جديد علینا التوجه الی الحاضر و الراهن أو المستقبل وعدم الإنشداد الی الوراء. فالزمن التراجعي لا ینتج فكراً و لايصنع حقيقةً ولا مستقبلاً.
فما السياسة والعدالة والاخلاق وسواها ان لم تحدد مفاهيمها بروح فلسفية واضحة وان لم توصف وصفاً فلسفياً صحيحاً وما الداعي الی العيش دون أن يكون للإنسان وعي حقيقي بالحياة التي یعيشه؟ الفلسفة أداة أخلاقية ناجعة تثير إحساسنا بالقيم وتنمي قدراتنا علی الإعجاب، للأسف يتوهم الکثير من أفراد هذا المجتمع وراء سراب المنفعة، مستخدماً منظومة قيمية غير صحيحة، بها تقوم بقارنة الحياة بالإشباع المادي فقط  أو السعادة بالرفاهية، لا یرون من القيم سوی جانبها النفعي. وسيبقی النشاط الفلسفي دوماً ذو طابع نقدي إشكالي. حيث لا يتبلور الشأن العام ولا يسمو الا بالاحتكام الى الفلسفة التي تحتكم بدورها الى العقل وعلی الفلسفة أن تسلط الضوء علی الکثير من القيم التي یتجاهلها الناس، کالمعرفة والثقافة والتذوق والفن...الخ، لكي لا يتحول المجتمع من قطاع منتج الی قطيع مجتمعي. فالمجتمع الكوردستاني إذا امتلك حريته أو استقلاليته تجاه القوی التي يمکن أن تقهره أو تتفوق عليه، يظل قادراً دوماً علی تخيل أهدافه وإبداع ذاته بإتناج القيم والمفاهيم والقوی والمؤسسات والآليات التي تتيح له‌، بجانب طموحاته الأخری علی المستوی الأقليمي، ممارسة حيويته السياسية، بقدر ما تتيح له توسيع مساحة الحريات والحقوق المدنية للکوردستانيين.
وختاماً: لتكن لنا الجرأة على أن نعود إلى ذواتنا و لو عودة إنصات على الأقل، لأن "ما من تغيير إلا تغيير في الأفكار والذي لا قُدرة عنده علی إبتكار أفكار لايسعه التغيير."
د. سامان سوراني
161  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العراق الفیدرالي، إجتياح الوعي التقليدي و حرية التفکير! في: 10:26 19/06/2011
العراق الفیدرالي، إجتياح الوعي التقليدي و حرية التفکير!

من المعلوم بأنه لا یمکن تخیُل حکومة من دون سیاسة، فالسیاسة هي القدرة علی إبتکار للأدوار والمهام أو للخلط والاسالیب التي تسهم في ایجاد حلول للمشکلات والازمات التي یسفر عنها النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي، وإن احترام القوانین النافذة ومراعاة قیم العدالة والمساواة والنزاهة لها أهمیتها ومردودها، ففي سبیل مجابهة التحدیات الناشئة عن التقدم الهائل في مجالات الانتاج ومنظومات التواصل في عصر الوسائط والمجتمع الاعلامي علینا القیام بالتجدید والابتکار في المفاهیم والقوانین بمنطق الفتح والاختراق والتحرر من الدُغمائیات الخانقة وعدم الغرق في التهویمات المستحیلة، لأن أوهام المستقبل لیست بأقل خطورة من أوهام الماضي.   
المحاصصة هي جزء من السیاسة حتی علی الصعید العالمي، لکن الأمر المهم هو مراعاة مبدأ الإختصاص والکفاءة و التمرس علی مداولة السلطة علی نحو عقلاني مبني علی أسس المراقبة والمحاسبة، کما هو الحال في النظم الدیمقراطیة الغربیة.
ما النفع من إشهار الحب للعدالة والنزاهة، لو ترکنا نقد الثقافة السائدة بقِیَمِها ومعاییرها، بشیفراتها و سُننها جانباً. لقد ولّدَتْ ثقافات المجتمع العراقي السیاسیة منها و الدینیة الی یومنا هذا الحروب والتمزق والارهاب و أنتجت الإستبداد و التسلط والعجز و التخبط بأدیدیولوجیاتها القومویة والشوفینیة وعقائدها الخلاصیة والاسطوریة و نماذجها الشخصانیة، بممارساتها العشائریة المتخلفة ومنازعها الفاشیة و نرجسیتها النخبویة کما کان یمارسها کتابها وفنانیها المتقمصین دور المهرجین الکَسَلة و مثقفیها الطبّالین إبان الحرب العراقیة الایرانیة و الحروب الکویتیة و الامریکیة و في فترة مقاومتها للمحتل.
المجتمع العراقي هو ثمرة الثقافة التي نتجتها، فبها وللأسف صنع نفسه. إنه مجتمع لم ینضج بعد من حیث بنیته و ثقافته، لکي یصبح مؤهلا لممارسة الدیموقراطیة، فإنه مازال ینتظر أنبیاء و زعماء ملهمین لکي یتولو أمر قیادته. آن لنا أن ‌نکسر الدائرة الخانقة للزیف الوجودي الذي صنعه حراس الفکر القوموي والاصولي بالحفر في العقل السیاسي والنهج الاداري لهذا المجتمع و نفحص أنماط التفکیر وأسالیب التدبیر ومنظومات التواصل وأشکال الروابط کي نصل الی مکمن العجز والفساد والبطالة والفضائح و لتعریته في سبیل إحداث تغییر في أنساق ثقافتها وبناها. بعد سقوط الطاغیة ونظامها البربري، والتي قوضت بمظاهرها الوحشیة الصرح الحضاري الذي بناه الإنسان في المنطقة، بلغ النظام السیاسي الجدید في العراق درجة الاشباع في الهدر والفساد و الفضائح. نحن لانرید أن یکون التغییر مجرد ترداد للکلام علی أخطاء الغیر. لأنه مالنفع من العیش في مجتمع لایملك ثقافة حوسبة الانتاج و عقلنة الادارة و عولمة الثقافة و کوننة الهویة في عصر ترفع فیه الثورة التقنیة والرقمیة رایتها علی سفوح عقول البشریة، عصر الذکاء الاصطناعي والسبرنطقیا و استنبات العناصر الغریبة والاستنساخ و التلاعب بالجینات و دمج الحاسوب العصبي وعلم الروبوتات وتقنیة الأجرام الصغری. فلنعمل من أجل تفکیك آلیات عجزنا و نقوم باجتیاح الوعي التقلیدي، لأن الإنتظار علی حصول المعجزة أو ظهور المهدي لاینفع المجتمع ولا أصحاب المنطق التحویلي التولیدي والتواصلي. کفانا الإشتغال کالشرطي لحراسة الأفکار الجامدة لمن سبقونا في الدین والدنیا، لأنها تؤول بنا الی الجمود والتقوقع والعجز والقصور والاستقالة من التفکیر الحر والنقدي. التفکیر الحر في کل أمر أو شأن، مهما علا وعَظِم هو الشرط الوجودي للإنتاج الفکري. فلکي نکون خلاقا في مجال عملنا وفي دائرة اختصاصنا ومنتجا في مهنتنا و فاعلا أو مـؤثرا في بیئتنا، علینا أن نلغي قاعدة الارتداد و نطلق حریة الاعتقاد، لا لکي یؤمن من شاء أن یؤمن أو یکفر من شاء أن یکفر، بل لممارسة الحریة في التفکیر. هکذا یمکن بناء مجتمع دیمقراطي و دولة اتحادیة فیدرالیة.
الثورات الشعبیة المتواصلة من أجل التحرر في بعض البلدان العربیة بدأت بسبب السیاسات الهوجاء للآلهة والأصنام السادیة التي کانت تقمع شعوبها لکي تُقَدّس. وما یُثلج قلوبنا هو مشاهدة الانقلاب الوجودي وانقلاب نماذج الرؤیة والمعاملة وفتح آفاق وأبواب وخطوط تفضي الی تغییر المقاصد و التوجهات أو الی تجدید المشاریع و الاستراتیجیات لممارسة الوجود والحضور علی المسرح الکوني بشکل آخر. نتمنی لهذه المشاریع التحرریة أن لا تُوَلِّد القهر والاستبداد ولا تقفز أصحابها فوق الحقائق ولا تکون شاغلها الوحید الهجوم والرد بل الفهم والتشخیص وإغناء المعرفة وتوسیع عالم المفهومات. ولیعلم الذي لایعلم بأن أکثر الناس فشلاً في تجسید المبادیء هم دعاتها و حماتها.   
وختاما: مالنفع من التقدم أشواطاً في مجالات، للتراجع عصوراً الی الوراء في مجالات اخری. 
د. سامان سوراني

 
162  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / رئيس الجمهوریة وعقوبة الإعدام! في: 21:21 15/06/2011
رئيس الجمهوریة وعقوبة الإعدام!

تبقى عقوبة الإعدام قضية جدلية، تمثل محورًا لمناظرات ساخنة في الفضاء العراقي، وخاصة بعد أن رفض رئیس جمهوریة العراق الفیدرالي، السید جلال الطالباني، التوقیع علی أحکام الأعدام الصادرة ضد مجرمین ومنهم مرتکبي "مجزرة عرس الدجيل" التي ارتكبت عام 2006 وتخویل نائبه بالقیام بأمر التوقیع علیها.
یبدو أن رئیس جمهوریة العراق الاتحادي متأثر بأفکار مارکیز كوندورسيه (1743 م - 1794 م)، خاتمة فلاسفة التنویر الفرنسیة، الذي كرس حياته لمبادئ حرية التعبير والذي دافع عن قضية إلغاء حكم الإعدام و إقترح إقامة محكمة دولية لفض المنازعات بين الدول، لتقوية الإرتباطات السلمية والإنسانية، وإفساد شهوة السيطرة والحروب بينها.
فلسفیاً یذکر بأنه عندما صدر الحكم على سقراط بالإعدام، في تلك الأثناء تسلل إليه ذات ليلة تلميذه الشاب كريتون وهمس في أذنه: "لقد أعددنا كل شيء للهرب فهيا بنا يا أستاذي إلى الحرية. فتطلع إليه سقراط طويلا ثم قال: كلا يا كريتون لن أهرب من الموت. إني لا أستطيع أن أتخلى عن المبادئ التي ناديت بها عمري كله. بل إنني يا كريتون أرى هذه المبادئ الغالية التي ناديت بها حتى اليوم جديرة بذلك الثمن. أجل يا كريتون ليست الحياة نفسها شيئاً، ولكن أن نحيا حياة الخير والحق والعدل فذلك هو كل شيء...." النهایة معروفة.
من المعلوم أن الإعدام هو سلب لحياة إنسان. وهو عملية قتل واعية، أي هو قتل عمد تقوم به جهة يفترض أنها مسؤولة عن أمن المجتمع كما يُشاع وتصعب إدانتها هي. وعقوبة الإعدام هي من أقدم العقوبات التي عرفتها البشرية. وقد نصت عليها العديد من القوانين، سواء القوانين الوضعية أو القوانين السماوية  (التشريع الديني). وتنفيذ حكم الإعدام هو قتل شخص بإجراء قضائي من أجل العقاب أو الردع العام والمنع. وتعرف الجرائم التي تؤدي إلى هذه العقوبة بجرائم الإعدام أو جنايات الإعدام.
والاستهانة عبر عقوبة الإعدام بأهم وأكثر الحقوق أصالة، أي حق الحياة، له أبعاد خطيرة على مجمل الوضع الاجتماعي السياسي والثقافي للمجتمع. وتكاد عقوبة الإعدام تشكل ركناً مقدساً عند الكثير من الأوساط الفكرية والسياسية وخصوصاً التيارات اليمينية الفاشية القومية والدينية. إنها باستماتتها في الدفاع عن عقوبة الإعدام إنما تريد أن تستحوذ على جسد الإنسان وروحه ووجوده، تسعى لأن تملك حياته ومماته وتخدش كرامته. وهي بانتهاكها هذا الحق الأولي تحيل وبضربة واحدة كامل موجودية الفرد والمجتمع وحقوقه الأخرى السياسية والاجتماعية وضماناته، حق التنظيم، التظاهر، الإضراب، حق التعليم والضمان الصحي والسلامة والبيئة الآمنة إلى ميدان مفتوح للمصادرة والمنع والسلب. استخدمت عقوبة الإعدام کسيف مسلط على المجتمع لإرهاب الجماهير.
والمدافعون عن عقوبة الإعدام يسوقون جملة من الذرائع، منها أن عقوبة الاعدام رادع للجريمة، بها یمکن حماية المجتمع من العبث بأمنه. ومنهم من يقول أن القصاص وجزاء المثل بالمثل ضروري وعادل.
السؤال هو، هل ان عقوبة الاعدام تردع الجريمة؟ لاتوجد دلائل على هذه المقولة، بل ان الحقائق في الواقع العملي تثبت انه وحيثما كانت هناك عقوبة الاعدام وما يرافقها من استبداد واستغلال شديد عادةً، كانت الجريمة أكثر انتشاراً وأكثر نخراً لجسد المجتمع وتهديداً له. مثال المجتمع العراقي في ظل سلطة البعث الشوفیني المقبور لا يحتاج إلى إمعان مطول لاكتشاف هذه الحقيقة.
في القرون الوسطى وبداية أوروبا الحديثة، قبل ظهور نظام السجن الحديث، كانت عقوبة الموت معممة كشكل من أشكال العقاب. أما الآن فمجتمع أوروبا رفع هذه العقوبة من قاموسه الجزائي، حيث أن المادة الثانية من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي يحرم تطبيق هذه العقوبة. إضافة الی ذلك  لایتم تسليم المعتقلين الی الدول التي ستتسلمهم، والتي سوف تطبق عليهم حكم الإعدام. أما دول منطقة المحيط الهادي (أستراليا ونيوزيلندا وتيمور الشرقية) وكندا فقد أبطلت العمل بهذه العقوبة. ومن بين الهيئات غير الحكومية التي تعارض تطبيق عقوبة الإعدام منظمة العفو الدولية ومراقبة حقوق الإنسان والنقابات العمالية والمجالس المحلية ونقابات المحامين. وفي عام 2002 أسس تحالف عالمي لمناهضة تطبيق عقوبة الإعدام من قبل هذه المنظمات.
التقليل من حدوث جرائم القتل واستخدام العنف يتم بالاهتمام بالتربية وبالاهتمام بالجانب الاقتصادي و بإنشاء مؤسسات قادرة على نشر الوعي و ثقافة اللاعنف السليمة ومراعاة المساواة أمام القوانین والتمرس بسیاسة الاعتراف المتبادل و التخلي عن استراتیجیة الرفض والاقصاء للمختلف والخروج من عقلیة القوقعة والمؤامرة والتحرر من التصورات المطلقة والرؤی الاحادیة. ومانحتاجه هو المحاورة الهادئة والمناقشة العقلانیة من منطلق الشراکة والخصوصیة المفتوحة و دعم القوة الناعمة للمشارکة الفعالة في صناعة المصائر، وذلك بکسر منطق لاذکورة الاحادي والفحولة البائسة، لأن المرأة أثبتت جدارتها في تسییر الأمور وإدارة المصالح وصناعة الحیاة.
في الفصل العاشر من كتاب تعاليم بوذا Dhammapada نص یقول:  "الجميع يخشى العقاب؛ الجميع يخشى الموت، مثلك تمامًا. لذا، لا تقتل أو تتسبب في قتل أحد."
ختاماً یقول المهاتما غاندي: "بما أنني رمیت سیفي، فأن كأس الحب هو کل مأستطیع أن أهدیه لمن یعترض لي."
د. سامان سوراني

163  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / التعداد السكاني من أجل التعايش السلمي في: 15:54 13/06/2011
التعداد السكاني من أجل التعايش السلمي

بالأمس ذکر الدكتورعلي يوسف الشكري، وزیر التخطيط العراق الاتحادي، في الجلسة الاستثنائیة العلنية لمجلس الوزراء بعد المئة یوم من عمل حکومة المالکي، بأنه سوف یقوم في الایام القلیلة القادمة بزیارة إقلیم کوردستان وزیارة کل من محافظة کرکوك و نینوی للقیام مع الجهات المعنیة بالمناقشة والحوار حول مسائل متعلقة بالتعداد السكاني، کإضافة حقل القومية في استمارة الإحصاء وأخرى تتعلق بالحدود الإدارية لبعض المحافظات. على رغم ان هذا الأمر حسم وفق القانون الرقم 40 وصوت عليه مجلس النواب سابقاً لکنه‌ بقي مهملاً في الماضي، لأن وزیر التخطیط السابق علي "بابان" أقحم نفسه في اجندات سياسية وآراء سياسية ولم یقم وللأسف بالتعامل بمهنية واستقلالية مع القوانين والقرارات التي اصدرها مجلس النواب ومجلس الوزراء وحتى المحكمة الاتحادية. العراق في أشد الحاجة لاجراء التعداد السكاني وجمع البيانات الشاملة لاحوال الشعب والبلاد. ويحتاج العراق بسرعة إلى توفير إحصاءات يمكن الاعتماد عليها وخاصة عن الاقتصاد لجذب الاستثمار واستعادة البنية التحتية وتوسيع نطاق النمو.
الذي نعرفه، أن علم الوراثة أسست علی بیانات احصائیة صرفة، لذلك یمکن القول بأن للإحصاء دور کبیر في حیاتنا الیومیة من خلال العدید من المجالات وذلك علی مستویات عدة منها الشخصي أو المحلي أو الدولي و تسعی الدول الی التخطیط مما أدی الحاجة الی البیانات الإحصائیة. فتخطیط الرعایة الاجتماعیة والصحیة والسیاسیة والتعلیمیة الی جانب تخطیط الأمن الداخلي یعد من أهم أولویات المجتمعات الحدیثة التي تعتمد علی بیانات وارقام احصائیة بدرجة کبیرة تساعد المسؤولین علی دراسة الاحتیاجات والامکانات التي تسهل الحصول علی خطة سلیمة، بالاضافة الی أن المخططین في حاجة الی بیانات احصائیة تمکنهم من تقییم خططهم ومعرفة نجاحها من عدمه‌ في تحقیق الاهداف التي تسعی الیها بعد تنفیذها. والبیانات الاحصائیة هي من الادوات البحث العلمي المهـمة في کافة مجالات العلوم التطبیقیة والاجتماعیة.
أما مسألة حقل القومية في استمارة الإحصاء وموضوع الحدود الإدارية لبعض المحافظات والتي هي حسب رأینا الهدف الأساسي للزیارة التي یقوم بها الدكتورعلي يوسف الشكري فهي من المسائل المهمة والمبدئیة لحل المشکلات العالقة بالمناطق المستقطعة من کوردستان بشفافیة وأمر ضروري للتعایش السلمي.
نقول لمعالي الوزیر، نحن لا ننسی ماقام به نظام البعث المقبور في کرکوك مثلاً، حیث أمر بترحيل الکورد والترکمان من داخل المدينة وقام بجلب المواطنين العرب وإسكنهم محلهم، وسلخ الأقضية ذات الأغلبية الكردية من المحافظة وإلحقها بمحافظات أخرى بعيدة عنها، وهدم الأحياء الكردية بحجة فتح شوارع جديدة، وقام بتدمير ما لا يقل عن 2000 منزل يقطنها أكراد، وعوضهم بمبالغ رمزية کانت لا تكفي حتى لشراء قطعة أرض سكنية أخرى، في حین قام بأصدار أمر من أعلى السلطات تمنع حصول الکوردي على حق التمليك ( الطابو) ومنع إعطاء تراخيص البناء من البلدية لهم. وفي الفترة بين إحصائية 1957 وإحصائية 1977 حصل تغيير دیموغرافي كبير لواقع سکان هذه المدینة، فإحصاء عام 1977 بين لنا التغييرالذي حصل، حیث قفز عدد العرب من 28,5 % إلى   44,4 % وتناقص عدد الكرد  إلى 37,33 % ، فلأول مرة في تاريخ كركوك يحصل هذا التغيير ويصبح العرب الأغلبية في المدينة ليأتي بعدهم الكرد، أما الترکمان فتناقص عددهم إلى 16,31 %.
وعملیة التعريب ظلت بعد عام 1991 مستمرة وبصورة أكثر بشاعة، حیث تم بين الأعوام 1991 ـ 2000  تهجیر 15735 عائلة کوردیة من كرکوك إلى کوردستان الحر. وقبل البدء بعملیة الإحصاء عام 1997 قام هذا النظام العنصري بالضغط علی الکورد في المدینة بتغيير قوميتهم وتسجيل أنفسهم عربا، وأعد استمارات خاصة بذلك ورد فيها حقل خاص يدون فيه رب العائلة أن تسجيلهم كأكراد تم (خطأ) في الإحصاءات السابقة وهدد من من لا يملأ تلك الاستمارات بالصيغة المطلوبة بطرده‌ من کرکوك. 
وکان الهدف من تاجيل الاحصاء السكاني في السابق وحذف حقل القومیة هو العمل في سبیل عرقلة تنفيذ المادة 140 من الدستور حول المناطق "المتنازع عليها"، لأن الاحصاء هو الخطوة الثانية بعد التطبيع ويليها الاستفتاء لتنفيذ هذه المادة الدستورية.
ومن المؤسف أن التاریخ العراق السیاسي لم یشهد منذ خمسین عاماً إعطاء الأولوية للمسألة الديمقراطية والدستورية والتعددية. فإذا أردنا أن نبني عراق اتحادي دیمقراطي دستوري تعددي للوصول الی التلاحم الداخلي في سبیل توظيف القدرات البشریة بشکل جید عبر مؤسسات عصرية مستنيرة لتأسیس مجتمع المواطنة والعدالة الاجتماعیة فما علینا سوی العمل علی مداواة جروح الماضي وإحترام الدستور العراقي وتطبیق بنودها.
وختاماً: لنعترف بالآخر ونتقن لغة العصر كي نحسن المشاركة في صناعة العالم ولنترك سیاسة الحجب والتضلیل أو الأستلاب والتنمیط.
د. سامان سوراني

164  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / كركوك والإرهاب المتواصل! في: 20:41 09/06/2011
كركوك والإرهاب المتواصل!

شهدت مدینة كرکوك في الأشهر الماضیة عملیات إرهابیة وحشیة بربریة لاإنسانیة مستهدفة المدنیین ومنتسبي الشرطة وهجمات بالأسلحة علی الأبریاء من قبل أناس یتصورون بهویاتهم الدینیة أو القومیة بأنهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم. إنهم أصحاب العقول الملغمة والمسلمات العمیاء والتوجهات المقلوبة والفلسفات الکادبة، ظلامیون یریدون عن طریق أعمال عنفهم المتفاقم وهجمتاهم الشرسة علی المواطنین المسالمین جعل مدینة كرکوك مدینة الأزمات والاضطرابات وخلق حالة طواریء دائمة. هؤلاء الذين یحملون في عقولهم الجامدة أفکار میتة وبرامج فاشلة و مناهج عقیمة وقاصرة، هم ضحایا لأفخاخ الهویة الموتورة أو لأقانیم العقیدة المقدسة أو لأساطیر الحقیقة المطلقة، یتمرسون وراء الهویات المغلقة أو الجامدة.
أصحاب الامبراطوریة الاصولیة والهویات الکاریکاتوریة البائسة والعدوانیة بتصنیفاتهم العنصریة و سیناریوهاتهم الجهنمیة وتشبیحاتهم العقائدیة ونفیهم العالم المعاش لایریدون خیراً لهذه المدینة الجریحة بل یریدون بتعنصرهم المقیت لغم صیغ العیش بین الأطیاف المختلفة في کرکوك لتولید العجز والجهل والإقصاء وعرقلة البناء الدیمقراطي الجدید والتعایش السلمي. فبعد کل هذه‌ الحروب في الجوامع والمراقد في العراق وبعد کل هذه الحرائق والخرائب و بعد کل هذه المآلات البائسة والنهایات المدمرة فقد المشروع الإسلامي مصداقیته علی أرض الواقع، علینا أن نقف صفاً واحداً ونعترف بأن مصائرنا و مصالحنا مشترکة ومسؤولیتنا باتت متبادلة و جسیمة في مواجهة سفاکي الدماء وبیت الداء.
علینا أولاً، دعوة أهالي المدینة من الکورد والعرب والترکمان و الکلدان والآشوریین و الأرمن الى استثمار الشارع اسبوعیاً وذلك بتنظیم تظاهرات مدنیة واحتجاجات متحضرة "تحت شعار لا للعنف والارهاب" لإشاعة روح التعايش السلمي المشترك والرد علی الناشط الإرهابي والمخرّب المحلي و إدانة ثقافة العنف والإرهاب والتكفير.
علینا ثانیاً، بنشر ثقافة الاحترام والتعايش المدني المشترك وفق مباديء الاعتراف والقبول بالاخر وتكثيف الدورات التثقيفية لكافة شرائح مجتمع هذه المدینة، مثل عقد الندوات التوعویة التي یشیع فیها الحوار وحریة الرأي وتشجیع الطاقة الشبابیة علی المشارکة في الخدمات الانسانیة والأنشطة البنائیة، بهدف بث روح التعايش السلمي والمحبة والاخوة بين ابناءها ودعوة وسائل الاعلام المختلفة الى ترسيخ المفاهيم الانسانية لصالح التعايش المشترك بين مختلف مكونات هذه المدینة. المحك هو تدبیر أمر العیش سویا وخلق لغة مشرکة ووسط للمداولة وساحة للمبادلة في مجالات مختلفة ولیس ممارسة النجومیة والنرجسیة والتأله بشن هجمات أرهابیة ضروسة.
نحن أمام تحدي کبیر، لنجعل الحیاة في هذه المدینة بتواضعنا الوجودي و تقانا الفکري أقل بؤساً وفقراً وتوتراً وعنفاً، لتکون أكثر أمناً و یسراً وأکثر تواصلاً وتضامناً.
وختاماً: علینا بالبناء حتی وإذا أصر الآخرون علی الهدم
د. سامان سوراني



165  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / هل بإمكان مجتمع العراق الفيدرالي الوصول الی مجتمع المعرفة؟ في: 20:47 08/06/2011
هل بإمكان مجتمع العراق الفيدرالي الوصول الی مجتمع المعرفة؟

في ضوء ما یشهده العالم من الطفرات المعرفیة والثورات العلمیة و التحولات الهائلة المفاجئة، فضلاً عن التحولات الحضاریة والمجتمعیة، لا یختلف أحد حول أهمیة بناء مجتمع المعرفة إذا کانت هناك رغبة في تطویر فلسفة معرفية جديدة ومحاولة لخلق النقلة المعرفية. فمجتمع المعرفة هو مجتمع ما بعد الصناعي. وهنا لایمکن أن ننسی دور اللغة، ففي فلسفة فيتشجنتاين ( فیلسوف نمساوي، 26 أبريل 1889 - 29 أبريل 1951، کان لأفكاره أثرها الكبير على كل من الوضعانية المنطقية وفلسفة التحليل) یعتبر اللغة طريقنا إلى المعرفة وهذا يتضمن معرفة كيفية استعمال الكلمة في الجملة لأن لكل كلمة منطقها الخاص و هدف الفلسفة لا يكمن في تفسير حقيقة الأشياء بل في التوضيح المنطقي للأفكار للوصول إلى المعاني. فالأرض تحولت بفضل العولمة الی قریة کونیة صغیرة تسبح في فضاء سبراني الکتروني. وبعد هذه الظاهرة الجدیدة علی مسرح التاریخ العالمي انقلبت الاولویات و تغیرت خارطة العلاقات بكل شيء، بالکائن والحادث، بالمکان والزمان، بالحاضرة والذاکرة، بالفکر والحقیقة، بالصناعة والانتاج والمبادلة، لکننا مع هذا نعیش في مجتمع قبل الصناعي، ففیه یعاني الناس من الجهل التقليدي والجهل الوظيفي، وما سعینا إلا بذل المزید من الجهود للوصول الی مجتمع صناعي أولاً، ومنه الی مجتمع معلوماتي، کي ننتقل أخیراً إلى مجتمع معرفي. فالشرط الاساسي لبناء مجتمع معرفي هو وجود حریات، لأنه بدون حرية التفكير و حرية التعبير و حرية الإنتاج لا يمكن الحديث عن الإبداع ومن غیر ابداع لا يمكن الحديث عن المعرفة، وهذا الشرط يقتضي أساساً انفتاحاً ديمقراطياً. وإعادة النظر في المنظومة التربوية لتحسين المستوى التعليمي و توسيعه،
وتعتبر الانفتاح على الغير والحوار والتلاقي الفكري والتميز لتثمين الكفاءة بخلق ارتقاء تنافسي وليس إرتقاء ميكانيكي و خلق نمط معرفي جزئي قابل للتطبيق من الأمور الضروریة لترسیخ قواعد المجتمع المعرفي، وبعد الوصول الی هذه المرحلة لابد من توسيع مفهوم العدالة الاجتماعية إلى العدالة الاجتماعية المعرفية. إذن مجتمع  المعرفة هو مجتمع ما بعد الصناعة.
ومن كانت الشوفينية في أطروحاته فقد حكم على نفسه بالفشل، فمن الآليات الأساسية في المجتمع المعرفي هي التحكم في عدد من اللغات الأساسية والابتعاد عن الشوفينية اللغوية والقيمية والدينية و الحضارية والثقافية. ففکرة التجانس التي کانت مشهورة في الفلسفات الغربیة سابقا قد تم إلغائها من قبل النوع المعرفي وصار بحکم الإنتقال نحو الصوریة التحدث خلق نواة من نوی معرفیة متعددة عبر تخصصیة وبفضل تنوع المعرفة أصبح المجتمع الغربي متفتحاً ثقافياً، قیمیاً و لغویاً وهناك العدید من المجامیع للغات والترجمة. وهناك تمکن مجتمع المعرفة في إحداث قطعية ابسيتمولوجية على مستوى التعامل مع العلاقات بين المعرفة و المجتمع. وإذا وصلنا الی معرفة منتجة للثروة فأنه بالإمکان سلعنة هذه المعرفة، بإعتبارها سلعة قابلة للتسويق.
ومن أجل البناء المشترك علمنا التجارب وماتزال تعلمنا بأن الاعتماد علی زعیم أوحد، هو قائد ملهم أو مهدي منتظر، یختزل مجتمعاً بکامله أو یستبد ببلد بأسره، مآله تشکیل حشود بشریة وقطعان عمیاء تصفق وتطرب، أو تعد وتتوعد، لکي تقع في النهایة ضحیة من تقدسه وبجله من القادة والزعماء.
"الفکر الحي هو خلق وإبتكار، به یمکن أن نتغّیر و نغّیر، بقدر ما ینفتح علام المعنی علی التعدّد والاختلاف والالتباس والتعارض والنسخ، والهویة هي صیرورة تصنعها العلاقة مع الغیر، تماماً، کما أن الدین هو المعاملة والعقل هو المداولة والسیاسة هي الشراکة." نحن لاننتظر المعجزة من الحکومة الفیدرالیة لأن أعمال الإصلاح لاتتم دفعة واحدة، وإنما هي عملیة مرکبة تجري علی غیر صعید، وسیرورة متواصلة من النماء والتطور، أي تبقی دوما قید الانجاز، ففي عصر الحراك لاتوجد اجوبة نهائیة، کما لا توجد نماذج واحدة أو أحادیة. وان إحترام الدستور وتطبیق بنودها أمر ضروري للمساهمة في صناعة العالم وإنتاج الحقیقة والوصول الی مجتمع الوفرة والرفاه والتقدم. السؤال هو:هل يمكننا في العراق الفيدرالي الوصول الی مجتمع المعرفة؟ 
وختاماً: حتی الثقافات المختلفة لاتبقی هي هي باستمرار، بل تخضع للتبدل والتحول، إما بفعل التطور الذاتي أو بفعل الاحتکاك والتفاعل وبالاخص الیوم، حیث التداخل بین الشعوب والمجتمعات هو علی أشده. کفی التعامل مع الأفکار "کقوالب محکمة تختزل الوجود الحي أو کغلو إیدیولوجي یشهد علی الجهل بسیر العالم وتطور المجتمعات،."
د. سامان سوراني
166  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الشاعر أدونيس صامتاً؟ في: 16:35 05/06/2011
الشاعر أدونيس صامتاً؟



لقد کتبت "منی نجار" في أحدی الصحف الألمانیة مقالاً تنتقد فیه صمت أدونیس أمام الأحداث التي مرت علی البلدان العربیة، لأن الشاعر في نظرها لم یدلو بدلوه في شؤون وشجون الثقافة على طريقة الثوار الاعتراضية ولم یواکب الموج الغاضب في کل من تونس و مصر و لیبیا والیمن وسوریا. ففي مقالها تکتب منی نجار بأن أدونیس "قد نقل منجزات الحداثة الأوروبية الی الحلقات الثقافیة العربية وکان من المتمردین المتحمسین ضد الجمود الثقافي، هذه هي بعض الأسباب التي ساهمت في اقناع هيئة المحلفين لجائزة غوته لاختيار أدونيس کفائز لهذا العام. لو حدث هذا الاختیار في الستینیات والسبعینیات من القرن الماضي لقلنا بأن اختیارهم کان في مکانه‌، لأن أدونیس کان في تلك الفترة في نظر الکثیر من الأدباء الشباب متمرداً"، لکنه الآن، حسب رأیها، بات صاماً.
المتابع لأدونیس یعرف بأن معظم كتابات هذا الشاعر في الأعوام الأخيرة لا يخلو من النقد والحوارات الساخنة. ففي حديث أدلى به الشاعر لقناة العربية جاء صوته‌ مفصحا عن موقفه تجاه مايحدث في المنطقة العربية، فقد وصف التظاهرات الأخیرة في البلدان العربیة بـ"التمرد الشبابي الذي لا نموذج له لا في الغرب ولا الشرق ووصف حضور المرأة في تونس ومصر بظاهرة مهمة جدا و جديدة في الحياة العربية"، معتبراً "کل ایدیولوجیة نفي للدیمقراطية"، رافضاً القبول بالانضمام الی تظاهرة سياسية تخرج من الجامع و هو یرید الخروج من السياق التقليدي القديم من أجل إحداث القطيعة.   
ففي مساء ربيعي وسط مدينة أربيل، عاصمة إقليم کوردستان، التقیت بالشاعر أدونیس، عندما کان لأیام معدودة ضیفاً علی کوردستان. ففي خلال زیارته التقی هذا الزائر الفاضل بنخب ثقافية كوردية من الأدباء والكتاب وطلبة الجامعات وقدم العدید من المحاضرات الأدبیة القیمة. وخرج منها بانطباعات ايجابية عما يشهده أقليم كوردستان من نهضة ثقافية وعمرانية وحراك مجتمعي في ظل هامش الحرية المتاح وسلطة القانون والاستقرار الأمني الملحوظ. وعندما نشرت الصحف بعض من تصریحاته الاعتراضية ضد التيارات السائدة ، کالقول بأنه: "لایرید أن يصاب المثقفین الکورد بالعدوى من اقرانهم العرب، فيلجأون لتكوين طروحاتهم بالاعتماد على السماع وليس التحقق من صدق المقولات" أو  " الحضارة العربية انقرضت، والعرب سينقرضون" أو "لا مكان للمثقف ولادور له في مجتمع...الثقافة عند العرب هي مجرد مصلحة... لذلك المجتمع العربي يفتقر الى الثقافة المستقلة الحرة" أقام الشوفينيون والاصولیون العرب، الذین يعتبرون أنفسهم حراس الثقافة العربية و أرادوا احراجه بالمزايدات القوموية، الدنيا عليه ولم يقعدوها واتهموه بتهم باطلة وقاموا بالتهجم علی شخصیته، وهو قد اتهم في السابق بالإلحاد وطُرد من اتحاد الكتاب العرب في سورية بتهمة التطبيع مع اسرائيل. 
فأدونیس المعروف بمواقفه الجریئة قام بالرد علی بعض منهم کالتالي: "الثقافة هنا تلعب دور الأمن السياسيّ، ويلعب المثقف دور الشرطيّ والمُخبِر ورجل الأمن. وهو دورٌ شائعٌ في الثقافة العربية، وفي العلاقات ما بين المثقّفين؛ ولا يخفى أمره ماضياً وحاضراً، خصوصاً، على الذين يُعنَون بقضايا الثقافة العربية ويتابعونها".
وقال في مکان آخر: " منذ ما سُمّي بـ «عصر النهضة» إلى اليوم، يزداد العرب تراجعاً في كل الميادين - نسبياً وقياساً إلى تقدّم غيرهم - في التربية والتعليم، في النموّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ، في حقوق الإنسان وفي الحريّات الديموقراطية، في السلطة وفي السياسة. وماذا أقول عن موضوع صيانة البيئة؟"
" ازداد العرب استبداداً. وازدادت خاصّتهم غنى وعامّتهم فقراً. وتواصلت نسبة الأميّة - مقارنة بالمعدلات العالمية - خصوصاً بين النساء؛ وازدادوا تفكّكاً وتعصّباً على الصعيد الاجتماعيّ والدينيّ والسياسيّ. وازدادوا بطالة، وازدادوا على الصعيد النفسي ضياعاً ويأساً وبحثاً عن المخارج، في الهجرة، وفي الجماعات المتطرّفة خصوصاً. وتبعاً لذلك ازدادوا عودة إلى ما يزيد في التدهور والتخلف: أخذوا يتداوون بالداء."
" ليس للعرب حضور سياسيّ فعّال على الخريطة السياسية الكونية، بوصفهم عرباً؛ وإنما ينحصر حضورهم في كونهم سوقاً، وثروة نفطية. لهم بتعبير آخر، حضور بوصفهم أداة أو أدوات، وليس بوصفهم طاقة خلاّقة تشارك في بناء العالم. بل ليست لهم فعالية سياسية تنقذ الحدّ الأدنى الذي قررته هيأة الأمم من أرض فلسطين، منذ ستين سنة، ليكون دولة فلسطينية، فضلاً عن عودة اللاجئين.".
هذه الآراء تنعکس في الشعارات التي ترفعها الحرکات والتیارات التي تتظاهر الیوم في کل من تونس و مصر و لیبیا وسوریا والیمن، فلماذا القول بأن أدونیس بقي صامتا؟
وهو القائل في حلبجة: " هكذا لا تنام حلبجةُ وإن خَيّلتِ النوم. دائماً شطرٌ منها يعانق أواخر الليل، وشطرٌ يعانق أوائلَ السّحَر. دائماً تطلع منها شمسٌ، وينشقّ فيها قمر. دائماً، ترافقها جوقةُ أشعّةٍ مما فوق النسيان، ومما بعد الحاسّة."...." يقول عمري خاور: لا يكفي أن يكون لك شكل الإنسان، لكي تكونَ إنساناً."
نحن نعتبرالزیارة التي قام بها أدونیس الی إقلیم کوردستان بمثابة انتصاره‌ الأخلاقي والسياسي والثقافي وانفتاحه على ثقافة شعب كوردستان وتضامنه مع حقوقه، الشعب الذي أنجب شخصیات، کانت رائدة في عالم الأدب العربي،  کجمیل صدقي الزهاوي و أحمد شوقي و عباس محمود العقاد و محمد كرد علي و معروف الرصافي و بلند الحیدري و...
یقول أدونیس: "لا يتمّ تغيير المجتمع بمجرّد تغيير حُكّامه. قد ينجح هذا التغيير في إحلال حُكّامٍ أقلّ تعفّناً، أو أكثر ذكاءً. لكنه لا يحلّ المشكلات الأساسية التي تُنتج الفساد والتخلّف. إذاً، لا بُد في تغيير المجتمع من الذهاب إلى ما هو أبعد من تغيير الحكّام، وأعني تغيير الأسس الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية."
وختاماً أرید أن أهنئ الشاعر  أدونیس بمناسبة حصوله‌ علی جائزة الشاعر الفیلسوف الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته (1749-1832)، متمنیاً له‌ دوام الصحة والإستمرار في الکتابة لمدارات جريدة الحياة اللندنية.
د. سامان سوراني 



167  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / التظاهرات في المناطق الكوردستانية المستقطعة!! في: 11:47 01/06/2011
التظاهرات في المناطق الكوردستانية المستقطعة!!

من المعلوم بأن الشعب العراقي عانی من جراء السياسات الخاطئة التي مارستها الانظمة الاستبدادية والشمولية السابقة التي حکمت العراق بأجهزة شوفینیة فتاکة الکثیر من الویلات وکان الشعب الکوردي الضحیة الأولی لهذه السیاسات المؤدلجة والمصبوغة بسموم العنصریة وذلك بتعرضه الی عمليات الترحيل القسري لتغییر الطابع الديموغرافي للمناطق الکوردستانیة والتطهير العرقي والقهر والقتل الجماعي، راح ضحیتها ربع ملیون مواطن كوردي مدني مسالم.
المادة 140 من الدستور العراقي الدائم، والتي تتضمن التطبيع والاحصاء واجراء الاستفتاء حول مجموعة المناطق المشمولة والتي صوت لها معظم العراقيين في الحقيقة هي ضمن إلتزامات وتعهدات الحكومة الاتحادية. لکن السؤال هو: أین الحکومة الفیدرالیة لحد هذه اللحظة من إلتزاماتها وتعهداتها وهل قدمت السلطة التنفيذية التسهيلات الكافية والجدية لتطبيق أحكام المادة 140؟ للأسف لم تقم الجهات المعنیة حتی الآن بتحديد مفهوم الأحصاء والاستفتاء دستورياً وقانونياً، فکیف بالإلتزامات وهذه تثبت النوایا الحسنة للحکومة الفیدرالیة!
نقول و بکل صراحة، لایمکن للکوردستانیین القبول بمصطلح "المناطق المنازعة علیها" إطلاقاً، لأن هذا المصطلح یحمل في طیاته النوایا الخبیثة للأطراف التي تفتقر الی مبادئ العدالة والانصاف.
فلو أخذنا کرکوك کمثال للمناطق المستقطعة، لوجدنا بأن الفقهاء القانونیین کالأستاذ الدکتور حسن عبد الهادي الجلبي قالوا بخصوص حدود هذه المدینة مایلي: " أن حدود كركوك هي ضمن كردستان العراق ويلزم أن تتبع إلى حكومة إقليم كردستان لان أغلبية السكان هم من الكرد قبل وبعد إحصاء عام 1957 حيث كانت نسبة السكان الكرد التقريبية قبل إحصاء عام 1957 هي 51 % بينما شكل التركمان نسبة 21.5 % ووفقا إلى إحصاء عام 1957 وبفعل سياسة التعريب نزلت نسبة الكرد إلى 48.3 % وبينما كانت نسبة العرب في إحصاء عام 1957 هي 28.2 % ارتفعت إلى 44.41 % في إحصاء عام 1977 ونقصت نسبة الكرد في الإحصاء المذكور إلى 37.53 % و نزلت نسبة التركمان إلى 16.31 %".
ونری موسوعة الأعلام للعلامة التركي شمس الدين سامي، الذي ألفَها عام 1896 م، ص 3842 تذکر بـ " أن كركوك هي مدينه كردية وتقع في قلب كردستان". ومن لایعترف بالحقائق، لایتمکن من صنع حقیقته.
ففي هذه المدينة الكوردستانیة العريقة تعايش ومنذ ازمنة بعيدة  الكورد والتركمان والعرب والسريان کإخوة. وبموجب التقارير الدولية والعثمانية التي تؤكد وتثبت كونها منطقة كوردستانیة، لم ينفصل عنها تاريخياً الحركات والانتفاضات الكوردية على مر الزمن بمطالبة ضم هذه المحافظة الى كوردستان العراق، لاسيما قيادة البارزاني مصطفى الذي أكد وأصر على مصداقية القول كونها قلب وجزء لایتجزء من كوردستان.
مايزال یعیش مئات الالاف من الكورد من سكان المناطق الکوردستانیة المستقطعة خارج المناطق المستقطعة وأموالهم مصادرة ولم يعودوا اليها. والخوف من ضم كركوك إلى  إقليم كوردستان، يدل على عدم وجود الثقة بالدور الوطني للكورد وهذا مناف للحقائق فالكورد بعد سقوط النظام البعثي الدیکتاتوري قد تنازلوا عن الدولة المستقلة لصالح الدولة الاتحادية ووفق آليات الدستور.
لکن قضي علی الإطاحة بالنظام الدیکتاتوري البائد زهاء 8 سنوات ولم نری خطوة جدیة لحل هذه المشکلة السیاسیة المهمة وإذا لم تقم الدولة العراقية الجديدة، التي أسست على مبدأ الشراكة الوطنية  بين كل مكونات الشعب العراقي، لتحقيق الديمقراطية والتعددية السياسية وإقامة دولة القانون المبنية على الدستور والعدالة الاجتماعية، بالإسراع في تطبیق أحکام المادة السالفة الذکر لينعم العراق الفيدرالي بسلام وإستقرار، فسوف تری أهالي المناطق المستقطعة من کوردستان- الذین هم زهاء نصف سكان الاقليم بالحدود الحالية، مع قوميات اخرى غير الكورد، مما يضيف تنوعاً ديموغرافياً على موزائيك الاقليم والتعايش السلمي، ويعزز البعد التاريخي والجغرافي لتكوين الاقليم- الحل فقط في القیام بتنظیم تظاهرات جماهیریة و إعتصامات مدنیة حاشدة في کافة هذه المناطق مماثلة للمظاهرات التي شهدتها کل من تونس ومصر، رافعین شعار إجراء حملة الاستفتاء الشعبي حول تقرير مصير المناطق المستقطعة، مطالبین من قائمة التحالف الكوردستاني في سحب الثقة من الحكومة وإسقاطها، لأن المظالم تتكرر، لکن التاریخ لا يعيد نفسه مرتين.
وختاماً لکم المثل القائل: " يسخر من الجروح كل من لا يعرف الألم"
د. سامان سوراني

168  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / النِتوقراطية وسيلة لقلع جذور النظم الديكتاتورية الشمولية في: 15:09 31/05/2011
النِتوقراطية وسيلة لقلع جذور النظم الديكتاتورية الشمولية

مانشاهده الیوم في عصر المعلوماتية هو التغيير السریع للعالم علی نحو یبدو فیه دعاة الثورة والتغییر من النخب المثقفة في منتهی الرجعیة والمحافظة ومانراه أیضاً بعد هذه الطفرة الحضاریة، هو مغادرة النظم الديكتاتورية الشمولية في العالم العربي ساحات السلطة، تارة بالسلم وتارة أخری عن طریق إستخدام الفرض من الخارج لإجبارها بالقوة للمغادرة أو لتغييرها تحت شعار الديمقراطية وإستنادا الى معطيات دولية معينة، منها الدفاع عن حقوق الانسان. والدعوة الى الديمقراطية والحریة بدأت تأخذ وجها آخر لم يكن لها من قبل مثيل. لکن الديمقراطية ليست بالألبسة جاهزة تشتريها الشعوب من أسواق الديمقراطيات، إنما هي علم وذوق وأخلاق ونظام وإنسانية وإن ممارستها بالشكل الخاطىء وزجها في بيئة غير صالحة لها قد تعود بالكوارث والآلام بدلاً من تحقيق الأماني والأحلام. إذ لا يمكن بناء أي تجربة ديمقراطية من دون تأهيل المجتمع وخلق الوعي بالحريات والديمقراطيات وأساليب الحياة الجديدة وقبول الآخر والاستفادة من الآخر ومحو الإنغلاق. وإن العمل الحقيقي والممارسة الفعلية والعملية على بث ثقافة الديمقراطية في المجتمعات تساعد على التضامن السياسي والاجتماعي وأيضاً الزيادة في التماسك الاجتماعي وتقوية مشاعر الوحدة الوطنية. والحرية والحكم الذاتي هما العنصران اللذان تتشكل منهما الديمقراطية.
والیوم نری أیضا الدور الهام للثورة المعلوماتیة ووسائل الاتصال الحديثة في نشر الديمقراطية، فالإنترنت والهاتف النقال كل ذلك أصبح يصل الناس ببعضهم البعض بكل سهولة واللذان بدورهما يساعدان على انتشار الأفكار من أقصى الأرض إلى أقصاها ويساعدان بالتالي على انتشار العقلية الديمقراطية في أرجاء واسعة من هذا العالم. فالأدمغة الآلیة والتقنیات الرقمیة اتاحت للأنسان التواصلي التفکیر والعمل علی نحو كوکبي وبصورة عابرة للقارات والمجتمعات والثقافات. فالمکان یتعولم وتزول الفروق بین الداخل والخارج، وهکذا تتشکل طوائف جدیدة هویتها السوق ووطنها حیث تصل منتجاتها الأثیریة، وبها تتغیر خارطة العلاقات بالأشياء.
الیوم أصبح المجتمع الدولي أکثر شفافية من ذي قبل في بناء علاقاته السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة، وهو يتحول الى العالم الجديد الذي تتحكم فيه معطيات العولمة بكل معانيها، أصبح يضع شروطاً لقبول الدول في النادي الخاص به الذي يجب ان يشمل كل من يسكن على هذه الارض، ولذا فيجب على الدول ان تتكيف مع مواثيق ومعاهدات واتفاقيات الامم المتحدة والا فانها ستطرد من المجتمع الدولي وتعدّ غير شرعية وستحارب بمختلف الطرق الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية.
فعولمة الانسان عبر الشبكات وطرقات الإعلام تفتح المنافذ للتحرر من معسکرات العقائد وسجون الهویات المغلقة، لذا نری المناضلون الذين قضوا أعمارهم الطویلة من أجل تغییر واقع المجتمعات والعقلیات یقفون بفکرهم الأحادي وعقولهم المغلقة ضد المتغیرات و الانجازات والتحولات تصدمهم الی حد سخیف. فالعولمة مهدت الطریق للجیل الشبابي الواعي کي یقف أمام کل فکري فوقي، نخبوي، شمولي وباتت وسيلة لقلع جذور النظم الديكتاتورية الشمولية.
أن الشعب الكوردستاني، رغم القمع و الاستبداد والاضطهاد التي تعرضت لها جميع شرائحه‌ من قبل الانظمة الشمولیة المتعاقبة، وبعد تحریره من النظم الشوفینیة قد أثبت، أنه شعب محب للتقاليد الديمقراطية، یرید قرأة العولمة قرأة فعالة ومثمرة، ويمكننا، رغم السلبيات التي رافقت تجربتنا في الحکم أواسط التسعینیات المریرة من القرن الماضي، أن نستبشر الخير والمستقبل الأفضل للعملية الديمقراطية بشكل عام. وأكبر دليل على ذلك هو أن الرأي العام العالمي قد أبدى عن دهشته علی کل هذه‌ التطورات الإیجابیة السریعة التي تشاهده‌ الإقلیم علی المستویات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية والعمرانیة.
وختاماً قال فنان النهضة الایطالية ليوناردو دافنشي (1452 - 1519 م): " من لا يتفوق على معلمه يكن تلميذاً تافهاً."
د. سامان سوراني
* النتوقراطية (Netocracy) هي نحت من قبل الكاتبين السويديين ألكساندر بيرد، المحاضر الجامعي والخبير في مجال الاتصالات الصوتية بواسطة الإنترنت والمؤسس لأكبر شركة تسجيلات صوتية في السويد، وجان سوديرقفست، الكاتب والمنتج والمذيع التلفزيوني. الجزء الأول من الكلمة هو Net أو الشبكة (الإنترنت)، والثاني هو غزلٌ على منوال كلمات مثل الديمقراطية (Democracy) أو البيروقراطية (Bureaucracy)، ليخرج مصطلح جديد يعبر عن حقبة اجتماعية جديدة في تاريخ الإنسانية.

169  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / لا سبيل الی الديمقراطية في ظل وجود آفة الفساد في: 16:36 30/05/2011
لا سبيل الی الديمقراطية في ظل وجود آفة الفساد 

بعد الإنهیار الذي أصاب العقائد والقیم أو المذاهب والنظم التي تعیّشت علیها النخب وشرائح ومجتمعات ردحاً من الزمن الحدیث، کمراجع للقرأة والتفسیر أو کمبادیء للعمل والتدبیر نما وترعرع خلال العقدين الأخيرين ظاهرة اخری کآفة جدیدة من آفات هذا العصر وصارت واقعة لاجدال فیها، حیث بدأت تنخر جسد الحکومات وتستشري في مفاصل الدول، فصار وللأسف من الصعب الشفاء منها والقضاء علیها إلاّ باالإستئصال. فهذه الظاهرة المقیتة لایمکن وصفها إلاّ بالفساد.
وبعد أن جاءت ثورة الاتصالات والمعلومات واجتاحت الوعي التقلیدي، بفتوحاتها الحضاریة و تشکیلاتها الرقمیة المصطنعة و انفجاراتها التقنیة، انتبه المجتمع المتحضر مدی خطر هذا الداء المفسد، الذي عاث فساداً في الأرض وشجع الناس في تدمیر بلدانهم اقتصادیاً وسیاساً و اجتماعیاً.
الفساد آفة عالمية الأثر، تدميرية النتائج على كافة المجتمعات. والسبب في ذلك یرجع الی عمق التأثير السلبي للفساد على جهود التنمية، اضافة الى تعارضه مع القيم الديمقراطية، وتعطيله لحكم القانون. فمن الناحیة الاجتماعیة نری الشعور بالإحباط وانتشار اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع، فضلاً عن زعزعة القيم الأخلاقية بسبب انهيار قيم النزاهة وفقدان النموذج، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على السلوك العام للفرد وينعكس على نظرته للحياة بشكل عام وعلى أسلوب تعامله في إطار عائلته ومجتمعه. الفساد هو رديف الاستبداد والعمل علی مکافحته یجب أن یکون بصورة تدريجية وموضوعية،  فلایمکن أن تجري مکافحته  بصورة فورية أو إنتقامية، دون تخطيط ودراسة، خاصة في ظل تعاون الجهات المستفيدة من الفساد ومقاومتها لكل الجهود.
إن مسؤولية مكافحة الفساد تقع بالدرجة الاولی على السلطات التشريعية و التنفيذية والقضائية والهيئات الرقابية، التي يتوجب عليها مسؤولية مراقبة أعمال إدارات العامة والموظفين العموميين وإتخاذ القرارات التأديبية المناسبة في حق المخالفين وإحالتهم إلى القضاء المختص و منظمات المجتمع المدني و مسؤولیة وسائل الإعلام هي التحلي بالموضوعية وحس المسؤولية لترصد وتكشف وتتابع أية مخالفات وممارسات فاسدة، بعيداً من التشهير والتحيز.
ولابد من تثقيف الرأي العام وتوعيته على مخاطر الفساد، ليس على الوطن والمجتمع فحسب، بل على الفرد بشخصه. علی المواطن أن يدرك ما هو الفساد ويعي أنه إذا لم يتخذ مبادرة فردية في التصدي لمغريات الفساد وكافحة مظاهره والحد من تفاعلاته، فهو مقبل على وضعٍ سيئ وعلى خسارة كبيرة، لعلها تنتهي بإنهيار الوطن والمجتمع. وإن عدم رسوخ تطبيق المعايير المطلوبة لاختيار وتعيين القياديين في الدولة (مثل النزاهة والكفاءة والقدرة على الأداء) یولّد عند المواطنین الشعور بالظلم، نتيجة الشعور بالتفرقة وعدم المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وهذا الشعور يؤدي إلى انتشار الحقد والضغينة بين شرائح المجتمع، كما يساعد على تهيئة المناخ المناسب للتطرف الفكري والعنف الاجتماعي.
إن الحکومات التي استئسدت على شعوبها وبقت صامتة علی الفساد، تدعمه سراّ وعلانیةً، تساقطت واحدة تلو الآخر کأوراق الشجر في خریف الغضب بید جیل شبابي. والجدیر بالذکر أن هذا الجیل العامل علی الشیفرة الرقمیة والذي ینادي بالمفاهیم الکونیة، أي الحرية والديموقراطية، لا تغريه اللوثة الإيديولوجية، یقوم بتفكيك الأنظمة الديكتاتورية وخلخلة المنظومات الأصولية. لِیغيِّرَ وجهَ الحياة في بلده.
لم یعد بالإمکان إدارة الدولة بالعدة الفکریة القدیمة بمفرداتها من الأحادیة والاحتکار والمصادرة، علی الحکومات الاهتمام بتشخيص الظاهرات وتفكيك المشكلات للمساهمة في إدارة التحولات مساهمةً بنَّاءة ومثمرة، وتعمل في إيجاد الحلول المناسبة للخلاص من حالات الانهيار والتردي والفساد المزمن.
والذي یرید بناء دولة قوية ووطناً ثابتاً، عليه أن يركّز عمله أولاً في القضاء على جميع مظاهر الفساد وأن يكون قدوة للجميع من حيث إنكار الذات و الإستقامة ومقاومة المغريات والموضوعية والصدق و الشفافية والتجرد والأمانة و الإخلاص.
وختاماً: "الدیمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفکر فیه ونصنعه."
د. سامان سوراني

170  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / الحوار البناء يخدم العملية الديمقراطية في إقليم كوردستان! في: 15:11 29/05/2011
الحوار البناء يخدم العملية الديمقراطية في إقليم كوردستان!

من المعلوم بأن السعي للحوار واجب يتداعى إليه العقلاء والسیر نحو التغییر والإصلاح طريق يحتاج إلى المثابرة والصبر والحكمة. الحوار الإيجابي الهادف يفتح باب التلاحم، ويقلل من مساحة الخلاف. الحوار سلاح عقلاني يستخدم في معارك البناء الانساني، فاالحوار وفلسفته القائمة على الاعتراف بوجود الآخر عضوا فاعلاً مهم جداً لإعمار الحیاة و تقدم المدنیة.
المجتمع الديمقراطي مجتمع مفتوح. تعرض فيه الأفكار وتناقش علناً من المواطنين تحت حماية القانون وإن إتخاذ القرارات ضمن حدود ضيقة تؤدي دوماً إلى سياسات هزيلة لا تخدم المواطنين والعملیة الدیمقراطیة، التي نحن بصددها.
لقد قرأنا في الأیام الماضیة إستعداد التحالف الکوردستاني للحوار مع المعارضة الكوردية لحل المشكلات العالقة في إطار المؤسسات الشرعية بالإقليم و قرأنا أیضاً قرار القوى المعارضة في اقليم كوردستان العودة الى رأي الشارع قبل استئناف المحادثات مع السلطة في إجتماع خُماسي. هذه المؤشرات تبعث على التفاؤل. ولکي لا تؤدي الاحداث والتطورات المتلاحقة الى إنهيار تجربة الإقلیم الديمقراطية، التي ضحى من أجلها مئات الآلاف من أبناء الشعب الكوردستاني، نؤکد بأننا الیوم بحاجة ماسة إلى سعي متواصل لترتيب وتوحید بيتنا الکوردستاني، فمن خلاله نتمکن الوصول إلى اتفاق لحل القضايا محل الخلاف، و نجاحه سيتأكد من خلال مصداقية التعاطي من أجندة الحوار. وإذا التفتنا فقط الی مخاوف المتشائمین والمتشککین في النوایا أو الی الذین یحبون التأزیم لمصالحهم الشخصیة منه، نفتقد القدرة والقوة على التحرك نحو إصلاح سياسي وإداري جذري فاعل. وإذا إنطلق الحوار بین السلطة والمعارضة فیجب أن یضع في حسبانه تخوفات و إعتراضات التي یبدیها أطراف لایریدون الحوار أصلاً و جماعات یرغبون مشاهدة تفکیك الصف الکوردستاني، وأن الوصول الی الاتفاق على حلول سليمة للمشكلات المتعددة سيعيد الثقة إلى كل الأطراف التي تبحث عن مصلحتها في إطار المصالح العامة.
أما الذين يدورون حول أنفسهم فقط أو أولئك الذين يريدون كل شيء لهم، ولا شيء لسواهم، هؤلاء سيظهر ضعف حجتهم، وما أظنهم إلا سيلحقون بالمركب لیمضي إقلیم کوردستان ﻗدﻣﺎً إلى بر الأمان. وإن الشفافية والوضوح، وإطلاع الرأي العام على ما سيتم أولاً بأول  أحد الضمانات التي تجعل نتائج الحوار تأخذ طريقها للتنفيذ، وتخرج الإقلیم من أجواء التشنجات السیاسیة التي مر بها خلال الاشهر الماضیة.
لنجعل من الفضاء المجتمعي ورشة دائمة و نشیطة لقیادة الحوار والمباحثة والمناقشة والمبادلة علی کافة المستویات وفي المجالات المختلفة. علی الإطراف التي تتحاور أن تترك التعامل بلغة التهمة والإدانة و إدعاء إحتکار المصداقیة والمشروعیة، وأن تبتعد عن التمرس وراء شعارات ومفاهیم لرشق الآخر بالتهم التي تغذي الفرقة وتوسع الشقة وتشتت القوة. مالنفع من شعارات وسیاسات، إذا كانت تخلق العداوة بین أبناء الإقلیم الواحد  أو القضیة الواحدة. نتمنی للأطراف السیاسیة التي تری في الحوار طریق لإنجاح مشروع اصلاحي متكامل کل الموفقیة. وهنا نرید أن نعبر عن تقديرنا لمن سيقدم الأكثر لکوردستان وشعبه، ولو كان كسبه محدوداً.
وأخیرا ً یقول الکاتب الانجلیزي صموئيل جونسون: "الأعمال العظيمة لا تؤدي بالقوة بل بالمثابرة."
د. سامان سوراني

 
171  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / العمليات الإرهابية الأخيرة و معالجة العنف في: 15:05 25/05/2011
العمليات الإرهابية الأخيرة و معالجة العنف

في هذا الزمن المتسارع ننتقل وللأسف یومیاً من حدث مأساوي الی آخر  ومن صدمة الی سواها، والوحش الإرهابي یفاجئنا من حیث لا نحتسب، بعد أن صار العالم أكثر تعقیداً وتشابکاً بعلاقاته و مشکلاته و صراعاته.
ففي الهجمات الإرهابیة الجهنمیة والهمجیة الأخیرة التي حصلت في کل من کرکوك و بغداد من جانب عملاء الارهاب مزّقت الاجساد و دُمرت الممتلکات، وکانت حصیلة الضحایا من المدنیین أکثر من المائة من الأبریاء.
لایمکن أن یکون هذا الإرهاب مجرد احتجاج علی الظلم والفقر و الفساد، إنه حرب متعددة الجبهات ضد المواطن المسالم والدولة التي ترید أن تکون فیدرالیة تعددیة دیمقراطیة، کما هو حرب ضد المدنیة والمجتمع. هذه الهجمات الانتحاریة ذو جذور عقائدیة متطرفة و ثقافات قومویة شوفینیة، تحوّل الی آفة او ظاهرة متفشیة، الهدف منها النکوص الی الوراء للمماهات المستحیلة مع القوميين الشوفينين و السلف والتعامل مع الناس بلغة التهدید والوعید، لکي ینصاعوا الی مطالبهم و یتخلوا عن الفکر الحي و العمل الصالح للقیام في صناعة الحیاة و بناء المجتمع بصورة خلاقة، إیجابیة و بناءّة. القومویون المتسترون تحت عباءة الدین یجاهدون لیل نهار من أجل تحویل الجماعات الی کتل عمیاء یسهل خداعها وتضلیلها، من أجل شحنها وتعبئتها وراء مشاریع تجهل محرکاتها أو وراء شعارات قومویة تمسي ضحیتها، إنهم اعداء الحرية والديمقراطية یمارسون دیکتاتوریة الحقیقة و یشتغلون بوصم الآخر من خلال تهم الکفر والارتداد أو التحریف والرجعیة والعمالة أو الخیانة، یریدون إدخال الناس في السجن العقائدي والایدیولوجي المستهلك و لإنضمامهم الی القطیع البشري، حیث کل واحد هو نسخة عن سواه، لتنفیذ ما یملي علیهم من الفتاوی والاحکام و المناهج الشوفینیة بصورة آلیة لتدمیر الحیاة والعمران. والإرهاب هو عنف فاحش، لأنه یرمي الی إحداث أکبر قدر من الخسائر في الارواح والممتلکات، بأفظع الوسائل، لترك الأثر الأقوی والأبلغ في‌ نفوس المواطنین. و الإرهاب عنف أعمی لأنه لا یمیز بین مذنب و بريء أو بین مدني و عسکري. فهو بطابعه العدمي لایحسن سوی تدمیر ما یدعو الیه. یدّمر المؤسسات الحکومیة والمدنیة لأنها لا تسیر وفقاً لمشیئته. 
وهو نابع أیضا من أزمة الهویة والمعنی، فهو داء من أدواء الهویة المصابة في معناها و قیمها و ثوابتها و مألوفاتها من منظومات الاعتقاد و نظم الحیاة أو صیغ العیش. و هو ثمرة الشعارات الاحادیة والثوابت الأبدیة والعقول المغلقة، حیث یتغذی من عقدة المماهاة مع الذات و جرثومة التضاد مع الغیر. الدعاة الجدد الذين احتلوا المنابر وشاشات التلفزیون منذ أکثر من ربع قرن هم الذين قاموا بالاستثمار الفکري في هذا المجال کي یتمکنوا من انتاج مفسرین مشعوذین وأصولیین ارهابیین و مثقفین طبّالة. أما الاصولیة فهي موجة ارتدادیة مشدودة الی الوراء، ولذا لم تحسن سوی هدر الوقت والطاقات والموارد، فهي منغلقة عن العالم و الآخر و تعمل بمنطق متحجر یصدر الفتوی والتکفیر ضد کل منطق یملك قدرة النقد والتنویر. ومن المعلوم بأن کل ما یُلحق ضرراً في مکان ما یضرّ الناس جمیعاً و کل ما یحدث یتصل أوثق الاتصال بقیمة الأفکار ووزنها أو بفاعلیتها وأثرها أو بسیاستها وطرق التعامل معها وإدارتها. وهذا الخرق من جانب التنظیمات الإرهابیة هو ثمرة من ثمار الصراعات السیاسیة العقیمة بین القوی والأطراف الأنانیة التي ترید أخذ زمام الحکم بالقوة ولاتتکاتف مع نظائرها من أجل البناء والتطور. علی الأطراف السیاسیة تجدید لغاتها و خطاباتها ومفاهیمها التي لم تنتج في السابق سوی الفتن والعنف عبر تعبئة النفوس ضد الغیر. وبعض هذه الاطراف تغلق عن قصد نوافذ المشاركة السياسية او التعبير السلمي لکي لا تدفع مركب الحكم الى بر الاستقرار.
لمعالجة مرض الارهاب المخیف والاصولیة المتحجرة نحتاج الی تحولات في بنیة الثقافة بثوابتها و نماذجها أو ببرامجها و تعلیمها، عن طریق فتح المناقشات والندوات العمومیة و تشکیل فضاءات ولغات و قیم تخفف النزوع الی استخدام العنف واسالیبه، کي تخلق المجال لممارسة الحقوق والحریات الفردیة أو الجمعیة بصورة مدنیة عقلانیة تداولیة. علینا العمل في سبیل التعددیة الثقافية ولغة التسویة و سیاسة الإعتراف و عقلیة المشارکة لتشکیل مشروعیة بشریة جدیدة بمبادءها و أطرها و صیغها و قواعدها.
وختاماً: "قطرة المطر تحفر فى الصخر ليس بالعنف ولكن بالتكرار".
د. سامان سوراني 
172  الحوار والراي الحر / المنبر الحر / المواطنة الواقعية و الديمقراطية التشاركية و مكافحة الفساد في: 10:30 24/05/2011
المواطنة الواقعية  و الديمقراطية التشاركية و مكافحة الفساد

من الواضح بأن لکل تقدم تاریخي مفاجآته، ولکل تسارع تقني حوادثه وأعراضه، ففي العصر الحديث ومع ثورة المعلومات أصبحت المواطنة هي العمود الفقري للديمقراطية، و أصبح المواطن المحور الرئيسي في المجتمع. والمواطنة تعني تساوي المواطنین في الحقوق والواجبات دون أي تمییز عنصري أو طائفي أو جنسي أو ديني أو مهني أو فكري أو ثقافي أو اجتماعي أو حزبي أو أي تمييز آخر يعطي الأكثر للبعض ويقلل من حقوق الآخرين.
علیه استنقاء خصوصیات المواطنة من المرجعية الاجتماعية والفكرية والأخلاقية والسياسية، لا من مرجعيات دينية فقط، مرجعیات تعود مفاهيمها الی العصور الوسطى، والتي تحمل في طیاتها من الناحیة العملیة رفض فکرة المواطنة و حياد الدولة بالنسبة للمعتقدات. والمواطن رهنٌ لإمکاناته علی أن یحول الواقع، وأن یتغیر عما هو علیه فکراً أو هویةً أو فعلاً وممارسةً. ، فإنفتاح المواطن علی المجهول وتعامله‌ مع المستبعد و کل ما من شأنه أن یتحدی النظریات والمفاهیـم السائدة بمنطق تحویلي، یوسع لدیه مجالات الممکن و یتیح له‌ المشاركة في صنع الحدث من خلال الانخراط في اللعبة والعمل علی التأثیر في مجریاتها.
نحن إزاء فتح کوني، یتغیر معه سیر العالم علی ماکان یجري علیه حتی الآن، فمع التقدم الهائل للاتصالات أصبح الفكر السياسي للناس في العالم، أكثر وعياً وانفتاحاً وتحرراً وصار عند سكان الأرض رغبة باستجواب السياسيين في كل أنحاء العالم.
إن الدول الغربية الديمقراطية اليوم هي علمانية، فلا نری دخل للدين ومؤسساته في أمور الدولة والتشريع. فالقوانين مدنية لا تستند على قواعد الدين، بل تستند على قوانين وضعية بنيت نتيجة توازن القوى السياسية والاجتماعية، على أرضية ثقافية عقلانية بعيدة عن التأويلات والمعتقدات الدينية. الديمقراطية التشاركية المبنية على الشفافية والمشاركة اليومية منتشرة في شمال أوروبا منذ عدة عقود من الزمن وقد تم تبنيها رسمياً كنموذج مثالي من قبل دول الاتحاد الاوربي.
والديمقراطية تعني إعداد المشاريع والبرامج السليمة القائمة على أساس الحرية واقناع الرأي الآخر، فهي لا تطبق من دون الشفافیة، التي هي احدی اهم الرکائز التي تقوم علیها الدیمقراطیة وتعزز و تطور مفاهیمها و تقوي قواعدها ولبناتها و بغیاب الشفافیة تذهب الدیمقراطیة أدراج الریاح وتضیع معها حقوق الانسان  وتکرس مفاهیم الدکتاتوریة والعنف بحق المواطن. 
من المعلوم أن الدیمقراطیة هي ثقافة تهذب الفكر والسلوك للعيش مع الآخرين واحترامهم رغم الخلافات العميقة بين طبقات المجتمع سياسياً واجتماعياً وقبول مبادئ تحول السلطة من فريق إلى آخر بشكل سلمي. 
إن تحرّر العقول من أغلال الخوف وقيود القواعد الثقافية البالیة والأديولوجيات المستهلکة والأصولیات المتحجرة هو السبيل الأمثل من أجل النجاح والتطور وخلق أجواء أكثر ملاءمة  لمقاومة إعادة الاستبداد والعمل لإصلاح الامور في الدولة الديمقراطية الفتيّة.
فالديمقراطية من حيث أنها آلية حقوقية لحكم الشعب، عن طريق ممثلين عنه، لها علاقة بالقيم الأخلاقية المتعلقة بالتمثيل والعمل السياسي و الرادع الأخلاقي العقلاني المستند على قيم كالعدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان يرسم طريقا واضحا للسياسي ليكون عمله منسجماً مع مصلحة المواطنين.
وإذا ماقام طرف سیاسي بالعمل من أجل الوصول الی السلطة طمعا بها ولغایات فردیة أو فئویة واستغل المنصب السیاسي لغایات شخصیة، فمعدی هذا الأمر تقود الی خلق فصم بین هذا الطرف وبین المواطنین و یضعه في موقع اللاشرعية واللامصداقية. بهذا يصبح التفويض الديمقراطي غير معقول،  في حالة تناقض. و إن عمل السياسي لصالح المواطنين تبعاً للدستور المؤسس على مفاهيم العدل والمساواة والمساءلة هو الشيء المعقول والأخلاقي لضرورية العيش في دولة ديمقراطية. والديمقراطية من حيث أنها آلية حقوقية لحكم الشعب، عن طريق ممثلين عنه، لها علاقة بالقيم الأخلاقية المتعلقة بالتمثيل والعمل السياسي، لذا یمکن إعتبار الأخلاق في السیاسة حجر الزاوية في بناء ديمقراطية قوية وفعّالة.
أما الفساد وإنتشاره في ظل النظام الدیمقراطي، فأنه أحد أبرز تحديات إدارة الحكم، يؤثّر سلباً على عمليات الإصلاح والتنمية، وهو یأتي نتيجة قصور في أداء مؤسسات إدارة الحكم في المجالين العام والخاص، ویؤدي الی إضعاف الجهود المبذولة للحد من الفقر وتحقيق الأهداف الإنمائية وتعزيز التنمية البشرية وأمن الإنسان و عدم مکافحته یؤدي الی استیاء شعبي والتظاهرات الأخیرة في بعض البلدان العربیة شاهد علی مانقوله.
من الواضح أنه لا يجوز أن تكون كل أعمال الحكومة علنية، ولكن من الواجب أن تكون هنالك رقابة ومساءلة، فالشفافية والمساءلة هما شرطان أساسيان من شروط الحكم الرشيد، ولكي تكون المؤسسات المستجيبة لحاجات الناس ولمشاغلهم منصفة وعادلة، عليها أن تكون شفافة وأن تعمل وفقاً لسيادة القانون، وتضع سلسلة واسعة من المعلومات في متناول الجمهور.
إن التدفق الحر للمعلومات تقي من الاخطاء الحكومية، ومن ارتكاب أخطاء في تقدير الموارد، ومن الفساد ، لذا تعتبر الشفافية عنصر رئيسي من عناصر المساءلة البيروقراطية. وتتطلب المساءلة وجود نظام لمراقبة وضبط أداء المسؤولين الحكوميين والمؤسسات الحكومية، خصوصاً من حيث النوعية وعدم الكفاءة أو العجز وإساءة استعمال الموارد. ومن الضروري أيضا وجود نُظُم صارمة للإدارة والوكالة المالية، وللمحاسبة والتدقيق، ولجباية الإيرادات جنبا إلى جنب مع عقوبات تطبّق بحق مرتكبي المخالفات المالية والإدارية. ويتطلب الإصلاح الفعّال إلتزاماً سياسياً يجب أن يحظى بمساندة القطاع الخاص والمجتمع المدني، وإن تطویر تطوير مؤسسات ديمقراطية وقابلة للمساءلة (بما فيها الأحزاب السياسية والاتحادات المهنية الحرة ووسائل الإعلام) مسألة ض